أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عادل صوما - الشِرك بالكون وازدراء التطور الطبيعي (4)















المزيد.....

الشِرك بالكون وازدراء التطور الطبيعي (4)


عادل صوما

الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 04:48
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كل الأديان والعقائد الإنسانية تحدثت عن الوجود وبدء حياة الكائنات وموتها كتصورات، من أجل إضفاء قيمة على حياة الإنسان العاقل، أو كتعاليم لحِكم الناس وردع الغوغاء والمتنمرين بزرع وازع أخلاقي في نفوسهم، لحماية الضعفاء منهم. تصورات وتعاليم لم ينزل وحي بها ولم تُعلن حروب من أجلها، ولم يُجبر إنسان على الاعتراف بها لينال عضوية مجموعة ما في الحياة ومكافأته بعدها، لأن الجزاء كان مفهوما أخلاقياً بحتاً لا علاقة للإيمان به.
لكن الأدبيات الإبراهيمية خصوصاً المسيحية والإسلام صنعت من التصورات والأساطير التي اقتبستها من حضارات البحر المتوسط حقائق موضوعية نهائية مُوحاة غير قابلة للنقاش، بل وبدون الإيمان بها يُعتبر الإنسان غير مؤمن ولا ينال نعمة الدخول للجنة.
الخلق واللغة
من موروثات الأساطير في الأدبيات الإبراهيمية أن خلق المنظمومة الشمسية المرئية بالعين تم مرة واحدة وبكلمة واحدة "كن". كما تم خلق الإنسان مرة واحدة أيضا، ففي سفر التكوين خلق الله آدم من تراب الأرض ثم نفخ فيه نسمة حياة. وتبنت المسيحية رواية سفر التكوين كما هي، وذكر القرآن أن الإنسان خُلق مرة واحدة من صلصال/تراب.
كان الله يتكلم مع آدم وحواء في الجنة حسب التوراة والانجيل، لكن القرآن انفرد بذكر أن الله نفسه علّم آدم الكلام والبيان واللغة أو التعبير. "الرحمن.علّم القرآن.خلق الإنسان.علمه البيان". وكلمة البيان مبهمة وواسعة جداً ومتنوعة المعاني حسب سياق أي جملة.
جاء في القرآن "وعلّم آدم الأسماء كلها"، لكنه لا يقول إن الله علّم آدم لغة محددة، مثل العربية أو العبرية أو الآرامية. ثم أن "الأسماء كلها" يستحيل أن يعلّمها الله للإنسان، فالكهرباء والسيارة والإنترنت واللاسلكي والسرطان والعدوى والبكتيريا وغيرها من آلاف الكلمات اشتُقت لاحقا، و"الأسماء" فُسرت كما جرت العادة بطرق مختلفة لم يُجمع عليها المفسرون، الذين ادعى بعضهم أن اللغة العربية هي لغة الله وأهل الجنة وآدم.
الكون والأرض
اقتبست الأدبيات الإبراهيمية التصور العام للمنظومة الفلكية الشمسية في نصوصها من الحضارات المجاورة، لذلك لم يذكر الوحي الإلهي كلمة "الكون" أو "المجرة" ولا عدد كواكب مجرتنا بشكل صحيح، وكانت المنظومة الفلكية هي السماء أو السماوات فوق الأرض بوصفها مركز المجرة وموضع حياة البشر. وحتى فكرة "السماوات السبع" في الأدبيات الإبراهيمية لها مصادر واضحة في تراث الشرق الأدنى القديم.
ففي بلاد الرافدين كان الرقم سبعة ذا أهمية كبيرة بسبب الأجرام السماوية السبعة المعروفة آنذاك بالعين المجردة في علم الفلك القديم، وهي الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل.
وفي اليهودية توجد إشارات إلى السماوات في نصوصها، وتطورت في الأدب اليهودي اللاحق تصورات عن سبع سماوات، مقتبسة من بلاد الرافدين. وفي التصورات اليهودية المتأخرة، تأثر بعض علمائها بعلم الفلك اليوناني والهلنستي، ولذلك نجد نماذج كونية متعددة، بدون فكرة موحدَة بشأن بنية الكون.
وفي المسيحية المبكرة ظهرت تصورات متعددة للسماوات بدون ذكر عدد محدد لها، لكن السماء في المسيحية واحدة وتعني مكان وجود الله، وإليها صعد المسيح بعد قيامته، وفي بعض الأدبيات المسيحية، واليهودية/المسيحية وردت فكرة السماوات.
فكرة النظام الفلكي في المسيحية موروثة من التصور الكوني الموجود في العهد القديم، ثم تأثرت بعلم الفلك اليوناني، وفي العصور الوسطى كان النموذج الشائع في أوروبا المسيحية هو النموذج الجغرافي المركزي، الذي يتصور الأرض في مركز المجموعة الشمسية، وحولها يدور القمر والشمس والكواكب والنجوم، ولاحقاً، بعد ثورة كوبرنيكوس وغاليليو الفلكية وغيرهما، انتقل التصور العلمي تدريجياً إلى النظام الشمسي المركزي، وتقبلّت الكنيسة هذه الرؤية العلمية لاحقاً.
ورد في القرآن اقتباساً مما سبقه من أدبيات "فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ"، فصلت 12، و"الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا"، الملك 3. ولم يبال فقهاء الإسلام مطلقاً بالتطور المعرفي في علم الفلك، بل ما زال منهم من يعتقد أن الأرض مسطحة، ويتمسك بفكرة "يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ"، الرحمن 35، "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ"، الملك 5، "إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ"، الصافات 10.
وفي التفسير الإسلامي التقليدي، فُسِّر الشهاب بأنه شعلة أو نار تُرمى بها الشياطين. فهل القرآن يعتبر الشهب نجوماً تُضرب به الشياطين؟ الشهاب ظاهرة مختلفة عن النجم كما يثبت العلم.
فكرة السبع سماوات أصبحت فكرة بدائية بسبب الاكتشافات العلمية الفلكية، وكلمة سماء تغيرت إلى فضاء، وعلم الفلك الحديث أثبت بفضل التليسكوبات العملاقة وجود كون شاسع يتمدد ويحوي مجرات ونجوماً متعددة لا يوجد عدد نهائي معروف لها. بل أن الكون نفسه في حالة غير ثابتة لأن هناك مجرات تختفي ومجرات تولد.
عصر التنوير
كان موقف المؤسسة الدينية اليهودية من عصر التنوير متنوعاً، ولم يكن رفضا مطلقا للعلم ولا قبولا كاملا لأفكار التنوير، فقد قبلت العلوم التي لا تتعارض مع العقيدة، و اهتم عدد من العلماء اليهود بالرياضيات والفلك والطب والفلسفة. ورأت المؤسسة الدينية اليهودية أن دراسة الطبيعة يمكن أن تساعد على فهم خلق الله للعالم، لكنها تحفظت على بعض الأفكار الفلسفية. وظهر لاحقاً التنوير اليهودي Haskalah في ألمانيا خلال القرن الثامن عشر، ودعا إلى توسيع التعليم اليهودي ليشمل العلوم الحديثة والفلسفة واللغات الأوروبية، مع السعي إلى اندماج اليهود في المجتمع الأوروبي.
تقبلت المؤسسة الكنسية ما تقوله العلوم وأفكار عصر التنوير بعد صراع كان من نتائجه تراجع احتكار المؤسسات الدينية لبعض مجالات التعليم والمعرفة، واتساع النقاش حول حرية الضمير والتسامح الدينية، وتصاعد المطالب بالفصل بين السلطات الدينية والسياسية، وإعادة النظر في علاقة الدين بالدولة، خصوصا خلال الثورة الفرنسية عام 1789، التي أدت إلى تغييرات كبيرة في وضع الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا.
كان موقف فقهاء المسلمين من أفكار التنوير متفاوتا، بين القبول والانتقاء والتحفظ والمعارضة، وكان تحفّظ بعضهم على أفكار التنوير، لأنها تُقدّم العقل على النص الديني، كما أثار نقد التراث الديني وإخضاع الموروث الفقهي والعقدي للنقد التاريخي والفلسفي مخاوف لدى بعض الفقهاء من إضعاف الثوابت الدينية أو التقليل من مكانتهم في المجتمعات الإسلامية، إضافة إلى التخوف من العلمانية وفصل الدين عن الدولة لأن الإسلام دين ودولة، كما رُفضت التصورات التي تحصر الدين في مجال العبادة.
لم تزل المؤسسة الفقهية الإسلامية في خصومة مع أفكار التنوير، لأنهم يؤمنون أنها الطريق المؤدي إلى سقوط الغرب، وعقب الصحوة الإسلامية، تمت محاولات تفصيل نهضة إسلامية علمية حسب النص القرآني والحديث، فظهر الطب النبوي والتداوي بالتمر والحبة السوداء وبول البعير وماء المطر الذي يعالج الصلع والشفاء بالأدعية. كما اكتشفوا الاعجاز العلمي في القرآن بوجود علم الهندسة ففي قوله "انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ" قاعدة هندسية هي أن الشكل المثلث لا ظل له. وجاءت الإشارة إلى علم الهندسة الميكانيكية الذي يرتبط بالحديد دون غيره من المعادن والفلزات، وذلك في قوله "وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ". ذكر القرآن الهندسة المستوية التي تعتمد على بعدين اثنين الطول والعرض حسب قوله "حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ". كما ورد في القرآن الهندسة المعمارية بقوله "أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ". وأشار القرآن إلى علم الجبر أيضاً في قوله "فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ". وأما علم الفلك، فجاءت الإشارة إليه في قوله "قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ. ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ".
وكان تفسير التقدم التقني حسب هيئة علماء المسلمين أن الله سخّر الآخرين ليفعلوا ذلك خدمة للمسلمين.
نحو المستقبل
فسرت تصورات الأساطير الكون وبداية حياة الكائنات وموتها، ثم أصبحت السيطرة للديانات الإنسانية، ثم جاءت الأدبيات الإبراهيمية بالضرورة التي سادت عصورها، وهي ظهور أنبياء، لتفرض تصورات اقتبستها على أنها حقائق موضوعية، وبعد عصر النهضة ثم التنوير بدأت المعرفة تتحول شيئاً فشيء إلى العلم الذي أعاد خريطة بداية الكون ونشأة الأرض والحياة عليها، والمرّجح أننا على أبواب أمر واقع سيغير مستقبل رجل الشارع المعرفي، لكن الأمر سيستغرق وقتاً كما حدث مع الأساطير والديانات الإنسانية التي عاشت عشرات القرون، ثم دخلت إلى كتب التاريخ.

للموضوع حلقة أخيرة









#عادل_صوما (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشِرك بالكون وازدراء التطور الطبيعي (3)
- الشِرك بالكون وازداء التطور الطبيعي (2)
- الشِرك بالكون وازدراء التطور الطبيعي (1)
- محاربة الله واغتصاب المرأة لنصرته!
- كل غزوة والحداثة في غم
- جريمة الدفاع عن الهوية
- الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (3)
- الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (2)
- الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (1)
- دين سياسي ضد نظرية سياسية (3)
- دين سياسي ضد نظرية سياسية (2)
- دين سياسي ضد نظرية سياسية
- الإحلال والعنصرية في كأس العالم
- تعقيب على كلمة الرئيس الإسرائيلي
- من أعترف بهزيمته بين المسلمين؟
- هاني شاكر في عمره الثاني
- ليبرالي حتى خراب وطني (2)
- ليبرالي حتى خراب وطني (1)
- الأدبيات الإبراهيمية ودولة إسرائيل
- الشائع ووقائع -الحاكمية لله-


المزيد.....




- مصر وتركيا تبحثان الأوضاع في ليبيا وسط اختلاف المواقف بشأن م ...
- القناة 14 العبرية: مقتل جندي إسرائيلي مصاب في هجوم الخليل ال ...
- الكرملين: مفاوضات أبو ظبي حول أوكرانيا ستعقد مطلع نوفمبر
- داء المرتفعات يقصي صانع المحتوى -أبو فلة- من إكمال تسلق جبل ...
- الدفاع الروسية: استعادة 270 أسيرا مقابل 270 أوكرانيّا (فيديو ...
- باريس.. مقتل شخص وإصابة أربعة بإطلاق عشوائي للنار
- هل تحلّ روسيا العقدة الإيرانية؟
- ترامب يدعم نتنياهو، أَمْ يقضي على فرصه الانتخابية!
- ليس بالديزل وحده، روسيا تُسعف الولايات المتحدة!
- حاملات الطائرات الأمريكية أمام إيران تنذر بحرب كبرى


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عادل صوما - الشِرك بالكون وازدراء التطور الطبيعي (4)