احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 08:51
المحور:
حقوق الانسان
١. مقدمة: بلدٌ يتآكل من أطرافه
لا تُقاس الحرب بعدد الجبهات، في اليمن، بل بعدد الغرف الفارغة في البيوت. لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بعدد الأسر التي لم تعد تجد من يجلس على مائدة الإفطار. منذ عام ٢٠١٥، تحوّل هذا البلد الذي يشتهر بأسطورته العريقة في العمارة الطينية، وبأرضه التي قيل إنها "سعيدة" في نصوص الجغرافيين القدامى، إلى مسرح مفتوح لأسوأ كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين. تداخلت الغارات الجوية الاستعمارية السعودية الخليجية البريطانية الامريكية مع الحصار، واندمج الجوع مع المرض، وتحوّلت الحياة اليومية إلى سلسلة من النجاة المؤقتة، حيث يصبح البقاء على قيد الحياة إنجازًا يوميًا، وليس حقًا مفروغًا منه.
تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن العدوان السعودي الأمريكي الاماراتي أدّى إلى ٣٧٧ ألف وفاة حتى نهاية عام ٢٠٢١، بينما تقديرات منظمات يمنية مستقلة ترفع الرقم إلى نحو نصف مليون ضحية، بين قتلى القصف المباشر وضحايا الجوع والمرض وانهيار النظام الصحي. هذا التحقيق يحاول أن يقدّم ملفًا توثيقيًا شاملًا لهذا الرقم الذي لم يعد رقمًا، بل أصبح ظلًا طويلًا يخيّم على بلدٍ كامل. ظلًا يسكن الحقول والمدن، يتسلل إلى عيون الأطفال، ويجلس على أرصفة الموانئ التي أُغلقت، ويقف على أبواب المستشفيات التي لم تعد قادرة على إنقاذ أحد.
٢. القصف الجوي: الموت القادم من السماء
أ) غارات بلا سقف
منذ مارس ٢٠١٥، نفّذ التحالف العدواني الفاشي بقيادة السعودية والإمارات أكثر من ٢٧ ألف غارة جوية، وفق مشروع بيانات اليمن. هذه الغارات لم تستهدف الجبهات فقط، بل ضربت أسواقًا مكتظة، ومدارس، ومستشفيات، وحفلات زفاف، وأحياء سكنية، وطرقًا وجسورًا، ومطارات وموانئ. في كثير من الحالات، لم يكن هناك هدف عسكري واضح، أو كان الهدف العسكري صغيرًا مقارنة بحجم الدمار. القنابل التي تزن طنًا واحدًا سقطت على بيوت من الطين، فحوّلتها إلى غبار. الطائرات التي تحلّق على ارتفاع لا تسمعه الأذن البشرية، أسقطت موتًا لا يميّز بين مقاتل وطفل، بين مستشفى ومخزن سلاح.
في سوق "المياه" في صنعاء، وفي سوق القات في تعز، وفي أعراس في مديريات ريفية بعيدة، كان الموت ينزل من السماء بلا إنذار. لم تكن هناك صافرات إنذار. لم تكن هناك ملاجئ. لم يكن هناك وقت للهرب. في كثير من الأحيان، كان الناس يسمعون صوت الطائرة بعد أن يكون القصف قد انتهى، أو لا يسمعونه أبدًا. تقارير حقوقية دولية تشير إلى أن الغارات الجوية كانت السبب الرئيسي لسقوط آلاف المدنيين. منظمات يمنية توثّق ١٩,٤٤٦ قتيلًا مدنيًا و٣٤,٧٧٣ جريحًا مدنيًا. هذه الأرقام لا تشمل ضحايا الجوع والمرض، بل فقط من سقطوا تحت القنابل.
لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تقول كل شيء. لا تقول إن عائلة كاملة في قرية "بني مطر" اختفت تحت الأنقاض، ولم يبقَ منها سوى جدّة عجوز تبحث عن أحفادها بين الحجارة. لا تقول إن طفلًا في "حرض" فقد ساقيه، وبات يحبو على الأرض لأنه لم يعد يجد كرسيًا متحركًا. لا تقول إن امرأة في "الحديدة" فقدت زوجها وأبناءها الثلاثة في غارة واحدة، وباتت تتحدث إليهم كل ليلة قبل النوم. هذه التفاصيل الصغيرة، التي لا تدخل في الإحصاءات، هي التي تصنع الحقيقة الكاملة. الحقيقة التي لا تظهر في نشرات الأخبار، ولا في تقارير المنظمات، ولا في بيانات مجلس الأمن.
٣. الحصار: حين يصبح الهواء سلعة
أ) حصارٌ يقطع شرايين الحياة
الحصار المفروض على اليمن منذ عام ٢٠١٥ لم يكن مجرد إجراء عسكري، بل كان هندسة استعمارية صهيو أمريكية دقيقة للانهيار. إغلاق الموانئ، تقييد دخول الوقود، ضرب الطرق والجسور، وإغلاق مطار صنعاء لسنوات، كلها عناصر صنعت أكبر أزمة إنسانية في العصر الحديث. لم يكن الحصار مجرد منع للسفن من الرسو، بل كان منعًا للحياة من الاستمرار. منعًا للدواء من الوصول إلى المرضى، وللوقود من الوصول إلى المستشفيات، وللطعام من الوصول إلى الأفواه.
في ميناء الحديدة، الذي كان يستقبل معظم واردات اليمن، تحوّلت السفن إلى نقاط تفتيش طويلة. حمولات القمح تنتظر أسابيع، وأحيانًا أشهر، قبل أن يُسمح لها بالدخول. وفي انتظارها، يموت الناس جوعًا. لم يكن الحصار مجرد حصار بحري، بل كان حصارًا بريًا وجويًا أيضًا. الطرق التي تربط المدن ببعضها دُمّرت، والجسور التي كانت تعبر الأودية سُوّيت بالأرض. حتى الهواء، الذي كان يدخل إلى الرئات، أصبح ملوثًا بالغبار والدخان، لأن محطات الكهرباء توقفت، ولأن الوقود لم يعد متوفرًا لتشغيل المولدات.
ب) الجوع كأداة حرب
وفق القانون الدولي الإنساني، استخدام التجويع كسلاح حرب يُعد جريمة حرب صريحة. يتحمل مسؤوليتها محمد بن سلمان ومحمد بن زايد . في اليمن، أصبح الجوع جزءًا من الحياة اليومية: ١٧ مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وملايين الأطفال مهددون بسوء التغذية الحاد، وآلاف الوفيات غير المباشرة بسبب نقص الغذاء والدواء. الجوع هنا ليس نتيجة طبيعية للحرب، بل نتيجة مباشرة للحصار.
في مخيمات النازحين، التي انتشرت في كل محافظة يمنية، باتت وجبة واحدة في اليوم ترفًا. الأمهات يخفين عن أطفالهن أن الطعام قد نفد، ويقلن لهم إن "الغداء تأخر قليلًا". لكن الغداء لا يأتي. الأطفال الذين ينامون جائعين يستيقظون على جوع أكبر. بعضهم يموت في نومه، دون أن يصرخ، دون أن يبكي، دون أن يسمعه أحد. هذا هو الجوع الذي لا يظهر في الصور. الجوع الذي لا يقتل بصوت عالٍ، بل يقتل بصمت، ببطء، كأنه يهمس في أذن الضحية: "لا تقاوم، لا فائدة".
٤. انهيار النظام الصحي: الموت الذي لا يُرى
أ) مستشفيات بلا كهرباء
استهداف محطات الكهرباء والمياه، ومنع دخول الوقود، جعل المستشفيات تعمل في ظروف بدائية. عمليات جراحية تُجرى على ضوء الهواتف، وأجهزة تنفس تتوقف بسبب انقطاع الكهرباء. في مستشفى "الثورة" في صنعاء، وفي مستشفى "الجمهوري" في تعز، وفي مستشفيات صغيرة في القرى، كان الأطباء يختارون بين من يستحق الحياة ومن لا يستحقها. لم يكن هناك ما يكفي من الأكسجين، ولا ما يكفي من الأدوية، ولا ما يكفي من الأسرّة. المرضى ينامون على الأرض، والجرحى ينتظرون دورهم في العمليات، والموتى يُتركون في الممرات لأن المشرحة لم تعد تستوعب.
في أحد الأيام، في مستشفى في "عمران"، توقف جهاز التنفس عن العمل بسبب انقطاع الكهرباء. كان هناك طفل في السادسة، مصابًا بجراح في صدره. حاول الأطباء تشغيل الجهاز بمولد صغير، لكن المولد لم يعمل لأن الوقود نفد. أم الطفل كانت تصرخ، تصرخ بصوت لم يسمعه أحد في الخارج. الطبيب الشاب الذي كان يعالجه جلس على الأرض، ووضع رأسه بين يديه، وبكى. لم يكن هناك ما يمكن فعله. بعد دقائق، توقف قلب الطفل. لم يمت بسبب القصف، بل مات بسبب انقطاع الكهرباء. مات بسبب الحصار.
ب) الأمراض التي عادت من الماضي
الكوليرا، الدفتيريا، الحصبة... أمراض كان العالم قد نسيها، عادت لتجد في اليمن بيئة مثالية للانتشار. المياه الملوثة، والصرف الصحي المنهار، ونقص اللقاحات، وسوء التغذية، كلها عوامل جعلت اليمن أرضًا خصبة لهذه الأوبئة. في عام ٢٠١٧، انتشرت الكوليرا في أكثر من ٢٠ محافظة، وأصاب أكثر من مليون شخص. في عام ٢٠١٨، عادت الدفتيريا، التي كانت قد اختفت من معظم دول العالم، لتقتل الأطفال في القرى النائية. في عام ٢٠٢٠، جاءت الحصبة، لتضيف طبقة جديدة من المعاناة.
تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن أغلب ضحايا الحرب ماتوا بسبب الأمراض والجوع، وليس بسبب الرصاص والقنابل. هذا هو الموت الذي لا يُرى. الموت الذي لا يظهر في نشرات الأخبار، ولا في تقارير المراسلين، ولا في بيانات المنظمات. الموت الذي يحدث في غرفة باردة، على سرير قديم، بينما العالم ينظر في اتجاه آخر.
٥. نصف مليون ضحية: الرقم الذي يختبر ضمير العالم
أ) الضحايا المباشرون وغير المباشرون
الملف التوثيقي يشير إلى أن نصف مليون ضحية يتوزعون على: القصف الجوي، والقصف المدفعي، والجوع، والأمراض، وانهيار النظام الصحي، ونقص الوقود، وانقطاع المياه، والحصار الجوي والبحري. هذا الرقم ليس تقديرًا سياسيًا، بل حصيلة سنوات من التوثيق الميداني. سنوات من العمل الشاق، الذي قام به صحفيون يمنيون، وناشطون حقوقيون، وأطباء، ومتطوعون، جمعوا فيه أسماء الضحايا، وصورهم، وقصصهم. لكن القوائم لا تزال ناقصة. هناك من مات ولم يُسجَّل اسمه. هناك من دُفن في مقبرة جماعية، ولم يعرف أحد من هو. هناك من اختفى تحت الأنقاض، ولم يُنتشل جسده. هناك من مات في الطريق إلى المستشفى، ولم يصل أبدًا.
ب) الضحايا الذين لا تُذكر أسماؤهم
في اليمن، يموت الناس بصمت. لا توجد قوائم كاملة، ولا صور، ولا جنازات رسمية. يموتون في البيوت، على الطرق، في المستشفيات التي لا تعمل، وفي القرى التي لا تصلها المساعدات. يموتون وهم يحاولون الوصول إلى مكان آمن، لكنهم لا يجدونه. يموتون وهم يحاولون إنقاذ أطفالهم، لكنهم لا يستطيعون. يموتون وهم ينتظرون المساعدة، لكنها لا تأتي.
نصف مليون ضحية... نصف مليون قصة لم تُكتب بعد. نصف مليون اسم لم يُذكر. نصف مليون حلم انتهى. في قرية "بني حشيش"، ماتت امرأة في الثمانين من عمرها، كانت تحفظ القرآن كله. في مدينة "صعدة"، مات طفل في الرابعة، كان يحلم أن يصبح طيارًا. في "عدن"، مات شاب في العشرين، كان يريد أن يكمل دراسته في الخارج. في "حجة"، ماتت أم أثناء الولادة، لأن المستشفى الوحيد في المنطقة كان قد دُمّر. هذه القصص لا تظهر في الإحصاءات. لكنها هي الحقيقة. الحقيقة التي لا يمكن لأي رقم أن يختصرها.
٦. المسؤولية الدولية: صمتٌ يساوي المشاركة
أ) غياب التحقيقات الدولية
رغم حجم الكارثة، لم تُفتح أي تحقيقات مستقلة حول مسؤولية الأطراف المتورطة في القصف والحصار. المحكمة الجنائية الدولية رفضت فتح تحقيق رغم تقديم ملف من ٣٥٠ صفحة يوثّق الانتهاكات. لماذا؟ لأن العدالة الدولية ليست عدالة عمياء، بل عدالة انتقائية. تتحرك عندما تسمح السياسة، لا عندما تتوفر الأدلة. في اليمن، الأدلة موجودة. الصور موجودة. الشهادات موجودة. لكن الإرادة السياسية غائبة.
ب) تسييس العدالة الدولية
العدالة الدولية تتحرك عندما تسمح السياسة، لا عندما تتوفر الأدلة. وهذا ما جعل اليمن أكبر ملف غير محكوم في التاريخ الحديث. في سوريا، فُتح تحقيق. في أوكرانيا، فُتح تحقيق. في اليمن، لا شيء. لماذا؟ لأن اليمن ليس في قلب المصالح الدولية. لأن ضحاياه ليسوا في العناوين. لأن العالم، الذي يتحدث عن حقوق الإنسان، يغض الطرف عندما يكون الجاني حليفًا. هذا هو الصمت الذي يساوي المشاركة. الصمت الذي يجعل العالم شريكًا في الجريمة.
٧. بلدٌ يكتب تاريخه بدمه
اليمن اليوم ليس بلدًا منكسرًا، بل بلدٌ مثقلٌ بغيابٍ جماعي. نصف مليون ضحية ليسوا رقمًا في تقرير، بل جدارًا كاملًا من الأرواح التي رحلت دون أن تُسمع شهادتها. هذا التحقيق ليس محاولة لإحصاء الموت، بل محاولة لفهم كيف يمكن للعالم أن يسمح بحدوثه. كيف يمكن للعالم أن يرى طفلًا يموت جوعًا، ولا يتحرك؟ كيف يمكن للعالم أن يسمع صوت قنبلة تسقط على مستشفى، ولا يفعل شيئًا؟ كيف يمكن للعالم أن يعرف أن نصف مليون إنسان ماتوا، ويستمر في حياته اليومية؟
في اليمن، لا تزال الحرب مستمرة. لا تزال الغارات الجوية تسقط. لا يزال الحصار مطبقًا. لا يزال الجوع يقتل. لا يزال المرض يفتك. لا يزال الصمت الدولي مستمرًا. لكن اليمنيين، رغم كل شيء، لا يزالون يقاومون. لا يزالون يحاولون البقاء. لا يزالون يكتبون تاريخهم بدمهم. تاريخًا لا يقرؤه أحد. تاريخًا لا يريد العالم أن يعرفه. تاريخًا سيبقى، مهما طال الصمت، شاهدًا على جريمة لم تُحاكم بعد.
هذا التحقيق ليس نهاية الملف، بل بدايته. الملف الذي لم يُفتح بعد. الملف الذي ينتظر العدالة التي لن تأتي. الملف الذي ينتظر العالم الذي لا يريد أن يسمع.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟