أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - رانيا غازي أبو غوش - رأس المال البشري بين وفرة التعليم والفرص الضائعة















المزيد.....

رأس المال البشري بين وفرة التعليم والفرص الضائعة


رانيا غازي أبو غوش

الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 23:46
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


المعرفة تستحق اقتصاداً: رأس المال البشري العربي بين وفرة التعليم وكلفة الفرص الضائعة

لا يضمن تقدّم التعليم التنمية تلقائياً. فبين رأس المال البشري والنتيجة الاقتصادية توجد مؤسسات وأسواق وفرص وقدرة على تحويل المعرفة إلى إنتاجية. وهذه هي عقدة الفجوة العربية: مجتمعات أكثر تعليماً واتصالاً بالعالم، لكن اقتصاداتها لا تزال في أجزاء واسعة منها أبطأ من طموح شبابها، وأقل قدرة على إنتاج وظائف مستقرة وعالية القيمة.
ليس نقصاً في الجامعات أو في الطموح أن تتعثر التنمية في العالم العربي، ولا يصح أيضاً اختزال المشكلة في المتعلم أو في نوع شهادته. فرأس المال البشري لا يتحول بذاته إلى نمو؛ إنه يحتاج إلى اقتصاد يستطيع امتصاص المهارة، ومؤسسات تكافئ الإنتاج والابتكار، وقواعد تنافس شفافة، وربط جاد بين التعليم والطلب الفعلي في السوق.
لهذا تبدو المفارقة العربية واضحة: أجيال أكثر تعليماً واتصالاً بالعالم، مقابل وظائف أقل جودة وقدرة إنتاجية لا تتقدم بالسرعة المطلوبة. فالإنسان المتعلم يستطيع أن يضيف قيمة، لكنه لا يستطيع وحده أن يخلق بيئة أعمال عادلة، أو سوقاً ممولة، أو بنية نقل وطاقة ورقمنة، أو شركة تنمو من فكرة صغيرة إلى مؤسسة تصديرية. التنمية منظومة تحويل؛ مدخلها الإنسان، لكن مخرجاتها تحددها جودة المؤسسات والأسواق.
تُنتج المؤسسات التعليمية في كثير من الدول العربية خريجين أسرع مما يُنتج الاقتصاد وظائف عالية الإنتاجية. وليست هذه فجوة تعليمية فحسب، بل فجوة طلب: شركات صغيرة لا تتمكن من التوسع، واستثمارات تتباطأ أمام كلفة التمويل وعدم اليقين التنظيمي، وقطاعات تقليدية لا ترفع إنفاقها على التكنولوجيا والبحث والتطوير. والنتيجة أن يتحول جزء من التعليم إلى انتظار طويل لوظيفة، بدلاً من أن يكون طريقاً إلى إنتاجية وأجر أفضل.

وتدعم مؤشرات المنطقة هذا الاستنتاج. فالبنك الدولي يبين أن التوظيف في منشآت القطاع الخاص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نما في المتوسط بنحو 1% سنوياً، مقابل نحو 5% لدى الاقتصادات النظيرة متوسطة الدخل. وعندما يكون محرك التوظيف ضعيفاً، يصبح تحسين مخرجات التعليم ضرورياً، لكنه غير كافٍ؛ لأن المشكلة لا تكمن فقط في جاهزية الفرد، بل في عدد المؤسسات القادرة على شراء مهارته وتطويرها.
الشهادة تؤكد مساراً تعليمياً، لكنها لا تضمن دائماً مهارة قابلة للتسعير في سوق متغير. ما تحتاجه الاقتصادات العربية هو وصل منهجي بين المناهج وخرائط الطلب القطاعي: تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة الجودة، والمبيعات التصديرية، واللوجستيات، وكفاءة الطاقة، والصيانة المتقدمة، والمهارات الخضراء. والأهم أن يُقاس نجاح التعليم بما يحدث بعده: هل حصل الخريج على وظيفة منتجة خلال ستة شهور أو اثني عشر شهراً؟ هل ارتفع أجره؟ وهل ساهم في نمو منشأة أو صادراتها؟
هذه ليست دعوة إلى تقليص التعليم الإنساني أو تحويل الجامعة إلى مركز توظيف. إنها دعوة إلى أن تكون المعرفة أوسع من الامتحان، وأن تتكامل مع التدريب العملي والتلمذة المهنية ومشروعات التخرج المرتبطة بمشكلة حقيقية لدى منشأة أو بلدية أو قطاع إنتاجي. فالاقتصاد الحديث لا يكافئ معرفة معزولة، بل يكافئ القدرة على تحويلها إلى حل وقرار ومنتج.
حتى الخريج المتميز يفقد جزءاً من قدرته حين تدخل مهارته إلى سوق تمنح الامتياز لمن يملك النفوذ أو القدرة على تحمّل التعقيد، لا لمن يبتكر وينافس. لذلك لا يمكن فصل قضية رأس المال البشري عن إنفاذ قانون المنافسة، وسهولة تأسيس الأعمال وإغلاقها، وسرعة الترخيص، وعدالة المشتريات، ووضوح الضرائب، وتوافر التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. هذه ليست ملفات إدارية جانبية؛ إنها القنوات التي يتحول عبرها الجهد الفردي إلى استثمار وإنتاج وفرص عمل.
في الأردن، تُظهر بيانات البنك الدولي المتاحة لعام 2025 تفاوتاً كبيراً في المشاركة الاقتصادية: 16% للنساء مقابل 62.5% للرجال. وهذه الفجوة ليست رقماً اجتماعياً فقط؛ إنها طاقة إنتاجية غير مستثمرة، وخسارة في العائد على التعليم الذي أنفقته الأسر والدولة. كما أن ارتفاع البطالة بين الشباب والنساء يثبت أن معالجة المهارة وحدها لا تكفي ما لم تعالج معها النقل الآمن، ورعاية الأطفال، وأنماط العمل المرنة، والحماية الاجتماعية، والتحيز في التوظيف، وفرص التقدم المهني.
وحقق الأردن تحسناً في معدل البطالة الكلي إلى 16.1% في الربع الثاني من عام 2026، وفق دائرة الإحصاءات العامة، لكن قراءة الرقم بعمق تفرض سؤالاً أهم: ما نوع الوظائف التي نشأت، ولمن، وبأي إنتاجية واستقرار وأجر؟ فخفض البطالة هدف مهم، لكن التنمية تقاس أيضاً بقدرة العمل على رفع الدخل والمهارة والقدرة على الصمود أمام الصدمات.
الهجرة ليست دليلاً على فشل المتعلم؛ كثيراً ما تكون قراراً اقتصادياً عقلانياً في ظل فرق الأجر والفرصة. لكنها تصبح خسارة تنموية عندما تستثمر الدولة والأسرة في التعليم ثم لا تملك السوق المحلية مساراً مهنياً مقنعاً للاحتفاظ بالكفاءات أو استعادتها. والحل ليس إغلاق الأبواب، بل بناء علاقة اقتصادية مع الكفاءات في الخارج عبر شبكات استثمار ونقل معرفة وعقود عمل عن بُعد وتمويل للمشروعات التي تربط الخبرة العالمية بالقاعدة الإنتاجية المحلية.
يمتلك الأردن أساساً مهماً للبناء عليه: الاستقرار النقدي، ورؤية التحديث الاقتصادي، وإصلاحات تستهدف بيئة الأعمال والرقمنة والتنافسية. لكن التحدي المركزي هو ترجمة هذا الاستقرار إلى نمو يقوده قطاع خاص أكثر ديناميكية ووظائف أفضل. فالسؤال العملي ليس: هل نملك رأس مال بشرياً؟ بل: هل صممنا الاقتصاد بحيث يجد فيه هذا الرأس المال طريقاً واضحاً إلى الإنتاج؟
المطلوب هو ربط السياسات في حزمة واحدة: مرصد لحظي للوظائف والأجور والمهارات، ومجالس مهارات قطاعية تقودها الصناعة والخدمات، وعقود تدريب تنتهي بفرص عمل أو بإثبات مهارة معترف بها، وتمويل أوسع للمنشآت القابلة للتصدير، وتبسيط تنظيمي يقاس بالوقت والكلفة لا بعدد القرارات. كما ينبغي إعلان لوحة نتائج سنوية تتضمن تشغيل الخريجين، وإنتاجية العامل، ونمو المنشآت الصغيرة، ومشاركة النساء، وقيمة الصادرات المعرفية.
العالم العربي لا يعاني فقراً في الذكاء أو الطموح، بل يعاني في أجزاء منه انقطاعاً بين الإنسان والمؤسسة والسوق. حين تعمل هذه الحلقات منفصلة تتراكم الشهادات وتتباطأ التنمية، وحين تتصل يصبح التعليم استثماراً منتجاً، والقطاع الخاص شريكاً في بناء المهارة، والدولة ضامنة لقواعد المنافسة والفرص.
الرهان الحقيقي ليس على مزيد من الوعود للخريجين، بل على اقتصاد يقدّم لهم فرصة عادلة لتحويل المعرفة إلى قيمة. عندها فقط يصبح رأس المال البشري ما ينبغي أن يكونه: ليس عنواناً في تقرير، بل محركاً للنمو والكرامة والاستقرار.
* مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر



#رانيا_غازي_أبو_غوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزهايمر بين كرامة الشيخوخة وكلفة التأخر
- رأس المال الرقمي الأردني: الثقة أولاً
- نحو تطوير القطاع السياحي في الأردن
- هل يربح الأردن معركة السيولة في الصناعة الدوائية؟
- كيف يحوّل الأردن شراكاته الدولية إلى قيمة محلية؟
- حين تصبح المديونية اختباراً لرأس المال
- الأردن أمام اختبار الطاقة والمياه والتمويل
- المواصفة ليست كلفة.. ماذا تدفع الصناعة الأردنية مقابل عدم ال ...
- من الاستدامة المؤسسية إلى الجدارة الاستثمارية
- من تمويل الطاقة إلى تمويل الثقة: ماذا تقول الأصول الرقمية لل ...


المزيد.....




- وزير النفط العراقي: الأزمة بدأت تتهاوى
- طوابير على الحدود.. هل تعوض المعابر البرية موانئ إيران؟
- أوكرانيا والنفط.. المسار الخفي في محادثات ترمب وموسكو
- طفرة اقتصادية في إسبانيا تحرقها نار الإيجارات وأزمة السكن
- أرقام غير مسبوقة في مصر.. الحكومة تكشف مفاجآت بالمليارات
- وسائل إعلام رسمية: استقالة وزير النفط الإيراني
- الضخ من الاحتياطي -غير كاف- .. ارتفاع أسعار الديزل يخنق اقتص ...
- اقتصاد البيانات.. كيف تتحول حياتك الشخصية إلى ثروة للشركات؟ ...
- عقارب الشتاء تقترب.. أوكرانيا تواجه الصقيع بجيوب خاوية واقتص ...
- الريال الإيراني عند أدنى مستوى تاريخي.. هل تنجح طهران في وقف ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - رانيا غازي أبو غوش - رأس المال البشري بين وفرة التعليم والفرص الضائعة