أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عادل صوما - الشِرك بالكون وازدراء التطور الطبيعي (3)















المزيد.....

الشِرك بالكون وازدراء التطور الطبيعي (3)


عادل صوما

الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 22:18
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


البديهيات التي يعرفها طالب المرحلة الاعدادية من المدرسة ووسائل الاعلام، لم تكن معروفة عند الإنسان القديم، فكان طبيعياً أن يرتعب من المطر والعواصف والزلازل، والبرق الذي يمكن أن يميته في لحظة، والنار التي تشتعل بدون سبب في الغابات، علاوة على ما كان يصيب جسده ولا يعرف أنه المرض، والموت والولادة اللذين لا مبرر لهما عنده. وقد نسب الإنسان القديم هذه الظواهر لقوى لا يراها لأن ما يحدث ليس مفهوماً عنده.
كان الاعتقاد بالقوى غير المرئية أو الإحيائيةAnimism ثورة معرفية بدائية مهدت إلى عبادة الأسلاف الذين ماتوا، أو القوى غير المرئية التي تسبب الظواهر الطبيعية بدون سبب، وادعى ساحر قبيلة أكثر دهاءً ممن حوله أنه قادر على التواصل معها، وتوارث أبناؤه هذه القدرة الغيبية منه، وكانت هذه أول سلطة في تاريخ الإنسان البدائي، والمرجح أن السحرة نظموا طقوساً مرتبطة بالولادة والموت والدفن، بعدما بدأ الإنسان العاقل القديم يدفن موتاه، ما يرجح فرضية الاعتقاد بأن الموتى ما زال لهم وجود أو تأثير على الأحياء.
كان طبيعياً أن تظهر رموز وطقوس لهذه العلاقة الغيبية بواسطة السحرة، وكانت الطواطم والحركات ترتبط بهوية المجموعات الإنسانية حسب بيئتها أو مكونات معتقداتها.
هذه الطقوسيات المبكرة كانت لتبجيل قوى الطبيعة، أو الحيوانات المهمة للصيد أو التي تتمتع بقوة، أو أرواح الموتى التي يمكن أن تحمي المجموعة، أو أرواح الحيوانات والأماكن.
المرجح أن طقوسيات الرقص الجماعي والرقص في دوائر قديمة جداً، وقد اختار الإنسان منذ عشرات الألاف من السنين الرقص في دائرة لأن كل شيء حوله في الفضاء يدور، وربما كانت هذه الرقصة هي العِبادة الحقيقة الوحيدة التي مارسها البشر في تقديري الشخصي!
رموز وتماثيل
ارتقت الطقوسيات وتوجهت إلى الخصوبة والحياة، ولدي علماء الأنثروبولوجيا أدلة على رمزية الخصوبة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، فمنذ نحو أربعين إلى ثلاثين ألف سنة ظهرت تماثيل بشرية تُبرز الأعضاء التناسلية، مثل بعض تماثيل فينوس في العصر الحجري القديم الأعلى، لكن لا يمكن الجزم بأن هذه التماثيل كانت معبودة أو تمثل آلهة للخصوبة؛ فقد تكون لها أغراض رمزية أو اجتماعية أو طقسية أخرى.
في المجتمعات الزراعية اللاحقة، قبل نحو عشرة آلاف سنة وما بعدها، أصبحت رموز الخصوبة أكثر انتشاراً وارتباطاً بالإنجاب وخصوبة الأرض والحيوانات، ثم ظهرت عبادات آلهة الخصوبة في بلاد الرافدين مثل عشتار وتموز، ومصر مثل مين وحتحوت وتاروت، منذ الألف الرابع والثالث قبل الميلاد تقريبًا.
ديني رمزي
كل ما لدى علماء الإنسان من أدلة لا يشير إلى عبادة بدائية واحدة، بل إلى تنوع كبير في الطقوسيات/العبادات بين الجماعات البشرية التي تأثرت بالطبيعة من حولها، لكن الدلائل الأثرية تشير إلى أن الممارسات الجنائزية والرمزية المرتبطة بالمعتقدات ظهرت منذ أكثر من مئة ألف سنة، ويربطها البعض بأشكال السلوك الديني أو الرمزي، أما أقدم المعابد أو الأماكن التي عُرف أنها خُصصت للطقوس فتظهر في عصور لاحقة، مثل موقع غوبكلي تبه في تركيا، الذي يعود إلى 9600 تقريباً قبل الميلاد.
آلهة متخصصة
منذ نحو أربعين ألف إلى عشرة آلاف سنة في العصر الحجري القديم الأعلى، ظهرت رسوم وكهوف وأشياء رمزية موجودة في أوروبا، تحتوي على صور خيول وطيور، وربما كانت هذه الرسوم نوعاً من العبادة، أو وسائل طقسية أو اجتماعية، ثم تطور الانسان من طقوسيات الأرواح إلى آلهة أكثر تخصصاً، منذ أواخر العصر الحجري تقريباً إلى بدايات الحضارات، فبعد استقرار بعض المجتمعات وظهور الزراعة، أصبحت حياة الإنسان مرتبطة بدورات أكثر انتظاماً مثل المطر والحصاد والفصول ودورتي الشمس والقمر.
هكذا ظهرت آلهة ذات وظائف محددة مثل إله المطر، وإله الخصوبة، وإله الحرب، وإله الشمس، وإله الحب، وبالتبعية ظهرت لاحقاً الأماكن المقدسة والمعابد الخاصة بتلك الآلهة منذ أكثر من عشرة آلاف سنة، وبُنيت منشآت حجرية ضخمة منذ نحو 9600 سنة قبل الميلاد، أي قبل ظهور المدن الكبرى والأبجدية والتدوين، وتوجد في هذه المنشآت أعمدة ضخمة عليها نقوش لحيوانات مثل الثعابين والثعالب والقطط والعقارب.
ويبدو أن هذه الأماكن كانت ذات وظيفة اجتماعية وطقسية مهمة، وإن كان العلماء لا يعرفون على وجه اليقين أشكال الطقوس التي أقيمت فيها.
مؤسسات دينية
مع ظهور المدن والآلهة نشأت الحضارات في بلاد الرافدين ومصر والصين وغيرها، وأصبحت المعتقدات أكثر تنظيماً. في بلاد الرافدين ظهرت آلهة معروفة ذات وظائف وأساطير، مثل إنانا وإنكي وإنليل، وظهرت المعابد والمؤسسات الدينية في المدن. وفي مصر القديمة تطورت منظومة دينية واسعة تضم آلهة مثل رع وأوزيريس وإيزيس وحورس.
هكذا وصلت الحضارات إلى ما نسميه اليوم المؤسسة الدينية، أماكنها المعابد ورجالها كهنة يقودون طقوساً نمطية، ويحددون أعياداً دينية، ويبتكرون الأساطير أو يتبنوها ويروجوها برموز دينية، إلى أن ارتبطت المؤسسة الدينية بالسلطة السياسية.
لم تقتصر المؤسسة الدينية على حوض البحر المتوسط فقط، بل ظهرت في أحواض الأنهار الأسيوية، إذ يُعتبر شانغديShangdi من أقدم القوى الإلهية المعروفة في الصين، وظهر في نقوش أسرة شانغ نحو 1600/1046 قبل الميلاد، وكان يُنظر إليه كقوة عُليا مرتبطة بالسماء والسلطة والظروف ونتائجها التي تُسعد أو تُحزن البشر.
بل أن مفهوم السماء تيان Tian أصبح مفهوماً سياسياً مركزياً خصوصاً في عهد أسرة تشو، وكان يُعتقد أن السماء تمنح الحاكم الشرعية، وهو ما يُعرف بمصطلح "تفويض السماء".
النصوص الدينية
كل ما تقدم تم شفاهة من جيل إلى جيل؛ طقوسيات وعبادات تُورث، ثم حدثت الطفرة التاريخية الهائلة منذ نحو ثلاثة آلاف ومئتي سنة مع اختراع الكتابة في بلاد الرافدين ومصر، وأصبح الإنسان قادراً على تسجيل الأساطير والصلوات والطقوس، بدلا من تنتاقلها شفاهة فقط.
من هنا بدأ تاريخ الأديان الإنسانية يصبح أوضح بكثير، لأن العلماء لم يعودوا يعتمدون على تفسير الآثار وحدها، بل على المدونات.
الحروب الدينية
الحروب المرتبطة بالدين حدثت أيضاً في مجتمعات ذات ديانات قديمة ومتعددة الآلهة، لكن الدين لم يكن السبب الوحيد فيها، وغالباً ما تداخلت في تلك الحروب العقيدة مع السياسة والسلطة والسيطرة على الأرض والصراع لامتلاك الثروة والدفاع عن الهوية الجماعية. وهنا نماذج مختلفة من هذه الحروب.
في بلاد الرافدين القديمة خاضت المدن والدول حروباً، وكان لكل مدينة إلهها الحامي، وكانت المعتقدات الدينية جزءاً من شرعية الحرب والمَلك، مثل ارتباط إنانا بمدينة أوروك و مردوخ ببابل.
في مصر القديمة كانت الحروب بين مصر وجيرانها سياسية، لكن الملوك قدموا انتصاراتهم باعتبارها مدعومة من الآلهة.
في اليونان القديم حدثت حروب وصراعات بين المدن، وكان الدين حاضراً بقوة في الحياة السياسية. كما وقعت صراعات ذات طابع ديني، مثل النزاعات المرتبطة بمعبد دلفي.
في الهند القديمة ارتبطت بعض الحروب بالأساطير والواجب الديني، وأصبحت بعض النصوص، مثل المهابهاراتا، تصوِّر الحرب ضمن إطار ديني وأخلاقي.
وفي الصين القديمة كانت الحرب مرتبطة بمفهوم تفويض السماء وطقوس الدولة وعبادة الأسلاف.
معظم الحروب قبل الأدبيات الإبراهيمية كانت صراعات على السلطة والأرض أكثر من كونها حروباً لتحويل الآخرين إلى دين معين، أو فرض الاحتلال الإستيطاني باسم الله.
الحروب الإبراهيمية
بعد ظهور الأدبيات الإبراهيمية، ظهر مفهوم مختلف تماماً، هو ظهور دين صحيح واحد يجب نشره والدفاع عنه، ومكافأة المؤمنين به حياة جميلة سماوية سرمدية، لكن يجب الحيطة من التعميم، فالحروب بين أتباع الأدبيات الإبراهيمية لم تكن كلها دينية، فكثير منها كان سياسياً أو إمبراطورياً، واستخدم الدين لتبرير الحرب أو تعبئة الناس، بل أن اصحاب الدين الواحد قاتلوا بعضهم بعضاً، بعدما تحالف حكام منهم مع حكام من ديانات أخرى!

للموضوع صلة



#عادل_صوما (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشِرك بالكون وازداء التطور الطبيعي (2)
- الشِرك بالكون وازدراء التطور الطبيعي (1)
- محاربة الله واغتصاب المرأة لنصرته!
- كل غزوة والحداثة في غم
- جريمة الدفاع عن الهوية
- الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (3)
- الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (2)
- الخلق والخلود بين الأساطير والعلم (1)
- دين سياسي ضد نظرية سياسية (3)
- دين سياسي ضد نظرية سياسية (2)
- دين سياسي ضد نظرية سياسية
- الإحلال والعنصرية في كأس العالم
- تعقيب على كلمة الرئيس الإسرائيلي
- من أعترف بهزيمته بين المسلمين؟
- هاني شاكر في عمره الثاني
- ليبرالي حتى خراب وطني (2)
- ليبرالي حتى خراب وطني (1)
- الأدبيات الإبراهيمية ودولة إسرائيل
- الشائع ووقائع -الحاكمية لله-
- ولي فقيه سردابي جديد


المزيد.....




- -هل تعتقد أنك تُستخدم ككبش فداء لمشاكل ترامب-؟.. زيلينسكي ير ...
- النفط يقفز إلى 110 دولارات للبرميل لأول مرة منذ 5 أشهر.. ما ...
- إيران تحدد 3 شروط للصلح مع الولايات المتحدة
- دول معاهدة الأمن الجماعي تجري مناورات
- معتمر باكستاني يعود من الموت بعد 14 ثانية
- اختتام منتدى -أسبوع الطاقة الروسي-
- بعد خمسة أيام في المنصب.. ترامب ينهي مهام المتحدثة باسم البي ...
- زيلينسكي في مهبّ العاصفة
- سوريا.. سماع دوي انفجارات وحديث عن تصد لمسيرات معادية في غرب ...
- ليبيا: روسيا شريك مهم بقطاع الطاقة


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عادل صوما - الشِرك بالكون وازدراء التطور الطبيعي (3)