أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - رانيا غازي أبو غوش - من الاستدامة المؤسسية إلى الجدارة الاستثمارية















المزيد.....

من الاستدامة المؤسسية إلى الجدارة الاستثمارية


رانيا غازي أبو غوش

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 13:27
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


أين تقف المنشآت الصغيرة؟
بقلم: رانيا غازي أبو غوش*
حين يُذكر مفهوم الاستدامة في قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، يتجه النقاش غالباً إلى تخفيض استهلاك الكهرباء، أو تركيب أنظمة طاقة شمسية، أو تنفيذ مبادرات بيئية متفرقة. لكن هذا التصور، على أهميته، لم يعد كافياً اقتصادياً. فالسؤال الحقيقي اليوم ليس: هل تبدو المنشأة مستدامة؟ بل: هل أصبحت أقل عرضة للمخاطر، وأكثر قدرة على حماية تدفقاتها النقدية، وأعلى جاذبية للتمويل والاستثمار؟
في الأردن، حيث تمثل المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة نحو 99% من الشركات، تكتسب هذه المسألة بعداً اقتصادياً مباشراً. فهذه المنشآت ليست هامشاً في الاقتصاد، بل قاعدة واسعة للإنتاج والتشغيل والابتكار. ومع وجود فجوة ائتمانية تقدّر بين 2 و 3 مليارات دولار، لا يصح اختزال المشكلة في محدودية السيولة لدى البنوك أو حاجة المنشآت إلى النقد فقط؛ فالجزء الأهم من التحدي يكمن في ضعف جاهزية كثير من المشاريع لتقديم نفسها بلغة المخاطر والعائد والحوكمة والقدرة على السداد.
المنشأة القابلة للاستثمار ليست بالضرورة الأكبر حجماً، بل هي التي تستطيع أن تثبت للممول ثلاثة أمور: أنها تعرف أين تُهدر مواردها، وأنها تدير مخاطرها قبل أن تتحول إلى خسائر، وأن استثماراتها التشغيلية ستنتج وفراً نقدياً قابلاً للقياس والتحقق، من هذه الزاوية، تتحول الاستدامة من بند كلفة أو مسؤولية اجتماعية إلى أداة لتحسين الجدارة الائتمانية وتعزيز القيمة الاقتصادية للمشروع.
لنأخذ مثالاً افتراضياً لمنشأة صناعية صغيرة تنفق سنوياً 120 ألف دينار على الطاقة. إذا استثمرت 70 ألف دينار في رفع كفاءة المعدات والطاقة الشمسية، ونجحت في تخفيض فاتورتها بنسبة 15%، فإن الوفر السنوي يبلغ 18 ألف دينار. وهذا يعني أن الاستثمار يسترد كلفته في أقل من أربع سنوات، قبل احتساب أثره في تقليل التعرض لتقلبات أسعار الطاقة، وتحسين التدفقات النقدية، ورفع تنافسية المنتج في السوق.
لكن قيمة المثال لا تكمن في الألواح الشمسية أو المعدات وحدها؛ بل في وجود دراسة واضحة لخط الأساس، وقياس فعلي للاستهلاك، وجدول للصيانة، وخطة لتدريب العاملين، ومؤشر دوري يثبت الوفر المتحقق، هنا يصبح المشروع قابلاً للتمويل، لأنه لا يطلب المال بوصفه حاجة عامة، بل يقدم فرصة استثمارية محددة الكلفة والعائد والمخاطر.
إن الاستدامة المؤسسية لا تقوم على ملف بيئي منفصل عن باقي أعمال المنشأة، هي منظومة تبدأ بقياس استهلاك الطاقة والمياه والمواد، وتحديد مصادر الهدر وإعادة العمل، ثم بناء سجل مخاطر يربط بين السيولة وسلاسل التوريد وجودة المنتج والموارد البشرية والتغيرات التنظيمية. وتأتي الموارد البشرية في قلب هذه المنظومة، لا بوصفها إدارة دعم، بل باعتبارها الجهة التي تحول السياسات إلى ممارسة يومية: عامل يكتشف الهدر، ومشرف يرفع مؤشراً مبكراً، وإدارة تتخذ القرار قبل أن تتفاقم الكلفة.
من هنا، تحتاج المنشآت الصغيرة إلى أربعة مسارات عملية متزامنة. أولها إعداد "بطاقة جاهزية استثمارية" بسيطة لكل مشروع، تتضمن حجم الاستثمار المطلوب، والوفر المتوقع، وفترة الاسترداد، والمخاطر المحتملة، والمسؤول عن التنفيذ. وثانيها بناء مؤشرات تشغيلية شهرية، مثل كلفة الطاقة لكل وحدة إنتاج، ونسبة الهدر، ومعدل إعادة العمل، واستهلاك المياه، ودوران الموظفين. فهذه المؤشرات هي اللغة التي تمكّن البنك أو المستثمر من فهم أداء المشروع بعيداً عن الانطباعات العامة.
أما المسار الثالث فيتعلق بالتمويل ذاته. فالمطلوب من البنوك ومؤسسات التمويل ألا تنظر فقط إلى الضمانات التقليدية أو التاريخ الائتماني، بل أن تطور أدوات تمويل تربط القسط بوفورات الكفاءة المتحققة، وتمنح آجال سداد تتلاءم مع فترة استرداد الاستثمار. كما يمكن للضمانات الجزئية والمساعدة الفنية أن تخفف مخاطر التمويل الأولي، خصوصاً للمشاريع التي تفتقر إلى فريق متخصص لإعداد الدراسات والبيانات.
والمسار الرابع هو الحوكمة. فلا يمكن لمشروع أخضر أو مستدام أن ينجح إذا كانت المسؤوليات غير واضحة، أو البيانات غير موثقة، أو القرارات تتخذ دون متابعة. الحوكمة هنا تعني تحديد من يقيس، ومن يراجع، ومن يقرر، ومن يتحمل المسؤولية عند انحراف النتائج عن الخطة. وهي ليست عبئاً إدارياً على المنشأة الصغيرة، بل حماية لها من قرارات مرتجلة قد تستنزف رأسمالها.
وتزداد أهمية هذا الطرح مع اتجاه الأردن إلى تفعيل التصنيف الوطني للأنشطة الخضراء وتوسيع أدوات التمويل الأخضر. فالتصنيف لا ينبغي أن يُفهم بوصفه شرطاً رقابياً إضافياً، بل كفرصة لترجمة مشاريع كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة وإدارة المياه وتقليل النفايات إلى فرص تمويل أوضح وأكثر قابلية للمقارنة.
الاستدامة الاقتصادية للمنشأة الصغيرة لا تُقاس بعدد المبادرات التي تعلنها، بل بقدرتها على الاستمرار والتكيف والنمو في مواجهة الضغوط. لذلك، يجب التعامل مع الحوكمة وإدارة المخاطر وكفاءة استخدام الموارد وتنمية رأس المال البشري باعتبارها عناصر مترابطة ضمن نموذج واحد، يحوّل المنشأة من مشروع يبحث عن التمويل إلى مؤسسة مؤهلة للحصول عليه.
ولتحويل هذا النموذج إلى ممارسة عملية، ينبغي على المنشآت أن تبدأ بقياس استهلاكها ومصادر الهدر، وإعداد سجل للمخاطر، ووضع خطط استثمار موثقة تربط كل مشروع مستدام بالوفر المتوقع وقدرته على تحسين التدفقات النقدية والسداد.
في المقابل، على البنوك ومؤسسات التمويل تطوير منتجات تمويل أخضر مبسطة، بآجال وشروط تتناسب مع فترة استرداد الاستثمار، وأن تدمج مؤشرات الكفاءة والأداء في تقييم الجدارة الائتمانية.
أما صنّاع السياسات، فعليهم توحيد معايير الإفصاح والتصنيف، وتوفير الحوافز والضمانات الجزئية، ودعم خدمات المساعدة الفنية التي تمكّن المنشآت من إعداد البيانات المطلوبة.
المطلوب ليس زيادة الحديث عن الاستدامة، بل بناء سوق تمويل يكافئ المنشآت التي تقيس أثرها، وتدير مخاطرها، وتحول الكفاءة إلى قيمة اقتصادية يمكن إثباتها.
* مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من تمويل الطاقة إلى تمويل الثقة: ماذا تقول الأصول الرقمية لل ...


المزيد.....




- تعرف على أكثر 10 دول تدفع فاتورة ارتفاع أسعار القمح عالميا
- سيناتور مقرب من ترامب.. البيت الأبيض يستبعد حظر صادرات الديز ...
- تصعيد دامي في كييف وبوتين يبحث خيارات التفاوض وسط ضوء أخضر أ ...
- بوتين يدرس استئناف التفاوض مع أوكرانيا وزيلينسكي ينال المواف ...
- الأهمية الجيوستراتيجية والاقتصادية لمحافظات الساحل الغربي لل ...
- أزمة السكن في القدس: عقارات بأسعار خيالية وسياسات هدم تلاحق ...
- الاتحاد الأوروبي يحذر من أزمة أسعار الطاقة ويدعو لخفض الطلب ...
- أهداف كين وألقاب يامال.. مواجهة ويمبلي تشعل سباق الكرة الذهب ...
- 650 ألف دولار للشقة.. كيف يخنق غلاء العقارات شباب القدس؟
- بروكسل تدعو دول الاتحاد الأوروبي إلى خفض استهلاك الغاز والكه ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - رانيا غازي أبو غوش - من الاستدامة المؤسسية إلى الجدارة الاستثمارية