احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 21:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا شيء يبقى ثابتًا تحت الشمس، والقمة التي يظن الجالسون عليها أنها خلود ما هي إلا محطة عابرة على درب الزوال. منذ أكثر من عقد، وقف إيلون ماسك، ملك السيارات الكهربائية بلا منازع، مزهوًّا بنفسه، يسخر من شركة صينية ناشئة تصنع سيارات كهربائية، في مشهد يختزل غرور القوة حين تظن نفسها أبدية. لكن الزمن لا يرحم المتغطرسين، وإذا بعجلة التاريخ تدور لتزيحه عن القمة التي ظن أنها ملكه الأبدي، وتحتل الشركة الصينية مكانه في مشهد أصبح رمزًا لتحولات أعمق في موازين القوى العالمية.
1. سخرية ماسك وحصاد الرياح
في عام 2011، وبينما كان ماسك في أوج تألقه، سُئل في مقابلة مع بلومبرغ عما إذا كانت شركة “بي واي دي” الصينية قد تشكل تهديدًا لسيارات تسلا. لم يتمالك نفسه، فانفجر ضاحكًا، ثم سأل الصحفي متهكمًا: “هل رأيت سياراتهم؟” ثم استدرك مستخفًّا: “لا أعتقد أن منتجهم جذاب، وتقنيتهم ليست قوية”. لم يكن يعلم أن هذه الكلمات ستلاحقه كشبحٍ في كل إنجاز تحققه الشركة الصينية لاحقًا.
بعد أربعة عشر عامًا، نشرت وسائل الإعلام الأمريكية فيديو المقابلة القديمة، وأرفقته بالأرقام الصادمة: في عام 2025، سلمت تسلا 1.636.129 سيارة، بتراجع بلغ حوالي 8.6% عن العام السابق، وهو الانخفاض الثاني على التوالي في المبيعات. وفي المقابل، سلمت “بي واي دي” 2.256.714 سيارة كهربائية بالكامل، بنمو بلغ 27.86%، لتحتل بذلك عرش مبيعات السيارات الكهربائية عالميًا لأول مرة في التاريخ. إذا أضفنا السيارات الهجينة القابلة للشحن، يصل إجمالي مبيعات “بي واي دي” إلى 4.6 مليون سيارة، أي ما يعادل 2.8 ضعف مبيعات تسلا تقريبًا. لم يعد الأمر مجرد تجاوز، بل إزاحة كاملة من القمة.
يصف المحلل ريان فيشر تحول النبرة في صناعة السيارات الغربية بعبارة بالغة الدلالة: “في الماضي، كان الأمر كما قال ماسك: ‘من هم هؤلاء؟‘، والآن تحول الأمر إلى ‘نعم، نحن خائفون نوعًا ما’.” ماسك نفسه اضطر إلى الاعتراف بالحقيقة المرة، فقال في عام 2023 وهو يعيد نشر الفيديو القديم: “لقد مضى وقت طويل على ذلك، والآن سياراتهم تنافسية للغاية”. وقال بصراحة في عام 2024: “الشركات الصينية للسيارات هي الأكثر تنافسية في العالم”.
لكن الحقيقة الأعمق تكمن في ما قاله الرئيس التنفيذي لفورد، جيمس فارلي: “هذا أروع تحول شاهدته في حياتي. تكلفتهم وجودة سياراتهم تتجاوز بكثير نظيراتها الغربية.” بينما اعترف الرئيس التنفيذي لشركة هيونداي، خوسيه مونيوز، بصراحة نادرة: “بصراحة، المنافسة مع الشركات الصينية صعبة للغاية، ويمكن القول إنها مستحيلة”.
هنا يظهر درس أول: من يسخر من القادمين الجدد في لحظة صعودهم، غالبًا ما يجد نفسه في موقع المتفرج على قمتهم.
2.ترامب، وهواوي، وسقوط وهم العقوبات
بينما كان ماسك يضحك من السيارات الصينية، كان دونالد ترامب، بغروره المعهود، يظن أن حربه التجارية على هواوي ستقضي عليها نهائيًا. لكن التاريخ، كما هو حاله دائمًا، كان له رأي آخر. حتى جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، التي كانت تتربع على عرش شرائح الذكاء الاصطناعي، أدرك مبكرًا أن هذا مستحيل، لأن أفضل المهندسين في العالم، حتى لدى الشركات الأمريكية، هم من الصين.
ما حدث بعد ذلك كان أشبه بمعجزة تقنية. ففي غضون سنوات قليلة، تمكنت هواوي من تطوير شرائحها الخاصة، وتحدي الهيمنة الأمريكية في أحد أكثر المجالات حساسية. تشير البيانات الصادرة عن “بنك أوف أمريكا” في سبتمبر 2025 إلى أن الشركات الصينية المصنعة لمسرعات الذكاء الاصطناعي استحوذت على حوالي 50% من حصة السوق المحلية، بقيادة هواوي التي بلغت حصتها 35.5%، بينما لا تزال إنفيديا متقدمة بنسبة 47%، لكن الفجوة تتقلص بسرعة مذهلة.
وبحسب تقرير شركة “بيرنشتاين” للأبحاث، من المتوقع أن تنكمش حصة إنفيديا في السوق الصينية من حوالي 40% في عام 2025 إلى 8% فقط بحلول عام 2026، بينما من المتوقع أن ترتفع حصة هواوي إلى حوالي 50%. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي مرثية لهيمنة ظنها الغرب أبدية.
والأهم من ذلك، أن ترامب لم يخسر السوق الصينية فحسب، بل أصبح قريبًا من خسارة أسواق العالم بأسره، بما في ذلك سوقه المحلي. فالعقوبات التي فرضها على الصين دفعت الأخيرة إلى تسريع تطوير قدراتها الذاتية، وأصبحت الآن تصدر شرائحها إلى دول العالم التي أنهكتها السياسات الأمريكية. إنها مفارقة القدر: أن من يحاول خنق خصمه، ينتهي به الأمر إلى أن يخنق نفسه.
3. نتنياهو، وإديلسون، وممرات الاستراتيجية المفقودة
لم يكن ترامب وحده من انحدر به الحال، بل شاركته في هذا المنحدر شخصيات لا تقل عنه فسادًا وتخريبًا، في مقدمتهم بنيامين نتنياهو، الذي وصفه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأنه “الأفعى”، متهماً إياه بالتباهي باللغة العبرية بأنه دفع الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران خدمة للمصالح الإسرائيلية، بينما يستخدم خطاباً مختلفاً بالإنكليزية ويشيد بالرئيس الأمريكي.
وكان لوبي “ميريام إديلسون”، أرملة الملياردير شيلدون إديلسون، الممول الأكبر للحزب الجمهوري، هو العقل المدبر واليد التي تحرك ترامب نحو حرب مع إيران. يصف عراقجي هذا اللوبي بأنه “أصبح أقل خجلاً في إظهار قبضته على السياسة الأمريكية تجاه إيران”، مضيفًا أن الوقت حان كي تتحرر واشنطن من هذه “القيود”. فقد ضغط إديلسون، الذي قال إن قلقه على إيران دفعه لدعم ترامب، على الرئيس الأمريكي لتبني سياسات عدوانية ضد طهران.
وجاءت النتيجة كارثية. فبدلاً من إضعاف إيران، أدت السياسات العدوانية إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ما لم يكن مغلقاً قبل العدوان. واليوم، وبعد أن ركع ترامب أمام صمود إيران، تتفاوض واشنطن مع طهران لإعادة فتح المضيق، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. تشير التقارير إلى أن إيران عرضت إعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، مقابل تخفيف الضغط العسكري الأمريكي، وهو ما يكشف عن هزيمة استراتيجية مدوية لواشنطن.
ولم يكن مضيق هرمز سوى حلقة واحدة في سلسلة من الهزائم الاستراتيجية. فقبل ذلك، كانت الولايات المتحدة قد فقدت باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بعد أن أجبرت قوات صنعاء أسطولها وحاملات طائراتها على التراجع. ويؤكد المعهد البحري الأمريكي أن أي حاملة طائرات أمريكية لم تعبر باب المندب منذ ديسمبر 2023، عندما عبرت حاملة “أيزنهاور”، مضيفًا أن المدمرات الأمريكية التي عبرت المضيق في السنوات الأخيرة تعرضت لهجمات متواصلة من قوات صنعاء. بل اضطرت حاملة الطائرات “جورج بوش” إلى تغيير مسارها بالكامل، والإبحار حول القارة الأفريقية عبر رأس الرجاء الصالح، لتجنب المرور بمضيق باب المندب، في إذعان واضح لقوة لم تكن واشنطن تحسب لها حسابًا.
4. الذكاء الاصطناعي وساحة الحسم الجديدة
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية، بل أصبح المعيار الأول لقياس قوة أي أمة، وهو المقياس الذي حُسم في الآونة الأخيرة لصالح الصين، حتى باعتراف خجول من أساطير رأس المال الغربي. تشير تقارير جامعة ستانفورد إلى أن أفضل نموذج أمريكي يتقدم على نظيره الصيني بنسبة 2.7% فقط حتى مارس 2026، وهي فجوة ضئيلة للغاية إذا ما قورنت بالسنوات الماضية.
والأمر لا يتوقف عند النماذج اللغوية فحسب، بل يمتد إلى النماذج مفتوحة المصدر، حيث تتقدم الصين بقيادة نماذج مثل “Kimi K3” و“GLM-5.3” التي أصبحت تنافس النماذج الأمريكية المتقدمة. إن الإستراتيجية الصينية لا تركز على التنافس على النماذج الأكثر تطورًا فحسب، بل على نشر هذه التقنيات وتطبيقها في الاقتصاد ككل، وهو ما قد يمنح بكين تفوقًا استراتيجيًا على المدى الطويل.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التفوق يمتد أيضًا إلى المجالات المادية، حيث باعت الصين أكثر من 14,400 روبوت بشري في عام 2025، وهو ما يمثل 84.7% من إجمالي مبيعات العالم. وقد تجاوز حجم صناعة الذكاء الاصطناعي الأساسية في الصين 1.2 تريليون يوان (حوالي 173.9 مليار دولار) في نفس العام، مما يؤكد أن الصين لم تعد تلاحق، بل أصبحت في طليعة الثورة الصناعية الرابعة.
5. طريق الشمال السيبيري وممرات الهيمنة الجديدة
في خضم هذه التحولات، تبرز استراتيجية جديدة تهدف إلى إعادة تشكيل خرائط التجارة العالمية، وهي “طريق الشمال السيبيري”، الذي يربط الصين بأوروبا عبر القطب الشمالي، متجاوزًا الممرات البحرية التقليدية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. تُدرس السلطات الروسية حاليًا أربعة مسارات محتملة لخط سكة حديد عابر لسيبيريا يربط بين الصين وروسيا، بأطوال تتراوح بين 825 و1123 كيلومترًا، مما يعزز التكامل الاقتصادي بين البلدين ويقلل من الاعتماد على الطرق التي قد تكون عرضة للتهديدات الأمريكية.
هذا الطريق ليس مجرد مشروع نقل، بل هو استراتيجية جيوسياسية تهدف إلى تحويل مسار التجارة العالمية من الممرات التي تسيطر عليها واشنطن إلى مسارات جديدة تحت سيطرة الصين وروسيا. إنها محاولة لتفكيك الهيمنة الأمريكية على البحار، التي كانت أساس قوتها العالمية لأكثر من قرن.
حبل المشنقة يلتف
وهكذا نعود إلى السؤال الأول: ماذا يعني أن يسخر ماسك من السيارات الصينية، ثم يُزاح من القمة بعد سنوات؟ إنه ليس مجرد حادث عابر، بل هو رمز لتحول تاريخي أوسع. فقد أثبتت الصين، بلا منازع أو منافس، أنها قادرة على تجاوز العقوبات، وتطوير تقنياتها الخاصة، وفرض إرادتها في الساحات الاستراتيجية الحيوية. بينما يقف ترامب ونتنياهو وإديلسون، هذا الثلاثي من الغطرسة والفساد، ليشهدوا تفكك الإمبراطورية التي ظنوا أنها خالدة.
إن حبل المشنقة يلتف حول عنق الهيمنة الأمريكية من هرمز إلى باب المندب، مروراً بطريق الشمال السيبيري، وليس انتهاءً بالممرات الجديدة التي قد ترسم خريطة عالم مختلف تمامًا. وهو مشهد لم يكن ليحدث لولا وجود قادة أمثال ترامب، الذي وصفته بأنه “قائد متغطرس وغبي لا يهمه سوى مصلحته الشخصية”، وماسك الذي سخر من القادمين الجدد فوجدهم يزحفون إلى قمة كان يظنها حصنًا لا يُخترق.
في النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل ستكون هذه نهاية الهيمنة الأمريكية، أم مجرد فصل من فصول انحدار طويل؟ التاريخ وحده من سيجيب.
……….
قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي ـ لييج ـ بلجيكا
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟