عزالدين محمد ابوبكر
كاتب مصري حر، مدافع عن حقوق الإنسان
الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 18:18
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تستمد كلمة "ديالكتيك" (Dialectic) جذورها العميقة من تربة الفلسفة اليونانية الأولى، متأصلةً في الفعل الحواري διαλέγεσθαι، الذي يتجاوز المعنى البسيط للتخاطب ليدل على فعل التبادل الجدلي للأفكار، هذا الفعل مركب بدقة دلالية عالية من بادئته (δια) التي تفيد العبرور والتجاوز "من خلال"، وفعل (λέγειν) الذي ينطوي على أصل النطق والقول. ومن هنا نعلم أن الديالكتيك لم يكن في منطلقه الأول مجرد نسق مجرد من القوانين المنطقية الجامدة، بل ولد كفنٍ حي للمحاورة الفلسفية، وكطريقة يتأتى من خلالها للفكر أن يتقدم عبر صراع الأقوال والاعتراضات، مرتحلاً نحو حقيقة لا تنجلي إلا بمرور الوعي عبر نقيضه ومقارعته، وهذا الأصل اللغوي يحمل في داخله بذرة كل ما سيتطور لاحقاً؛ حيث فكرة أن المعرفة لا تُنتَج بالتأمل المنعزل، بل بالصدام بين موقف وموقف مضاد له. فقد أشار أرسطو (في رواية ينقلها عنه ديوجين لايرتيوس) إلى وصف زينون الإيلي بأنه "مخترع الديالكتيك"، لدفاعه عن وحدانية الوجود عند بارمنيدس عبر افتراض النقيض وكشف تناقضه الداخلي؛ لكن هذه النسبة تبقى رواية واحدة لا إجماعاً قاطعاً، إذ يرى بعض مؤرخي الفلسفة أن جذور هذه التقنية أعمق وأقدم من زينون نفسه. هذه الآلية، نفي النقيض لإثبات الأصل، ستبقى حاضرة بصورة أو بأخرى في كل تطور لاحق للديالكتيك، من المحاورة السقراطية إلى الجدل الهيغلي، وصولاً إلى ما يسميه الكاتب العراقي ستار جبار رحمن في دراسته الأخيرة بالتصورات التي تختبرها الممارسة وتعيد صياغتها.
وقد بلغ الديالكتيك مكانته التأسيسية في الفلسفة اليونانية مع سقراط وأفلاطون، وإن كان تاريخ المفهوم المبكر محل نقاش بين الباحثين. فسقراط طوّر ما يُعرف بالاستقصاء الدحضي (elenchus) الذي نعرفه بالسقراطي؛ حيث يسائل محاوره عن تعريف فضيلة أو مفهوم، ثم يكشف عبر أسئلة متتابعة تناقضات هذا التعريف الأولي، لا لينتهي بجواب جاهز، بل ليدفع المحاور إلى إعادة التفكير من جذوره. وقد ميّز الباحث غريغوري فلاستوس بدقة بين هذا الديالكتيك السقراطي المبكر القائم على النقض، وبين ما طوّره أفلاطون لاحقاً في محاوراته المتأخرة، كـ"السوفسطائي" و"السياسي"، من منهج القسمة الذي يفرّق الأجناس إلى أنواعها تدريجياً حتى يبلغ التعريف الدقيق دون الاعتماد على آلية الدحض ذاتها. فهذا الانتقال ليس امتداداً عضوياً سلس لمنهج واحد، بل هو تحول منهجي يستحق أن يُلاحَظ بوصفه انقطاعاً لا استمراراً بسيطاً. وفي محاورة "الجمهورية"، رفع أفلاطون الديالكتيك إلى مرتبة أسمى طرق المعرفة، إذ جعله السلّم الذي يصعد به العقل من عالم الظلال الحسية إلى عالم المثل الخالدة، متجاوزاً الفرضيات غير المبرهنة التي تكتفي بها العلوم الجزئية. أما أرسطو، فقد ميّز الديالكتيك عن البرهان اليقيني، فجعله استدلالاً ينطلق من مقدمات مشهورة ومقبولة عرفاً لا من مقدمات يقينية، وخصص له كتابه "الطوبيقا". بهذا يكون الديالكتيك عند اليونان أداة بحث عن الحقيقة عبر المحاورة والنقيض بصيغ متعددة ومتمايزة، لا بعداً منهجياً صارماً يفسر حركة الوجود ذاته، وهذا البعد الأخير لن يظهر إلا لاحقاً.
انتقل مفهوم الديالكتيك عبر العصور الوسطى والحديثة بتحولات دقيقة قبل أن يبلغ منعطفه الحاسم عند إيمانويل كانط. فاستخدمه كانط بأكثر من معنى؛ فمن جهة، احتفظ بصدى المعنى الأرسطي القديم حين تحدث عن استدلالات تنطلق من مقدمات مقبولة لا يقينية برهانياً؛ ومن جهة أخرى، وهو استخدامه الأبرز والأكثر أصالة، خصص في "نقد العقل المحض" قسماً أسماه "الديالكتيك المتعالي"، استخدم فيه الكلمة بمعنى سلبي يختلف جذرياً عن المعنى اليوناني التأسيسي فالديالكتيك عنده منطق الوهم، أي البنية التي يقع فيها العقل حين يتجاوز حدود التجربة الممكنة ليتورط في تناقضات لا حل لها، كالتناقض حول تناهي العالم أو لا تناهيه. فالديالكتيك الكانطي، في هذا المعنى الأخير، تشخيص لمرض العقل حين يفرط في طموحه، لا طريق إلى حقيقة أعلى. هذا الاستخدام السلبي سيُقلَب رأساً على عقب مع هيغل، الذي أعاد للديالكتيك وظيفته الإيجابية الأفلاطونية، لكن بصياغة مختلفة كلياً يمكن القول بأنه لم يعد الديالكتيك طريقة بحث يستخدمها العقل البشري عرضاً، بل أصبح البنية الحقيقية التي يتحرك بها الوجود والفكر معاً، وبهذا الانتقال من كانط إلى هيغل يكتمل التحول الأعمق في تاريخ المفهوم: من أداة منهجية متعددة الصيغ إلى قانون وجودي شامل يفسر كل صيرورة.
حيث يقوم الديالكتيك الهيغلي على فكرة أن كل موجود يحمل في داخله تناقضه الخاص، وأن هذا التناقض الداخلي هو بالضبط محرك حركته وتطوره، لا عائق يجب إزالته. يُصاغ هذا عادة في بنية ثلاثية تبدأ بالأطروحة التي تبدو مكتملة في ذاتها، ثم نقيض ينكشف من داخل هذه الأطروحة ذاتها حين تُدفع إلى أقصى حدودها المنطقية، ثم تركيب يحل هذا التناقض لا بإلغاء أحد الطرفين، بل بالصعود إلى مستوى أعلى يستوعب حقيقة الاثنين معاً ويتجاوز محدوديتهما. ويسمي هيغل هذا الحل "Aufhebung"، وهي كلمة ألمانية تحمل في آن واحد معنى الإلغاء والحفظ والرفع. فحين "تُرفَع" الأطروحة والنقيض إلى التركيب، يُلغيان بصفتهما القديمة المتناقضة، لكن حقيقتهما الجزئية تُحفَظ داخل الصيغة الجديدة الأعلى. والمحرك الأكبر لهذه الحركة كلها، عند هيغل، هو "الروح المطلقة"، التي تتحقق تدريجياً عبر التاريخ البشري بوصفه مسيرة العقل نحو الوعي الكامل بذاته. هذا الطابع المثالي الصريح، حيث تكون الفكرة لا المادة هي القوة المحركة للتاريخ، هو بالضبط ما سينقلب عليه ماركس لاحقاً.
وإذا تحدثنا عن العلاقة بين الفلسفة والديالكتيك فهي علاقة عضوية لا عرضية، لأن الفلسفة، منذ سقراط، لم تكن يوماً نسقاً من الأجوبة المغلقة، بل كانت دوماً مساءلة مستمرة للمسلّمات، وهذا بالضبط ما يمنحه الديالكتيك بنية منهجية صريحة. فحين تتوقف الفلسفة عن مساءلة ذاتها، تتحول إلى عقيدة جامدة لا فلسفة حية، والديالكتيك هو الآلية التي تمنع هذا التجمد عبر إدخال النقيض باستمرار في صلب كل موقف يبدو مكتملاً. هذا ما يفسر لماذا ظل الديالكتيك حاضراً عبر كل العصور الفلسفية الكبرى، من زينون إلى أفلاطون إلى كانط إلى هيغل، رغم اختلاف وظيفته الدقيقة في كل مرحلة؛ فهو تارة أداة محاورة، وتارة تشخيص لوهم العقل، وتارة قانون كوني للصيرورة. وحين ننتقل إلى الانقلاب الماركسي للمفهوم كما يرى البعض، نجد أن ماركس يحتفظ ببنية الحركة الديالكتيكية ذاتها، أي التناقض الداخلي والتحول عبر النفي، لكنه يستبدل المحرك فليست الروح المطلقة هي التي تتحرك عبر التاريخ، بل العلاقات المادية للإنتاج، أي كيف ينتج البشر ما يحتاجونه للعيش وكيف يتوزع هذا الإنتاج بينهم. بهذا يصبح الديالكتيك مادياً لا مثالياً، تاريخياً لا تأملياً محض.
غير أن الديالكتيك المادي، من أجل أن يصبح أداة تحليل فعلية، قد احتاج إلى مقولات محددة تعكس أعمّ خواص الأشياء والظاهرات. فكما نقرأ في كتاب "ألف باء المادية الجدلية" نجد أن العلوم الجزئية، كالفيزياء والكيمياء، لا تكفي لتفسير الخواص العامة المشتركة بين كل الظواهر، لأن كل علم جزئي "لا يتجاوز إطار العلم الذي قام بتحديدها"؛ فتبرز الحاجة إلى مقولات فلسفية أشمل، كالعلة والمعلول، والضرورة والاحتمال، والمضمون والشكل. ومن أهم هذه المقولات علاقة العلة بالمعلول، التي يرفض فيها الديالكتيكيون الفهم الميتافيزيقي الأحادي الذي يرى العلة فاعلة في المعلول فحسب دون تأثير عكسي. فالعلة والمعلول، في الرؤية الجدلية، يتفاعلان تفاعلاً متبادلاً، وإن لم يكونا متساويين في هذا التفاعل، إذ تبقى العلة صاحبة الدور الفاصل بينما يظل دور المعلول ثانوياً لكنه حقيقي وفاعل. هذا الفهم للعلاقة المتبادلة، لا الأحادية، بين طرفي أي تناقض هو جوهر ما يميز الديالكتيك عن المنطق الصوري الساكن، ويهيئ الأرضية لفهم التحولات الديالكتيكية ذاتها.
وتعني التحولات الديالكتيكية الآليات التي يتحرك بها التناقض الداخلي نحو تجاوز ذاته، وأبرزها ما صاغه إنجلز لاحقاً من قوانين مثل تحول الكمية إلى كيفية، ووحدة الأضداد وصراعها، ونفي النفي. فالتغيرات الكمية التدريجية تتراكم حتى تبلغ نقطة حرجة فتُحدث قفزة نوعية مفاجئة، كما يتجمد الماء فجأة عند درجة معينة بعد تبريد تدريجي بطيء. أما نفي النفي، فهو الصيغة التي تفسر كيف أن نفي حالة أولى بحالة ثانية لا يعني عودة دائرية إلى نقطة البداية، بل صعوداً بشكل حلزوني يستعيد عنصراً من الحالة الأولى لكن على مستوى أرقى تاريخياً وتقنياً. هذه التحولات ليست تأملات مجردة بقدر ما هي ذات طابع موضوعي يوجد مستقلاً عن وعينا في الواقع المادي ذاته، لا في رأس الفيلسوف وحده. وهذا بالضبط ما يميز الديالكتيك المادي عن كل نزعة مثالية تحاول، كما فعل بيركلي في نفيه للعلية، اختزال هذه العلاقات الموضوعية إلى مجرد ترتيب ذهني يفرضه العقل على سديم الظواهر لراحته الخاصة.
وإذا كان الديالكتيك بهذا المعنى هو المنهج الذي يفسر حركة الواقع، فإن مفهوم "التصورات" هو الحلقة التي تربط بين هذا المنهج العام وبين قراءة واقع تاريخي ملموس بعينه. فالتصور، في أبسط معانيه الفلسفية، هو الصورة الذهنية التي يبنيها الفكر عن شيء غائب أو مجرد، وهو ما ناقشه أفلاطون حين ميّز بين الرأي الحسي المتغير والمعرفة اليقينية بالمثل الثابتة، وما ناقشه كانط لاحقاً حين فحص كيف تُبنى التصورات من تفاعل الحدس الحسي مع مقولات الفهم القبلية. أما في الفلسفة الماركسية تحديداً، فيأخذ "التصور" معنى أدق بكثير مما هو شائع في الاستعمال الفلسفي العام؛ فهو نتاج صعود الفكر من المقولات المجردة إلى تركيب لتحديدات كثيرة، وهذا الصعود ليس العملية التي ينشأ بها الملموس الفعلي، بل الطريقة التي يستوعبه بها الفكر ويعيد إنتاجه ذهنياً. التصور إذن ليس الواقع نفسه، بل هو قراءة نظرية له، قد تكون دقيقة أو ناقصة، وتصدأ حين يتغير الواقع الذي تحاول تفسيره.
من هذه الأرضية الفلسفية تحديداً ينطلق الباحث ستار جبار رحمن في دراسته "التصورات وبنيتها في الفكر الماركسي" المنشورة على منصة رؤى شرق أوسطية، ليقدم تمييزاً منهجي يراه شرطاً لكل ماركسية حية، وهذا التمييز يكون بين المنطلقات والتصورات. فالمنطلقات هي الفلسفة والاكتشافات النظرية الكبرى التي يقوم عليها التحليل، كالمادية التاريخية ونظرية فائض القيمة وتحليل الإمبريالية، وهي منطلقات "تُعمَّم وتُطوَّر"، لأنها تُختبر على مدى زمني طويل وعبر مجتمعات متعددة، ولا تسقط إلا حين يظهر ما يفسر أكثر مما تفسره هي، أي بنمو النظرية نفسها لا بتناقض عابر معها. أما التصورات فهي الترجمة المرحلية لهذه المنطلقات إلى قراءة لواقع ملموس بعينه، ومشروع فعل فيه، فهي "تُختبر وتُراجَع وتُستبدل"، لأن ساحة اختبارها الحقيقية هي الممارسة القصيرة المدى؛ حيث موازين القوى كما هي فعلاً، واستجابة الطبقات التي افترضنا موقعها، وقدرة التنظيم على تحقيق ما صُمم له. حين تُرفع التصورات، وهي بطبيعتها نسبية تاريخانية، إلى مرتبة المنطلقات، يتحول المنهج الجدلي المفتوح إلى عقيدة مغلقة لا تقبل المساءلة، وهذا بالضبط ما يحذر منه الكاتب حين يستحضر رفض ماركس عام 1877 أن يُحوَّل تحليله لنشأة الرأسمالية الأوروبية إلى مسار حتمي عام يفرضه القدر على كل الشعوب.
ويبني ستار رحمن للتصورات بنية داخلية من أربع طبقات متفاوتة في صلتها بالظرف التاريخي، وهذا التفاوت ذاته هو ما يمنح التحليل دقته المنهجية؛ حيث تبدأ السلسلة بقراءة التشكيلة الاجتماعية، أي تحديد نمط الإنتاج السائد وبنيته الطبقية وطبيعة سلطته، وهذه قراءة تطبق منطلقاً عاماً (وهو أن نمط الإنتاج يحدد بنية المجتمع) على واقع بعينه، فتنتج حكماً قابلاً للخطأ والتقادم. ثم يأتي التصور السياسي، وهو تحديد التحالفات الطبقية والتمييز بين الحلفاء الأساسيين والمؤقتين، وهذه أسرع الطبقات تقادماً لأنها مرتهنة بموازين قوى متحركة باستمرار. ثم التصور التنظيمي، وهو أشكال التنظيم الملائمة لكل فئة اجتماعية، وهو أكثر الطبقات التباساً لأن التنظيم الذي ينجح مرة يكتسب "سطوة النجاح" فيبدو لأصحابه جزءاً من جوهر الماركسية لا من ظرف بعينه. وأخيراً التصور البرنامجي، وهو الأهداف الاقتصادية والاجتماعية عند بلوغ السلطة. هذه الطبقات الأربع ليست منعزلة، بل متصلة اتصالاً سببياً؛ وذلك لأن الخطأ في القراءة الأولى يمرّ بالضرورة إلى التحالفات، ثم إلى التنظيم، ثم إلى البرنامج، وهذا ما يفسر لماذا ينبغي معاملة التصور نسقاً واحداً لا أجزاء منفصلة تُراجَع كل منها بمعزل عن الباقي.
أما المنطلقات، فهي، خلافاً للتصورات، لا تنتج قراءة لواقع بعينه، بل تنتج أداة تشخيص عامة تجعل من الممكن أصلاً طرح أسئلة دقيقة عن أي واقع كان. فحين يتبنى تحليل ما منطلق المادية التاريخية، فإنه لا يكسب مجرد لغة وصفية، بل يكسب قدرة على تحديد نمط الإنتاج السائد، وكشف علاقات الإنتاج المكوّنة للبنية التحتية، وتحديد الطبقة المسيطرة والطبقات المستغَلة ومستوى وعيها. هذا ما يجعل المنطلقات، كما يوضح الباحث "شرطاً مادياً لتغيير الواقع"، لا تأملاً فلسفي معزول عن الفعل. غير أن هذه القوة التفسيرية للمنطلقات تحمل في داخلها خطراً دقيقاً حين يُنسى الفارق بينها وبين تطبيقاتها، فالمنطلق ينتج معرفة بالواقع لا الواقع نفسه، وبين القانون العام والحالة الملموسة مسافة لا تُقطع بالاستظهار وحده، بل بما سمّاه لينين "التحليل الملموس لوضع ملموس"، وهو بالضبط الأداة التي تُلغى حين تُعامَل تجربة تاريخية واحدة، كالثورة الروسية أو نموذج تنظيمي نجح في سياق بعينه، وكأنها جزء من العلم ذاته لا ثمرة ظرف تاريخي محدد.
وتظهر حلقة الاتصال بين الديالكتيك بوصفه منهجاً فلسفي عام وبين التصورات بوصفها تطبيقه التاريخي الملموس؛ فحيوية الفكر الجدلي لا تكمن في امتلاكه إجابات نهائية، بل في استمرار اختباره عبر الممارسة، وقدرته الدائمة على تجديد تصوراته وتحالفاته وأشكاله التنظيمية بما ينسجم مع حركة التطور الاجتماعي والتاريخي المستمرة، دون أن يقع أسير النصوص المقدسة أو النماذج الجاهزة. هذا بالضبط ما تجسده واقعة تاريخية يستحضرها الكاتب: حين أقرّ انجلز عام 1895 بأن التاريخ أثبت خطأ تصورات الحركة الثورية الأولى عن القتال في الشوارع والمتاريس، لم يسقط شيء من المنطلق المادي الجدلي الذي حلّلا به تلك الحقبة، بل سقط تصور ظرفي بعينه فقط. هذا هو جوهر الديالكتيك الحي بمعناه الكامل: ليس نسقاً ثابتاً من ثلاثية أطروحة ونقيض وتركيب يُطبَّق آلياً على كل موقف، بل ممارسة نقدية مستمرة تعيد اختبار نفسها باستمرار عبر احتكاكها بواقع متحرك، تماماً كما كان الحال منذ أن ابتكر زينون أو غيره من حكماء الإيليا تقنيات الحجاج الديالكتيكي لإثبات أن النقيض وحده قادر على كشف الحقيقة الكامنة في أي موقف يبدو، للوهلة الأولى، مكتملاً ونهائياً.
• المصادر التي تم الرجوع إليها
- رحمن، ستار جبار. "التصورات وبنيتها في الفكر الماركسي." 17 أكتوبر 2026. منصة رؤى شرق أوسطية. https://mevp.ecmes.academy/sattar/6188/
- مجموعة مؤلفين. ماركس وفوكو. ترجمة د. حسن الحاج. بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2011. صـ 9-10.
- بوردوستنيك، فاسيلي، وأوتشي ياجوت. ألف باء المادية الجدلية. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1979. صـ 70-72.
#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟