أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مازن صاحب - من ينتظر مخلص العراق؟؟















المزيد.....

من ينتظر مخلص العراق؟؟


مازن صاحب

الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 23:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لماذا ينتظر بعض العراقيين من الولايات المتحدة أن تزيح الطبقة السياسية التي تحكم بغداد، وهي الدولة التي قادت احتلال العراق عام 2003 وأسهمت في تشكيل النظام السياسي الذي خرج من رحم الاحتلال؟ هل فقد العراقيون الثقة بأنفسهم، أم أن النظام الذي نشأ بعد الاحتلال أضعف قدرتهم على التغيير، حتى بات بعضهم يستنجد بالقوة التي أسهمت في تأسيسه للخلاص من نتائجه؟.. حتى ان تغريدة فقط للرئيس ترامب ادت إلى تغيير مواقف الإطار التنسيقي في ترشيح السيد المالكي لرئاسة الوزراء!!
هذا السؤال، الذي اثاره الدكتور منقذ داغر في مقاله "المهدي العراقي" ، لا يُجاب عنه بموعظة تطالب العراقيين بتغيير ما بأنفسهم، ولا باتهامهم بالعجز وانتظار المخلّص. إنه سؤال عن طبيعة السلطة في العراق، وعن العلاقة بين التأسيس الخارجي للنظام، مصالح القوى التي استحوذت عليه، وتعطيل آليات التغيير من داخله.
لم ينشيء الاحتلال المعضلة العراقية من الصفر، لكنه أسهم بكل الأشكال والانماط في إعادة تشكيل الدولة والسلطة على نحو فتح الطريق أمام منظومة المحاصصة. فبعد ٢٠٠٣، لم تتأسس شرعية الحكم الجديد على عقد مواطنة متكافئة ومؤسسات مستقلة بقدر ما ارتبطت بتوزيع السلطة بين قوى سياسية وهويات فرعية. ومع مرور الوقت، تجاوزت المحاصصة كونها وسيلة لتقاسم المناصب، لتصبح قاعدة مفاسد النفوذ والموارد وتوسيع السيطرة الحزبية على مؤسسات الدولة، وحماية المصالح المتبادلة من المساءلة.
هكذا ينبغي التمييز بين لحظتين: لحظة تأسيس الإطار السياسي بعد الاحتلال، ولحظة استحواذ القوى المحلية عليه وإعادة إنتاجه.
ومن خلال كل ذلك تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية سياساتها وقراراتها في مرحلة التأسيس، لكن القوى العراقية ليست مجرد نتاج سلبي للاحتلال؛ فقد امتلكت القرار والمصلحة والقدرة على ترسيخ مفاسد المحاصصة وتحويلها إلى نظام يحمي امتيازاتها. لذلك لا يستقيم تفسير الأزمة بإعفاء الداخل لمصلحة الخارج، ولا بإنكار أثر الاحتلال لتبرئة القوى التي أدارت الدولة بعده.
هذه هي الحلقة الأولى في التحليل:الخارج أسهم في تشكيل الإطار، والداخل حوّل الإطار إلى شبكة مصالح.
أما الحلقة الثانية.. تتمثل في أن مفاسد المحاصصة لم تعد مجرد اتفاق بين الأحزاب على اقتسام السلطة، بل أصبحت آلية لإعادة إنتاجها. فحين تتداخل المصالح الحزبية مع التعيينات والعقود والموارد العامة ومراكز القرار، لا تعود الانتخابات وحدها كافية لتغيير موازين القوة. قد يتغير عدد المقاعد، وتتبدل التحالفات، ويُستبدل مرشح بآخر، لكن قواعد توزيع النفوذ تظل قادرة على استيعاب النتائج وإعادة ترتيبها بما يحفظ استمرارية المنظومة.
وبذلك تتشكل مفارقة النظام السياسي العراقي: مرونة في تبديل التحالفات والوجوه، وصلابة في حماية قواعد المحاصصة ومصالحها. تتغير الصيغ السياسية لكي لا يتغير جوهر توزيع السلطة. وقد تتحول التسويات التي يُفترض أن تضمن الاستقرار إلى أدوات لامتصاص الاعتراض وإعادة تدوير الأزمة، ما دامت لا تقترن بمساءلة مستقلة وإصلاح مؤسسي يحد من نفوذ الأحزاب على الدولة.
لكن لماذا يتحول هذا الانسداد إلى انتظار للتغيير من الخارج؟
لأن المواطن الذي يشارك في الانتخابات ولا يرى تغيرا متناسبا مع صوته، ويحتج من دون أن يجد بديلا سياسيا منظما،.. وذاكرة انتفاضة تشرين على أبواب ذكراها.. بما يجعل استنتاج يصل إلى أن أدوات التغيير الداخلية لا تكف لمواجهة منظومة تملك الموارد والنفوذ وشبكات الولاء. هنا لا يكون انتظار الخارج بالضرورة تعبيرا عن انعدام الرغبة في التغيير، بل عن تراجع الثقة بقدرة الداخل على إنجازه. ومع تكرار الإخفاق، تنتقل صورة الخارج من طرف مؤثر في الأزمة إلى قوة متخيّلة قادرة على حسمها.
غير أن هذه الحلقة الثالثة تقود إلى مفارقة أشد: من ينتظر الولايات المتحدة لتفكيك منظومة أسهمت في نشأة إطارها السياسي، يفترض ضمنا أن مصالح واشنطن تتطابق مع مطالب العراقيين. وهذا افتراض لا يثبته الواقع تلقائيا. فالتدخل الخارجي قد يستهدف تغيير شخص أو تحالف أو اتجاه سياسي، من دون أن يستهدف تفكيك المحاصصة أو بناء مؤسسات مستقلة أو إنهاء شبكات المصالح... كما حصل في تغريدة ترامب مع المالكي. ولكنه عاد موافقا على نواب رئيس مجلس الوزراء منهم من كان ينظر إليه نظرة رفض اكثر من المالكي نفسه.
هكذا تتقاطع أهداف الخارج مع مصالح بعض القوى المحلية في إعادة ترتيب السلطة، بينما تبقى مطالب الإصلاح الجوهري خارج حسابات التسوية.
وهذا واضح في تصريحات وأفعال المبعوث الرئاسي توم باراك.
لهذا لا يكفي السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة تغيير الطبقة الحاكمة؟ السؤال الأدق : أي تغيير تريده واشنطن، وأي تغيير يريده العراقيون، وهل يتطابق الاثنان؟ فإزاحة سياسي أو تعطيل ترشيح لا تعني بالضرورة تغيير قواعد الحكم، مثلما أن تبديل التحالفات لا يساوي تفكيك المحاصصة. وقد ينتج الضغط الخارجي تغييرا في واجهة السلطة، فيما تبقى بنيتها قادرة على إعادة إنتاج نفسها.
وفق ما تقدم تتضح الذرائعية السياسية في اتجاهين متكاملين: قوى محلية تستدعي الخارج عندما يخدم صراعها على السلطة، ثم تتمسك بالسيادة عندما يهدد مصالحها؛ ومواطنون يعلّق بعضهم آمال التغيير على الخارج بعدما تراجعت ثقتهم بالداخل. وبين الطرفين تضيع القضية الأساسية: من يمتلك القدرة على تغيير قواعد النظام، لا مجرد تغيير شاغلي مناصبه؟
في هذا السياق، يكتسب سؤال الدكتور منقذ داغر عن (المخلّص الأجنبي) أهميته، لكنه يحتاج إلى استكمال سياسي. فالدعوة إلى التغيير الذاتي لا تفسر وحدها لماذا تعجز الإرادة الفردية عن التحول إلى فعل جماعي. لا تستطيع رغبة المواطن، مهما اتسعت، أن تنافس شبكة نفوذ منظمة ما لم يقابلها تنظيم وطني موثوق، وبرنامج واضح، وقيادة تتجاوز الانقسامات، وقدرة على تحويل الاحتجاج إلى قوة سياسية مستدامة. التغيير الداخلي ليس قرارا نفسيا فحسب؛ إنه بناء ميزان قوى بديل.
في مثل هذا المنظور يكمن الاختبار الحقيقي: هل يستطيع العراقيون الانتقال من رفض مفاسد المحاصصة إلى بناء بديل يغيّر آليات إنتاجها؟
إن إدانة الفساد من دون تغيير بنية المصالح التي تحميه، ورفض المحاصصة من دون تأسيس تنظيم سياسي يتجاوزها، وانتقاد التدخل الخارجي مع استمرار التعويل عليه، كلها مواقف قد تعبّر عن السخط، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث التحول.
الاستنتاج الذي يمكن طرحه.. لقد أسهم الاحتلال في تأسيس الإطار الذي نشأت داخله المعادلة السياسية لمفاسد المحاصصة ، وأن القوى المحلية رسّخت ذلك وحوّلته إلى منظومة لإعادة إنتاج السلطة، مما أدى إلى تعثر التغيير الداخلي جعل الخارج يبدو لبعض العراقيين مخلّصا من أزمة أسهم في صنع شروطها.
هذه الحلقات مترابطة، لكنها ليست متطابقة: مسؤولية الاحتلال لا تلغي مسؤولية القوى العراقية، ومسؤولية القوى الحاكمة لا تفسر وحدها ضعف البديل، وانتظار الخارج لا ينهي الأزمة بل قد يعيد إنتاج التبعية لها.
ليس المطلوب أن ينتظر العراقي مخلّصا جديدا، ولا أن يُلام لأنه فقد الثقة بفاعلية التغيير. المطلوب كسر الحلقة التي تربط المحاصصة بتجديد السلطة، وتجديد السلطة بتعطيل البديل، وتعطيل البديل باستدعاء الخارج. فمعيار التغيير ليس من يزيح الحاكم، بل من يغيّر القواعد التي تجعل الحاكم قابلا للاستبدال فيما تبقى المنظومة كما هي لان العراق لا يحتاج إلى مخلّص يغيّر أسماء السلطة؛ بل إلى قوة وطنية تمكّن مواطنيه من استعادة الدولة وتغيير قواعد الحكم... ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!!



#مازن_صاحب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي.. عراقيا
- الدولار.. فقاعة يعاد اخترعها!!
- كوميديا الدولار الأسود !!!
- الغضب الساطع
- عراق الغد.. تاصيل التفاهة!!
- الشراكة.. التوازن.. التوافق. من يملك القرار؟؟
- حارس البوابة المزيف!!
- المطارات العراقية.. انصياع واجب واستثناء مطلوب
- رجل الدولة. لا يكتب الكلمة!!
- الدكتور محمود الكروي.. المغرب العربي في المدرسة العراقية
- واقعة ميسان.. ماقبل حصر السلاح!!
- حرائق.. بلا دفاع مدني!!
- المستشفى الكوري لا يطقيء الحرائق!!
- من الريال الى الصاروخ.. كيف ولماذا؟؟
- صرخة الجباع من خاصرة الحرب!!
- هل يمتلك العراق قرار الحسم؟؟
- عراق الغد.. المناورة.. والرد!!
- دولة الفرهود. أزمات سلطة هجينة!!
- من الأزمات إلى إدارة الحلول!!
- العراق وامبرالية الذكاء الاصطناعي!!


المزيد.....




- كيف يخطط الديمقراطيون لإنهاء الحرب في إيران في يناير؟
- حرق صور ترامب بطهران بعد خسائر الجمهوريين بالانتخابات النصفي ...
- روسيا.. قتلى وإصابات بهجمات أوكرانية
- الكونغرس بصدد عزل وزير الحرب
- البرلمان التركي يقر المادة الأولى من -اتفاق مكة-
- روسيا تبتكر دواء لعلاج الجلطات الدموية
- -يهدوت هتوراه- يرفض تزكية نتنياهو
- الجزائر.. ضبط آلاف الحبوب المهلوسة
- مصر توجه رسالة لتركيا
- التلسكوب الفضائي -سويفت- ينهي رحلته بعد 22 عاما ويحترق في ال ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مازن صاحب - من ينتظر مخلص العراق؟؟