أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - كتيب :أَعْصَابُ البَحْرِ.. حين تصمت الألياف وتتكلّم الجغرافيا















المزيد.....


كتيب :أَعْصَابُ البَحْرِ.. حين تصمت الألياف وتتكلّم الجغرافيا


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 23:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقالات في الجبهة التي لا يراها أحد

ثلاث مقالات: حرب الكابلات، الانهيار الوظيفي، ورقابة البيانات

المقال الأول: حرب الكابلات البحرية… الجبهة التي لا يراها أحد

تعطيل الكابلات البحرية في البحر الأحمر والخليج لم يعد سيناريو تقنياً عابراً، بل أصبح جزءاً من معادلة القوة في غرب آسيا . هذه الجبهة الصامتة قادرة على إعادة رسم ميزان القوى بين المحميات الخليجية والكيان والأساطيل الأمريكية.

أولاً: الكابلات البحرية كأداة جيوسياسية

الكابلات البحرية ليست مجرد أنابيب بيانات. إنها شرايين القوة الغربية في المنطقة. أكثر من تسعين بالمئة من سعة البيانات بين أوروبا وآسيا تمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وحوالي سبعة عشر بالمئة من حركة الإنترنت العالمية تعتمد على منظومة الكابلات التي تعبر مصر إلى البحر الأحمر. ومضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه اثنين وثلاثين كيلومتراً عند أضيق نقطة، يحمل تقريباً كل التدفق الرقمي بين القارتين.

وهذه المسارات لا تخدم الاتصالات المدنية وحدها. إنها تصل إلى عقد القيادة الأمريكية الأمامية، ومراكز البيانات السحابية المتنامية في الخليج، وشبكات القيادة والسيطرة للكيان، ومنظومات الإعلام الرسمي للمحميات الخليجية، وقنوات التسوية المالية بالدولار في المنطقة بأسرها. حين يُقطع كابل على عمق مئة وخمسين متراً في البحر الأحمر — سواء بمرساة سفينة أو بفعل أكثر تعمداً — فإن ما يتضرر ليس سرعة تحميل الفيديو، بل منظومة حكم كاملة تقوم على افتراض استمرارية الاتصال الرقمي.

وقد قدّمت أحداث فبراير 2024 بروفة عملية. أربعة كابلات في البحر الأحمر تضررت في وقت واحد، فاضطربت نحو ربع حركة الاتصالات بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. واستغرق الحصول على تراخيص الإصلاح أشهراً من التفاوض: الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ـ والتي لا يعترف بها الشعب اليمني وتعيش في فنادق الرياض ـ وسلطات صنعاء كلتاهما تدّعي صلاحية الموافقة، وأي ترتيب تعاقدي مع الثانية قد يلامس تشريعات مكافحة الإرهاب الأمريكية. هذا الفراغ الحوكمي هو بذاته سلاح: لا تحتاج إلى قطع الكابلات نهائياً، بل إلى جعل إصلاحها بطيئاً ومكلفاً بما يكفي.

ثانياً: لماذا ينهار الغرب عند تعطيل هذه المسارات؟

وُجد الغرب في المنطقة على افتراض لم يُعلن صراحة: أن الطبقة الرقمية ثابتة ومتاحة وغير قابلة للتعطيل بالسياسة الفيزيائية. هذا الافتراض يتفكك الآن.

تعتمد البنية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط على البث اللحظي لصور الأقمار الصناعية، وتدفق فيديو الطائرات المسيّرة، وروابط القيادة والسيطرة العابرة للمسارح. هذه الوظائف قابلة نظرياً للتكرار عبر الأقمار الصناعية، لكن قيود النطاق الترددي والتأخير الزمني والتكلفة تجعل الكابلات البحرية تبقى العمود الفقري. والبنية السحابية في الخليج — عقد AWS وAzure وGoogle Cloud الإقليمية في الإمارات والسعودية — تخدم كل شيء من البوابات الحكومية إلى التسويات المصرفية. وشبكات المراقبة لدى الكيان، ودمج مستشعرات القبة الحديدية، وتدفقات البيانات المالية عبر المتوسط، كلها مرساة في هذه الخطوط الفيزيائية.

حين تتعرض هذه الخطوط للتهديد في وقت واحد، فإن ما ينتج ليس مجرد "تباطؤ في السرعة"، بل ظاهرة يمكن تسميتها الانهيار الرقمي العملياتي: سلسلة القيادة تفقد التزامن بسبب التأخير، ومشغّل المسيّرة يواجه صورة تعود إلى ثوانٍ سابقة، ومنظومة التسوية المالية تتكدس على المسارات البديلة حتى تفقد قيمتها العملية. الوجود العسكري الغربي في غرب آسيا قد لا يشلّ بذلك، لكن سلاسة عمله — تلك الميزة التقنية التي تتيح لقوة صغيرة إسقاط نفوذ كبير — ستُخفَّض بشكل ملموس.

ثالثاً: أثر ذلك على المحميات الخليجية

المحميات الخليجية ليست دولاً بالمعنى الكلاسيكي. إنها كيانات وظيفية: بقاؤها السياسي يعتمد على ضمانات أمنية خارجية، ونموذجها الاقتصادي يعتمد على تصدير الطاقة والتسوية الرقمية للتجارة العابرة، وعقدها الاجتماعي يعتمد على إنتاج سردي مستمر تقوم به الأسرة الحاكمة عبر الإعلام ومنظومات الدعم.

كل هذه الوظائف مقامة على البنية الرقمية الغربية. المدفوعات العابرة للحدود لدى المصارف الخليجية تمر عبر SWIFT، وطبقتها الفيزيائية تعبر البحر الأحمر والمتوسط. والإعلام الرسمي الخليجي يعتمد في بثه وتدفقه على خدمات سحابية، وعقدها الإقليمية متصلة بالممرات نفسها. والقواعد الأمريكية في البحرين وقطر والإمارات تعتمد على البنية التجارية للاتصالات كاحتياطي ومكمّل.

حين يُخفَّض الإنترنت الدولي عند عقد البحر الأحمر بشكل منهجي، تخضع المحميات الخليجية لما يمكن تسميته السقوط الوظيفي: فهي قائمة، وأعلامها مرفوعة، لكن قدرتها الفعلية على الحكم — التنسيق، والدفع، والسرد، والردع — تُنتزع منها قاعدتها الرقمية. نظام لا يستطيع دفع رواتب موظفيه، ولا بث سرده الرسمي لجمهوره، ولا الحفاظ على تزامن نقل البيانات مع القيادة المركزية الأمريكية، ينتقل بقاؤه السياسي إلى نطاق مخاطر مختلف تماماً.

رابعاً: أثر ذلك على الكيان

الهشاشة الرقمية للكيان أكثر تمركزاً وأقل تكراراً. منظومة المراقبة لديه — من مصفوفات المستشعرات على حدود غزة إلى شبكات التعرف على الوجوه في الضفة الغربية — تعتمد على التدفق المستمر للبيانات والتحليل السحابي. وأسطول المسيّرات يعتمد على بنية مختلطة من الأقمار الصناعية والروابط الأرضية، وجزء من الروابط الأرضية يمر عبر ممرات المتوسط والبحر الأحمر. واتصاله بالنظام المالي الدولي، وشبكاته الدعائية مع جماعات الشتات، وبياناته اللوجستية المرتبطة بالمساعدات العسكرية الأمريكية، تعبر جميعها الألياف الزجاجية تحت هذه المياه.

خنق الخنادق الرقمية في البحر الأحمر والخليج يعني للكيان اختناقاً استراتيجياً: ليس هزيمة عسكرية، بل اضطراب في إيقاع العمل. تأخير صور المراقبة، وطول دورة تخطيط مهام المسيّرات، وتباطؤ تسوية المعاملات المالية، وفقدان الفورية في إدارة السرد الإعلامي الدولي. كيان يعتمد التفوق التقني استراتيجيةً للبقاء، فإن أساسه الفيزيائي للتفوق التقني حين يتزعزع، تتراجع مصداقية الردع تبعاً لذلك.

خامساً: أثر ذلك على الأساطيل الأمريكية

البحرية الأمريكية — خصوصاً السفن السطحية والأنظمة غير المأهولة المنتشرة في منطقة مسؤولية الأسطول الخامس — منغمسة بعمق في الشبكة المختلطة للأقمار التجارية والكابلات البحرية. كشفت اختبارات الزوارق السطحية غير المأهولة عام 2025 حقيقة مقلقة: حين حدث انقطاع عالمي في شبكة ستارلينك، فقدت عشرون زورقاً غير مأهول الاتصال قبالة سواحل كاليفورنيا لنحو ساعة. في بيئة عملياتية كالبحر الأحمر أو الخليج، ستكون عواقب انقطاع مماثل كارثية.

يعتمد الأسطول على روابط بيانات لحظية للاشتباك التعاوني، والدفاع الصاروخي، والتشغيل المتكامل لمجموعة حاملة الطائرات. تخفيض الكابلات البحرية لن يُغرق مدمرة، لكنه سيردّها من عقدة قتال شبكية إلى منصة معزولة. وفي العمليات باتجاه اليمن — ضربات المسيّرات، والاعتراض البحري، والتنسيق مع المحميات الخليجية — فإن أي تأخير ملموس في روابط البيانات يترجم إلى إطالة دورة القرار، ودورة القرار هي المتغير الأكثر حرجاً في القتال ضد خصم غير متماثل كالحوثيين.

الحرب التي لا يراها احد

حرب الكابلات البحرية "لا يراها أحد" تحديداً لأنها لا تنتج ناقلات محترقة أو مسيّرات ساقطة في الصور. ساحة معركتها هي ارتفاع أزمنة التأخير بالمللي ثانية، ومماطلة تراخيص الإصلاح، وتضخم فواتير الخدمات السحابية بسبب تغيير المسارات. لكن هذه اللامرئية هي بالضبط ما يمنحها قيمتها الاستراتيجية: مساحة يمكن فيها إضعاف كفاءة الخصم القتالية بشكل منهجي دون تفعيل المادة الخامسة، ودون تجاوز عتبة إعلان الحرب.

بالنسبة للمحميات الخليجية والكيان الصهيوني المارقىوالأسطول الأمريكي، فإن الألياف الزجاجية تحت البحر الأحمر تستحق قلقاً أكبر من أي زورق إيراني سريع. لأن الزورق يمكن إغراقه، أما القوانين الفيزيائية وجدول مواعيد سفن الإصلاح فلا يمكن ردعها.

……….

المقال الثاني:

الانهيار الرقمي للمحميات الخليجية… حين تتوقف الدولة الوظيفية عن العمل

المحميات الخليجية ليست دولاً تقليدية، بل كيانات وظيفية تعتمد على البنية الرقمية الغربية. تعطيل الإنترنت الدولي يضرب قلب وظيفتها، ويكشف هشاشتها البنيوية.

أولاً: الدولة الوظيفية — تعريف موجز

الدولة الوظيفية بناء سياسي يحمل غلافاً سيادياً بموجب القانون الدولي، لكن قدرته الفعلية على الحكم — الأمن، والدفع، والسرد، والتنسيق — تعتمد اعتماداً عميقاً على فاعلين خارجيين يقدمون سلعاً عامة أو خدمات تجارية. لا تسعى إلى الاكتفاء الذاتي، لأن الاكتفاء ليس هدفها ولا في مقدورها. استراتيجية بقائها هي إدماج إقليمها وفضائها السياسي في بنية حماية أوسع: وظيفة مقابل بقاء.

المحميات الخليجية نموذج نموذجي لهذه الفئة. جيوشها لا تتناسب حجماً مع مستوى تسليحها، لأن الضمانة الأمنية الحقيقية تأتي من التزام خارجي وقوات أجنبية. ونظامها المالي مقترن بعمق بشبكة تسوية الدولار، لأن مسار تدوير عائدات النفط صُمم منذ البداية ليتجه غرباً. ومنظومة إعلامها تهيمن عليها مؤسسات رسمية أو شبه رسمية، لكن قنوات التوزيع تعتمد على منصات سحابية عالمية. وسرد شرعية الحكم — التنمية، والاستقرار، والحداثة الانتقائية — يُبث رقمياً إلى سكان شباب باستمرار.

هذا البناء يعمل جيداً في الأوقات العادية. مشكلته ليست الكفاءة، بل المرونة.

ثانياً: الإنترنت كعمود فقري وظيفي

يمكن تفكيك التشغيل الوظيفي للمحميات الخليجية إلى أربع طبقات من الاعتماد الرقمي.

طبقة الدفع. التسويات بين المصارف الخليجية، ودفع رواتب القطاع الحكومي، ومعاملات صناديق الثروة السيادية العابرة للحدود، والتحصيل الضريبي غير النفطي المتنامي، كلها مقامة على شبكة تتمحور حول SWIFT والمصارف المراسلة الغربية. والطبقة الفيزيائية لهذه الشبكة تعبر البحر الأحمر والمتوسط. حين يُجبر المرور على تغيير المسار بسبب قطع الكابلات، يرتفع التأخير من مستوى المللي ثانية إلى مئات المللي ثانية أو ثوانٍ، وبالنسبة للتداول عالي التردد والتسوية اللحظية، فهذا يعادل الانقطاع.

طبقة السرد. التحول الرقمي للإعلام الخليجي الرسمي — من التلفزيون الفضائي إلى منصات التدفق ثم مصفوفات التواصل الاجتماعي — نقل إنتاج السرد من نمط البث إلى نمط سحابي يحتاج تدفقاً ثنائي الاتجاه مستمراً. شبكات توزيع المحتوى، وتحليل بيانات الجمهور، وخوارزميات التوصية الموجهة، كلها تعتمد على اتصال لحظي بمراكز البيانات. في حالة انقطاع، قد تجد دولة بميزانية إعلامية بمليارات الدولارات نفسها عاجزة عن إيصال مقطع فيديو قصير إلى جمهورها المحلي.

طبقة التنسيق. رقمنة الخدمات الحكومية، وشبكات مستشعرات البنية الحضرية الذكية، وأنظمة المراقبة والجدولة الأمنية، تعتمد على الخدمات السحابية وتبادل البيانات العابر للمناطق. ورؤية "المدينة الذكية" في دبي أو الرياض هي في جوهرها استعانة بخوارزميات في إدارة شؤون البلدية، والخوارزميات تحتاج نطاقاً ترددياً.

طبقة الردع. القيمة العسكرية للمحميات الخليجية تكمن في القواعد والمنشآت على أراضيها. وتشغيل هذه القواعد — من إدارة الإمداد إلى الاتصال بسلسلة القيادة الأصلية — يعتمد أيضاً على البنية التجارية للاتصالات كمكمّل للمنظومات العسكرية.

ثالثاً: ماذا يحدث عند تعطيل الإنترنت الدولي؟

لا يحتاج سيناريو التقدير إلى افتراض انقطاع شامل. التخفيض الجزئي كافٍ لإطلاق سلسلة من الآثار.

تتكدس التسويات بين المصارف على المسارات البديلة، فتتأخر المدفوعات العابرة للحدود ساعات أو أياماً. وإذا تزامن ذلك مع نهاية الشهر، يظهر استياء اجتماعي فوري إزاء تأخر الرواتب. وتتراجع منصات التجارة الإلكترونية إلى العقد العالمية حين تصبح العقد الإقليمية السحابية غير قابلة للوصول، فينهار تجربتها بسبب التأخير. وتتخفض روابط البيانات التي يعتمد عليها تنظيم الملاحة الجوية، فتعود جدولة الرحلات إلى الاتصال الصوتي وتنخفض الطاقة التشغيلية. وتتعطل إعادة إرسال صور المراقبة لدى الأجهزة الأمنية، فيتراجع زمن الاستجابة من دقائق إلى ساعات. وتنقطع تدفقات البث الإعلامي الرسمي، بينما تواصل المصادر الخارجية — بما فيها السرديات المعادية — اختراقها عبر الأقمار الصناعية والشبكات البديلة.

هذا هو الانهيار الوظيفي: مؤسسات النظام قائمة، والمسؤولون في مكاتبهم، لكن قدرة الدولة كآلة تنسيق تُنتزع منها الطاقة. وعجز الحكم الذي كانت تغطيه في الأوقات العادية التنمية والدعم، سيظهر سريعاً في الفراغ الذي يخلفه تخفيض البنية الرقمية.

رابعاً: أثر ذلك على السلطة

تقوم السلطة الوظيفية الاستعمارية الخليجية على ثلاث ركائز: الضمانة الأمنية الخارجية، والعقد الاقتصادي التوزيعي، والسرد العام المُحكم. التعطيل الرقمي يضرب الأخيرتين معاً.

العقد التوزيعي يقتضي أن يكون النظام قادراً على تحويل الموارد إلى مواطنين ومقيمين في الوقت المحدد وبشكل موثوق. وتأخير أنظمة الدفع لا ينتج تكلفة اقتصادية فحسب، بل تكلفة رمزية أيضاً: نظام لا يستطيع دفع رواتب موظفيه في وقتها تتشقق سردية شرعيته الأبوية. وإحكام السرد العام يقتضي أن يكون النظام قادراً على احتلال موقع الصدارة في الفضاء المعلوماتي. وحين يفقد إعلامه الرسمي القدرة على التوزيع لأسباب تقنية، بينما يواصل التلفزيون الفضائي ومنصات التواصل العابرة للحدود عملها، فإن خاصية "الإحكام" في الفضاء المعلوماتي تختفي.

والأكثر دقة هو تعطل تنسيق النخب. يعتمد الحكم الخليجي على تشاور مستمر بين أفراد الأسرة الحاكمة، والنخبة التجارية، والحلفاء القبليين، والحماة الخارجيين. وهذا التشاور في أوقات الأزمات يعتمد اعتماداً شديداً على الاتصال الفوري وتبادل البيانات. ونظام في حالة شبه عزلة رقمية ستتضخم تكلفة الحفاظ على تماسكه الداخلي بشكل حاد.

خامساً: أثر ذلك على الإعلام الخليجي

وظيفة المنظومة الإعلامية الخليجية لم تكن يوماً "الإخبار" بمعنى الصحافة، بل صناعة الرضا: توفير الشرعية المحلية للسياسة الخارجية، والحماسة لسرد التحول الاقتصادي، وإطار الإعفاء لأجهزة الأمن، والغطاء الإعلامي الإقليمي لتحركات الحلفاء الخارجيين.

وهذه المنظومة تعمل رقمياً عبر خوارزميات المنصات، وتحليل الجمهور، وواجهاتها مع البيئة الإعلامية العالمية. وفي حالة الانقطاع تتوقف الخوارزميات عن التحسين، وتتوقف بيانات الجمهور عن التدفق، وينقطع التعاون مع المؤسسات الإعلامية العالمية. الإعلام الخليجي لن يزول، لكنه سيتراجع إلى مجموعة مواقع معزولة غير قادرة على الوصول الفعال إلى الجمهور. وتأثيره على الرأي العام الإقليمي — وهو أداة دبلوماسية لا يُقدَّر ثمنها — سيتضاءل بشكل كبير في غضون أسابيع.

هشاشة المحميات وبدء انهيارها

هشاشة المحميات الخليجية لا تكمن في أن قوتها العسكرية غير كافية لرد عدوان. على العكس، استراتيجية بقائها تجاوزت منطق الاكتفاء العسكري منذ زمن. المشكلة أن البنية الحمائية التي اختارت الاندماج فيها — الوجود العسكري الأمريكي والبنية الرقمية الغربية — هي بذاتها منظومة لها نقاط ضعف فيزيائية. وحين تُقطع الطبقة الرقمية لهذه المنظومة أو تُخفَّض تحت البحر الأحمر، فإن القدرة الوظيفية للمحميات ستتداعى قبل وضعها السياسي. لن تسقط بالقصف. ستسقط بفقدان "الوظيفية".

……….

المقال الثالث:

الأساطيل الأمريكية وحرب البيانات… حين يفقد العملاق أعصابه الرقمية

خلاصة افتتاحية: لا تعتمد الأساطيل الأمريكية على القوة النارية وحدها، بل على شبكة بيانات عالمية تمر عبر البحر الأحمر والخليج. تعطيل هذه الشبكة يربك الأساطيل ويضعف قدرتها على العمل.

أولاً: لماذا تعتمد الأساطيل على الإنترنت؟

كمية البيانات التي تولدها أنظمة قتال مدمرة أمريكية حديثة تتجاوز كمية بيانات مدينة صغيرة. كل مسح لرادار المصفوفة الطورية، وكل التقاط لنظام حرب إلكترونية، وكل تسجيل لعوامة سونار، يحتاج إلى معالجة ودمج ومشاركة مع الأسطول والعقد البرية. وتعتمد الغالبية العظمى من هذه العملية على روابط اتصال تجارية أو عسكرية، وتمر نسبة معتبرة منها عبر ممرات الكابلات في البحر الأحمر والخليج.

البنية الاتصالية للبحرية متعددة الطبقات: الأقمار الصناعية العسكرية توفر رابط القيادة الأساسي، والأقمار التجارية توفر نطاقاً ترددياً تكميلياً، والكابلات البحرية توفر اتصالاً عالي السعة ومنخفض التأخير. والطبقات الثلاث تكرار لبعضها، لكن جودة التكرار غير متساوية. روابط الأقمار تخضع للطقس وقيود النطاق، والكابلات البحرية لا بديل لها في التأخير والسعة. وحين تتضرر طبقة الكابلات، تُجبر طبقة الأقمار على استيعاب تدفق يتجاوز طاقتها التصميمية، فينتشر التكدس والتأخير.

وصعود الأنظمة غير المأهولة يضاعف هذا الاعتماد. روابط التحكم في الزوارق السطحية والطائرات غير المأهولة، وإعادة إرسال بيانات المستشعرات، والتحديث السحابي للخوارزميات المستقلة، كلها تحتاج اتصالاً مستمراً عالي النطاق. وقد أظهر حادث انقطاع ستارلينك في اختبارات 2025 أن فقدان عقدة اتصال واحدة يمكن أن يعزل عشرين زورقاً لنحو ساعة. وفي بيئة كالبحر الأحمر، حيث ندرة المسارات البديلة، فإن زمن استعادة انقطاع مماثل سيمتد من دقائق إلى ساعات.

ثانياً: ماذا يحدث عند تعطيل الكابلات؟

السيناريو واضح. ينخفض إنتاجية البيانات، ويرتفع تأخير الصور وتدفقات الفيديو من مستوى يُهمل إلى مستوى ثوانٍ. وتطول دورة تزامن أنظمة القيادة والسيطرة، وتظهر فجوة زمنية في صورة الوضع المشتركة بين الأسطول والقادة على البر. ويواجه مشغّل المسيّرة صورة متأخرة، فتطول دورة تحديد الهدف وقرار الضربة. والاشتباك التعاوني — الاعتراض المتكامل لهدف واحد بواسطة عدة سفن أو منصات — يحتاج تزامناً بالمللي ثانية، وزيادة التأخير تضغط نافذة الاعتراض مباشرة.

ونتيجة تراكم هذه الآثار ليست "شلل" الأسطول، بل فقدان الإيقاع. تفوق البحرية الأمريكية هو إلى حد كبير تفوق في إيقاع القرار: أسرع في الملاحظة، وأسرع في الفهم، وأسرع في الفعل. وحين تتخفض روابط البيانات، تتمدد كل حلقة في هذه الدورة، والخصم — إذا كان نمط قتاله لا يعتمد على نفس الإنتاجية من البيانات — يكسب نافذة زمنية نسبية.

ثالثاً: أثر ذلك على العمليات في اليمن

يعتمد النشاط العسكري الأمريكي باتجاه اليمن — ضربات المسيّرات، والاعتراض البحري، ودعم المحميات الخليجية، والتنسيق الاستخباري مع الكيان — اعتماداً شديداً على استمرارية البيانات. تحديد الأهداف يعتمد على دمج صور الأقمار مع الاستخبارات الإشارية، وتفويض الضربة يعتمد على تأكيد بالفيديو اللحظي، وتقييم الأضرار يعتمد على إعادة إرسال الصور بعد الضربة. وأي تأخير ملموس في حلقة من هذه الحلقات يخفض كفاءة العملية أو يرفع مخاطر الأضرار الجانبية.

والأكثر حرجاً هو التنسيق مع المحميات الخليجية. تبادل البيانات بين القواعد الأمريكية في البحرين وقطر والإمارات والأجهزة الأمنية المضيفة يعتمد على شبكات الاتصالات التجارية. وحين تتخفض هذه الشبكات، يضطرب إيقاع تخطيط العمليات المشتركة، وتتخفض فورية تبادل الاستخبارات، وتتضرر موثوقية الاتصال في الأزمات. وفي مسرح عمليات يكون فيه السرعة متغيراً محورياً، فإن تأخير التنسيق يعادل فشل التنسيق.

رابعاً: أثر ذلك على الكيان

منظومة الكيان العسكرية والاستخبارية مترابطة ترابطاً وثيقاً مع الجيش الأمريكي. أسطول مسيّراته، وشبكات مراقبته، ودمج مستشعرات منظومة الدفاع الصاروخي، تعتمد على اتصال مستمر بالبنية التحتية للبيانات الأمريكية. وتخفيض ممر كابلات البحر الأحمر يؤثر على الكيان تأثيراً مزدوجاً: من جهة، تنخفض إنتاجية بيانات تشغيله الذاتي؛ ومن جهة أخرى، يتعرض رابط تنسيقه مع حاميه الأمريكي للضغط.

والوضع الاستراتيجي للكيان يجعل اعتماده على التفوق التقني ذا طبيعة وجودية. عمق إقليمه محدود، وحجم سكانه محدود، وقوته التقليدية لا تتفوق عددياً على الخصوم الإقليميين. والتفوق النوعي — الاستخبارات الدقيقة، وسرعة القرار، والقتال الشبكي — هو حجر أساس ردعه. وحين تتضعضع القاعدة الفيزيائية للبنية الرقمية، يتزعزع الأساس الفيزيائي للتفوق النوعي. ليس المعنى أن الكيان سيصبح ضعيفاً إلى حد العجز عن الدفاع عن نفسه، بل أن هامش الخطأ في عمله يضيق، وأي انقطاع اتصال إضافي قد يدفع عملية روتينية إلى أزمة.

خامساً: الأثر المرتد على المحميات الخليجية

يعتمد الأسطول الأمريكي على موانئ ومطارات ومنشآت بيانات المحميات الخليجية. وحين تتضرر الأعصاب الرقمية للأسطول، يتغير نمط اعتماده على المحميات: ستتدفق طلبات أكبر إلى الموارد التجارية للاتصالات في الدول المضيفة، وهذه الموارد نفسها قد تكون تضررت في الانقطاع ذاته. وتشغيل القواعد، وجدولة الإمداد، وتدوير الأفراد، كلها تشارك المسار الفيزيائي مع الشبكة المدنية للمضيف. والتخفيض الرقمي للمحمية ينتقل تلقائياً إلى تخفيض رقمي لقاعدة القوات المسلحة الأمريكية .

وهذا يخلق مفارقة: الوجود العسكري الأمريكي في الخليج يُفترض أن يكون ضمانة أمن المحمية، لكن هذا الوجود نفسه يعتمد على البنية الرقمية المدنية للمحمية. وحين تتضرر البنية، يتعرض الحامي والمحمي للهشاشة نفسها في الوقت نفسه. فلا تستطيع المحمية أداء دورها الوظيفي، ولا يستطيع الأسطول إسقاط قوته بفعالية عبر المحمية.


قدرة البحرية الأمريكية على إسقاط القوة تقوم على سلسلة إمداد لا تُرى: من الألياف الزجاجية في قاع البحر الأحمر، إلى مراكز البيانات على ساحل الخليج، إلى روابط الأقمار فوق المحيط الهندي. وكل عقدة في هذه السلسلة فيزيائية، وبالتالي قابلة للتعطيل. حرب البيانات لن تُغرق حاملة طائرات، لكنها تستطيع أن تعزل مجموعة قتال حاملة عن العالم في ساعات حاسمة.

وبالنسبة لبحرية تحافظ على حضور عالمي لكنها تقاتل فعلياً في مسارح قليلة، فإن استمرارية البيانات ليست رفاهية، بل شرط مسبق لإسقاط القوة. والكابلات تحت البحر الأحمر تصوّب بدقة أكبر من أي صاروخ مضاد للسفن إلى أساس التفوق العسكري الأمريكي.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحالف وهابية العدو السعودي والإمبريالية الأمريكية
- الدومينو يبدأ من بروكسل وباريس : حين يكتب محور المقاومة بداي ...
- كيف صاغ الاستشراق البنية التكفيرية الحديثة؟
- المنظومة التي لا تُرى: كيف تتشابك الثروة والعنف والسيادة في ...
- سقوط الشرعية الإقليمية… من تفكك النفوذ إلى صعود الشعوب
- مقارنة بين إعلام صنعاء والإعلام الخليجي الخادم للإمبريالية ا ...
- غزة: الإبادة كرسالة طبقية من النظام الرأسمالي العالمي
- نصف مليون ضحية: اليمن بين قصف العدو السعودي والجوع والصمت ال ...
- بين خنادق -العيديد العسكرية- وشاشات -العيديد الإعلامية-: قرا ...
- مسؤولية القيادة السعودية والإماراتية في حرب اليمن
- جيل الطلاب في اكتوبر ٢٠٢٦ : نحو اورب ...
- كيف بحمي اعلام محميات الخليج صورتها اللامعة باعتقال ألف صوت
- مَن رأى قبل الفجر.. مسرحية في ثلاثة فصول
- من جامعة حيفا إلى قيادة «حداش»: يوسف جبارين ورهان الوحدة الف ...
- كيف تشكّلت “الشعبية” الزائفة لجماعات وظيفية كالإخوان المسلمي ...
- روسيا وإيران… الدولتان اللتان استشرفتا المستقبل قبل أن ينهض ...
- بلجيكا تشتعل من الداخل: حين يكتب الشباب على الإسفلت بيانًا ج ...
- حين يضحك التاريخ أخيرًا: سردية انكسار القمة وارتداد السخرية
- تمهيد و دراسة مقارنة عن مسرحيتي (تاجر الفائدة في بروكسل ). . ...
- مقدمة عن روايتي ( حبل الكذب)..ودراسة مقارنة عنها


المزيد.....




- واشنطن تعلّق بيع الذخيرة لحلفائها
- روسيا في كردستان العراق: آفاق واعدة
- أعمالُ العنف والنهب في فرنسا تحشر ماكرون في مأزق
- أحجية بكين: هل تجمع شنتشن قادة روسيا وأمريكا والصين؟
- الحرب وسيلة للبقاء في السلطة
- موتورولا تطلق أحد أفضل هواتفها قريبا
- -الحجة- الموحّدة للمشاة.. رشاش -كلاشينكوف- البالغ من العمر 6 ...
- علماء: الأدلة على التغير المناخي البشري المنشأ أصبحت حاسمة
- مواد طبيعية تحمي الخلايا العصبية من التلف وتحارب أعراض باركن ...
- دراسة تكشف تأثير مكان السكن على احتمال الإصابة بالخرف


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - كتيب :أَعْصَابُ البَحْرِ.. حين تصمت الألياف وتتكلّم الجغرافيا