|
|
قراءة في أطروحة دانا سترول: -حرب أمريكا وإسرائيل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط: المخاطر والتحالفات التي تهدد المنطقة-
محيي الدين ابراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 19:09
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أولا لابد من معرفة من هي مؤلفة هذه الأطروحة التي نقوم بتحليلها الآن .. إنها دانا سترول (Dana Stroul) هي باحثة وخبيرة أمريكية في السياسة الخارجية والأمن الإقليمي، تشغل منصب مديرة الأبحاث وزميلة أقدم في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى منذ فبراير/شباط 2024. شغلت سابقًا منصب نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط بين عامي 2021 و2023، وعملت خمس سنوات ضمن الطاقم المهني للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، حيث تخصصت في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتركيا. تحمل درجة الماجستير في الشؤون الخارجية من جامعة جورجتاون، والبكالوريوس من جامعة فرجينيا في دراسات الشرق الأوسط والدراسات الدينية. تتركز أبحاثها على الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وإيران، وإسرائيل، والأمن الإقليمي. ومن المدهش في نص دانا سترول وهي بالمناسبة غير محايدة على الإطلاق أنه لا يكتفي بقراءة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران باعتبارها مواجهة عسكرية تستهدف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وإنما ينفذ إلى طبقة أعمق من الصراع، حيث تتجاوز الأسلحة أهدافها المباشرة لتصبح أدوات لإعادة تشكيل موازين القوة والتحالفات ومفهوم الأمن في الشرق الأوسط. غير أن القيمة الحقيقية لهذا النص لا تكمن في المعلومات التي يقدمها عن تطور التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب وحدها، بل في التناقض الذي يكشفه من داخل هذا التعاون نفسه: كلما ازداد الاندماج العسكري بين الدولتين، اتسعت المسافة السياسية والشعبية بينهما، وكأن نجاح المؤسسة العسكرية في بناء شراكة عملياتية متقدمة يوقظ، في الوقت ذاته، أزمة الشرعية التي يمكن أن تهدد استمرارها. من هذه المفارقة تنطلق قراءتنا النقدية؛ فالحرب ليست مجرد اختبار لقدرة جيشين على تنسيق الضربات وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بل اختبار لقدرة السياسة على تحويل التفوق العسكري إلى واقع استراتيجي مستقر. إن تدمير المنشآت، وتصفية القيادات، وإضعاف القدرات الصاروخية، وتحقيق التفوق الجوي، كلها نتائج يمكن قياسها بمعايير عسكرية مباشرة؛ لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا يحدث بعد أن تتوقف الطائرات عن التحليق؟ وهل يستطيع المنتصر أن يصنع نظامًا إقليميًا أكثر أمنًا، أم أنه يكتفي بإنتاج شروط جولة جديدة من الصراع؟ هنا بالضبط تتجاوز أطروحة سترول الوصف العسكري، وتقترب من جوهر المعضلة التاريخية التي تواجه القوى الكبرى عندما تخلط بين القدرة على إخضاع الخصم والقدرة على حل المشكلة التي جعلته خصمًا. لكننا، ونحن نقرأ هذه الأطروحة، ينبغي ألا نخلط بين تشخيص الكاتبة لمخاطر التحالف الأمريكي الإسرائيلي وبين تبني جميع مقدماتها السياسية والاستراتيجية. فالنص مكتوب من منظور يرى في إسرائيل شريكًا أمنيًا مهمًا للولايات المتحدة، ويبحث في كيفية الحفاظ على هذه الشراكة من التآكل، لا من منظور محايد تمامًا تجاه طبيعة الحرب وأهدافها ونتائجها الإنسانية والإقليمية. وهذا التحديد ليس انتقاصًا من قيمة المقال، بل هو شرط لقراءته قراءة نقدية حقيقية؛ لأن النقد لا يكتفي بفهم ما يقوله النص، وإنما يسأل أيضًا عن المصالح التي تنظّم رؤيته، والافتراضات التي ينطلق منها، والنتائج التي تبدو منطقية داخل منطقه، لكنها قد تصبح موضع خلاف عندما نختبرها بمعايير أخرى. إن النواة الفكرية التي تحكم المقال هي أن التحالف العسكري، مهما بلغت كفاءته التقنية، لا يستطيع ضمان استمراره إذا انفصل عن الإرادة السياسية والاجتماعية التي تمنحه شرعيته. غير أن هذه النواة تفتح سؤالًا أكثر جذرية: هل الأزمة التي تهدد التحالف الأمريكي الإسرائيلي ناتجة أساسًا عن تباعد مواقف الشعبين، كما ترى سترول، أم أن هذا التباعد قد يكون عرضًا لأزمة أعمق تتعلق بتعريف المصالح، وحدود استخدام القوة، وطبيعة النتائج التي يُطلب من التحالف تحقيقها؟ هذا السؤال هو المدخل الضروري لفهم النص، ولتمييز ما ينجح في تفسيره عما يظل أسيرًا للمنظور الاستراتيجي الذي كُتب من داخله. تبدأ سترول بناء حجتها من نقطة تاريخية ذات دلالة استراتيجية بالغة الأهمية؛ فالولايات المتحدة، التي اعتادت إدارة حروبها ضمن تحالفات واسعة تتولى فيها تصميم العمليات وقيادتها وتتحمل العبء الأكبر من القتال، تجد نفسها أمام صيغة مختلفة من التعاون مع إسرائيل. تستحضر الكاتبة التدخل الأمريكي في أفغانستان الذي بدأ عام 2002، والحملة العسكرية في العراق عام 2003، ثم عملية "العزم الصلب" التي أُطلقت في منتصف العقد الثاني من الألفية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. في هذه التجارب، ظلت واشنطن القوة العسكرية المهيمنة، سواء من خلال الغارات الجوية أو نشر القوات أو قيادة العمليات وتدريب الشركاء المحليين وتمويلهم. أما الحرب الراهنة، وفق أطروحتها، فتشهد انتقالًا إلى مستوى أكثر تكاملًا، تتوزع فيه المهام والأهداف والمخاطر بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي. تذهب سترول إلى أن الولايات المتحدة لم تخض حربًا مع خصم من خلال تقسيم الأهداف والعمل على قدم المساواة ضمن هيكل عملياتي مشترك منذ الحرب العالمية الثانية. وهذه المقارنة، حتى إن كانت تحتاج إلى تدقيق في تعريف الشراكة المتكافئة وحدودها التاريخية، تكشف عن رغبة الكاتبة في تقديم الحرب باعتبارها تحولًا نوعيًا، لا مجرد امتداد طبيعي للعلاقات العسكرية بين البلدين. فالمسألة، في تصورها، ليست أن الولايات المتحدة تقدم لإسرائيل مزيدًا من الدعم، وإنما أن الطرفين أصبحا يشاركان في إنتاج القرار العسكري وتنفيذه، بما يجعل مصير كل منهما أكثر ارتباطًا بالآخر. لكن مفهوم التكافؤ هنا يستحق مساءلة ضرورية. فهل يعني تقسيم الأهداف وتبادل المعلومات الاستخباراتية تساوي الطرفين في القوة والقرار؟ وهل يصبح الحليفان متكافئين لمجرد أنهما يتقاسمان المخاطر، بينما تظل الولايات المتحدة صاحبة القدرة الأكبر على التمويل والتسليح والإمداد والتأثير في مسار الحرب؟ إن التكافؤ العملياتي لا يساوي بالضرورة التكافؤ الاستراتيجي، كما أن المشاركة في اتخاذ بعض القرارات لا تعني امتلاك القدرة ذاتها على إنهاء الحرب أو فرض شروط التسوية. هذه التفرقة أساسية؛ لأن الشراكة التي تبدو متكافئة في ميدان العمليات قد تخفي تفاوتًا عميقًا في المصالح والأولويات. وقد يكون أحد الطرفين مستعدًا لتحمل كلفة حرب طويلة لتحقيق تغيير جذري في النظام الإقليمي، بينما يريد الطرف الآخر تحقيق أهداف محددة ثم الانسحاب قبل أن تتحول العملية إلى عبء داخلي. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: كيف يتعاون الجيشان؟ بل: إلى أي مدى يستطيعان الاستمرار في التعاون عندما يختلفان حول الغاية النهائية من الحرب؟
من التنظيم العسكري إلى صناعة التحالف: تولي سترول أهمية خاصة للقرار الذي اتخذه دونالد ترامب عام 2020 بنقل مسؤولية العمليات المتعلقة بإسرائيل من القيادة الأوروبية الأمريكية إلى القيادة المركزية الأمريكية، المعروفة اختصارًا باسم "سنتكوم". لم يكن هذا التغيير، في قراءتها، مجرد تعديل إداري في الخرائط العسكرية؛ فقد أتاح إدماج إسرائيل بصورة أوسع في البنية الأمنية الأمريكية المسؤولة عن الشرق الأوسط، وفتح الطريق أمام تعاون أعمق مع الجيوش العربية التي كانت تربطها بالقيادة المركزية علاقات سابقة. هنا تكشف الكاتبة عن إحدى الآليات الأقل ظهورًا في صناعة الحروب: إعادة ترتيب المؤسسات قبل اندلاع المواجهة. فالتحالفات لا تتكون لحظة إطلاق الصواريخ، وإنما تُبنى عبر سنوات من توحيد الإجراءات، وتطوير قنوات الاتصال، وتبادل البيانات، وتدريب القوات، وإنشاء الثقة بين القيادات. وحين تنشب الحرب، تظهر النتائج العملية لاستعدادات ربما لم تحظَ باهتمام الرأي العام في وقت بنائها. وتربط سترول هذا المسار بتطور تكنولوجيا الدفاع، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخباراتية وبيانات الرادار، وهي مجالات جعلت التكامل بين القوات أكثر سرعة وأقل تكلفة من السابق. كما تشير إلى الدور الذي أداه الجنرال إريك كوريلا، قائد القيادة المركزية بين عامي 2022 و2025، والذي زار إسرائيل ما لا يقل عن أربعين مرة خلال فترة قيادته، مقارنة بزيارتين فقط قام بهما كبار قادة القيادة المركزية قبل انضمام إسرائيل إليها. إن استحضار هذا الرقم ليس تفصيلًا بروتوكوليًا؛ إنه إشارة إلى أن التحالف العسكري لا يُبنى بالأسلحة وحدها، بل بالعلاقات الشخصية والثقة المتبادلة وفهم العقائد العسكرية وطرائق التفكير لدى الطرف الآخر. فالمؤسسة العسكرية، على الرغم من اعتمادها على الأنظمة والتقنيات، تظل مؤسسة بشرية تتأثر بدرجة التواصل بين قياداتها. لكن هنا أيضًا ينبغي ألا نمنح الثقة الشخصية أكثر مما تحتمل؛ فالعلاقات بين الجنرالات قد تسهّل التعاون، لكنها لا تستطيع إلغاء التناقضات السياسية أو ضمان قبول المجتمعات بالنتائج التي تترتب على القرارات العسكرية. ويتعمق هذا المسار، بحسب المقال، خلال إدارة جو بايدن، ولا سيما عبر مناورات "جونيبر أوك" في يناير/كانون الثاني 2023، التي تصفها سترول بأنها أول مناورة شاملة تجمع الجيش الأمريكي بشريك له في الشرق الأوسط على هذا النحو. فقد شملت القوات الجوية والبرية والبحرية والسيبرانية والفضائية، واختبرت تبادل المعلومات والقدرة على إدارة معارك مشتركة في مواجهة تهديدات متعددة. تكمن أهمية هذه المناورات في أنها نقلت التعاون من مستوى العلاقات الثنائية التقليدية إلى مستوى اختبار المنظومة العسكرية بوصفها وحدة مترابطة. فالقدرة على خوض حرب مشتركة لا تتوقف على امتلاك السلاح المتطور، وإنما تتطلب توافقًا بين أنظمة القيادة والسيطرة، وسرعة تدفق المعلومات، وتحديد الأولويات، وتوزيع الأدوار، وتنسيق الضربات والدفاعات. وكلما زادت هذه العناصر ترابطًا، ازدادت قدرة الطرفين على العمل بكفاءة، لكن ازدادت كذلك درجة تشابكهما في نتائج أي قرار خاطئ. وهنا تظهر مفارقة استراتيجية مهمة: ما يجعل التحالف أكثر كفاءة في إدارة الحرب قد يجعله أيضًا أكثر تعرضًا لتداعياتها. فالتكامل ليس مجرد وسيلة لتقاسم القوة، بل وسيلة لتقاسم المسؤولية السياسية والمخاطر الإنسانية والاقتصادية. وإذا تحول التعاون من تنسيق محدود إلى بنية عملياتية مشتركة، يصبح الانفصال بين الطرفين أكثر تعقيدًا، لأن كل طرف قد يجد نفسه متورطًا في نتائج قرارات لم يكن ليختارها منفردًا بالضرورة.
من الدفاع عن إسرائيل إلى المشاركة في الحرب: تمثل أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 نقطة تحول محورية في حجة سترول. فقد أدى هجوم حماس على إسرائيل إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وتوسيع أشكال الدعم المقدمة للعمليات الإسرائيلية، وتنفيذ الولايات المتحدة ضربات ضد جماعات مسلحة مرتبطة بإيران في العراق وسوريا واليمن. ثم جاء الهجوم الصاروخي الإيراني في أبريل/نيسان 2024 ليختبر قدرة واشنطن على تنسيق دفاع جوي دولي شارك فيه شركاء عرب وأوروبيون، قبل أن تعترض القوات الأمريكية، خلال الهجوم الإيراني في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، ما لا يقل عن نصف الصواريخ الإيرانية، وفق المعلومات الواردة في المقال. غير أن سترول تميز بين هذه المرحلة وبين الحرب المشتركة الراهنة. فإدارة بايدن، على الرغم من توسع تدخلها العسكري لحماية إسرائيل، ظلت متمسكة بالفصل بين الدفاع والهجوم. كان هدفها المعلن حماية القوات الأمريكية، ومنع التصعيد، وتجنب الانزلاق إلى حرب مباشرة بين الدول. ولذلك امتنعت عن الانضمام إلى ضربات هجومية مشتركة مع إسرائيل ضد إيران، انطلاقًا من تقدير مفاده أن مثل هذه الضربات قد تعرض الأمريكيين والإسرائيليين والمدنيين العرب والبنية التحتية الحيوية في المنطقة لمخاطر متزايدة. هذا التفريق ليس تفصيلًا لغويًا بين فعلين عسكريين؛ إنه يعبر عن اختلاف في تصور حدود القوة ومخاطر استخدامها. فالدفاع عن حليف يتعرض لهجوم لا يحمل بالضرورة الأهداف ذاتها التي تحملها المشاركة في حرب تستهدف القدرات العسكرية لدولة أخرى، فضلًا عن احتمال تهيئة الظروف لتغيير نظامها السياسي. وكل انتقال من مستوى إلى آخر يوسع دائرة الالتزامات، ويرفع احتمالات الرد المقابل، ويجعل السيطرة على التصعيد أكثر صعوبة. وتقدم حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025 نموذجًا واضحًا لهذا الفصل. فقد بدأت إسرائيل الهجوم، وعملت على تأمين ممر جوي يتيح استهداف المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، ثم تدخلت الولايات المتحدة بعد أكثر من أسبوع باستخدام قنابلها لاستهداف منشآت تخصيب اليورانيوم المدفونة في أعماق الأرض. وبحسب سترول، مكّنت الإنجازات العسكرية الإسرائيلية واشنطن من الانضمام مؤقتًا إلى الحرب لتحقيق هدف مشترك، لكن العمليات ظلت متتابعة ومنفصلة من حيث التنفيذ. أما الحرب التي يتناولها المقال، فتقدمها الكاتبة باعتبارها تجاوزًا لذلك النموذج، إذ أصبح الجيشان يعملان ضمن إطار عملياتي أكثر اندماجًا، مع تقسيم الأهداف منذ الأيام الأولى، وتبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة، وتنسيق الضربات، ودمج العمليات الإلكترونية والهجمات الدفاعية والهجومية، فضلًا عن حملات إعلامية تستهدف تضليل النظام الإيراني والتأثير في الرأي العام الإيراني. وتشير سترول إلى أن إسرائيل ركزت على استهداف القيادة الإيرانية، بينما ركزت الولايات المتحدة على منشآت تخزين الصواريخ والبحرية الإيرانية، ثم اتسعت الضربات لتشمل عناصر متعددة من برنامج الصواريخ. وتربط الكاتبة هذه القدرة على العمل المنسق بخبرة الجيشين المتراكمة خلال نصف عقد من التعاون، وبالمعلومات التي جُمعت خلال حرب يونيو/حزيران 2025. لكن التحليل النقدي يفرض علينا التمييز بين النجاح العملياتي والنجاح السياسي. فتصفية القيادات قد تربك منظومة القيادة، لكنها لا تضمن انهيارها؛ وتدمير منشآت عسكرية قد يقلل قدرة الخصم على الرد، لكنه لا يضمن زوال دوافع المواجهة؛ والتفوق الجوي قد يتيح حرية أكبر في الحركة، لكنه لا يمنح صاحبه بالضرورة القدرة على التحكم في المجتمع الذي يخوض الحرب ضده. بل إن استهداف القيادة الإيرانية يطرح سؤالًا يتجاوز الفاعلية العسكرية: إذا كان الهدف المعلن يتجه نحو تغيير النظام، فهل يؤدي إضعاف مؤسساته إلى ظهور نظام أكثر استعدادًا للتسوية، أم إلى دفع القوى المتبقية فيه نحو مزيد من التشدد؟ وهل يمكن فرض تحول سياسي مستقر من خلال الضربات العسكرية، أم أن القوة تستطيع تدمير البنية القائمة من دون أن تمتلك بالضرورة القدرة على بناء بديل قادر على الاستمرار؟ هذه الأسئلة لا تنفي إمكان تحقيق مكاسب عسكرية ملموسة، لكنها ترفض تحويل المكاسب إلى دليل تلقائي على نجاح الاستراتيجية. فالتاريخ مليء بحروب حققت فيها القوى المتفوقة أهدافًا ميدانية، ثم وجدت نفسها أمام واقع سياسي أكثر تعقيدًا مما توقعت.
الديمقراطية التي تتباعد فيها الجيوش والمجتمعات: لعل أكثر أجزاء المقال أهمية هو انتقاله من دراسة التعاون العسكري إلى دراسة التباعد في الرأي العام. فسترول ترى أن الجيشين الأمريكي والإسرائيلي يقتربان من بعضهما على مستوى التخطيط والتنفيذ، في الوقت الذي تتسع فيه المسافة بين المجتمعين في تقييم الحرب والجدوى من استمرار الشراكة. وتستند الكاتبة إلى مجموعة من استطلاعات الرأي التي ينبغي التعامل معها وفق تواريخها ونطاقاتها المحددة. فبحسب استطلاع غالوب للشؤون العالمية الذي تشير إليه، والصادر في أواخر فبراير/شباط، تجاوز التعاطف الأمريكي مع الفلسطينيين التعاطف مع الإسرائيليين للمرة الأولى منذ خمسة وعشرين عامًا، فيما انخفض التعاطف مع الإسرائيليين من 60% عام 2020 إلى 36% في الفترة التي يتناولها المقال. وتستحضر أيضًا استطلاع كوينيبياك الذي أُجري في أغسطس/آب 2025، والذي أظهر مستوى من الدعم للإسرائيليين وصفته بأنه الأدنى منذ بدء استطلاعات المؤسسة حول هذا الموضوع عام 2001، إلى جانب معارضة ستة من كل عشرة ناخبين أمريكيين لاستمرار المساعدات العسكرية لإسرائيل، بمن فيهم ما يقرب من نصف الجمهوريين. كما تشير إلى انخفاض الدعم للشراكة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية بين الشباب الأمريكي، وإلى استطلاع للقناة الثانية عشرة الإسرائيلية في أواخر فبراير أظهر تأييد أغلبية كبيرة من الإسرائيليين لهجوم أمريكي إسرائيلي مشترك على إيران. وفي المقابل، تنقل عن استطلاع لشبكة CNN نُشر يوم الاثنين أن 60% من الأمريكيين رفضوا الحملة وطالبوا ترامب بالحصول على موافقة الكونغرس قبل أي تعاون عسكري إضافي. تستثمر سترول هذه المؤشرات لإثبات أن الشرعية الشعبية التي استندت إليها الشراكة لعقود لم تعد مضمونة كما كانت. غير أن القراءة الدقيقة تقتضي عدم دمج هذه الاستطلاعات في مؤشر واحد؛ فالتعاطف مع الفلسطينيين لا يعني بالضرورة تأييد إيران، ومعارضة الحرب لا تعني بالضرورة رفض إسرائيل، كما أن الاعتراض على المساعدات العسكرية لا يساوي رفض كل أشكال التعاون الأمني. إن قياس الرأي العام يحتاج إلى التمييز بين المواقف من الحرب نفسها، والمساعدات، والتحالف، والقضية الفلسطينية، وسياسات الحكومة الإسرائيلية. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام الذي تطرحه الكاتبة يظل ذا دلالة سياسية. فالتحالف الذي اعتاد الاستناد إلى دعم واسع من الحزبين الأمريكيين يواجه الآن بيئة داخلية أكثر انقسامًا، ولا سيما في ظل التشكيك الذي يتصاعد داخل بعض أوساط حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا"، المعروفة باسم MAGA، في جدوى الالتزامات الخارجية والتورط في حروب جديدة. وهنا تبرز إحدى المفارقات التي يحسن المقال التقاطها: قد تكون المؤسسة العسكرية أكثر استعدادًا للتعاون مع حليفها من المجتمع الذي يمول هذه المؤسسة ويمنح قيادته السياسية سلطة اتخاذ القرار. لكن هل يعني ذلك أن المشكلة تكمن في عجز السياسيين عن إقناع المواطنين، أم أن المواطنين يطرحون أسئلة مشروعة حول أهداف الحرب وكلفتها وحدودها؟ إن وصف التباعد الشعبي بأنه عقبة أمام التحالف لا يكفي؛ إذ يجب أيضًا فحص الأسباب التي أنتجته. فالمجتمعات لا تفقد ثقتها في الحروب لمجرد عجز القادة عن التواصل معها، وإنما قد تفقدها عندما تتسع الفجوة بين المبررات المعلنة والنتائج الفعلية، أو عندما تبدو الكلفة الإنسانية والاقتصادية أكبر من المكاسب المتوقعة. ومن ثم، فإن معالجة أزمة الشرعية لا يمكن أن تختزل في حملة اتصالية ناجحة، بل تتطلب إعادة النظر في السياسات والأهداف نفسها. وتربط سترول هذا التباعد باختلاف التجربة اليومية للحرب. فالإسرائيليون يعيشون تحت تهديد الصواريخ وصفارات الإنذار، بينما يراقب الأمريكيون الحرب من مسافة جغرافية واجتماعية مختلفة، ويتساءلون عن جدواها ومخاطرها. وقد تتزايد الانقسامات داخل قاعدة ترامب السياسية إذا ارتفعت الخسائر الأمريكية أو طال أمد القتال، خصوصًا أن ترامب سبق أن وعد أنصاره بتجنب المزيد من الحروب الخارجية. لكن اختلاف التجربة لا يعني بالضرورة أن أحد المجتمعين يفهم الحرب بصورة صحيحة والآخر يخطئ في تقديرها. فالإحساس المباشر بالتهديد يمنح الناس دوافعهم الخاصة لتأييد استخدام القوة، كما أن البعد عن ميدان الحرب لا يجعل المخاوف المتعلقة بكلفتها أقل مشروعية. إن المسألة الأعمق هي قدرة كل مجتمع على الموازنة بين أمنه المباشر وبين العواقب التي قد تترتب على الحرب في المدى الطويل.
الغاية التي تتجاوز تدمير الأهداف: تبلغ أزمة التحالف ذروتها عندما تنتقل سترول إلى اختلاف التصورات حول مستقبل إيران. فبحسب المقال، يرى معظم الإسرائيليين أن حرب الأيام الاثني عشر انتهت قبل الأوان، وأن التهديد الإيراني لن يزول ما دام نظام الجمهورية الإسلامية قائمًا. ولهذا شدد بنيامين نتنياهو على تهيئة الظروف لتغيير النظام، بينما أبدى ترامب تأييدًا متقطعًا لهذه الدعوات، مع انفتاحه في الوقت نفسه على احتمال التعامل مع بقايا النظام، في صيغة تقارنها الكاتبة بما حدث في فنزويلا بعد إطاحة الجيش الأمريكي بالرئيس نيكولاس مادورو، وفق ما يورده النص. وهنا ينكشف التناقض الجوهري الذي يحكم الشراكة. فإسرائيل، كما تعرضها سترول، تنظر إلى الحرب بوصفها فرصة لإزالة تهديد استراتيجي طويل الأمد، بينما قد ترى الولايات المتحدة في إضعاف القدرات الإيرانية وسيلة لتحقيق أهداف أمنية محددة، من دون أن تكون مستعدة بالضرورة لتحمل كلفة تغيير النظام بالكامل. والفرق بين الهدفين ليس بسيطًا. فتدمير منشأة عسكرية هدف يمكن تحديده وتقييم نتائجه نسبيًا، أما تغيير نظام سياسي فهو عملية تاريخية تتجاوز قدرات القوة العسكرية وحدها. إنها تتعلق ببنية الدولة، ومصالح المؤسسات، وتوازنات المجتمع، والشرعية السياسية، وقدرة القوى البديلة على تنظيم الحكم. لذلك فإن الانتقال من هدف عسكري محدد إلى مشروع تغيير النظام يضاعف حجم عدم اليقين، ويجعل نهاية الحرب أقل وضوحًا. وقد ينجح التحالف في إضعاف إيران عسكريًا، لكنه يعجز عن الاتفاق على شكل النظام الذي يريد أن يحل محل الوضع القائم، أو على الكلفة التي يقبل بتحملها للوصول إلى ذلك الهدف. عندئذ يصبح النجاح العسكري نفسه مصدرًا للخلاف؛ لأن الطرف الذي يريد مواصلة الحرب قد يرى التوقف خيانة للفرصة الاستراتيجية، بينما يراه الطرف الآخر استجابة ضرورية للحد من الخسائر. إن هذه المعضلة تعيدنا إلى السؤال الذي ينبغي أن يحكم أي استراتيجية: ما النهاية السياسية التي نريد الوصول إليها؟ فالحرب التي لا تمتلك تصورًا واقعيًا لنهايتها قد تتحول إلى سلسلة من الأهداف العسكرية المتتابعة، يفضي كل منها إلى الحاجة إلى هدف جديد. وكلما تأخر تحقيق النتيجة السياسية الموعودة، ازدادت الضغوط لتوسيع نطاق القوة المستخدمة، حتى يصبح استمرار الحرب وسيلة لتبرير استمرارها.
الخليج بين أمن الحلفاء واقتصاد الخوف: تتسع دائرة المخاطر في المقال لتشمل الدول العربية المنتجة للنفط، التي تتعرض، وفق النص، لهجمات إيرانية تستهدف المطارات المدنية والفنادق والبنية التحتية للموانئ ومنشآت الطاقة. وترى سترول أن هذه الهجمات لا تهدد القوات الأمريكية والسكان المدنيين فحسب، وإنما تضرب أيضًا نموذج الأعمال الخليجي القائم على الاستقرار النسبي، وجاذبية المنطقة للاستثمار والسياحة والتجارة، فضلًا عن تأثيرها المحتمل في أسواق الطاقة العالمية. وهنا تبرز أهمية الخليج بوصفه أكثر من ساحة جغرافية للصراع بين واشنطن وتل أبيب وطهران. فهو فضاء اقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار تدفقات التجارة والطاقة ورأس المال، وعلى قدرة الدول على تقديم نفسها باعتبارها بيئات مستقرة في منطقة مضطربة. ولذلك فإن اتساع الحرب قد يهدد المصالح التي تسعى الولايات المتحدة نفسها إلى حمايتها. وتحذر سترول من أن ارتفاع الخسائر الأمريكية، إلى جانب التداعيات المالية لعملية "الغضب الملحمي"، قد يدفع ترامب إلى البحث عن مخرج لا يصل إلى حد تغيير النظام الإيراني بالكامل. وقد يقلل مثل هذا الخيار من التهديد المباشر، لكنه قد يترك المنطقة في حالة ترقب، من دون تسوية تزيل أسباب الصراع. إن هذه النتيجة المحتملة تكشف حدود القوة عندما تُستخدم من دون إطار سياسي متفق عليه. فوقف إطلاق النار قد ينهي مرحلة من العمليات، لكنه لا ينهي بالضرورة النزاع الذي أنتجها. وقد يخرج كل طرف معلنًا انتصاره، بينما تظل أسباب المواجهة قائمة، وتتراكم الدوافع لجولة أخرى. لكن النص، على الرغم من تنبيهه إلى مخاطر استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية، يظل محتاجًا إلى توسيع التحليل المتعلق بالمجتمعات العربية نفسها. فهذه المجتمعات ليست مجرد مجال جغرافي تتقاطع فوقه استراتيجيات القوى الكبرى، وليست قيمة أمنها محصورة في حماية منشآت الطاقة أو الحفاظ على تدفق الاستثمارات. إن أمن الإنسان وحقه في الحياة والاستقرار، وحماية المدنيين، واحترام سيادة الدول، يجب أن تكون معايير مستقلة لتقييم الحرب، لا مجرد عناصر في حسابات كلفة التحالف ومكاسبه. كما أن قراءة المخاطر الإقليمية لا تكتمل من دون التمييز بين مصالح الدول العربية ومصالح القوى المتحاربة. فقد تتفق دول على ضرورة احتواء التهديدات الإيرانية، لكنها لا تتفق بالضرورة على حرب مفتوحة أو على تغيير النظام في طهران. وقد تحتاج إلى ضمانات أمنية من الولايات المتحدة، بينما تخشى في الوقت ذاته أن تتحول أراضيها ومجالاتها الجوية وبنيتها الاقتصادية إلى ساحات لتصفية الحسابات. إن اختزال هذه الحسابات في معادلة حماية الحلفاء يغفل حقيقة أن الدول العربية تمتلك مصالحها الخاصة، وأن نجاح أي ترتيب أمني إقليمي يتطلب مشاركة هذه الدول في تحديد قواعده وأهدافه، لا الاكتفاء بوضعها داخل منظومة تُصاغ قراراتها الأساسية في عواصم أخرى.
المفارقة الأخيرة: شراكة أقوى وشرعية أضعف: تصل سترول في خاتمة حجتها إلى أن الضرر طويل الأمد الذي قد يصيب العلاقات الأمريكية الإسرائيلية هو الاحتمال الأكثر إثارة للقلق. وهي لا تخفي تقديرها الاستراتيجي لإسرائيل، إذ تصفها بأنها شريك أمني مفضل للولايات المتحدة، لما تمتلكه من قدرات استخباراتية متقدمة، وبيئة ابتكار دفاعي مزدهرة، واستعداد للمخاطرة بقواتها وتحمل نصيبها من أعباء الحرب. وتضيف أن التغير المتسارع في طبيعة الحروب يفرض على الولايات المتحدة تطوير تقنيات جديدة وصناعات دفاعية قابلة للتوسع، وهو ما يمنح التعاون مع إسرائيل قيمة تتجاوز الحرب الحالية. ومن وجهة نظرها، فإن تراجع الدعم الشعبي للشراكة سيجعل من الأصعب على القادة العسكريين الأمريكيين طلب المساعدة الإسرائيلية في الأزمات المستقبلية، أو الحفاظ على التعاون في أوقات السلم. غير أن هذا الاستنتاج، على وجاهته من منظور المصالح الأمريكية، يحتاج إلى سؤال نقدي مضاد: هل الحفاظ على الشراكة غاية مستقلة ينبغي أن تُقاس بها السياسات، أم أن قيمة الشراكة تتوقف على طبيعة الأهداف التي تخدمها والنتائج التي تنتجها؟ إن كفاءة الحليف وقدراته التقنية لا تعفيان صانع القرار من تقييم مشروعية العمليات، ولا تجعل استمرار التحالف أهم من مساءلة سياساته. فإذا كان التعاون العسكري يحقق مكاسب تقنية واستخباراتية، لكنه يفضي إلى حرب طويلة، ويعمق الانقسامات الداخلية، ويهدد أمن المنطقة، فإن الحساب الاستراتيجي لا يكتمل بمجرد تسجيل المكاسب. ينبغي أن يضم أيضًا تكاليف الفرص الضائعة، وتآكل الثقة العامة، ومخاطر التصعيد، واحتمالات إنتاج بيئة أكثر عدائية على المدى الطويل. وتحمّل سترول ترامب ونتنياهو مسؤولية جانب من هذه الأزمة؛ إذ ترى أنهما أظهرا عزوفًا عن تجاوز قواعدهما الشعبية والتواصل مع شرائح واسعة من مجتمعيهما لبناء توافق حول الحرب. كما تشير إلى أن كليهما يواجه مخاطر سياسية وانتخابات مصيرية، الأمر الذي يجعل تولي القيادة اللازمة لإعادة العلاقات إلى مسارها الصحيح أقل احتمالًا. وتخشى أن يؤدي غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع إيران بعد وقف إطلاق النار إلى انهيار التعاون العسكري الفعال، بدلًا من أن يصبح العمل المشترك أساسًا لشراكة أكثر استقرارًا. لكن المأزق لا يتعلق بشخصية القائدين وحدها. فحتى لو امتلكا قدرة أكبر على التواصل والإقناع، لن يكون ذلك كافيًا ما لم توجد أهداف قابلة للتحقق، وحدود واضحة لاستخدام القوة، وتصور واقعي لما ينبغي أن تكون عليه المنطقة بعد الحرب. إن أزمة القيادة، في جوهرها، ليست فقط أزمة خطاب سياسي، بل أزمة القدرة على التوفيق بين الوسائل والغايات، وبين الطموحات الاستراتيجية والنتائج الممكنة. وإذا كان النص ينجح في الكشف عن الفجوة بين التكامل العسكري والتباعد الشعبي، فإنه لا يذهب بالقدر نفسه إلى مساءلة الافتراض القائل إن تعميق الشراكة الأمريكية الإسرائيلية هو بالضرورة الطريق الأفضل لحماية المصالح الأمريكية أو استقرار الشرق الأوسط. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يواصل النقد العمل عندها؛ فليس كل تحالف ناجح عسكريًا ناجحًا سياسيًا، وليس كل ما يعزز أمن دولة في المدى القصير يحقق الأمن الجماعي في المدى البعيد. إن المنطقة لا تحتاج إلى مجرد إعادة توزيع التفوق العسكري، بل إلى مراجعة مفهوم الأمن نفسه. فالأمن الذي يقوم على قدرة طرف على إضعاف خصومه، من دون معالجة أسباب الصراع، قد يتحول إلى حالة دائمة من الاستعداد للحرب. أما الأمن الأكثر استدامة فيحتاج إلى ترتيبات سياسية تحمي سيادة الدول، وتحد من استهداف المدنيين، وتمنع انتشار الصراعات، وتتيح معالجة التهديدات من خلال مزيج من الردع والدبلوماسية والضمانات المتبادلة. وفي المحصلة، تقدم دانا سترول قراءة مهمة لتحول العلاقة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية من دعم تقليدي إلى شراكة عملياتية متقدمة، وتلفت الانتباه إلى خطر تآكل القاعدة السياسية التي تستند إليها هذه الشراكة. لكنها، في الوقت الذي تحذر فيه من خسارة التحالف، تترك سؤالًا أكبر مفتوحًا: ماذا لو كانت المشكلة لا تكمن فقط في احتمال انهيار الشراكة، وإنما في عجزها عن إنتاج نظام إقليمي أكثر استقرارًا، على الرغم من كل ما تمتلكه من قوة وتقنية وتنسيق؟ إن الحرب قد تمنح أصحابها شعورًا مؤقتًا بالسيطرة، لكنها لا تمنحهم بالضرورة القدرة على التحكم في المستقبل. فالانتصار العسكري يقيس ما استطاعت القوة تدميره أو تعطيله، أما النجاح التاريخي فيقاس بما استطاعت السياسة أن تمنع تدميره، وبما استطاعت أن تبنيه بعد انتهاء القتال. وهنا تتجلى المفارقة التي تمنح المقال أهميته النقدية: كلما أصبحت الشراكة الأمريكية الإسرائيلية أكثر قدرة على خوض الحرب، ازدادت حاجتها إلى إثبات قدرتها على إنهائها، وعلى تحويل نتائجها إلى سلام قابل للاستمرار. فإذا عجزت عن ذلك، فقد تنتصر في إدارة المعركة، بينما تخسر المعنى السياسي الذي يمنح النصر قيمته. ولعل الخطر الأكبر ليس أن تتفكك الشراكة بين واشنطن وتل أبيب فحسب، كما تخشى سترول، بل أن تستمر هذه الشراكة في تحقيق تفوقها العسكري من دون أن تنجح في بناء شروط أمن أوسع للمنطقة. فالقوة التي لا تعرف حدود غاياتها قد تتحول من وسيلة لحماية المستقبل إلى آلية لإعادة إنتاج الماضي، وتصبح كل حرب مقدمة لحرب أخرى، وكل انتصار عسكري تأجيلًا لمواجهة الأسئلة التي لم تُحل. إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى منتصر جديد بقدر ما يحتاج إلى نهاية حقيقية لمنطق الحروب المفتوحة. وتلك، في تقديري، هي المسافة الفاصلة بين امتلاك القوة وامتلاك الحكمة السياسية: الأولى تستطيع أن تفرض وقائع على الأرض، أما الثانية فتستطيع أن تمنع هذه الوقائع من التحول إلى بذور لكارثة جديدة. محيي الدين إبراهيم القاهرة في ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦م
#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رحلة من الإيمان إلى الشك
-
هل يعيش الكون خارج الزمن؟ .. وأين يعيش الزمن؟
-
هل نعيش بالفعل داخل -ماتريكس-؟
-
هل الزمن حقيقة الكون أم اللغة التي يصوغ بها الوعي وجوده؟
-
حين يصبح تصميم الأزياء هو الشخصية الأهم على خشبة المسرح:
-
حين يصبح الزي هو الشخصية الأهم على خشبة المسرح
-
صراع حورس ضد ست الذي تحول من معركة العرش إلى ميلاد القانون:
-
المسرحية الغنائية -هادستاون- على مسرح -ليريك- في لندن
-
المسرح المصري في هوليوود ... حين تتحول السينما إلى ذاكرة لا
...
-
لماذا سيد درويش؟
-
حين بدأ الخلق من نقطة - ضرورة الخالق وأخلاقيات الإيمان:
-
كيف يري الغرب توفيق الحكيم
-
أخطر عشرة مسرحيات في تاريخنا المعاصر
-
قراءة في الرواية القصيرة -المعجزة السرية- للكاتب الأرجنتيني
...
-
من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس
...
-
الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي .. نماذج الوجو
...
-
ميني دراما -حكمت المحكمة حضورياً-
-
أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثاني )
-
من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس
...
-
تحت المظلة لنجيب محفوظ .. حين يتحول الإنسان من فاعل إلى متفر
...
المزيد.....
-
شاهد.. لماذا يلوح طيف ترامب فوق الانتخابات البرازيلية؟
-
-لولا تدخلي لكان الأمر مستحيلًا-.. ميلانيا ترامب تكشف دورها
...
-
وزارة الدفاع الأوكرانية تعلن استعادة الوصول لخدمات -ستارشيلد
...
-
زاخاروفا تدعو ميلوني للاستماع لنداء أل بانو وشعبها بدلا من ك
...
-
موسكو: لا نهتم بهوية المفاوض عن أوروبا والمهم موقفه
-
السفارة الروسية في طهران تنفي إجلاء موظفيها وخبراء محطة بوشه
...
-
التحالف: اعتراض صاروخين باليستيين أطلقهما الحوثيون على الطا
...
-
رئيس وزراء مصر يكشف تفاصيل سرقة سيارة والده وسيارات زملائه ق
...
-
الجيش الإسرائيلي يستحدث مهبطا للمروحيات في جنوب لبنان (صورة)
...
-
قطاع غزة يستيقظ على تصعيد إسرائيلي في الشمال والوسط والجنوب
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|