عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 02:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هل نسير نحو حرب عالمية ثالثة-بين التحذير البريطاني وقلق أمير قطر، والتهديد باستخدام أم القنابل ضد إيران
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
في منتصف أكتوبر 2026، تقاطعت ثلاثة خطابات سياسية وعسكرية لتخلق صورة قاتمة عن مستقبل العالم. فقائد الجيش البريطاني الجنرال السير رولي والكر أعلن أن بلاده "ستحتاج" جنودها للقتال، وأن السياسيين سيطلبون من المواطنين "الموافقة على تقديم تضحيات" في ظل "خطر شديد" يهدد العالم . وبالتزامن، حذر أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني شعبه من أن المنطقة تعيش "أحداثاً استثنائية" تستدعي الاستعداد لأسوأ السيناريوهات، مؤكداً أن بلاده لن تنجر إلى الحرب لكنها لن تتهاون في الدفاع عن سيادتها . وفي واشنطن وطهران، تتصاعد التهديدات حول "أم القنابل" الأمريكية وابو الصواريخ قنابل تزن 14 طناً إيرانية، وسط حديث عن خطط لضربة "ثلاثة أيام مكثفة" ضد إيران . فهل نحن حقاً على شفا حرب عالمية ثالثة، أم أننا أمام إعادة تموضع استراتيجي تهدف إلى الردع وليس الصدام الشامل.
-السؤال الإشكالي:
ما الذي تعنيه هذه التحذيرات المتزامنة من لندن والدوحة وطهران؛ وهل تشكل مقدمة لحرب عالمية ثالثة، أم أنها إدارة لخطر بات مألوفاً في نظام دولي يتفكك ببطء؛ وما الذي تكشفه "قنابل الـ14 طناً" عن طبيعة المواجهة القادمة.
أولاً: التحذير البريطاني وسياق "السلام المجاني" المنتهي
لم يكن خطاب الجنرال والكر مجرد تصريح عابر. فقد قال أمام نحو 700 جندي في حامية كاتيريك شمال يوركشاير إن "الزمن الذي كانت فيه بريطانيا لا تريد التفكير في احتمال احتياجها لجنودها للقتال قد ولى"، وإن "العمل العسكري يعود إلى الوعي الوطني" . وأضاف أن القادة السياسيين "قريباً جداً" سيجرون "حواراً صريحاً" مع المواطنين حول "أين يكمن الخطر، وما الذي يجب أن تكون الأمة مستعدة للقيام به"، وأنهم "سيحاولون إقناع المواطنين بالموافقة على تضحيات لإعطاء الأولوية للدفاع والأمن" .
اللافت لهذه التصريحات؛ أن استطلاعاً حديثاً أظهر أن ما يقرب من نصف البريطانيين قالوا إنهم "لن يقاتلوا تحت أي ظرف" للدفاع عن بلادهم، بينما أيد أكثر من النصف زيادة الإنفاق الدفاعي . هذا التناقض بين الرغبة في "القوة" والرفض الشخصي لتحمل تبعاتها هو جوهر الأزمة التي يحاول الجنرال والكر تحضير الرأي العام لها، (بريطانيا تريد أن تبقى قوة عظمى)، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن ذلك من رفاهيتها أو أرواح أبنائها.
ثانياً: قطر بين عدم الانجرار للحرب والاستعداد للسيناريوهات الأسوأ.
في 13 أكتوبر 2026، وقف أمير قطر أمام مجلس الشورى ليرسم صورة مختلفة عن القلق البريطاني، لكنها لا تقل قتامة عن التحذير من الحرب القادمة. قال الشيخ تميم إن قطر "تعرضت لاعتداء على أراضيها من جانب إيران"، وإن إغلاق مضيق هرمز والأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان "عطّلت جزءاً مهماً من صادرات البلاد" من الغاز المسال، الذي يمثل خُمس التجارة العالمية . لكنه شدد على أن استراتيجية الدوحة تقوم على أربعة محاور هي:
1-الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب؛
2- الحفاظ على الخدمات الأساسية وسلاسل التوريد؛
3- المساهمة في جهود وقف إطلاق النار وإعادة فتح الممرات المائية؛
4-دعوة الأطراف إلى التفاوض" .
كما أضاف؛ "تمسكنا بالحوار والحلول السلمية لا يعني التهاون في الدفاع عن بلادنا، وحقنا في الدفاع عن سيادتنا لا يتعارض مع حرصنا على منع اتساع دائرة الحرب" . ودعا المؤسسات والمواطنين إلى "الاستعداد لأسوأ السيناريوهات" . خطاب أمير قطر ليس خطاب حرب، بل خطاب دولة صغيرة محاصرة بين قوى كبرى، تحاول أن تحمي اقتصادها وممراتها المائية دون أن تتحول إلى ساحة معركة أطراف النزاع المسلح (الحرب القادمة).
ثالثاً: "أم القنابل الأمريكية" وقنابل الـ14 طن الإيرانية - سباق تسلح في الظلام.
في خلفية هذه الخطابات، يدور سباق تسلح غير معلن حول "قنابل" بعينها. فوفقاً لتقارير، فإن وزارة الدفاع الأمريكية أعدت خططاً لضربة عسكرية مدتها "ثلاثة أيام مكثفة" ضد إيران، تستهدف مخازن الطائرات بدون طيار والصواريخ والبنية التحتية للطاقة . وتتحدث تقارير عن أن البنتاغون قد يفكر في استخدام قنبلة GBU-43/B، المعروفة بـ"أم القنابل" (21,000 رطل)، ضد منشآت إيرانية .
لكن المشكلة أن المخزون الأمريكي من القنابل الخارقة للتحصينات من طراز GBU-57 يوشك على النفاد، إذ تشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الولايات المتحدة قد لا تمتلك سوى "عدد قليل جداً" منها بعد استخدام 14 قنبلة في عملية "المطرقة الليلية" ضد منشآت فوردو النووية عام 2025 .
في المقابل، أعلن العميد الإيراني محمد رضا نقدي، المستشار الأعلى لقائد الحرس الثوري، أن إيران "تمتلك نماذج من القنبلة الأمريكية زنة 14 طناً"، وأن "تكنولوجيا القنبلة الأمريكية أصبحت بالكامل في حوزتنا" . وربما يكون هذا التصريح مبالغاً فيه من الناحية التقنية، لكنه يحمل دلالة نفسية واضحة، (طهران تريد أن تقول إنها ليست عاجزة، وإن أي ضربة أمريكية جديدة لن تمر دون رد. وقد أكد وزير الدفاع الإيراني الجديد مهرداد أخلاقي أن بلاده "اتخذت الإجراءات اللازمة للتعامل مع أم القنابل"، محذراً من أن أي هجوم أمريكي سيلحق "أضراراً هائلة" بالولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة .
رابعاً: هل نسير نحو حرب عالمية ثالثة.
السؤال الأكثر إلحاحاً، (هل كل هذا يعني أن الحرب العالمية الثالثة بدأت)، ربما الإجابة المباشرة هي لا، على الأقل ليس بالمعنى التقليدي. فالحرب العالمية، كما عرّفها المحللون، تتطلب شرطين، « أن تتصارع القوى العظمى مباشرة، وأن تمتد النيران إلى عدة قارت ».
لكن ما نشهده اليوم هو صراعات إقليمية متداخلة، وحروب بالوكالة، وتهديدات متبادلة، لكنها لا تزال محصورة في جغرافيا محددة مثل: أوكرانيا، والشرق الأوسط، وبحر الصين الجنوبي. ومع ذلك، فإن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش حذر في مارس 2026 من أن "الحرب العالمية الثالثة قد تكون بدأت بالفعل، لكننا لا نتحدث عن ذلك رسمياً بعد"، مشيراً إلى أن الحروب العالمية السابقة بدأت بصراعات إقليمية ثم توسعت عبر تحالفات . وهذا التحذير يستحق التوقف،فما يبدأ في غزة أو فوردو أو كاتيريك قد لا يبقى فيها ويكبر ويتدحرج مثل كرة الثلج.
خامساً: لماذا كل هذا الحديث عن الحرب الآن.
ثمة أسباب بنيوية لهذا التصعيد المتزامن تتجلى في التالي:
1- انتهت حقبة "السلام المجاني" في أوروبا بعد الحرب الباردة، وأصبح الإنفاق الدفاعي أولوية سياسية مرة أخرى، لكن الحكومات تواجه شعوباً لا تريد التضحية.
2-الشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، وإيران تحاول إعادة بناء ردعها عبر خطاب القنابل والتهديدات.
3-الولايات المتحدة في مرحلة انتخابات وسطية، والتهديدات الخارجية تُستخدم كأداة سياسية داخلية.
4-هذه أخطر نقطة: "صناعة الحرب" نفسها أصبحت قطاعاً اقتصادياً ضخماً، وتجار الأسلحة واللوبيات لديهم مصلحة في استمرار التوتر، وليس في تسويته لبيع الأسلحة.
سادساً: ماذا يعني "الاستعداد لأسوأ السيناريوهات".
عندما يدعو أمير قطر شعبه إلى "الاستعداد لأسوأ السيناريوهات" ، وعندما يطلب الجنرال البريطاني/والكر؛ من المواطنين "الموافقة على تضحيات" ، فإن الرسالة الضمنية واحدة، (الدولة لم تعد قادرة على ضمان الأمن بمفردها، والمجتمع مطالب بأن يشارك في تحمل التبعات).
لكن هذا الطلب يثير سؤالاً أخلاقياً، من يتحمل التضحية في بريطانيا، قد تكون التضحية عبر تقليص الخدمات العامة أو زيادة الضرائب .
أما في قطر، قد تكون عبر تقبل انقطاع في الرفاهية التي اعتادها المواطنون. لكن في كل الحالات، "الفئات الأكثر هشاشة"؛ هي التي تدفع الثمن أولاً. وهذا ما يجعل خطاب "التضحية" خطاباً سياسياً خطيراً، لأن من يطلبه غالباً لا يكون أول من يقدمه.
-اقتراحات:
1. إطلاق حوارات إقليمية غير معلنة بين القوى المتصارعة: بعيداً عن الأضواء، يجب فتح قنوات اتصال بين واشنطن وطهران، وبين الدول الخليجية وايران، بهدف وضع "قواعد اشتباك" واضحة تمنع الانزلاق غير المقصود إلى حرب شاملة المستفيد منها دولة الاحتلال الاسرائيلي وهي ترى عن بعد الحرب الدائرة بين العرب وايران.
2. إعادة إحياء الدبلوماسية متعددة الأطراف في الخليج: قطر، بموقعها كوسيط موثوق، يمكنها أن تلعب دوراً في جمع إيران ودول الخليج على طاولة واحدة لمناقشة أمن الممرات المائية، بدلاً من تركها ساحة صراع.
3. فرض قيود دولية على سباق التسلح في الشرق الأوسط: يجب أن تشمل أي تسوية مستقبلية ليس فقط البرنامج النووي الإيراني؛بل ايضا البرنامج النووي الاسرائيلي، وأيضاً سباق التسلح التقليدي، بما في ذلك القنابل الخارقة للتحصينات، لأن امتلاك طرف لسلاح "يغيّر قواعد اللعبة" يدفع الطرف الآخر إلى البحث عن بديل للرد باعنف الأسلحة.
4. تعزيز الشفافية في قرارات الحرب: في بريطانيا وأمريكا، يجب أن تخضع أي قرارات بشأن شن حرب جديدة لموافقة برلمانية صريحة، وليس فقط لتفويض تنفيذي، لأن الشعوب التي يُطلب منها التضحية يجب أن يكون لها صوت في القرار.
5. دعم الاقتصاد المدني بدلاً من اقتصاد الحرب: على دول المنطقة، بما فيها قطر وبريطانيا، أن تستثمر في التنويع الاقتصادي والطاقة المتجددة والأمن الغذائي، بدلاً من ضخ المليارات في أنظمة تسلح قد لا تُستخدم أبداً.
6. محاسبة خطاب التحريض: يجب أن يتحمل السياسيون والعسكريون في الولايات المتحدة الأمريكية الذين يطلقون تهديدات علنية دون سبب استراتيجي واضح مسؤولية قانونية وأخلاقية، لأن كل تهديد علني يزيد من احتمالية سوء الفهم والانزلاق إلى الحرب.
ختاماً؛ لا أحد يستطيع أن يجزم بأن الحرب العالمية الثالثة لن تقع. لكن ما يمكن الجزم به هو أن الطريق إليها يبدأ بخطابات مثل تصريحات الرئيس الأميركي ترامب باستخدام أم القنابل ضد جبل فأس في ايران؛ وفي خطاب الجنرال البريطاني والكر، وتهديدات مثل استخدام سلام ام القنابل. هذه ليست علامات على قوة النظام الدولي، بل على هشاشته.
العالم لا يسير نحو حرب عالمية لأنه يريدها، بل لأنه فقد الأدوات التي كانت تمنعها مثل؛(الدبلوماسية، والثقة، والقدرة على رؤية الآخر كإنسان وليس كهدف). وإذا كانت هناك فرصة لتفادي الأسوأ، فهي تبدأ بالاعتراف بأن "التضحية" ليست شعاراً سياسياً، بل ثمن بشري يجب ألا يُدفع إلا عندما تُستنفد كل السبل الأخرى؛وبالطبع في ظل وجود حكومة ابستين لا يوجد أي قيمة للإنسان في ظل وجود رئيس شعبوي متعصب ويفتقد لقواعد الدبلوماسية.
-المراجع:
1. وكالة الأنباء اليمنية سبأ. (2026, March 21). الرئيس الصربي يحذر: الحرب العالمية الثالثة قد تكون قد بدأت بالفعل. https://saba.ye/ar/news3669811.htm
2. Azərtac. (2026, October 16). Army chief warns Britons will have to make ‘sacrifices’ to prepare for war. https://azertag.az/en/xeber/4466925
3. Militarnyi. (2026, October 17). UK Must Prepare for Public Sacrifices for War, British Army Chief Warns. https://militarnyi.com/en/news/uk-must-prepare-for-public-sacrifices-for-war-british-army-chief-warns/
4. الميادين. (2026, October 17). إيران: العميد نقدي: أدى عدم انفجار بعض القنابل زنة 14 طناً إلى تمكّن القوات المحلية من الاستحواذ عليها. https://www.almayadeen.net/latestnews/2026/10/18/
5. Euronews. (2026, October 13). أمير قطر: لن ننجر إلى الحرب رغم الهجمات الإيرانية.. وتعطل صادرات الغاز يهدد الأسواق العالمية. https://arabic.euronews.com/2026/10/13/qatars-emir-says-we-will-not-be-drawn-into-war-despite-iranian-attacks
6. The New Arab. (2026, October 13). Gulf security, sovereignty non-negotiable, Qatar’s emir warns. https://www.newarab.com/news/gulf-security-sovereignty-non-negotiable-qatars-emir-warns
7. The Peninsula. (2026, October 13). Full text of Amir s speech at 55th opening session of Shura Council. http://s.thepeninsula.qa/article/13/10/2026/full-text-of-amirs-speech-at-55th-opening-session-of-shura-council
8. VOV. (2026, October 9). Mỹ đã lên kế hoạch “3 ngày tấn công dữ dội” vào Iran. https://vov.vn/the-gioi/my-da-len-ke-hoach-3-ngay-tan-cong-du-doi-vao-iran-post1339788.vov
9. Stars and Stripes. (2026, October 16). US bunker-buster weapons dwindling as Iran digs deeper underground. https://www.stripes.com/theaters/us/2026-10-16/bunker-buster-bomb-shortage-iran-23171412.html
10. News On AIR. (2026, October 18). Iran asserts, all necessary measures taken to counter US further attacks. https://newsonair.gov.in/iran-asserts-all-necessary-measures-taken-to-counter-us-further-attacks/
11. Khaleej Times. (2026, October 18). Iran s new defence minister threatens enormous damage if US attacks again. https://www.khaleejtimes.com/world/mena/iran-mehrdad-akhlaghi-threat-enormous-damage-us-attacks-resume
12. ILNA. (2026, October 16). از اوکراين تا شرق آسيا؛ آيا قطعات پازل جنگ جهاني سوم در حال تکميل است؟ https://www.ilna.ir/بخش-بين-الملل-8/1853357
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟