|
|
جريمة الدفاع عن الهوية
عادل صوما
الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 19:23
المحور:
كتابات ساخرة
أصبح طبيعياً أن نقرأ في وسائل الإعلام الرسمي اسبوعياً عن "مشاغبون" في بريطانيا، أو غيرها في دول الاتحاد الأوروبي، يهاجمون مهاجرين أو مساكنهم أو محلاتهم، وتتدخل الشرطة للحماية أو لتسجيل محاضر بما حدث. كما أصبح أمراً روتينياً أيضاً تجاهل الليبراليين الغربيين ومعظم كُتّاب الأعمدة أو التحاليل الناطقين بالعربية وغيرها من لغات في وسائل الإعلام الرسمية، لأسباب أعمال الشغب، والنفور من المهاجرين خصوصاً المسلمين، بعدما كانت الحكومات الغربية كافة تفتح لهم باب الهجرة والعمل والارتقاء في الوظائف، بل إعالتهم مالياً حتى يتعلموا أو يجدوا وظائف. بإذن الله أعمال الشغب والنفور لم تأت من فراغ، بل جاءت بعد عقود في الغرب من ثمار جهود القيميين على المسلمين بدس فكرة تكفيره، ومن ثمة العداء معه وعدم الانتماء له، بل وعدم الاعتراف بما قدمه الغرب لهم. كان المسلمون حتى ستينات القرن العشرين يسافرون إلى الغرب طلباً للعلم والتقدم وجلب مقومات أسباب تقدمه إلى دولهم، وكان الذين يقررون البقاء، ينتمون إلى الغرب وأزيائه وأفكاره وحضارته، مع الحفاظ على تقاليدهم وثقافتهم داخل نطاق أسرهم كنوع من الحنين للوطن الأم. ومنذ نصف قرن يهاجر المسلمون إلى الغرب هرباً مما يحدث في بلادهم وقلة فرص العمل والتخلف العلمي ومحسوبيات رجال الانقلابات والتزمت المستشري يوماً بعد يوم وتدهور الخدمات الحياتية وانهيار قيمة المعلات وبالتالي الغلاء المستمر، لكن يتلقفهم في دول الغرب القيمون على المسلمين المهاجرين (وكأنهم أطفال غير ناضجين) ويلقنوهم في المساجد كراهية الغرب الواجبة المقدسة وأهليتهم (المسلمون) لأستاذيته، ورد الصاع لفترة الاستعمار التي نهب الغرب فيها دول المسلمين، وكأن المسلمين أنفسهم لم يستعمروا وينهبوا ويسبوا النساء ويبيعوا العبيد في أسواق النخاسة حين كانوا أقوياء، أو أن الخلافة العثمانية نفسها لم تنهب ثروات دول المسلمين وتعدم حكامهم وتأسر خليفة من القاهرة، وتجبر الحرفيين المهرة على السفر للعمل في الآستانة، إضافة إلى حكام الإنقلابات المسلمين وأهل الثقة الذين نهبوا ثروات البلاد، ووضعوها في بنوك الغرب، ووضعوا المعارضين في السجون أو أعواد المشانق. وسائل ودول وفقاً لبراهين وأدلة وأحاديث من مسلمين غير مؤدلجين عقائدياً، تُلقن المساجد المُسيسة في الغرب التي يسيطر على معظمها الاخوان المسلمون، رغبة القرضاوي رؤية العلم الأسود فوق الڤاتيكان "لا بد أن يأتي اليوم الذي يُرفع فيه علم الإسلام على سقف الڤاتيكان بإذن الله"، كما قال القرضاوي، ووردت عبارته في شهادة عن شيخ آخر. "عن.. عن .. عن ... كما جرت العادة". طالما لم ينفها رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين طوال عقود، فهو قائلها! لكن الأمر المثير هو أن البابا ليون الرابع عشر دشن في شهر حبريته الرابع حلم القرضاوي، بتخصيص جزء من مكتبة الڤاتيكان كجامع. تخطت بلاهة ليبرالية البابا ليون الرابع عشر غير المحدودة الحدود المباحة، وهو لا يعرف بسبب عمى بصيرته، حتى كرئيس دولة لها علم وتمثيل ديبلوماسي، ما سيترتب على ما فعل، لأن أي أرض يطأها مسلم أو جيوش إسلامية هي وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها. القيمون على المسلمين في الغرب يلقنوهم ما هم ليسوا أهلا له حالياً، فليس لديهم القوة العسكرية أو التقنية أو العلم أو العقول المفكرة، ولأن القيميين يدركون ذلك الأمر، ركّز وعاظهم على ترويج القنبلة السكانية العددية وحث المسلمين على الانجاب، وصاحب هذه الفكرة القرضاوي نفسه. فبعد أن كان المسلم المتأثر بالغربيين ينجب مثلهم طفلين أو ثلاثة على أكثر تقدير ليعلمهم ويجعلهم يعيشون برفاهية، أصبحت ظاهرة انجاب خمسة أطفال أو أكثر منتشرة، حتى بالنسبة للذين يتلقون إعاشات ومساعدات عينية ومالية حكومية في الدول الكافرة ولا يعملون! وحتى تحقيق التفوق العددي بدأت ستراتيجية التفجيرات الجهادية والاغتيالات بفتاوى، والاعتداء التخريبي الممنهج على كنائس المسيحيين ودور العبادة اليهودية أو تدنيسها، وحوادث الطعن ضد السافرات الأوروبيات وآلاف الاغتصابات لبعضهن، والدهس والهجوم بالسيارات على أسواق الكريسماس والاحتفالات الغربية، واحتلال الميادين كما رأينا بعد طوفان "حماس" وحروب مسانديها في أكتوبر إياه وما بعده، في محاولات فرض الرعب أو التسليم والتعايش مع ثقافة صحراء الأقليات المهاجرة على سكان مدن القرن الواحد والعشرين، سواء في المدارس أو الاعمال أو الشوارع أو شواطئ البحر أو في المتاجر حيث يُباع ما هو غير حلال، وحتى في المستشفيات حيث يوجد صلبان في غرفها لأنها مملوكة من رهبانيات. صحيح أن ورقة التخويف بالمهاجرين أصبحت رابحة سياسياً في الغرب بشكل عام، لكن مَنْ جعلها كذلك في العقدين الأخيرين هم المواطنون الغربيون العاديون سواء بالاحتكاك العنيف المباشر مع المهاجرين أو على وسائل التواصل الاجتماعي، طالما الحكومات لا تحسم الأمر، والكرسي الرسولي بغض النظر عمن يجلس عليه، يحث أوروبا على استقبال المزيد من المهاجرين غير الشرعيين بدافع الإنسانية وإغاثة المحتاجين. المواطن الغربي العادي يدفع ضرائبه وكل خدماته، ولا يدفع المهاجر الذي له حتى الأولوية في العلاج، بينما المواطن ينتظر دوره على قائمة الانتظار في العلاج حتى لو كان من السرطان. بل وصل تدليل جو بايدن، شفيع المهاجرين غير الشرعيين في أميركا، إلى حد إقامتهم في فنادق فخمة وتسديد فواتير هواتفهم وطعامهم وعلاجهم من دافعي الضرائب. هكذا صعد اليمين القومي بعدما كان الناس لا يصدقون ما يقوله منذ سنوات. مرض وراثي المفارقة الانفصامية هي شعور المسلم بتخلّف بلاده ومعاناته من نسبة ارتفاع البطالة فيها وحرمانه من حرية التعبير بكل أشكالها وسوء الخدمات وأشكال الحكم القمعية. لكن حين يحصل على تأشيرة دخول لبلد آخر، ويهرب بسبب كل ما ذُكر علاوة على الحروب المذهبية أو السياسية من بلاده، يبدأ في تشرّب أقوال الأئمة المسيسيين والتأفف من الدول التي آوته، ويتعاظم الشعور عنده بأنه أرقى من المواطنين الذين يعيشون حوله، لأن الله سخرهم وسخّر علومهم وقوتهم وتفوقهم لخدمته، حسب ما يفسر الراسخون في العلم في مساجد الغرب تخلف المسلمين عن كل دول العالم. التعديل أو الإلغاء الحرية والتحمّل لهما حدود، ويبدو أن معاهدة اللاجئين في سنة 1951، قد بدأ يتزايد حولها إجماع أوروبي بتعديلها أو إلغائها، قبل انهيار دول أوروبا أمام طوفان هجرة أناس يستحيل أن يتأقلموا فيها أو ينتموا إليها أو على أقل تقدير يظهرون الامتنان لما تقدمه الشعوب. هل قال أي من السياسيين المسلمين الذين وصلوا إلى مناصب كبيرة في الغرب أي عبارة امتنان؟ التعليقات مفتوحة، وأرجو كتابة عبارة موّثقة قالها صادق خان أو إلهان عمر أو رشيدة طليب أو زهران ممداني أو عبد الرحمن السيد أو حتى باراك أوباما عرفاناً بالمساواة! بعد عقود طويلة من فصل الدين عن السياسة في الغرب، بدأت تُرفع راية الثقافة المسيحية والقيم المسيحية التي بُني عليها الغرب في البرلمانات، وضرورة التماسك الاجتماعي وحماية الثقافة والقيم والتماسك ممن لا يحترموها، وتُفتح لهم الأبواب باسم الحرية وحقوق الانسان والتعددية. كما بدأ المواطنون الغربيون دافعو الضرائب الضغط على الحكومات لحرمان اللاجئين من حق السكن المجاني وتضييق حق الحصول على الإقامة والانسحاب من معاهدة حقوق الإنسان الأوروبية، ووصل الامر إلى تسويق فكرة عدم أحقية المتجنسين منهم في الوصول لمجالس النواب والمناصب السياسية السيادية. تحت بند "التعددية قوة" كان يُسمح للمهاجرين ويتم تشجيعهم على عدم التخلي عن هويتهم وثقافاتهم، لأن تعدد الثقافات غنى وقوة، واليوم يميل الجو الأوروبي العام خصوصاً البريطاني، إلى إجبار المتجنس من أصل غير بريطاني على التخلي عن هويته واعتناق الهوية البريطانية حتى لا يُصنف غير مواطن. بركان القوميات الفكر اليميني القومي ينتشر بسرعة في الغرب، ومن الواضح أن هناك مصادر تموله. مصادر أدركت خطورة التمادي في التعددية والافراط في الحرية وعواقب تلقين جلد الذات على ماض الأمم الأوروبية الاستعماري. أحد الممولين إيلون ماسك الذي فُجع بتضرر أحد أولاده بشكل لا يمكن إصلاحه، بسبب الافراط في الليبرالية والتمادي السمج في تشجيع الاطفال على اختيار الجنس الذي يفضلونه (بسبب الايحاء في المدارس) بدلا من الجنس الذي ولدوا به. الخيول التي تجر عربة الفكر القومي هم السياسيون اليمينيون، الذين يؤيدهم ويسوّق أفكارهم أدباء ومفكرين يرفعون السقف ويطالبون بعودة غير الأوروبيين إلى بلادهم لحماية العنصر الأبيض من التلاشي. إذا نظرنا إلى الدعوة نفسها من منظور أقوال الذين يقتدي المهاجرون بهم سنجد على سبيل المثال: "لا يجتمع في أرض الجزيرة دينان"، وشعار "مصر للمصريين" قبل انقلاب 1952، ثم تطبيق عبد الناصر حرفياً للشعار بطرد الجاليات المتمصرة في مصر وليس الاستعمار. مع عدم نسيان الخليجيين الذين يخشون على ثقافاتهم من تعداد المهاجرين الذين لا أطماع لديهم لحكم دولهم، أو فرض ثقافاتهم. إذا تأملنا ما سبق، سنجد عذراً للجنس الأبيض الخائف من التلاشي، فكل شيء له حدود حتى قبول الآخر. غرد إيلون ماسك "الخونة قبل الغزاة"، وقصد من تغريدته الليبراليين وكل المتعاطفين مع الهجرة والتعددية والنفوس الضعيفة التي اشترتها الأموال الحلال. مظاهر الهوية القومية التي بدأت تستفحل ظاهرة صحية، لأنها تعبير عن الانتماء والايمان بشيء، بدلا من تفاهة قيمة "الاستمتاع بالحياة الشخصية" التي ستُدمر الأوطان الغربية. هي ظاهرة صحية تماماً طالما لم تناد بالاعتداء على هويات أخرى مجاورة، أو احتلال أراض الغير، وأمر منطقي أن يخاف منها الذين يعيشون بهويات مزيفة ولا يعترفون حتى بالشكر لمن فتح أبواب بلاده لهم. الحرية والليبرالية والتعددية لها حدود، وكل شيء يمارس بدون حدود يقتل، حتى استشاق الأكسجين وهو سبب الحياة.
#عادل_صوما (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (3)
-
الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (2)
-
الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (1)
-
دين سياسي ضد نظرية سياسية (3)
-
دين سياسي ضد نظرية سياسية (2)
-
دين سياسي ضد نظرية سياسية
-
الإحلال والعنصرية في كأس العالم
-
تعقيب على كلمة الرئيس الإسرائيلي
-
من أعترف بهزيمته بين المسلمين؟
-
هاني شاكر في عمره الثاني
-
ليبرالي حتى خراب وطني (2)
-
ليبرالي حتى خراب وطني (1)
-
الأدبيات الإبراهيمية ودولة إسرائيل
-
الشائع ووقائع -الحاكمية لله-
-
ولي فقيه سردابي جديد
-
ما الحقيقي وما المُفبرَك؟
-
هل الأقباط مواطنون؟ (2)
-
-منشية الإسكندرية- سيمفونية الجاليات في مصر
-
هل الأقباط مواطنون؟
-
هل ممداني عمدة أو داعية؟
المزيد.....
-
بحّار الرواية العربية.. كيف حوّل حنا مينه زرقة المتوسط إلى م
...
-
فستان من أرشيف 1995.. كيندال جينر تخطف الأنظار في مهرجان الب
...
-
-كسارة البندق – ليست حكاية خرافية-.. عرض روسي معاصر في إسطنب
...
-
بمشاركة عربية واسعة.. مهرجان قازان يحتفي بالسينما العالمية و
...
-
ستارة المسرح الجامعي الثالث تُسدل…- الخطة صفر- تحصد المركز ا
...
-
طائرة ورقية.. ذلك الملاك الذي يُعيد الحب: إلى روح الشهيد الش
...
-
في تحية الفيلسوف الرئيس
-
مايلي سايرس تتخلى عن اسم عائلتها قبل ألبومها الجديد.. وماثيو
...
-
مشاركة إماراتية نوعية في معرض موسكو الدولي للكتاب
-
كتلة حزب الله النيابية: لن يكون بمقدور أحد إلغاء العداء لإسر
...
المزيد.....
-
مقامات وقف السرسرية
/ د. خالد زغريت
-
مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش
/ د. خالد زغريت
-
في الطريق إلى الهفا
/ د. خالد زغريت
-
وحطوا رأس الوطن بالخرج
/ د. خالد زغريت
-
قلق أممي من الباطرش الحموي
/ د. خالد زغريت
-
الضحك من لحى الزمان
/ د. خالد زغريت
-
لو كانت الكرافات حمراء
/ د. خالد زغريت
-
سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته
/ د. خالد زغريت
-
رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج
/ د. خالد زغريت
-
صديقي الذي صار عنزة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|