أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - رانيا غازي أبو غوش - الفلسفة الرقمية: الإصبع السادس في الاقتصاد














المزيد.....

الفلسفة الرقمية: الإصبع السادس في الاقتصاد


رانيا غازي أبو غوش

الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 00:42
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


بقلم: رانيا غازي أبو غوش
لا يُبنى الاقتصاد الحديث بإضافة قطاع رقمي إلى القطاعات التقليدية، كما لو أننا نضيف غرفة جديدة إلى مبنى مكتمل. الرقمنة اليوم تغيّر منطق المبنى نفسه: كيف تُجمع البيانات، وكيف تُسعّر المخاطر، وكيف يصل التمويل إلى المنشآت، وكيف تعبر البضائع الحدود، وكيف تُتخذ القرارات العامة. ولهذا فهي ليست قطاعاً خامساً أو سادساً؛ بل يمكن وصفها بالإصبع السادس في يد الاقتصاد: لا يلغي بقية الأصابع، لكنه يزيد قدرتها على الإمساك بالقيمة، وعلى العمل بدقة في سوق أسرع وأشد تنافساً.
تقدم الأردن إلى المرتبة السادسة عربياً في المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي لعام 2026، مسجلاً 59.6 نقطة مقابل 52.6 نقطة في 2024. كما ارتفع تقييم الخدمات الحكومية الإلكترونية من 46.8 إلى 75.9 نقطة، وارتفع الأمن السيبراني من 70.5 إلى 98.3 نقطة. هذه النتائج تعكس تقدماً مهماً في البنية المؤسسية، لكن قيمتها الاقتصادية لا تُستخلص من الترتيب وحده؛ بل من قدرتها على تحويل الثقة الرقمية إلى إنتاج، واستثمار، وتصدير، وفرص عمل ذات قيمة أعلى.

الاقتصاد لا ينمو لأن المعاملة أصبحت إلكترونية، بل لأن التحول الإلكتروني يخفض كلفة المعاملة. وهذه الكلفة لا تظهر دائماً في الموازنات العامة، لكنها تظهر في حسابات المصنع والمستثمر: وقت مهدور في الترخيص، ورأس مال عامل مجمّد بانتظار التخليص، ووثائق تتكرر بين جهات متعددة، ومدفوعات بطيئة أو مكلفة، وعدم يقين في التحقق من المورد أو العميل. كل تأخير صغير في دورة العمل يتحول إلى كلفة تمويلية، وكل غياب للبيانات الموثوقة يتحول إلى هامش مخاطر أعلى، وكل ضعف في الدفع والتجارة الإلكترونية يحدّ من قدرة المنشأة الصغيرة على الوصول إلى سوق يتجاوز موقعها الجغرافي.
هنا يبدأ الفرق بين حكومة رقمية واقتصاد رقمي. الحكومة الرقمية تقدم خدمة أسرع؛ أما الاقتصاد الرقمي فيعيد توزيع القوة داخل السوق. فهو يمنح المنشأة الصغيرة سجلاً قابلاً للتحقق، ويجعل البنك قادراً على قراءة تدفقاتها النقدية بدل الاكتفاء بالضمانات التقليدية، ويتيح للمصدر ربط التصنيع بالشحن والدفع والجمارك ضمن مسار واحد، ويمنح الدولة مؤشرات مبكرة عن التعثر والطلب والتشغيل. هذه ليست رفاهية تقنية؛ إنها بنية تحتية للقرار الاقتصادي.
ومن هنا أيضاً تظهر أهمية ما سجله المؤشر من فجوات في أدوات الدفع، واللوجستيات الرقمية، والتجارة الإلكترونية، وتمويل الشركات الناشئة، واستيعاب المعرفة التقنية. فهذه ليست ثغرات جانبية، بل حلقات في سلسلة واحدة. لا معنى لمنصة ترخيص متقدمة إذا بقيت الشركة عاجزة عن تحصيل مستحقاتها رقمياً. ولا يكفي الأمن السيبراني المرتفع إذا لم يستطع المستثمر تحويل الثقة إلى عقد، أو الشركة الناشئة إلى تمويل، أو المنتج المحلي إلى بيع إقليمي منظم.
في الاقتصاد العربي، تزداد أهمية هذه المسألة لأن الأسواق متقاربة لغوياً، لكنها لا تزال متباعدة في نظم الدفع، والاعتراف الرقمي، وتبادل البيانات، والتخليص، وحماية المستهلك، والمعايير التنظيمية. لذلك فإن الفرصة ليست في أن ينجح الأردن رقمياً داخل حدوده فقط، بل في أن يصبح قادراً على تصدير خدماته التقنية والمهنية والإبداعية إلى سوق عربي أوسع. السوق العربي لا يحتاج مزيداً من التطبيقات المتشابهة؛ يحتاج بنية ثقة عابرة للحدود تجعل الدفع والتوقيع والتوثيق والتجارة أقل كلفة وأكثر أمناً.
المطلوب الآن هو الانتقال من قياس انتشار الخدمات إلى قياس عائدها الاقتصادي. يجب أن تُعلن مؤشرات دورية عن زمن تأسيس النشاط، وكلفة الامتثال، ومدة التخليص، وحصة المدفوعات الرقمية، ونسبة تمويل المنشآت الصغيرة بناءً على بيانات تشغيلية موثوقة، وحجم الصادرات الرقمية. فالسياسة العامة لا تُدار بالانطباع عن التحول، بل بقياس ما خفّضه من كلفة وما أضافه من إنتاجية.
إن التقدم الرقمي الأردني يوفر قاعدة محترمة، لكنه ليس نهاية الطريق. الفلسفة الأعمق هي أن التكنولوجيا لا تصبح قوة اقتصادية لأنها جديدة، بل لأنها تجعل القرار أقل عشوائية، والتمويل أقل تحفظاً، والتجارة أقل كلفة، والمؤسسة أقل اعتماداً على الورق والأشخاص والذاكرة الفردية. عندها فقط يصبح الإصبع السادس جزءاً من يدٍ اقتصادية أقوى: يد تعرف كيف تحمي الثقة، وتلتقط الفرصة، وتحوّل المعرفة إلى قيمة.
* مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
المصدر: وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة عبر وكالة الأنباء الأردنية بترا، 14 تشرين الأول 2026⁠



#رانيا_غازي_أبو_غوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التقادم المصمَّم: حين يصبح التجديد استنزافًا للقيمة
- رأس المال المعرفي في امتحان الحوكمة
- حين يصبح الممر أغلى من النفط
- تعثر الجامعات واختلال صلتها بالمجتمع وسوق العمل
- بشأن البروتوكول الوطني الأردني للتبرع بالأعضاء
- بعض أدوات الإدارة الفاعلة لقرارات سليمة
- أثر غياب مساهمة المرأة في الاقتصاد
- عن اقتصاديات المعرفة والابتكار والبحث العلمي
- القائد قبل رأس المال
- التعدين في الأردن: من الفوسفات إلى البطاريات
- ما وراء صفقة الغاز
- رأس المال البشري كرافعة للتصنيع المتقدم
- التكامل العربي من وفرة المزايا إلى سوق الإنتاج المشترك
- قدرة الجامعات على تحويل التعليم إلى معرفة منتجة
- الصحة النفسية للعاملين في القطاع الصحي
- كيف تتحول البدايات العظيمة إلى أثر مستمر؟
- حين يتحول “التطوير المؤسسي” إلى مجاملة
- كلفة عبور - هرمز- تصنع موجة التضخم الجديدة
- التلاعب بالعقول مشكلة الموظف أم الإدارة؟
- اقتصاد عالمي أعلى كلفة يرسم خريطة استثمار جديدة


المزيد.....




- ارتفاع الدولار يعمّق ركود العقارات في كردستان ومطالبات باحتس ...
- تحرك برلماني بشأن انهيار العقارات بسوق اللبن بالمحلة الكبرى ...
- الدبيبة: أصول ليبيا المالية في الخارج تبلغ 150 مليار دولار
- الاستثمار في الفضاء.. من استكشاف النجوم إلى بنية اقتصادية بـ ...
- قبل نهاية العام.. مليارات الدولارات تقترب من خزائن مصر
- بين ترامب والعمال الألمان.. -أودي- تراهن على مصنع جديد في ال ...
- نتنياهو والعملات المشفرة.. هل تستعد إسرائيل للعزلة الدولية؟ ...
- -رايان إير- تتوقع ارتفاعا غير مسبوق في أسعار تذاكر الطيران ا ...
- مصر.. مخاوف من موجة غلاء جديدة مع هبوط تاريخي للجنيه
- اعتراف رسمي بالأزمة.. الاقتصاد الإيراني يواجه تحديات معيشية ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - رانيا غازي أبو غوش - الفلسفة الرقمية: الإصبع السادس في الاقتصاد