|
|
مقدمة عن روايتي ( حبل الكذب)..ودراسة مقارنة عنها
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 11:53
المحور:
الادب والفن
على عتبة الصمت: حين تصير الصحراء مؤرّخاً
ليس ثمة ما هو أكثر فتكاً من الكلمة حين تتحوّل إلى حجر. وليس ثمة ما هو أكثر عقمًا من حجر حين يُظنّ أنه كلمة. بين هذين الحدّين، على حافة اللغة ذاتها، تنبت الروايات. لا تلك التي تُكتب لتُقرأ، بل تلك التي تُكتب لأن الصمت قد صار ثقيلاً إلى حدّ الاختناق. وهذا ما نسمّيه، في العرف الأدبي، ضرورة. لا خياراً. ولا ترفاً. ولا استعراضاً بلاغياً في سوق اللغة.
هذه الرواية التي بين يديك ليست عن الحرب. الحرب مجرّد خلفية. وهذه الرواية ليست عن الإعلام. الإعلام مجرّد مسرح. وهذه الرواية ليست عن الكذب. الكذب مجرّد مادة خام، كالطين الذي يشكّل منه الخزّاف إناءً، أو كالرماد الذي يُبنى منه جدار يبدو من بعيد كأنه صلب، ثم ينهار عند أول نسمة حقيقة.
هذه الرواية، في جوهرها، عن المسافة. عن تلك المسافة العميقة، السحيقة، التي تفصل بين ما يحدث وما يُروى، بين الجرح وصورته، بين الصرخة وصدى الصرخة. وهي مسافة لا تُقاس بالأميال، بل بالخرائط الأخلاقية للأمم. وهي مسافة لا تُعبَر في اتجاه واحد، بل على اتجاهين: واحد نحو الحقيقة، وآخر نحو الوهم. والأخير هو الأسهل. لأن الوهم لا يحتاج إلى برهان. الحقيقة وحدها هي التي تحتاج إلى دليل، إلى شهود، إلى جثث، إلى صمت الصحراء الذي لا يكذب أبداً.
لقد عرف الأدب العالمي، عبر تاريخه الطويل، أن الحرب والخداع توأمان لا يفترقان. كتب "سويفت" عن أكاذيب السياسة في الجزيرة التي تسكنها الخيول العاقلة، وكتب "أورويل" عن المزرعة التي صارت مسلخاً للغة، وكتب "فولتير" عن "كانديد" الذي رأى في كل مكان أن "كل شيء على أحسن حال" بينما العالم ينهار من حوله. لكن هذه الأعمال، في نهاية المطاف، كانت تُكتب في سياق يمكن للكاتب فيه أن يسمّي الأشياء بأسمائها. كان أورويل يعرف اسم "ستالين"، وكان سويفت يعرف اسم "اليمين البريطاني"، وكان فولتير يعرف اسم "لايبنتز". كانت السخرية ممكنة لأن الضحية كانت مُسمّاة.
أمّا في زمننا هذا، فقد انتقلت الحرب إلى طبقة أعمق. لم تعد الضحية تحمل اسماً يمكن الإشارة إليه. لم يعد الكذب يأتي من جهة واحدة يمكن أن تسخر منها. لقد أصبح الكذب غلافاً جوياً، مناخاً، بيئة يستنشقها الجميع دون أن يدركوا أنهم يستنشقون موتهم. الكذب اليوم لا يأتي من صحيفة معينة، ولا من قناة معينة، ولا من دولة معينة. الكذب اليوم هو البنية التحتية للإدراك العالمي. الكذب هو اللغة التي نتحدث بها، ونحن نظن أننا نتحدث بلغتنا. الكذب هو الهواء. وأنت لا تستطيع أن تسخر من الهواء. تستطيع فقط أن تختنق فيه، أو أن تبحث عن جيب صغير من الأكسجين، ثم تكتب.
هذه الرواية كُتبت في جيب صغير من الأكسجين.
كل من يكتب عن الحرب يواجه سؤالاً واحداً: من أين تبدأ؟ أتبدأ من الرصاصة الأولى؟ أم من البيان الصحفي الذي أعلن أن الرصاصة لم تُطلَق؟ أم من الخطاب الذي أعلن أن الرصاصة لم تكن هناك أصلاً؟ أم من الجمهور الذي صدّق أن لا رصاصة، ولا حرب، ولا قتلى، ولا موتى؟
اخترنا في هذه الرواية أن نبدأ من الصمت. من الفراغ. من اليد الجافة التي تظهر من الرمال في الفصل الأول. لا نبدأ من الإعلان، لأن الإعلان هو دائماً الكذبة الأولى. ولا نبدأ من الإنكار، لأن الإنكار هو الكذبة الثانية. نبدأ من الجسد. من الجسد الذي لا يكذب. من الجسد الذي لا يقرأ البيانات الصحفية، ولا يشاهد القنوات، ولا ينتظر ترامب ليفتح مضيقاً، ولا ينتظر "السحّاب السحري" ليشق البحار. الجسد يموت. وهذا كل ما يفعله. وهذا كل ما يحتاج أن يفعله ليقول الحقيقة.
في بداية هذه الرواية، سترى "ناصر" يجلس على شرفة فندق في مدينة اسمها "الصدى". مدينة الصدى. الاسم نفسه فخّ. فالصدى لا يقول شيئاً، بل يعيد ما قيل. والصدى لا يبتكر. والصدى لا يكذب. لكن الصدى، في هذه المدينة، قد تعلّم أن يكذب. وهذا هو الرعب. أن الصدى، الذي كان في الأصل صدى للحقيقة، قد أصبح صدى للكذب. وهذا التحوّل هو الفاجعة الكبرى التي تسعى الرواية إلى تشريحها.
سيسأل قارئنا الكريم، وهو يقف على عتبة هذه الرواية: لماذا السخرية؟ لماذا لا الحزن؟ لماذا لا البكاء؟
والجواب: لأن البكاء قد صار عديم الفاعلية. البكاء لا يُسقط إمبراطورية. البكاء لا يفكّك شبكة من الأكاذيب. البكاء لا يوقف قنبلة، ولا يُلغي بياناً صحفياً، ولا يعيد طفلاً إلى أبيه. لكن السخرية... السخرية تفعل شيئاً واحداً هائلاً: إنها تُجبر السلطة على رؤية نفسها في المرآة. والسلطة لا تخشى البكاء، لأن البكاء يعترف بسلطتها، أما السخرية، فهي الشكل الأدبي الوحيد الذي ينفي عن السلطة هالتها. السخرية تُجرد الملك من ثيابه، وتكشف أنه لا يملك سوى خزانة من الأكاذيب.
لذلك كانت السخرية هي شكل هذه الرواية. لا لأننا لا نستطيع أن نحزن، بل لأننا لا نستطيع أن نحزن إلى الأبد. لأن الحزن، إذا طال، يصبح نوعاً من الموت البطيء. والسخرية... السخرية هي المقاومة الوحيدة المتاحة لمن لا يملك لا جيشاً ولا قناة ولا خزانة، لكنه يملك... كلمة. كلمة واحدة صادقة. وكلمة واحدة صادقة أقوى من ألف قناة كاذبة، ليس لأنها تصل إلى كل الناس، بل لأنها تصل إلى كل ضمير.
هذه الرواية لا تدّعي أنها تكتب التاريخ. التاريخ يُكتب في مكان آخر، بأقلام أخرى، بتمويل من أبواق معينة، بمعادلات سلطة محددة. هذه الرواية تدّعي شيئاً واحداً فقط: أنها تكتب ما عجزت الأخبار عن كتابته. عجزت ليس لأنها لا تستطيع، بل لأنها لا تريد. الأخبار لا تكتب الجثث، لأن الجثث لا تبيع الإعلانات. الأخبار لا تكتب اليد الجافة في الرمال، لأن اليد الجافة لا تناسب ربع ساعة من البرامج الحوارية. الأخبار لا تكتب أن المضيق لم يُفتح، لأن المضيق المغلق يجلب النكد، والنكد يخفض نسب المشاهدة.
ونحن، في هذه الرواية، اخترنا أن نكتب النكد. اخترنا أن نكتب القبح. اخترنا أن نكتب ما يخفض نسب المشاهدة، لأننا نعتقد أن مهمة الأدب ليست أن يخفض، بل أن يرفع. يرفع درجة الوعي، يرفع سقف الحقيقة، يرفع من شأن الكلمة الصادقة، حتى لو لم تصل إلى أكثر من قارئ واحد. قارئ واحد يكفي. قارئ واحد هو جنرال في معركة الحقيقة.
في عالم تحكمه إمبراطوريات الإعلام، حيث تُشترى الأخبار بالعملة الصعبة، وحيث تُبيع القنوات أوهامها بأسعار السوق، وحيث يصبح الصحافي ببغاءً مدفوعاً، وحيث يصبح المواطن متلقياً مخدّراً، لا يبقى أمامنا سوى شيء واحد: أن نكتب. لا لنغيّر الواقع — الواقع أكبر منّا — بل لنمنع أنفسنا من أن نصبح جزءاً من الكذبة. الكتابة هنا، في هذه الرواية، ليست عمل إبداعي، بل عمل وجودي. أنا أكتب، إذاً أنا موجود. أنا أكتب، إذاً أنا لم أستسلم للوهم. أنا أكتب، إذاً حبل الكذب، مهما طال، سيظل... قصيراً.
هذا هو وعد الرواية. لا وعد بالانتصار. بل وعد بأن الحقيقة، حتى لو دُفنت في الرمال، حتى لو غُرقت في المضيق، حتى لو حُرقت في أرشيف القنوات، ستظل هناك. تحت الرمال، تحت الماء، تحت الرماد. تنتظر. تنتظر من يحفر، من يغوص، من يفتح الملفات القديمة. تنتظر القارئ. تنتظرك.
---
والآن، ادخل. لكن احذر: في هذه الرواية، لا شيء كما يبدو. لا المضيق مفتوح، ولا الانتصار حقيقي، ولا الكذبة أبدية. الشيء الوحيد الأبدي هنا... هو الصحراء. والصحراء لا تكذب.
……….
دراسة نقدية
في ظلال الحقيقة: الرواية بين حفريات الإعلام وشهادة الرمال
قراءة في "حبل الكذب" وسؤال الإبداع في زمن الاستعمار الإعلامي
أولاً: مقدمة نظرية — الأدب في مواجهة إمبراطوريات الوهم
حين نضع رواية "حبل الكذب" في مواجهة ما كُتب حول الموضوع نفسه — أعني الموضوع اليمني، والصراعات الإقليمية، وحروب الإعلام الموازي، وصناعة الأوهام على أرض الواقع — لا نضعها في مواجهة نصوص محددة، بل في مواجهة أرشيف ضخم، متعدد الأصوات، متشابك الأيديولوجيات. هذا الأرشيف يشمل:
أولاً: الأدبيات الصحافية المباشرة: وهي التي تعاملت مع الأحداث اليمنية بوصفها "وقائع" يُبنى عليها التحليل السياسي والعسكري. هذه الأدبيات، على تنوع انتماءاتها، تتحدد بسمة واحدة: الانحياز. انحياز صريح في بعض الأحيان، ومستتر في أحيان أخرى. لكن، في كل الحالات، انحياز لا يعترف بأنه انحياز، بل يقدّم نفسه كـ"موضوعية" و"حياد" و"مهنية".
ثانياً: الأدبيات الأكاديمية: وهي التي حاولت أن تدرس الظاهرة اليمنية من منظورات أنثروبولوجية وسوسيولوجية وجيوسياسية. وهذه الأدبيات، رغم غزارتها، تعاني من مشكلة مضاعفة: إنها تعتمد، في كثير من الأحيان، على مصادر ثانوية — تقارير إعلامية، بيانات حكومية، شهادات لاجئين — دون أن تُفرّق بين هذه المصادر من حيث درجة موثوقيتها. فبيان التحالف البعيد يُساوي، في كثير من الدراسات، شهادة شيخ قبلي شاهد الجثث بعينه. وهذا خلل جوهري في المنهج.
ثالثاً: الأدبيات الأدبية: وهي الأندر. روايات وكتب سردية حاولت أن تلتقط اليمن من زاوية إنسانية. لكن معظمها وقع في فخّين: فخّ التوثيق المباشر (وهو ليس أدباً)، وفخّ الرمزية المفرطة (وهو ليس توثيقاً). فإما أن الروائي يكتب "شهادات" موزعة على شخصيات، فتتحوّل الرواية إلى أرشيف، وإما أن يكتب رمزيات مجردة، فتتحوّل الرواية إلى ملغز عقلي لا علاقة له بالواقع.
في هذه الفضاء الثلاثي، تأتي رواية "حبل الكذب" لتطرح سؤالاً مختلفاً: كيف نكتب الحقيقة دون أن نكتبها؟ كيف نشهد على الجريمة دون أن نسمّي القاتل؟ كيف نجعل النص صالحاً لكل زمان ومكان، دون أن نفقده دقّته التاريخية والجغرافية؟
هذا هو السؤال الإبداعي المركزي الذي تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عنه.
ثانياً: البنية السردية — خمس طبقات من الوهم
تتوزّع رواية "حبل الكذب" على خمسة فصول، كل فصل يشكّل طبقة من طبقات الوهم التي تغطي الحقيقة، حتى نصل إلى الطبقة الأخيرة التي لا يوجد تحتها سوى الحقيقة العارية: الصحراء، والجثة، والصمت.
الفصل الأول: مدينة الصدى
عنوان الفصل الأول هو المفتاح السيميائي للرواية بأكملها. "الصدى" هو تكرار الصوت، لكنه أيضاً انعكاسه المشوّه. في مدينة اسمها "الصدى"، لا يصدر الناس أصواتهم، بل يكررون أصواتاً أخرى. والصدى، في هذه المدينة، قد تعلّم أن يكذب. وهذا هو الرعب: أن أداة نقل الصوت قد تحوّلت إلى أداة تشويه الصوت.
في هذا الفصل، يلتقي القارئ بـ"ناصر" — الصحافي — و"أبو سليم" — الدليل المحلي — و"منى" — الصحافية الشابة. هؤلاء الثلاثة يمثلون ثلاثة مواقف من الحقيقة: ناصر الذي يبحث عنها، وأبو سليم الذي يعرفها ويعرف ثمنها، ومنى التي تتجنبها خشية أن تفقد وظيفتها. هذا التثليث هو بنية سردية كلاسيكية — ثالوث الأبطال — لكن الرواية تستخدمه بطريقة ملتوية: لا يوجد بطل واحد، بل ثلاث زوايا للحقيقة، كل زاوية تكشف جزءاً منها.
المشهد المحوري في هذا الفصل هو مشهد الجثة في الرمال. هذا المشهد ليس مشهداً "أدبياً" بالمعنى التقليدي — لا يوجد فيه بلاغة مفرطة، ولا استعارات، ولا مجازات. هناك يد جافة، وعظام، وصمت. الصمت هو العنصر الأدبي الأقوى في هذا المشهد. لأن الصمت هو الصوت الوحيد الذي لم تستطع إمبراطوريات الإعلام تلويثه.
الفصل الثاني: وزارة الأوهام
هنا تنتقل الرواية من الميدان إلى غرفة العمليات. من الصحراء إلى المكتب. من الجثة إلى البيان. هذا الانتقال هو ما يمنح الرواية بعدها الجيوسياسي، دون أن تفقد بعدها الأدبي. "ستيفن" — المستشار الأمريكي — هو نموذج للبيروقراطي الكولونيالي الجديد: رجل لا يقتل، بل يوقّع. لا يحمل سلاحاً، بل يحمل "استراتيجية اتصال". لا يعرف أسماء الضحايا، بل يعرف أرقام التقارير.
اللافت في هذا الفصل هو مشهد الفريق المصغّر — خليجيان ومصري ولبناني ومغربية — الذين يناقشون "كيف نصنع الواقع". هؤلاء ليسوا أشراراً بالمعنى الميلودرامي. هم موظفون. هم بشر يريدون أن يستمروا في وظائفهم. وهنا تكمن السخرية الأعمق: الشر في هذا الزمن ليس شيطانياً، بل إدارياً. ليس استثنائياً، بل روتينياً. ليس غائياً، بل تقنياً.
هذا الفصل يذكّرنا بأعمال "غراهام غرين" عن "الأمريكي الهادئ"، وبأعمال "جون لو كاريه" عن بيروقراطية الجاسوسية. لكن الفرق الجوهري: في غرين ولو كاريه، البيروقراطية فاسدة لكنها فعالة. هنا، البيروقراطية فاسدة وفاشلة في آن. "ستيفن" يعلن فتح المضيق، والمضيق لم يُفتح. "ستيفن" يعلن انتصاراً، والجيش ينهار. هذا الفشل المزدوج — فشل الأخلاق وفشل الأداء — هو ما يجعل السخرية ممكنة.
الفصل الثالث: مقبرة المضيق
هنا تعود الرواية إلى الميدان، لكن من زاوية مختلفة. لم تعد مدينة الصدى هي الفضاء الوحيد. هناك قرية "أم الرمال"، وهناك الشيخ "أبو راشد" — نموذج الحكيم الشعبي الذي يعرف البحر ولا يعرف الكذب. في هذا الفصل، يصبح البحر بديلاً عن الصحراء. الصحراء في الفصل الأول كانت مقبرة، والبحر في الفصل الثالث ليس أقل قسوة. لكن البحر، على عكس الصحراء، له ذاكرة. الصحراء تدفن الجثث، والبحر يعيدها إلى الشاطئ. الصحراء تصمت، والبحر يزبد.
المشهد المحوري في هذا الفصل هو مشهد السفينة التي تأتي من "التحالف البعيد" لتفقّد المضيق. الجنود يسألون: "أين السفن؟" والشيخ يجيب: "أنتم أعلنتم، لكن البحر لم يعلن." هذه العبارة هي خلاصة الفصل، وخلاصة الرواية كلها. الإعلان لا يخلق واقعاً. الإعلان يخلق وعداً. والوعد... يُخلف.
الفصل الرابع: سحّاب ترامب
هذا الفصل هو الأكثر سخرية في الرواية. عنوانه نفسه — "سحّاب ترامب" — هو قمة العبث. "السحّاب" كأداة لفتح المضائق. الرئيس الأمريكي كساحر شعبي. الجيوسياسة كأداء مسرحي. في هذا الفصل، تصل السخرية إلى ذروتها، وتكاد الرواية أن تتحول إلى مسرحية هزلية. لكن الرواية لا تفقد بوصلتها الأخلاقية. حتى في لحظات السخرية القصوى، يبقى السؤال قائماً: لماذا نصدّق؟ لماذا نصدّق ترامب حين يقول إنه فتح المضيق؟ لماذا نصدّق التلفاز حين يقول إن الانتصار قادم؟ لماذا نصدّق "ستيفن" حين يقول إن الواقع يُصنع؟
الجواب الذي تقدّمه الرواية: لأننا نريد أن نصدّق. لأن الحقيقة موجعة. لأن الحقيقة تعني أن علينا أن نتحرك، أن نحتج، أن نغيّر. والكذبة... الكذبة مريحة. الكذبة تسمح لنا أن ننام. الكذبة تُعفينا من المسؤولية. هذا الطرح يقترب من "جان بودريار" في "محاكاة المحاكاة" و"الحرب والخيال"، ومن "نعوم تشومسكي" في "صناعة الإجماع". لكن الرواية لا تُحيل إلى هؤلاء. هي تلتقط روحهم، دون أن تسمّيهم.
الفصل الخامس: حبل الكذب
هذا الفصل هو الخاتمة، وهو أيضاً البداية. الرواية تنتهي حيث بدأت — في مقهى "المرآة" في مدينة الصدى. "المرآة" رمز آخر. في المرآة، نرى أنفسنا. في المرآة، لا يمكن أن نكذب. لكن المرآة، في مدينة الصدى، مكسورة. والمرآة المكسورة تشوّه الصورة. وهذه هي حال الإعلام في زمننا: مرآة مكسورة، تعكس ما تريد، لا ما هو كائن.
الخاتمة لا تحمل انتصاراً. "ناصر" لا ينشر مقاله. لا يغيّر العالم. لا يوقف الحرب. لكنه يكتب. وهذا يكفي. هذا هو "البطل التراجيدي" الجديد: ليس من ينتصر، بل من لا يستسلم. ليس من يغيّر الواقع، بل من يمنع الواقع من تغييره.
ثالثاً: الإبداع في ظل حروب الكذب — لماذا هذه الرواية مختلفة؟
1. التمويه الجغرافي الدقيق
الرواية لا تسمّي اليمن. لا تسمّي السعودية. لا تسمّي الإمارات. لا تسمّي ترامب. لا تسمّي الجزيرة والعربية والحدث. تستخدم أسماء بديلة: "مدينة الصدى"، "مدينة الضوء"، "التحالف البعيد"، "قناة الضباب"، "قناة الصدى"، "قناة الحدث" (مع تغيير طفيف). هذا التمويه ليس جبناً، بل هو إبداع منهجي. لأن التمويه يرفع الرواية من الواقعة إلى المثال. من "اليمن" إلى "كل مكان يشبه اليمن". من "حرب معينة" إلى "كل حرب تخاض بكلمات معينة". وهذا ما يجعل الرواية صالحة لكل زمان ومكان، كما طلب المستخدم الكريم.
لكن التمويه الدقيق يجب أن يكون دقيقاً. لا يكفي أن نستبدل الأسماء. يجب أن نستبدل أيضاً البنى. والرواية تفعل ذلك. "وزارة الأوهام" ليست وزارة الإعلام السعودية، بل هي نموذج عالمي. "ستيفن" ليس مستشاراً أمريكياً بعينه، بل هو كل مستشار أمريكي في كل مكان. "الشيخ أبو راشد" ليس شيخاً يمنياً بعينه، بل هو كل شيخ قبلي في كل ساحل في العالم.
2. السخرية المتدرجة — من المرارة إلى القهقهة
الرواية تبدأ بنبرة مريرة، ثم تتحول تدريجياً إلى سخرية صريحة. هذا التدرج مقصود. لأن السخرية المباشرة من البداية قد تكون صادمة، لكنها لا تكون عميقة. أما السخرية المتدرجة، فهي تُدخل القارئ في الحالة، ثم تكشف له أن الحالة نفسها عبثية. هذا التدرج يذكّرنا بـ"دون كيخوته" — حيث يبدأ الحلم جميلاً، ثم يصبح مأساوياً، ثم يصبح مضحكاً، ثم يصبح مأساوياً مرة أخرى.
3. الجثة كبطل غائب
في معظم الأدبيات عن الحروب، الجثة مجرد تفصيل. هنا، الجثة — اليد الجافة في الرمال — هي البطل الحقيقي. الجثة لا تتكلم، لكنها تشهد. الجثة لا تُنشر، لكنها تُروى. الجثة لا تدافع عن نفسها، لكنها لا تُدافع عنها الأقلام. هذا الاختيار الفني هو ما يمنح الرواية قوتها الأخلاقية. لأن الجثة، في هذه الرواية، ليست رمزاً. هي حقيقة. والفرق بين الرمز والحقيقة هو الفرق بين الأدب والدعاية.
4. الإعلام كشخصية سردية
في هذه الرواية، الإعلام ليس خلفية. إنه شخصية. له شخصيته، له منطقه، له أخلاقه، له فشله. "قناة الصدى" ليست مجرد وسيلة نقل. إنها طرف في الحرب. و"ستيفن" ليس مجرد موظف. إنه ممثل هذه الشخصية. و"منى" ليست مجرد صحافية. إنها الضحية والمتواطئة في آن. هذا التصور للإعلام كشخصية سردية هو ما يمنح الرواية أصالتها. لأن معظم الأدبيات عن الإعلام تعامله كأداة، لا ككائن. والرواية تقول: الإعلام كائن. ولهذا الكائن مصالح، ومخاوف، وأطماع، وأوهام.
5. النهاية المفتوحة كموقف أخلاقي
الرواية لا تنتهي بانتصار الحقيقة. تنتهي بـ"ناصر" يكتب، دون أن ينشر. هذا الاختيار الفني هو موقف أخلاقي. لأن النهاية المفتوحة تعني أن المعركة لم تنتهِ. تعني أن الحقيقة لا تزال مدفونة. تعني أن القارئ هو من يجب أن يكمل المشوار. هذا ما يسميه "أمبرتو إيكو" "النص المفتوح". النص المفتوح لا يفرض معنى واحداً. يفرض مسؤولية. مسؤولية على القارئ. وهذه المسؤولية هي ما يجعل الرواية أدباً، لا بياناً.
رابعاً: في نقد الأدبيات السابقة — ما الذي أضافته الرواية؟
معظم ما كُتب حول الموضوع اليمني يمكن تقسيمه، كما أشرنا، إلى ثلاثة أنواع. هذه الرواية تتقاطع مع النوع الثالث (الأدبي) لكنها تتجاوزه في ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: تجاوز الثنائية
معظم الأدبيات تنقسم إلى ثنائيات: مع التحالف أو ضده، مع صنعاء أو ضدها، مع الحقيقة أو ضدها. هذه الرواية ترفض الثنائيات. لا يوجد فيها "شرير مطلق" ولا "بطل مطلق". "ستيفن" ليس شيطاناً، بل موظف. "ناصر" ليس بطلاً، بل صحافياً منهكاً. "منى" ليست خائنة، بل صحافية تريد أن تنجو. هذا التجاوز للثنائية هو ما يجعل الرواية أقرب إلى الأدب العالمي الرصين، وأبعد عن الأدبيات الدعائية بكلا نوعيها.
النقطة الثانية: تجاوز الوثائقية
معظم الأدبيات الأدبية عن اليمن تظل وثائقية. تنقل، تصف، تحلل، لكنها لا تخترع. هذه الرواية تخترع. "مدينة الصدى"، "قناة الضباب"، "وزارة الأوهام"، "سحّاب ترامب" — كل هذه اختراعات. لكنها اختراعات لا تبعدنا عن الواقع، بل تقرّبنا منه. لأنها تكثّفه. الأدب لا ينقل الواقع، بل يكثّفه. والكثافة هي ما يجعل الحقيقة مرئية. وهذا ما تفعله الرواية.
النقطة الثالثة: تجاوز الضحية
معظم الأدبيات تركز على الضحايا: المدنيين، الأطفال، الجرحى، اللاجئين. هذه الرواية لا تركز على الضحايا. تركز على آليات الإنتاج — كيف تُصنع الضحية؟ كيف تُروى؟ كيف تُنسى؟ التركيز على الآليات هو ما يمنح الرواية بعدها المعرفي. لأن معرفة الضحية لا تغيّر شيئاً. معرفة الآليات هي التي تتيح التغيير.
خامساً: الإبداع في زمن الاستعمار الإعلامي — خلاصات
في ظل إمبراطوريات إعلامية يملكها رأس المال الأمريكي ومن لفّ لفّه من كيانات ومحميات، يواجه الأدب تحدياً وجودياً: كيف يكتب عن الواقع حين يكون الواقع نفسه مصنوعاً؟ كيف يشهد على الجريمة حين تكون الجريمة قد غُطّيت بطبقات من السرديات؟ كيف يقول الحقيقة حين تكون الحقيقة قد أصبحت "سردية" مثل غيرها من السرديات؟
الجواب الذي تقدّمه هذه الرواية هو الإبداع كشهادة. الإبداع ليس ترفاً جمالياً. الإبداع ليس تزييناً. الإبداع هو الطريقة الوحيدة التي يمكن بها الحفاظ على الحقيقة حين تكون الحقيقة مهددة. لأن الإبداع لا يكرر. لا يردد. لا ينقل. الإبداع يخلق. يخلق عالماً موازياً، لكنه عالم لا يزيّف. عالم يعكس الحقيقة بشكل مكثّف، مركز، صافٍ.
هذا هو الفرق بين الإبداع والدعاية:
· الدعاية تكذب. · الأدب لا يكذب. لكنه لا ينقل. يخلق. · الدعاية تخدم السلطة. · الأدب يخدم الضمير. · الدعاية تنتهي. · الأدب يبقى.
"حبل الكذب" هو محاولة لإنتاج هذا النوع من الأدب. أدب لا يكذب، ولا ينقل، بل يخلق. يخلق مدينة اسمها "الصدى"، ووزارة اسمها "الأوهام"، وسحّاباً اسمه "ترامب"، وشيخاً اسمه "أبو راشد". يخلق كل هذا ليقول شيئاً واحداً: إن حبل الكذب قصير. لكن الحقيقة طويلة. وستبقى.
هذا هو الإبداع الحقيقي. ليس في الشكل — الشكل تعبيري، جميل، لكنه ليس جديداً. الإبداع في الموقف. الموقف الذي يرفض الانحياز، ويرفض الوثائقية، ويرفض الضحية، ويرفض النهاية. الموقف الذي يختار أن يكون أدباً، لا صحافة. وأن يكون أخلاقاً، لا دعاية. وأن يكون حقيقة، لا سردية.
هذه الرواية ليست عن اليمن. هي عن كل مكان تُصنع فيه الأكاذيب. عن كل مكان تُشترى فيه الكلمات. عن كل مكان تُدفن فيه الحقائق تحت الرمال. وهي ليست عن الإعلام. هي عن كل إعلام. عن كل قناة، كل صحيفة، كل وكالة، كل منصة. وهي ليست عن "التحالف البعيد". هي عن كل تحالف. عن كل إمبراطورية. عن كل رأس مال.
وهي ليست عن الماضي. هي عن الحاضر. وعن المستقبل. عن كل زمن يظن فيه الكذابون أن حبلهم طويل. ثم يكتشفون — دائماً — أنه قصير.
………
حبل الكذب قصير. دائماً. لكن الأدب... طويل. أطول من كل الإمبراطوريات.
….
تتوفر الرواية مجانا بالعربية على الرابط التالي : https://saloum1.substack.com/p/840?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
والفرنسية : https://saloum1.substack.com/p/la-corde-du-mensonge-roman-satirique-bdf?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw والإنكليزية : https://saloum1.substack.com/p/the-rope-of-lies-a-satirical-novel-2e4?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw والإسبانية : https://saloum1.substack.com/p/la-cuerda-de-la-mentira-novela-satirica-c5a?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صنعاء والإعلام الوهابي الخليجي الموازي.. حقيقة الصحراء وأوها
...
-
كيف أعادت صنعاءُ رسمَ خريطةِ القوةِ في غرب آسيا ؟
-
في قبضة أموال الوهم الوهابي الإخوانجي : حين يصنع الدجل موعد
...
-
تمهيد روايتي الساخرة : ( سِجِلُّ الغُبَارِ الأَخِير )
-
تمهيد لروايتي - دفتر الغيب -
-
كيف صنع الدعم نصف دخل السوري في 2010، وكيف خسره في 2026؟
-
كتيب : عن الاقتصاد الإيراني وسرديات غوبلز الابستيني..خمس مقا
...
-
الروايةُ كمرآةٍ مكسورة: قراءةٌ في روايتي «دارِ الأبديّة» وسي
...
-
الموت على الهواء مباشرةً.. مسرحية ساخرة في فصلين وخاتمة
-
دموعٌ على محرّرٍ لم يأتِ.. قصة درامية ساخرة
-
من كهفٍ في شارع الكاردينال إلى حي سان جوس بروكسل حيث سكن مار
...
-
ثيليسون أورليان... من هايتي إلى فناك، ومن جائزة إلى تهمة
-
مَرْفَأُ الطَّيْف .. مسرحية ساخرة في خمسة فصول
-
النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليم
...
-
الطبقة الوسطى… القلب المنسي في بلجيكا و سياسات أوروبا الجديد
...
-
صعود اليسار في المدن الكبرى… وأوروبا التي تبحث عن نفسها من ا
...
-
صالح علماني: الفلسطيني ، ساحر الترجمة الذي مشى بين الناس ببس
...
-
بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل
-
سورية المحتلة في سبتمبر 2026: لحظة ما قبل الهروب الكبير
-
نزيف الكفاءات: كيف تتحوّل -إسرائيل- من وطن إلى محطة عبور
المزيد.....
-
سارتر وديلان وباسترناك.. أبرز فضائح جائزة نوبل الأدبية
-
ماجدة موريس موريس تكتب :نحن.. والأوبرا
-
غلافه من البرونز بتوقيع -سلفادور دالي-.. سرقة كتاب لا يقدر ب
...
-
شريك رئيسي بفعالية -تايم 100 آرت-.. مؤسسة قطر تعيد إرث مقبول
...
-
لمواجهة طوفان -نازا-.. الجيش الإسرائيلي يدافع عن روايته بفيل
...
-
وزير الثقافة: اجتماع حلف مكة يؤسس لمحور إقليمي جديد واستعادة
...
-
نجل الفنان الراحل نضال سيجري يعلن قبوله في المعهد العالي للف
...
-
بعد أزمة النجوم.. اعتذار جديد يهز حسابات مهرجان الموسيقى الع
...
-
اللغة العربية في أتون الصراع الصهيوني العربي
-
فيلم -كلايفيس-.. وحش بلا وجه يحتل غوثام وينتظر باتمان
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|