أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - الغربال والمرآة: حين نحاكم الآخرين وننسى أنفسنا















المزيد.....

الغربال والمرآة: حين نحاكم الآخرين وننسى أنفسنا


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 11:11
المحور: قضايا ثقافية
    


تبدأ مسارات الحياة ونحن نحمل غرابيل تختلف فتحاتها، وتتباين مقاييسها، حتى تستقر بنا التجارب عند غربال الطحين ، ذلك المقياس الذي يضع حدود العلاقات الإنسانية، ويفصل بين طحين القمح وقشوره، بين ما يصلح للحياة وما يُترك خارجها. غير أن غربال الحياة أكثر تعقيداً من غربال الحبوب ، إذ لا يفرز الأشياء وحدها، بل يختبر النوايا، ويمتحن الضمائر، ويكشف ما يستتر خلف الأقنعة من حقائق النفوس.

فالغربال، في جوهره، صناعة اجتماعية وأخلاقية في التعامل مع الوحدات البشرية، مثلما تتباين السنابل في مزارع الحياة، وتختلف نوعياتها ودرجات نضجها، حتى تتولى التجارب غربلتها، فتميّز بين ما يحمل قيمةً حقيقيةً وما يكتفي بمظهرها. وليس كل ما يسقط من الغربال رديئاً، ولا كل ما يبقى فيه جيداً، فقد يكون الخلل في الحبوب، وقد يكون في الغربال نفسه، حين تتسع ثقوبه لتحابي القريب، أو تضيق لتقصي المختلف.
ولعلّ الفلسفة، منذ أرسطو، قد وضعت يدها على أحد مفاتيح هذا الصراع الوجودي حين ميّزت بين الصداقة القائمة على المنفعة، والصداقة القائمة على الفضيلة. فثمة علاقات تعيش ما دامت المصالح متبادلة، فإذا انقطعت أسباب المنفعة تفرّقت أطرافها، وثمة علاقات تستمد بقاءها من قيمة الإنسان في ذاته، فلا تنال منها تقلبات المصالح ولا تبدلات الأحوال. وهكذا يصبح الزمن غربالاً للعلاقات، لا لأنه يفرّق بين الناس فحسب، بل لأنه يكشف الأساس الذي قامت عليه صلاتهم منذ البداية.
وعند نيتشه، تتخذ المسألة بُعداً آخر، فالأقنعة لا تسقط دائماً من تلقاء نفسها، وقد يشارك الإنسان في إبقائها لأنه يجد في استمرارها راحةً أو مصلحةً أو وهماً يأنس إليه. كم من علاقةٍ نعرف ما يعتريها من خلل، ثم نغض الطرف عنه حفاظاً على منفعة، وكم من حقيقةٍ نراها واضحةً، لكننا نختار تأويلها بما يوافق أهواءنا. وهنا لا يعود السؤال: هل الغربال صالح للفرز؟ بل يصبح: هل نملك الشجاعة لنرى ما يكشفه لنا؟

أما جبران خليل جبران، فيمنح غربال الصداقة معنىً إنسانياً وروحياً أعمق ، فالصديق ليس مجرد حاجةٍ تسد فراغاً، ولا منفعةٍ تُستدعى عند الضرورة، بل علاقةٌ تتسع فيها الروح وتتعمق بها التجربة الإنسانية. ومن هذا المنظور، لا تُقاس قيمة الصداقة بكثرة أصحابها، بل بقدرتها على صون الكرامة، واحتمال الاختلاف، وحفظ الود حين تتراجع المصالح. فليس كل من اقترب منا صديقاً، وليس كل من ابتعد عنا قد خاننا، إذ قد يكون الابتعاد أحياناً كشفاً لحقيقةٍ لم نكن مستعدين لرؤيتها.

وفي مسرح الحياة الذي استحضره شكسبير، تتعدد الأدوار وتتغير الوجوه، ويؤدي الإنسان أدواراً مختلفة بحسب المكان والزمان والجمهور. غير أن الدور الذي يؤديه المرء أمام الناس لا يكشف بالضرورة حقيقة ما يضمره، ولا يكفي مشهدٌ واحد للحكم على مسيرة كاملة. لذلك فإن غربال المواقف هو الأقدر على التمييز بين الدور العابر والطبيعة المستقرة، وبين الكلام الذي يلمع في لحظةٍ والفعل الذي يثبت معناه عبر الزمن.

ويكتمل هذا البعد الأخلاقي عند ماركوس أوريليوس، الذي يربط حياة الإنسان بأفعاله ومسؤوليته تجاه الجماعة. فالضمير ليس شعاراً نرفعه حين نراقب الآخرين، بل معيارٌ نختبر به أنفسنا حين يغيب الرقيب وتضعف المحاسبة. ومن هنا، فإن الغربال الأعدل هو الذي لا يكتفي بفرز الناس، بل يعيد الإنسان إلى نفسه، ليختبر نيته، ويحاسب فعله، ويراجع الأحكام التي يصدرها على الآخرين.

وفي هذا السياق، يقدّم المفكر العراقي حسين العادلي، في تأملاته الموسومة بـ«الغربال»، مجموعةً من الحكم التي تلتقي مع هذا المعنى الأخلاقي، ومنها:

«الغربالُ: لا يُحكَمُ عليهِ بكثرةِ ما أسقطَ، بل بقيمةِ ما أبقى».

«مَن صنعَ الغربالَ على مقاسِ أحبابِهِ، جعلَ الإقصاءَ نتيجةً نزيهة».

«الضميرُ غربالٌ، مَن وسَّعَ ثقوبهُ، مرَّرَ الخطايا».

«غَربِل نيَّتكَ بسقوطِ المنفعةِ، وفعلكَ بغيابِ الرقيبِ، وطريقكَ بثمنِ الوصولِ، تَنكشِف لكَ العاقبة».

«الوعيُ غربالُ الشعوبِ، تُرخيهِ فتنفذُ الخديعةُ، وتُحكِمهُ فتسقطُ الذريعة».

إن هذه الحكم تضعنا أمام حقيقةٍ تتجاوز حدود العلاقات الفردية إلى المجال الاجتماعي العام ، فالغربال الذي نستخدمه في الحكم على الآخرين قد يصبح أداةً للعدالة، وقد يتحول إلى وسيلةٍ للإقصاء، بحسب عدالة المعيار ونزاهة اليد التي تحمله. وإذا اختلّ المعيار، لم يعد الفرز كشفاً للحقيقة، بل صار صناعةً لحقيقةٍ تناسب مصالح أصحابها.

ومن هنا، فإن صراع الإنسان مع غربال الحياة ليس صراعاً بين الجيد والرديء فحسب، بل بين الحقيقة والرغبة، وبين الفضيلة والمنفعة، وبين ما نراه وما نريد أن نراه. وقد يكون أصعب أنواع الغربلة أن يتخلى الإنسان عن أحكامه المسبقة، وأن يقبل بسقوط بعض الصور الجميلة التي صنعها بنفسه عن الآخرين، أو عن ذاته.

ولعلّ المفارقة الأعمق أن الإنسان قد يطالب بغربالٍ عادلٍ حين يقع عليه الإقصاء، ثم يقبل بغربالٍ منحازٍ حين يكون هو صاحب القرار. يطلب الإنصاف لنفسه، لكنه قد يضيّق معاييره على خصومه، ويتسامح مع أخطاء أحبابه، ويبحث عن مبرراتٍ لمن ينتفع منهم. وعند هذه النقطة يصبح الغربال مرآةً أخلاقيةً تكشف صاحبه بقدر ما تكشف الآخرين.

فليست الحكمة أن نوسّع ثقوب الغربال حتى لا يبقى حولنا أحد، ولا أن نضيّقها حتى نحتفظ بكل من نحب، بل أن نضبطه بميزانٍ من العدل والوعي، وأن نقبل بنتائجه حتى حين تخالف رغباتنا. وليس النضج أن نكثر من استبعاد الناس، وإنما أن نعرف كيف نميّز بين الاختلاف والخيانة، وبين الخطأ العابر والخلل المتكرر، وبين الإنسان الذي يستحق فرصةً أخرى، والعلاقة التي لم تعد قادرةً على صون الكرامة المتبادلة.

وهكذا، يغدو غربال الحياة صراعاً وجودياً متجدداً، لا ينتهي عند فرز الآخرين، بل يبدأ من مراجعة الذات. فالغربال الذي لا يمرّ على صاحبه أولاً قد يتحول إلى أداةٍ للغرور، والضمير الذي لا يخضع للمساءلة قد يصبح محامياً عن الأهواء، والوعي الذي لا يتسع للحقائق المخالفة قد يغدو سجناً يختار الإنسان قضبانه بنفسه.

إن أعظم انتصارٍ في صراع غربال الحياة ليس أن تسقط أكبر مجموعةٍ من الناس من حولنا، بل أن نحتفظ بقدرتنا على الإنصاف بعد الخيبة، وبنزاهة أحكامنا بعد الخصومة، وبإنسانيتنا بعد أن تكشف لنا التجارب ما لم نكن نريد أن نراه.

ففي نهاية المطاف، لا تكمن قيمة الغربال في عدد ما أسقطه، ولا في نقاء ما بقي في سلّته ظاهرياً، بل في عدالة المعيار الذي حكم به، وفي شجاعة الإنسان الذي يقبل أن يخضع هو نفسه لذلك المعيار.

ذلك هو غربال الحياة: أن نعرف الناس دون أن نظلمهم، وأن نحب دون أن نُعمي بصائرنا، وأن نختلف دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نراجع أنفسنا قبل أن نجعل من أحكامنا أحكاماً نهائيةً على الآخرين.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السيدة نجمة… وبياض القيمر في ذاكرة وطن
- الحصانة الذاتية وسيكولوجيا الجماهير الأيديولوجية: من أوهام ا ...
- رهانات الحياة في حانة بريطانية.
- المثقف بين سيكولوجيا الجماهير الرقمية وصمت العقلاء..!
- معمل أبي غريب… حين كانت أحلامنا تمرّ من هنا
- غسل الأموال وتشوهات التراكم الرأسمالي: من الجريمة الاقتصادية ...
- العبث بين أزمة المعنى وسلطة القطيع وانهيار المسؤولية.
- عبد الرحمن البزاز: رجل من بلادي صديق أبي… وذكرى من طفولتي
- حين تتحول الغَلَبة إلى ثقافة، والإحباط إلى نظام اجتماعي
- المَخرَج… حين يصبح الخلاص امتحانًا للإنسان. (قراءة في فلسفة ...
- من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر
- من سلطة الماضي إلى ثقافة الحياة: (العقل الماضوي والاستدعاء ا ...
- تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني ع ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- ذلك الكرسي
- عندما تهرم الذئاب
- حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين


المزيد.....




- أوباما يخاطب عبدالرحمن السيد بعد هجمات ترامب عليه بسبب اسمه ...
- السيسي يرد على من يراهن بقبول مصر فرض الأمر الواقع أو التفري ...
- بيسكوف: روسيا سترحب بترشيح أوروبا مبعوثا للتفاوض حول أوكراني ...
- حقبة جديدة من التهديدات الإرهابية في بريطانيا
- لقطات توثق أعمال التخريب والاشتباكات في شوارع برشلونة مساء أ ...
- التحالف يعلن اعتراض صاروخ ثان أطلقه الحوثيون باتجاه السعودية ...
- الأحد الحاسم.. البرازيل تصوت بين خبرة لولا ووعود بولسونارو ا ...
- ألمانيا تعلن مشاركتها بأول مناورة عسكرية لـ-تحالف الراغبين- ...
- بلغاريا تنتخب رئيسها.. وإيوتوفا في الصدارة
- الخليل تحت الحصار.. يوم ثان من الغاز والاقتحامات قبل الانتخا ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - الغربال والمرآة: حين نحاكم الآخرين وننسى أنفسنا