أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عادل صوما - الشِرك بالكون وازداء التطور الطبيعي (2)















المزيد.....

الشِرك بالكون وازداء التطور الطبيعي (2)


عادل صوما

الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 18:39
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ظهر الإنسان العاقل Homo Sapience قبل نحو ثلاثمئة ألف سنة، واستخدم الكهوف الطبيعية أو البسيطة التي صنعها والملاجئ الصخرية لكي تحميه من الطبيعة والحيوانات المفترسة والعواصف منذ عصور مبكرة، لكن مع التقدم في الخبرة بدأ يعيش في تجمعات سكانية أكبر ومساكن بدائية موقتة في العراء، واستمر استخدام الكهوف لعشرات الآلاف من السنين، وحتى بعد ظهور الزراعة قبل نحو اثنتى عشرة ألف سنة، وظل بعضها مستخدماً للسكن أو لأداء الطقوس أو للتخزين، وكان استخدام الكهوف أحد أنماط أساليب الحياة المستمرة، وليس مرحلة منفصلة من تاريخ الإنسان.
لا شيء من فراغ
توارث الإنسان العاقل نمط أساليب الحياة، وتوجد دلائل أركيولوجية على أن أنواعاً بشرية سابقة للإنسان العاقل، كانت تستخدم مواقع مفتوحة أو محصنة طبيعياً لتنشئ أماكن إقامة بسيطة فيها، وكانت تجمعات الإيواء تلك من مواد في البيئة المحيطة مثل الخشب والأغصان أولا، وجلود الحيوانات في مرحلة لاحقة، بعدما أدرك الإنسان العلاقة بين وجود جلود الحيوانات التي أكلها أو ماتت في الشمس لفترات طويلة وتجفيفها، فاستخدم هذه الهدية الطبيعية وأنشأ مساكن، كثر حماية من أشعة الشمس والمطر، وسهلة الحمل لأماكن أخرى أيضاً.
كل هذه الأساليب البدائية نادرة الوجود كأثار، لأن موادها قابلة للتلف والاندثار، لكن قبل نحو سبعين إلى أربعين ألف سنة، أصبح بناء مساكن ثابتة أقوى أكثر وضوحاً، وعُثر على آثار لمساكن أو أكواخ دائرية أو بيضاوية، وأحياناً كانت لها أرضيات ومناطق مخصصة لنار التدفئة أو الطبخ والعمل اليدوي البسيط، وقبل نحو عشرين إلى خمسة عشرة ألف سنة، بدأ الإنسان يبني تجمعات تضم عدداً من المساكن، خصوصاً في بيئات صيد السمك وجمع الثمار في مناطق من الشرق الأوسط وأوروبا.
حدث تحول جذري في معيشة الإنسان قبل نحو إثنتى عشرة ألف سنة، مع بداية الزراعة والاستقرار الدائم، فقد بدأ الإنسان بناء مساكن أكثر ديمومة، ثم ظهرت القرى الصغيرة، وفيها بُنيت البيوت المصنوعة من الطين والحجر بالقرب من الأنهار والبحيرات، مع ملاحظة أن الإنسان العاقل عاش في الكهوف وفي الأكواخ وفي المخيمات المفتوحة في الفترة نفسها، تبعاً للبيئة الموجود فيها، فقد وُجد الإنسان العاقل في كل القارات، لأن أسلافه تحركوا بسبب انحسار المياه بين القارات أو الخلجان التي بينها، فلم لم تكن جغرافية الأرض مستقرة كما نعرفها اليوم.
أساليب التفاهم
هناك أدلة من علمّي الإنسان Anthropology واللغويات Linguistics تشير إلى أن القدرة على التواصل الصوتي البسيط ثم المُعقد كانت موجودة لدى الإنسان العاقل منذ عشرات الآلاف من السنين، فقد استطاع العلماء العثور على آثار بيولوجية وتشريحية وسلوكية مرتبطة بالقدرة على الكلام واللغة، وهذه الأدلة ساعدت في تحديد متى أصبح الكلام ممكناً عند البشر.
وجد العلماء العظمة اللامية Hyoid bone وهي التي تثبِّت عضلات اللسان والحنجرة عند إنسان نياندرتال وتعود إلى نحو ستين ألف سنة، وكان شكل العظمة اللامية قريباً جداً من عظمة الإنسان الحديث. ما يعني أن جهاز النطق لدى النياندرتال كان قادراً على إنتاج أصوات معقدة، لكنها لم تصل إلى مستوى إنتاج مفردات ولغة.
درس العلماء جماجم البشر القدماء، خصوصاً المناطق المرتبطة بالتحكم في الكلام واللغة، ولاحظوا تطور مناطق الدماغ المرتبطة بالتحكم الحركي والتواصل، واكتشفوا وجود جين أطلقوا عليه اسم FOXP2، ويلعب دوراً في التحكم الدقيق بالحركات المطلوبة للكلام واللغة عند النياندرتال، وهذا الجين نسخة قريبة جداً من التي عند الإنسان الحديث، وهو جزء من شبكة بيولوجية أكثر تعقيداً مرتبطة بالقدرات على تأليف أصوات لغوية أو مفردات بدائية تشير إلى موجودات البيئة المحيطة.
ولأن الكلام لا يحتاج إلى إنتاج الأصوات فقط، بل إلى سماعها وتمييزها وفهم ما تدل عليه أيضاً، درس العلماء عظام الأذن الداخلية والوسطى لدى البشر القدماء، وحاولوا معرفة نطاق الترددات التي كانوا قادرين على سماعها، فوجدوا أن جهازهم السمعي كان مناسباً لسماع الأصوات المستخدمة في الكلام البشري البسيط، ما أتاح للبشر القدماء القدرة على التخطيط والتعاون ونقل المعرفة وصناعة أدوات معقدة واستخدام الرموز والقيام بسلوكيات اجتماعية متقدمة مثل الدفن الذي لم يكن معروفاً عند أسلاف الإنسان الحديث.
كل هذه الأدلة العلمية المتراكمة تشير إلى أن الإنسان العاقل امتلك القدرات التشريحية والعصبية اللازمة للكلام خطوة بخطوة وليس مرة واحدة، فالانتقال من تواصل أسلاف البشر بالهمهمة والإشارات، والصراخ والتصفيق عند الخطر، إلى المفردات البشرية البسيطة ثم الجمل المُركبة من عدة مفرادات عملية تدريجية استغرق آلاف من السنين.
تلك القدرة على إصدار أصوات منظمة والتحكم فيها تطورت تدريجياً لدى أسلاف الإنسان، أما اللغة ذات الكلمات والقواعد والقدرة على التعبير عن أفكار مجردة فيصعب تحديد بدايتها عند الانسان، ويُرجح العلم بسبب التطورات البيولوجية المُشار إليها أن الإنسان العاقل قبل مئة إلى خمسين ألف سنة، امتلك قدرة لغوية متقدمة، بسبب عوامل بيئية أيضاً، فقد احتاج الإنسان إلى التعاون في الصيد والحصاد بعد الزراعة والدفاع عن المجموعة وبناء المساكن، لأنه أصبح يعيش في مجموعات إنسانية أكثر عدداً، كما أدرك الإنسان ضرورة تلقين أولاده كيفية صناعة الأدوات وكيف ومتى يزرعون، وأين توجد المياه اللازمة، وكيف يصطادون وما إلى هنالك.
هذا الاستقرار أدى إلى قفزة بدايات الحياة الإنسانية والانفصال المعرفي التام عن أسلافنا باستخدام الدماغ، مع الاحتفاظ بالجينات الموروثة من الإنسان البدائي.
التفكير والوعي
نشأ التفكير المجرد والرمزي، مع تطور الدماغ والقشرة المخية Cerebal Cortexالتي بسببها بدأ يتطور التفكير والوعي واللغة والكلام والذاكرة والحركة الإرادية والإحساس و الرؤية والسمع، ومن ثمة أصبح الإنسان الحديث قادراً على ربط صوت معين بمعنى مجرد؛ أي أن كلمة مثل مياه لا تشير فقط إلى ما هو موجود أمامه سواء كان بحيرة أو نهر، بل إلى مفهوم المياه بشكل عام.
تطور التفكير المجرد من المرئيات إلى ما لا يستطيع الإنسان رؤيته، خصوصاً ما قبل وجوده ومصيره، ولأن أدوات المعرفة كانت بسيطة ومحدودة، بدأت الأساطير التي تروي كيف خُلق الإنسان وأين يذهب بعد موته، وهي أول ثورة معرفية ناسبت تفكير هذه العصور البدائية.

للموضوع صلة



#عادل_صوما (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشِرك بالكون وازدراء التطور الطبيعي (1)
- محاربة الله واغتصاب المرأة لنصرته!
- كل غزوة والحداثة في غم
- جريمة الدفاع عن الهوية
- الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (3)
- الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (2)
- الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (1)
- دين سياسي ضد نظرية سياسية (3)
- دين سياسي ضد نظرية سياسية (2)
- دين سياسي ضد نظرية سياسية
- الإحلال والعنصرية في كأس العالم
- تعقيب على كلمة الرئيس الإسرائيلي
- من أعترف بهزيمته بين المسلمين؟
- هاني شاكر في عمره الثاني
- ليبرالي حتى خراب وطني (2)
- ليبرالي حتى خراب وطني (1)
- الأدبيات الإبراهيمية ودولة إسرائيل
- الشائع ووقائع -الحاكمية لله-
- ولي فقيه سردابي جديد
- ما الحقيقي وما المُفبرَك؟


المزيد.....




- محكمة أمريكية تسقط جميع التهم عن مواطنة روسية كانت مهددة بأك ...
- للمرة الثانية خلال 48 ساعة.. ضبطت 524 ألف حبة كبتاغون في منف ...
- خطر تشيرنوبل الخفي.. شظايا نووية مشعة تقاوم التغير منذ 40 عا ...
- بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر: كيف أعادت إيران النظر ف ...
- فقدان شخصين وإنقاذ 5 إثر تحطم مروحية جنوب غربي غواتيمالا (في ...
- وزيرة الخارجية النمساوية السابقة: الغرب يسعى منذ زمن طويل إل ...
- قذيفة مجهولة تستهدف سفينة غرب الإمارات وتُسفر عن حريق
- الحوثيون يعلنون السماح بوصول رحلات محددة إلى مطار الرياض
- واشنطن تستبدل مصطلح حكومة السودان بـ-الحكومة المرتبطة بالقوا ...
- وزير الداخلية اللبناني: جاهزون لتأمين انطلاقة وتشغيل مطار ال ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عادل صوما - الشِرك بالكون وازداء التطور الطبيعي (2)