أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - رانيا غازي أبو غوش - كيف يحوّل الأردن الأمن الدوائي إلى قوة اقتصادية إقليمية؟














المزيد.....

كيف يحوّل الأردن الأمن الدوائي إلى قوة اقتصادية إقليمية؟


رانيا غازي أبو غوش

الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 11:50
المحور: الصناعة والزراعة
    


من مخزون الدواء إلى عقود التصدير

لم يعد الأمن الدوائي يعني وجود عبوات كافية على رفوف المستشفيات والصيدليات فحسب؛ بل أصبح مقياساً لقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وإدارة مالها العام، وضمان استمرارية الإنتاج في وقت الأزمات، وفتح أسواق جديدة لصناعاتها الوطنية. وفي اقتصاد يتأثر سريعاً باضطرابات الإقليم ومسارات الشحن وتكاليف التمويل والطاقة، يصبح الدواء اختباراً حقيقياً لجودة الحوكمة قبل أن يكون ملفاً صحياً.
التحول الأهم في هذا الملف هو توجه وزارة الصحة إلى بناء آلية شراء وتوزيع تستند إلى الاستهلاك الفعلي والتنبؤ بالاحتياجات، بدلاً من التحرك بعد وقوع النقص. هذه النقلة تبدو إجرائية في ظاهرها، لكنها في جوهرها قرار اقتصادي؛ لأنها تعني ربط بيانات المستشفيات والمراكز الصحية والمستودعات بمستوى المخزون الآمن، وسرعة التوريد، وأنماط الاستهلاك الموسمية، والأدوية ذات الأولوية العلاجية. والنتيجة المتوقعة ليست فقط تفادي انقطاع صنف دوائي، بل خفض الهدر الناتج عن التكدس وانتهاء الصلاحية، ورفع كفاءة الإنفاق الدوائي العام.
الأردن لا يبدأ من الصفر. فصادرات المستحضرات الدوائية بلغت نحو 642 مليون دينار في عام 2025، ووصلت المنتجات الدوائية الأردنية إلى نحو 85 سوقاً. ويضم القطاع 30 منشأة لتصنيع الأدوية البشرية، بطاقة إنتاجية تقارب 1.5 مليار دينار، ويوفر ما يقارب 10 آلاف فرصة عمل مباشرة. هذه الأرقام تؤكد أن الدواء الأردني ليس قطاعاً خدمياً تابعاً للإنفاق الصحي، بل قطاع صناعي عالي القيمة المضافة، يولد عملات أجنبية، ويشغل كفاءات علمية وفنية، ويملك مساحة حقيقية للتوسع.
لكن امتلاك طاقة إنتاجية لا يكفي وحده. فالقيمة الاقتصادية للقطاع ترتفع عندما تتكامل أربعة مسارات في منظومة واحدة: طلب حكومي ذكي، وتصنيع محلي مرن، ورقابة دوائية موثوقة دولياً، ونفاذ منظم إلى أسواق التصدير. وزارة الصحة، بصفتها من أكبر المشترين للدواء، تستطيع أن تكون شريكاً في بناء هذه المنظومة؛ من خلال خطط شراء مبكرة وشفافة، وتصنيف الأدوية الأساسية والحيوية، وتحفيز البدائل المصنعة محلياً متى استوفت الجودة والفعالية والسعر التنافسي، دون الإخلال بحق المريض في العلاج الآمن والفعّال.

وتزداد أهمية هذا المسار مع تطور البيئة الرقابية الأردنية. فتعزيز مكانة المؤسسة العامة للغذاء والدواء، وانضمامها إلى نظام التعاون في مجال التفتيش الدوائي PIC/S، لا يمثل إنجازاً فنياً منعزلاً؛ بل هو أصل اقتصادي غير ملموس. فثقة الجهات الرقابية والأسواق الخارجية بجودة التصنيع والتفتيش الأردنيين تخفض كلفة الدخول إلى الأسواق، وتدعم التسجيل، وتمنح الشركات قدرة أكبر على المنافسة في العقود الإقليمية والدولية، خصوصاً في الأدوية ذات القيمة المضافة والمنتجات المتخصصة والمستلزمات الطبية.

كما أن قرار حماية مدخلات إنتاج الدواء في ظل الظروف الإقليمية يحمل دلالة استراتيجية واضحة: لا يمكن الحديث عن أمن دوائي حقيقي إذا بقيت المواد الأولية وسلاسل التوريد خارج إدارة المخاطر الوطنية. المطلوب في المرحلة المقبلة ليس تخزيناً غير مدروس، بل خريطة مخاطر دوائية تحدد الأصناف الحرجة، ومصادر التوريد البديلة، ومدة التغطية الآمنة، وقدرة المصانع المحلية على الاستجابة، ونقاط التعطل المحتملة في النقل والتمويل والتسجيل.

وتأتي قمة المشتريات الدولية للأمم المتحدة في عمّان لتضيف فرصة عملية لهذا التوجه. فوجود شركات دوائية ومستلزمات طبية أردنية ضمن لقاءات الأعمال مع وكالات الأمم المتحدة يجب أن يترجم إلى ملفات تأهيل مكتملة، وشهادات جودة، وقدرة مثبتة على الالتزام بالمواصفات والكميات ومواعيد التسليم. فالعقد الأممي لا يمنح دخلاً فقط؛ بل يمنح المنتج الوطني شهادة ثقة تساعده على دخول أسواق أخرى.
إن الرهان الحقيقي ليس على زيادة المخزون وحده ولا على رفع رقم الصادرات وحده. الرهان هو في تحويل بيانات الاستهلاك إلى قرارات شراء، وتحويل المشتريات الحكومية إلى طلب منظم ومحفز للصناعة، وتحويل الرقابة الدوائية إلى جواز مرور للأسواق، وتحويل قدرات المصانع إلى عقود تصدير مستدامة. عندها فقط يصبح الأمن الدوائي الأردني قوة اقتصادية إقليمية تحمي المريض، وتدعم الصناعة، وتقلل الهدر، وتبني دخلاً وصموداً طويلا.



#رانيا_غازي_أبو_غوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رأس المال البشري بين وفرة التعليم والفرص الضائعة
- الزهايمر بين كرامة الشيخوخة وكلفة التأخر
- رأس المال الرقمي الأردني: الثقة أولاً
- نحو تطوير القطاع السياحي في الأردن
- هل يربح الأردن معركة السيولة في الصناعة الدوائية؟
- كيف يحوّل الأردن شراكاته الدولية إلى قيمة محلية؟
- حين تصبح المديونية اختباراً لرأس المال
- الأردن أمام اختبار الطاقة والمياه والتمويل
- المواصفة ليست كلفة.. ماذا تدفع الصناعة الأردنية مقابل عدم ال ...
- من الاستدامة المؤسسية إلى الجدارة الاستثمارية
- من تمويل الطاقة إلى تمويل الثقة: ماذا تقول الأصول الرقمية لل ...


المزيد.....




- محاولة إعدامها الفاشلة تفتح مأزقا قانونيا.. كريستا بايك تستع ...
- الغاز المسيل للدموع في باريس ومرسيليا مع اتساع الاحتجاجات ال ...
- التوتر يتسع في الشرق الأوسط: رسائل حادة بين واشنطن وطهران.. ...
- تأجيل نظام -فيريفاكتو-: تأثيره في الشركات الصغيرة والمستقلين ...
- إسرائيل : أزمة الصحة النفسية في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر ...
- مكملات الكرياتين تبني العضلات دون الحاجة لتمرين منتظم!
- الحدود بين الهند وباكستان على وشك الاشتعال، فهل تبقى الصين ع ...
- -حلف مكة- يختبر معادلات المنطقة.. فهل تستعد تركيا لتموضع عسك ...
- كينيا تسجل أول وفاة بفيروس إيبولا وسط تحركات عاجلة لاحتواء ت ...
- شركة صناعات عسكرية إسرائيلية تعلن مشاركتها في معرض مراكش الج ...


المزيد.....

- كيف استفادت روسيا من العقوبات الاقتصادية الأمريكية لصالح تطو ... / سناء عبد القادر مصطفى
- مشروع الجزيرة والرأسمالية الطفيلية الإسلامية الرثة (رطاس) / صديق عبد الهادي
- الديمغرافية التاريخية: دراسة حالة المغرب الوطاسي. / فخرالدين القاسمي
- التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية: مباحث في المجتمع والفل ... / فخرالدين القاسمي
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي- الجزء ا ... / محمد مدحت مصطفى
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي-الجزء ال ... / محمد مدحت مصطفى
- مراجعة في بحوث نحل العسل ومنتجاته في العراق / منتصر الحسناوي
- حتمية التصنيع في مصر / إلهامي الميرغني
- تبادل حرّ أم تبادل لا متكافئ : -إتّفاق التّبادل الحرّ الشّام ... / عبدالله بنسعد
- تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الطريقة الرشيدة للتنمية ا ... / احمد موكرياني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - رانيا غازي أبو غوش - كيف يحوّل الأردن الأمن الدوائي إلى قوة اقتصادية إقليمية؟