أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - روسيا وإيران… الدولتان اللتان استشرفتا المستقبل قبل أن ينهض من غيبه















المزيد.....

روسيا وإيران… الدولتان اللتان استشرفتا المستقبل قبل أن ينهض من غيبه


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 18:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الرجل الذي رأى الصين قبل أن يراها العالم

في مكتبه المطل على نهر هدسون، حيث تتلاطم أمواج المال والسلطة، يجلس البروفيسور جيفري ساكس، أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا، ورئيس مركز التنمية المستدامة، وعضو لجنة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، ذلك العقل الذي رافق الصين لأكثر من أربعة عقود، منذ أن زارها أول مرة عام 1981، إلى أن أصبح واحدًا من أبرز من يفككون شفرات اقتصادها. لا ينظر ساكس إلى الصين كما ينظر إليها السياسيون في واشنطن، بعين الريبة والحذر، بل بعين الخبير الذي يقرأ في الأرقام ما لا يقرؤه غيره في الخطابات.

يقول ساكس، في لهجة الواثق من علمه: "العقد القادم سيكون عقد الصين، لأن مسارها الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي مسار إيجابي وصاعد، بينما سيكون العقد القادم عقدًا صعبًا للولايات المتحدة، إذ تعيش نظامًا سياسيًا معطلًا، وعجزًا عن التخطيط الاستراتيجي، وانهماكًا في الحروب والانقسامات الداخلية". كلماته ليست مجرد رأي؛ إنها قراءة في بنية الاقتصاد العالمي، في لحظة يتشكل فيها نظام مالي جديد، وتُكتب فيها معادلات القوة من جديد.

ساكس يرى في الصين ما يراه الروس اليوم: شريكًا لا يستخدم المال سلاحًا، ولا يجمّد الأصول انتقامًا، ولا يبتز الدول عبر النظام المالي. إنه يرى فيها اقتصادًا "كمّونيًا مستقبليًا"، لا يعتمد على الورق، بل على الإنتاج، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتخطيط طويل المدى، وسلاسل التوريد التي تمتد من آسيا إلى إفريقيا. هذا الاقتصاد، في نظر ساكس، ليس مجرد بديل عن النظام الغربي، بل هو النظام الذي سيرسم ملامح القرن الحادي والعشرين.

فكيف وصلت روسيا إلى هذه القناعة قبل غيرها؟ وكيف قرأت المستقبل قبل أن يولد؟



الاعتياد… سجن العقول قبل جيوب الدول

في عالمٍ تتسارع فيه التحوّلات المالية والجيوسياسية، تبدو روسيا اليوم كأنها الدولة الوحيدة التي قرأت المستقبل قراءة صحيحة، وقرّرت أن تتحرّر من إرثٍ ثقيلٍ عمره سبعة عقود: الاعتياد العالمي على الدولار بوصفه مركز الثقل المالي الوحيد.

لم يكن هذا الاعتياد نتاج ثقة، بل نتاج زمنٍ طويلٍ من الهيمنة، حيث تحوّلت العملة الأمريكية إلى ما يشبه "القدر المالي" الذي لا يُناقش ولا يُراجع، حتى بعد أن أثبتت التجارب أن النظام المالي الغربي قادر على تجميد الأصول ومصادرتها عند أول خلاف سياسي. لقد رأى العالم كيف جُمّدت مليارات الدولارات من احتياطيات إيران، وكيف صودرت أصول ليبيا، وكيف حُوصرت كوريا الشمالية، وكيف عُوقبت روسيا نفسها. ومع ذلك، ظلّ الاعتياد أقوى من العقل.

الاعتياد ليس مجرد عادة؛ إنه بنية ذهنية. إنه ذلك الشعور الذي يجعل المرء يستمر في السير على طريق يعرف أنه يؤدي إلى الهاوية، فقط لأنه اعتاد عليه. وهكذا ظلت أوروبا تحتفظ باحتياطياتها في البنوك الأمريكية، وهكذا ظلت الهند تحسب تجارتها بالدولار، وهكذا ظل معظم العالم يدفع ثمن "الاستقرار" الذي يفرضه الدولار، حتى لو كان هذا الاستقرار وهمًا.

روسيا، بخلاف الهند وأوروبا، لم تتصرّف وفق هذا الاعتياد، بل وفق التجربة. والتجربة، كما تقول الحكمة، هي الشكل الأكثر صدقًا للمعرفة.



الهند… بين الخوف النووي والاعتماد الحتمي

الهند، القوة الصاعدة في جنوب آسيا، تخشى الصين أكثر مما تخشى الولايات المتحدة. ليس لأن الصين دولة غير موثوقة ماليًا، بل لأن الهند تحمل في ذاكرتها التاريخية ظلًّا قديمًا من التنافس الحدودي، وصراعًا على النفوذ الإقليمي، وخوفًا من أن تتحوّل إلى "ظلٍّ اقتصادي" لجارتها العملاقة.

هذا الخوف ليس عقلانيًا، بل نفسيًا، تشكّل عبر عقود من التوترات، وتعمّق بعد صدام 2020 العسكري الذي أوقع قتلى في لاداخ. رغم أن الصين لم تجمّد يومًا أموال دولة، ولم تستخدم عملتها كسلاح، ولم تبتز أحدًا عبر النظام المالي، فإن الهند تعاملت مع بكين كتهديد وجودي، لا كشريك تجاري.

لكن الواقع أقسى من الخوف. ففي العام المالي 2025-2026، بلغ حجم التجارة بين الهند والصين نحو 151 مليار دولار، بزيادة تقارب الضعف في خمس سنوات، لكن العجز التجاري الهندي مع الصين وصل إلى 112 مليار دولار، وهو رقم قياسي. الهند تريد تقليل اعتمادها على الصين، لكنها تجد نفسها تشتري أكثر، لا أقل. الصناعة الهندية، التي تحلم بأن تصبح بديلًا للصين في سلاسل التوريد العالمية، لا تزال متشابكة بعمق مع المكونات الصينية.

وتقول بروكينغز في تحليل لها إن الهند "تسعى إلى تقليل المخاطر، لكنها لا تستطيع الفكاك من الشبكة"، لأن أي محاولة جادة للانفصال عن الصين ستكلفها نموًا اقتصاديًا كانت في أمسّ الحاجة إليه. الهند تريد أن تكون قوة عظمى، لكنها تخشى أن تكون تابعة. وهذا التناقض هو ما يجعلها تتصرّف وفق الاعتياد، لا وفق الثقة.



3. أوروبا… القارة التي تبيع ذهبها ولا تجرؤ على شراء الأمان

أما أوروبا، القارة التي تتغنّى بالاستقلالية، فهي تعيش في تبعية سياسية–أمنية للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. تعتمد على الناتو في أمنها، وعلى واشنطن في استقرارها الاستراتيجي، وعلى النظام المالي الأمريكي في تجارتها.

وتشير البيانات إلى أن الولايات المتحدة تستحوذ على أكثر من 20% من الصادرات الأوروبية، وهي المورد الرئيسي لرأس المال المخاطر في القارة، ومصدر القدرات العسكرية الضرورية لردع روسيا. هذه التبعية ليست خيارًا، بل قدرًا فرضته الجغرافيا والتاريخ.

لكن هناك تصدعًا خفيًا. فمنذ أن بدأت واشنطن تستخدم الدولار سلاحًا، بدأت البنوك المركزية الأوروبية تسحب ذهبها من الولايات المتحدة خوفًا من أي اضطراب داخلي أمريكي. هولندا، وألمانيا، وإيطاليا، ودول أخرى، تعيد تفكيرها في مكان الاحتياطيات. تقول وسائل الإعلام الغربية إن هذه الخطوة تأتي "لتحسين توزيع الأصول" و"بسبب التوترات الجيوسياسية"، لكن الحقيقة أعمق: أوروبا لم تعد تثق بواشنطن كحاضنة آمنة لثرواتها.

ومع ذلك، لا تجرؤ أوروبا على وضع ذهبها في الصين، لأن ذلك يعني اعترافًا ضمنيًا بأن بكين أصبحت أكثر أمانًا من واشنطن. وهذا اعتراف لا تستطيع العواصم الأوروبية تحمّله سياسيًا. تقول صحيفة "بوليتيكو" إن أوروبا بدأت خطوات تدريجية لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، لكنها "تنتقل من التبعية التقليدية إلى شراكة أقل اختلالًا، لا إلى استقلال حقيقي". والسبب بسيط: البدائل الأوروبية غير متوفرة، والاعتماد على الصين يعني مواجهة الغضب الأمريكي.

الهند وأوروبا لا تتصرّفان وفق الثقة، بل وفق الاعتياد. والاعتياد، كما نعرف، أقوى من المنطق أحيانًا.



4. روسيا… الدولة التي كسرت الاعتياد

روسيا وحدها خرجت من هذا القيد النفسي. لم تخشَ الصين، ولم تخشَ الولايات المتحدة، ولم تخشَ العقوبات، ولم تخشَ الضغط السياسي أو الإعلامي. دولة نووية، مستقلة، ذات اقتصاد ضخم في الطاقة والمعادن، وذات قدرة على الصمود أمام أي حصار مالي.

عندما جمّد الغرب نحو 300 مليار دولار من احتياطياتها، لم ترتجف موسكو، بل اتخذت قرارًا تاريخيًا: تحويل جزء كبير من احتياطياتها إلى الصين، واستخدام اليوان في تجارة الطاقة، وتعزيز احتياطيات الذهب، والابتعاد عن النظام المالي الغربي. هذا القرار لم يكن ردّ فعل، بل اختيارًا حضاريًا.

بحلول مايو 2026، ارتفع احتياطي روسيا الدولي إلى 7710 مليارات دولار، مع تحول هيكلي واضح: انخفاض حاد في حصة الدولار واليورو، وزيادة في الذهب واليوان وعملات الدول الصديقة. وفي تجارة الطاقة مع الصين، تجاوزت نسبة التسوية بالعملات المحلية 99%، أي أن الروبل واليوان أصبحا عملتي التبادل الأساسيتين، دون حاجة إلى الدولار أو نظام سويفت.

ولم تتوقف روسيا عند حدود التسوية المالية. لقد بدأت "خطة الذهب": في عام 2025 وحده، ارتفع حجم الذهب الروسي المتدفق إلى الصين بنسبة 800%، ليصل إلى 25.3 طنًا، في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا في إدارة الاحتياطيات. الذهب الروسي، المخزّن في خزائن موسكو والمنشآت السرية في الشرق الأقصى، لم يعد مجرد ملاذ آمن، بل أصبح "سلاحًا مضادًا للعقوبات"، يُستخدم لشراء ما تحتاجه روسيا من الصين: رقائق إلكترونية متقدمة، وآلات دقيقة، وقطع غيار السيارات، ومعدات طبية.

وهكذا وُلد "المثلث الجديد": روسيا تبيع الطاقة والذهب، وتشتري المنتجات الصناعية الصينية، وتُسوّي كل شيء باليوان والروبل. لا دولار، لا سويفت، لا رقابة أمريكية. هذا النموذج، كما تقول التحليلات، قابل للنسخ في دول أخرى تبحث عن مخرج من الهيمنة المالية الغربية.

روسيا تراهن على اقتصاد صيني "كمّوني مستقبلي"، اقتصاد لا يعتمد على الورق، بل على الإنتاج، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتخطيط الطويل المدى. اقتصاد يخطط لخمس سنوات، وعشر، وخمس عشرة، بينما الغرب يخطط لانتخابات نوفمبر. تقول الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين إنها ستستثمر في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والتكنولوجيا الحيوية، وواجهات الدماغ–الحاسوب، والروبوتات المتجسدة، وشبكات 6G، وتكنولوجيا الاندماج النووي. هذه ليست مجرد أهداف تكنولوجية؛ إنها إعلان حرب على اقتصاد الورق والمضاربة الذي يهيمن على وول ستريت.



5. الرهان على المستقبل… لا على الماضي

ما فعلته روسيا ليس مجرد خطوة مالية، بل خطوة فلسفية: رفضٌ للعيش في الماضي، وقرارٌ بالانتماء إلى المستقبل.

المستقبل الذي يتشكّل في آسيا، لا في وول ستريت.
المستقبل الذي تُكتب معادلاته في بكين، لا في واشنطن.
المستقبل الذي يعتمد على الذهب واليوان والعملات المحلية، لا على الدولار وحده.

الهند تخشى الصين، وأوروبا تخشى التحرّر، لكن روسيا وحدها امتلكت الجرأة على كسر الاعتياد، وعلى بناء علاقة مالية مع شريكٍ قويٍّ ومحترم، وعلى قراءة التحوّل البنيوي الذي يمرّ به العالم. لم يكن قرار موسكو مجرد ردّ فعل على العقوبات؛ لقد كان استباقًا لنظام قادم، وتحررًا من قيد نفسي ظل يكبّل عقول القوى العظمى لعقود.

يقول راي داليو، مؤسس أكبر صندوق تحوط في العالم، إن الصين ليست "قوة صاعدة" بل "قوة عائدة" إلى مكانتها التاريخية، وإن فهم الصين يتطلب فهم "الانسجام" بوصفه جوهر الحضارة الصينية، لا الصراع والتنافس الذي يحكم العقل الغربي. وروسيا، على ما يبدو، هي الدولة الوحيدة التي استوعبت هذه الحقيقة قبل أن يصبح إدراكها ضرورة عالمية.



الدولة التي قرأت المستقبل قبل أن يولد

في لحظة تاريخية تتصدّع فيها البنية المالية الغربية، وتنهار فيها أسس الاقتصاد الورقي، وتولد فيها منظومات جديدة للتبادل والاحتياط، تبدو روسيا كأنها الدولة التي سبقت الجميع إلى فهم المعادلة:

الثقة ليست شعارًا، بل تجربة.
والتجربة تقول إن الصين أكثر احترامًا ماليًا من الغرب، وإن المستقبل يُكتب في الشرق، وإن النظام المالي العالمي يدخل مرحلة جديدة لا مكان فيها للاعتياد القديم.

روسيا لم تراهن على الصين فقط…
بل راهنت على المستقبل نفسه.

وفي عالم لا يزال كثيرون يخشون فيه التحرر من الاعتياد، تبقى روسيا… الدولة التي قرأت المستقبل قبل أن يولد.



6. إيران… الشريك الذي لم يخشَ أن يُقرأ مستقبله أيضًا

لم تكن روسيا وحدها في هذا الرهان. ففي طهران، حيث تُحاصر العقوبات الاقتصاد منذ أكثر من عقد، كان القرار مشابهًا، بل أكثر جذرية. إيران، التي استُبعدت من نظام «سويفت» المالي الدولي منذ عام 2018، لم تنتظر رحمة الغرب ولا عودته عن قراره. لقد قررت أن تكتب معادلتها المالية الخاصة، وأن تبني جسورًا لا تمر عبر وول ستريت، بل عبر موسكو وبكين.

إيران ليست مجرد شريك تجاري لروسيا؛ إنها الدولة الثانية في «العبقرية الروسية»، التي فهمت أن الاعتياد على الدولار ليس قدرًا، وأن العقوبات ليست نهاية التاريخ المالي لدولة تملك الطاقة، والموقع الجغرافي، والإرادة السياسية.


المالية… عندما يصبح الريال والروبل قاعدة

في يناير 2025، أعلن محمدرضا فرزين، رئيس البنك المركزي الإيراني، أن «الاتفاق النقدي بين إيران وروسيا أصبح عمليًا»، وأن الريال والروبل يُستخدمان كأساس للتسوية وفق أسعار السوق التجارية المتفق عليها. لم يكن هذا إعلانًا عابرًا؛ لقد كان تتويجًا لمسار طويل من بناء الثقة المالية بين بلدين قررا أن «سويفت» لم يعد ضرورة، بل عبئًا.

وبحلول أكتوبر 2025، أكد رئيس الغرفة التجارية الروسية–الإيرانية أن نحو 80% من التجارة بين البلدين تُجرى بالريال الإيراني أو الروبل الروسي. 80% من التبادل التجاري تحرر من الدولار. وفي فبراير 2025، قال نائب رئيس الوزراء الروسي أليكسي أوفرتشوك إن البلدين انتقلا «انتقالًا شبه كامل» إلى التسويات بالعملات الوطنية، باستخدام أنظمتهما الخاصة للرسائل المالية والمصرفية، بعيدًا عن نظام «سويفت».

لم يتوقف الأمر عند حدود التسوية. لقد ربطت إيران شبكتها المصرفية «شيتاب» بنظيرتها الروسية «مير»، ليصبح بإمكان الإيرانيين سحب الأموال من آلات الصراف الآلي في روسيا، واستخدام بطاقاتهم في المتاجر الروسية. وفي مايو 2025، دخلت المرحلة الثانية من الربط حيز التنفيذ، حيث أصبح بإمكان حاملي البطاقات الروسية الدفع عبر الهواتف في إيران. إنها «منظومة مالية موازية»، تُبنى خارج رقابة الخزانة الأمريكية، وتُثبت أن العقوبات يمكن أن تُلتف، لا أن تُهزم فقط.

الممرات… الجسر الذي يربط الشمال بالجنوب

لكن العبقرية لا تقتصر على المال. فإيران، بموقعها الجغرافي الفريد بين بحر قزوين والخليج العربي، أصبحت «الشريان البري» الذي يربط روسيا بأسواق الجنوب. ممر النقل الدولي بين الشمال–الجنوب، الذي يمتد من روسيا عبر أذربيجان وإيران إلى الهند والخليج، تحول من مشروع نظري إلى واقع ملموس. في فبراير 2026، اجتمعت اللجنة الإيرانية–الروسية في طهران لمناقشة «خارطة طريق مستقبلية» تشمل استكمال هذا الممر، ونقل الغاز الروسي إلى إيران، وتطوير التعاون في الصناعات الفضائية والطاقة النووية السلمية.

الخطوة الأهم كانت خط سكة حديد رشت–أستارا، الذي يُعد «الحلقة المفقودة» في هذا الممر. فقد وقّعت إيران وروسيا اتفاقًا نهائيًا لبناء هذا الخط، الذي سيربط شبكة السكك الحديدية الإيرانية بنظيرتها الروسية عبر أذربيجان، ليفتح الطريق أمام نقل البضائع من موسكو إلى موانئ الخليج دون الحاجة إلى المرور عبر تركيا أو قناة السويس. هذا الممر لا يختصر المسافة فقط؛ إنه يُعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للعالم، ويجعل من إيران وروسيا مركزين لوجستيين لا يمكن تجاوزهما.

الصين… القطب الثالث في المعادلة

وإذا كانت روسيا هي العقل الذي قرأ المستقبل، وإيران هي الجسد الذي يربط الشرق بالجنوب، فإن الصين هي «الرئة الاقتصادية» التي تتنفس بها هذه المنظومة. فإيران، التي تصدر أكثر من 90% من نفطها الخام إلى الصين، بدأت تتحول تدريجيًا إلى التسوية باليوان الصيني. وفي عام 2025، تجاوز حجم التجارة بين إيران والصين 26 مليار دولار، مع تحول متزايد نحو استخدام اليوان في التسويات النفطية.

لكن العلاقة أعمق من النفط. فإيران، التي انضمت إلى بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، أصبحت جزءًا من «النظام المالي الموازي» الذي تبنيه الصين وروسيا. يقول أليكسي إيفيموف، ممثل التجارة الروسي في إيران، إن «أكثر من 90% من المبادلات الروسية مع دول بريكس تتم بالعملات الوطنية»، وإن إيران «تسير في نفس الاتجاه». وتدرس دول بريكس إنشاء بورصة للحبوب تُسعّر خارج البورصات الغربية، في خطوة أخرى نحو تقليل الاعتماد على الدولار في تجارة الغذاء العالمية.

إيران… الدولة التي قبلت التحدي

لم تكن إيران مجرد «ضحية عقوبات» تبحث عن مخرج. لقد كانت «شريكًا استراتيجيًا» في مشروع أوسع: بناء نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب، لا يخضع لهيمنة عملة واحدة، ولا يخضع لرقابة دولة واحدة. لقد قبلت إيران التحدي، ليس لأنها أرادت ذلك، بل لأنها لم يكن أمامها خيار آخر. والعقوبات، التي كان يُفترض أن تكسرها، صنعت منها «مختبرًا حيًا» لنموذج مالي بديل، يمكن لدول أخرى أن تتعلم منه.

إيران ليست تابعًا لروسيا، ولا أداة في يد الصين. إنها شريك في رهان على مستقبل لا مكان فيه للاعتياد القديم. مستقبل تُكتب فيه المعادلات بالريال والروبل واليوان، لا بالدولار وحده. مستقبل يمر عبر ممرات برية، لا عبر مضائق بحرية تسيطر عليها أساطيل. مستقبل يُبنى على الطاقة والمعادن والموقع الجغرافي، لا على الورق والمضاربة.

وهكذا، بينما تخشى الهند الصين، وتخشى أوروبا التحرر، تبقى روسيا وإيران… الدولتين اللتين قرأتا المستقبل قبل أن يولد، وقبل أن يجرؤ أحد على كتابته.



الثلاثي الذي أعاد كتابة الخريطة

ما يجمع روسيا وإيران ليس مجرد مصلحة عابرة، بل رؤية مشتركة لعالم لا يدور حول واشنطن. روسيا تملك الطاقة والسلاح النووي والعقل الاستراتيجي. إيران تملك الموقع الجغرافي والممرات البرية والقدرة على الصمود. الصين تملك الاقتصاد والتصنيع والتكنولوجيا. ثلاث دول، ثلاث قدرات، ومشروع واحد: تحرير النظام المالي العالمي من هيمنة الدولار، وإعادة توزيع القوة الاقتصادية على أسس جديدة.

تقول الحكمة القديمة إن «من يقرأ المستقبل مبكرًا يملكه». وروسيا، مع إيران والصين، قرأت المستقبل مبكرًا. ولم تنتظر أن يولد… بل ساعدت في ولادته.

………



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بلجيكا تشتعل من الداخل: حين يكتب الشباب على الإسفلت بيانًا ج ...
- حين يضحك التاريخ أخيرًا: سردية انكسار القمة وارتداد السخرية
- تمهيد و دراسة مقارنة عن مسرحيتي (تاجر الفائدة في بروكسل ). . ...
- مقدمة عن روايتي ( حبل الكذب)..ودراسة مقارنة عنها
- صنعاء والإعلام الوهابي الخليجي الموازي.. حقيقة الصحراء وأوها ...
- كيف أعادت صنعاءُ رسمَ خريطةِ القوةِ في غرب آسيا ؟
- في قبضة أموال الوهم الوهابي الإخوانجي : حين يصنع الدجل موعد ...
- تمهيد روايتي الساخرة : ( سِجِلُّ الغُبَارِ الأَخِير )
- تمهيد لروايتي - دفتر الغيب -
- كيف صنع الدعم نصف دخل السوري في 2010، وكيف خسره في 2026؟
- كتيب : عن الاقتصاد الإيراني وسرديات غوبلز الابستيني..خمس مقا ...
- الروايةُ كمرآةٍ مكسورة: قراءةٌ في روايتي «دارِ الأبديّة» وسي ...
- الموت على الهواء مباشرةً.. مسرحية ساخرة في فصلين وخاتمة
- دموعٌ على محرّرٍ لم يأتِ.. قصة درامية ساخرة
- من كهفٍ في شارع الكاردينال إلى حي سان جوس بروكسل حيث سكن مار ...
- ثيليسون أورليان... من هايتي إلى فناك، ومن جائزة إلى تهمة
- مَرْفَأُ الطَّيْف .. مسرحية ساخرة في خمسة فصول
- النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليم ...
- الطبقة الوسطى… القلب المنسي في بلجيكا و سياسات أوروبا الجديد ...
- صعود اليسار في المدن الكبرى… وأوروبا التي تبحث عن نفسها من ا ...


المزيد.....




- -نتنياهو سوّق أوهام إسقاط النظام-.. يائير غولان يعتبر اغتيال ...
- مساعد الطيار خطّط لهجوم انتحاري على مطار بن غوريون.. النيابة ...
- ترامب يفاجئ العالم باتفاق مع بوتين بشأن الديزل الروسي.. ما ا ...
- من تسجيلات 2017 إلى هجوم 7 أكتوبر.. مسؤول سابق في الشاباك يت ...
- الأمن السوري يوقف 7 أشخاص في حماة.. اتهامات بارتكاب انتهاكات ...
- ترامب: روسيا ستزود أمريكا والأسواق العالمية بالديزل
- محمد السادس يؤكد الشراكة مع إسبانيا -خيار سيادي ولن تكون محل ...
- نائب في البرلمان الأوروبي يشكك في إيمان القادة الأوروبيين بم ...
- والتز: ترامب طالب أوكرانيا بوضوح بوقف استهداف مصافي النفط ال ...
- خرجت لشراء الدواء.. الأمن المصري يحل لغز اختفاء فتاة سودانية ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - روسيا وإيران… الدولتان اللتان استشرفتا المستقبل قبل أن ينهض من غيبه