عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 21:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية و العلوم السياسية
مقدمة
في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1945، بنت أوروبا نظامها المالي والتقني على تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، فتبنّت الدولار كعملة احتياطية عالمية، وسمحت لشركات الدفع الأمريكية بالسيطرة على (شبكات بطاقات الائتمان)، واستضافت شركات التكنولوجيا الأمريكية بياناتها ومفاهيمها الرقمية. بدا هذا الترتيب وكأنه تجسيد لتحالف لا ينفصم، غير أن "التحولات الجيوسياسية" المتسارعة في العقد الأخير كشفت عن هشاشته البنيوية.
فالعقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية، التي طالت موظفين وقضاة في المحكمة المتمركزة في لاهاي هولندا، لم تقتصر على منعهم من دخول الولايات المتحدة أو تجميد أصولهم، بل امتدت آثارها إلى « إغلاق حساباتهم البنكية في أوروبا، وتعطيل بطاقاتهم الائتمانية، وحتى قطع وصولهم إلى خدمات البريد الإلكتروني والحوسبة السحابية ».
والأخطر من ذلك أن بنوكاً أوروبية، من لوكسمبورغ إلى أيرلندا، أغلقت حسابات المحكمة وموظفيها ليس لأن القانون الأوروبي يفرض ذلك، بل خوفاً من عقوبات أمريكية ثانوية قد تقطع عنها الوصول إلى نظام المقاصة بالدولار. هذا المشهد، الذي يجسّد ما يمكن تسميته "الامتثال المفرط" الأوروبي للإرادة الأمريكية، دفع البنك المركزي الأوروبي إلى إطلاق مشروع "بونتيس" (Pontes) في سبتمبر 2026، وهو مشروع لا يمثل مجرد منصة تقنية لتسوية المعاملات الرقمية بالأصول الرمزية، بل أداة استراتيجية لإعادة تعريف السيادة الأوروبية في العصر الرقمي.
-السؤال الإشكالي:
كيف يمكن لمشروع بونتيس الاروبي ، ومعه مبادرات مثل "فيرو" ونظام التوجيه الفوري الأوروبي، أن يحوّل العقوبات الأمريكية من أداة ضغط إلى محفّز للتحرر المالي والتقني الأوروبي؛ وهل تستطيع أوروبا، بعد عقود من الاعتماد على البنية التحتية الأمريكية، أن تبني بديلاً حقيقياً قادراً على حماية سيادتها القانونية والمالية من الاستهداف الخارجي.
أولاً: العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية من الاستهداف الفردي إلى الحصار المؤسسي.
بدأت الحملة الأمريكية ضد المحكمة الجنائية الدولية بخطاب سياسي عدائي، ثم تحولت سريعاً إلى ترسانة قانونية ومالية شاملة. في 6 فبراير 2025، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراراً تنفيذياً يحمل الرقم 14203، يقضي بفرض عقوبات اقتصادية وتأشيرية على موظفي المحكمة الجنائية الدولية المشاركين في تحقيقات تستهدف مواطنين أمريكيين أو مواطني دول حليفة مثل دولة الاحتلال الاسرائيلي، وكذلك على أفراد أسرهم.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تضاعفت أعداد المستهدفين ليصلوا في ديسمبر 2025 إلى أحد عشر قاضياً ومدعياً عاماً، وهو رقم يشكّل نصف القضاة العاملين في المحكمة. وتؤكد التقارير أن هذه الموجة من العقوبات ليست نهاية المطاف، إذ تدرس واشنطن (تصنيف المحكمة ككيان مدرج على قائمة العقوبات)، مما يعني حظراً شاملاً على جميع المعاملات المالية معها بعد فترة سماح مدتها ستة أشهر، مما سيقطع المحكمة عن آليات المقاصة بالدولار، والبنوك التجارية، وتراخيص البرمجيات، وعملياتها الأساسية.
تتجلى وحشية هذه العقوبات الأمريكية في قصص الضحايا الفرديين. مثل المدعي العام السابق للمحكمة/كريم خان، الذي فقد الوصول إلى بريده الإلكتروني على مايكروسوفت، وجُمّدت حساباته البنكية، ومنع من دخول الولايات المتحدة. أيضا القاضية الفرنسية نيكولا غيلو، وهي من بين القضاة المستهدفين، كشفت عن أنها لم تستطع حجز تذاكر الطيران أو سيارات الأجرة أو الفنادق، لأن شركات أوروبية رفضت تقديم خدماتها لها بسبب "الامتثال المفرط" للعقوبات الأمريكية، حتى في معاملات تتم داخل أوروبا وباليورو.
والأكثر إيلاماً أنها حُرمت من تعويض شركة التأمين الصحي عن علاج أسنان، لأن الشركة خافت من التعامل مع شخص مدرج على قائمة العقوبات الأمريكية. أما القاضي الكندي/ كيمبرلي بروست، فقد واجه مصيراً مماثلاً، حيث أُغلقت حساباته البنكية وفُقد وصوله إلى خدمات مايكروسوفت. هذه الحالات ليست استثناءات معزولة، بل هي نمط متكرر يعكس كيف يمكن لقرار سياسي أمريكي واحد أن يعطل الحياة اليومية لأفراد داخل الدول الاروبية؛ لم يرتكبوا أي جريمة سوى أدائهم لواجباتهم القضائية بعكس موظفي وقضاة محكمة العدل الدولية الذين يتمتعون بحماية قانونية وحصانة دبلوماسية ولا يتعرضون لأي تمييز أو عقوبات امريكية تنتهك حقوقهم مثل موظفي المحكمة الجنائية الدولية.
ثانياً: البنوك الأوروبية بين السيف والخنجر و الامتثال المفرط للعقوبات الأمريكية.
الأثر الأكثر خطورة لهذه العقوبات لا يكمن في استهدافها المباشر للأفراد، بل في قدرتها على (تسخير المؤسسات الأوروبية نفسها)؛ لتنفيذ الإرادة الأمريكية. في فبراير 2025، أغلق بنك الادخار الحكومي في لوكسمبورغ (Spuerkeess) حسابين مصرفيين يخصان المحكمة الجنائية الدولية، ليس لأن القانون الأوروبي يفرض ذلك، بل "خشية المساس بمصالحه مع الولايات المتحدة التي فرضت عقوبات على المحكمة في الشهر نفسه". وفي أيرلندا، رفضت بنوك تقديم خدماتها للقاضي/ غيلو، وفي دول أوروبية أخرى، تعطلت تحويلات باليورو بين بنوك أوروبية لا تملك أي ارتباط مباشر بالولايات المتحدة، لمجرد أن أحد طرفي التحويل مدرج على قائمة العقوبات الأمريكية.
هذه الظاهرة، التي يصفها تقرير صادر عن شبكة بحثية أوروبية بأنها "الامتثال المفرط البنيوي"، تكشف عن خلل عميق في بنية النظام المالي الأوروبي. فالبنوك الأوروبية، حتى التي لا تصدر بطاقات أمريكية ولا تتعامل مع عملاء أمريكيين، تفضّل تطبيق المنطق العقابي الأمريكي على علاقاتها مع عملائها الأوروبيين، لأن مخاطر التعرض التنظيمي الأمريكي ؛عبر علاقات البنوك المراسلة وآليات المقاصة بالدولار ؛ تظل أكبر في حساباتها من المخاطر القانونية الأوروبية.
هذا السلوك ليس جديداً ولا مقتصراً على قضية المحكمة الجنائية الدولية. فبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في 2018، انسحبت البنوك الأوروبية من علاقاتها المراسلة مع إيران، رغم أن الاتحاد الأوروبي أبقى على الاتفاق وفعّل ما يُعرف بـ"لائحة الحجب" (Blocking Statute) التي تمنع الشركات الأوروبية من الامتثال للعقوبات الأمريكية خارج الحدود الإقليمية.
لكن هذه اللائحة، التي صدرت بموجب لائحة المجلس الأوروبي رقم 2271/96، ظلت حبراً على ورق في معظم الحالات، لأن كلفة عدم الامتثال للتوقعات التنظيمية الأمريكية تفوق باستمرار كلفة عدم الامتثال للقانون الأوروبي. هذه اللامبالاة الأوروبية تجاه قانونها الخاص ليست مجرد فشل تقني، بل هي انعكاس لهيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي، وهو ما يجعل أي حديث عن سيادة أوروبية بدون تحرر من الاعتماد على الدولار مجرد شعار فارغ.
ثالثاً: بونتيس الجسر الرقمي نحو سيادة نقدية أوروبية.
في هذا السياق، يأتي مشروع "بونتيس" كأحد أبرز ردود الفعل الأوروبية على هذا الخلل البنيوي. أطلق البنك المركزي الأوروبي هذا المشروع في 21 سبتمبر 2026، وهو منصة تشغّل تسوية المعاملات المالية المسجلة على دفاتر موزعة خاصة (DLT) باستخدام النقود الصادرة عن البنك المركزي. بعبارة أبسط، يسمح "بونتيس" للبنوك والمؤسسات المالية بتسوية صفقاتها من الأصول الرمزية ؛ كالسندات والأوراق المالية الرقمية ؛عبر النقود السيادية الأوروبية، بدلاً من الاعتماد على العملات المستقرة الخاصة (Stablecoins) المرتبطة بالدولار أو الآليات المصرفية التقليدية.
ويربط المشروع مشغلي الدفاتر الموزعة الخاصة بالبنوك العاملة في منطقة اليورو عبر نظام "تارجت 2" (Target2)، وهو النظام الأوروبي للمقاصة بين البنوك. وبهذا المعنى، فإن "مشروع بونتيس الاروبي" ليس مجرد أداة تقنية، بل هو خطوة استراتيجية لتثبيت النقود المركزية الأوروبية كأساس للتسويات المالية في المستقبل الرقمي، و(منع الدولار) والعملات المرتبطة به من السيطرة على البنية التحتية للمعاملات الرقمية في أوروبا.
الخلفية الاستراتيجية لهذا المشروع واضحة في تصريحات مسؤولي البنك المركزي الأوروبي؛ فقد حذرت رئيسة البنك/كريستين لاغارد، مراراً من أن أوروبا "تحتاج بشكل عاجل إلى نظام دفع رقمي خاص بها"، ووصفت الوضع الراهن، حيث تمر جميع المدفوعات الأوروبية بالبطاقات والهواتف المحمولة عبر بنية تحتية غير أوروبية، بأنه "غير مقبول استراتيجياً"؛ وأوضح بييرو تشيبولوني، عضو المجلس التنفيذي للبنك، أن "بونتيس" يجلب "الاستقرار والثقة اللذين توفرهما النقود الصادرة عن البنك المركزي إلى النظام البيئي الأوروبي للتمويل الرمزي".
هذا الخطاب لا يعكس رغبة تقنية في تحديث البنية التحتية فحسب، بل يعكس إدراكاً عميقاً بأن "الاعتماد على البنية التحتية الأمريكية في المدفوعات يمنح واشنطن قدرة على تحويل التبعية الاقتصادية إلى سلاح جيوسياسي". فإذا كانت البنوك الأوروبية ترفض خدمة قاضي محكمة دولية خوفاً من غضب واشنطن، فإن السؤال البديهي هو، (ماذا يمنع واشنطن من استخدام نفس السلاح ضد أي مؤسسة أوروبية أخرى في المستقبل).
رابعاً: من بونتيس إلى الإطار الأوسع مبادرات السيادة الرقمية الأوروبية.
لا يقتصر مشروع بونتيس على كونه حلاً تقنياً منعزلاً، بل هو جزء من استراتيجية أوروبية أوسع تهدف إلى بناء منظومة سيادية متكاملة في مجال المدفوعات والبيانات والبنية التحتية الرقمية. في عام 2024، أطلقت مبادرة المدفوعات الأوروبية (EPI)، وهي تحالف يضم 16 بنكاً ومؤسسة مالية أوروبية من بينها بي إن بي باريبا و دويتشه بنك، تطبيق "فيرو" (Wero) كبديل أوروبي لخدمات مثل Apple Pay.
ووفقاً لرئيسة EPI، مارتينا فايمرت، فإن "فيرو" يضم اليوم 48.5 مليون مستخدم في بلجيكا وفرنسا وألمانيا، مع خطط للتوسع إلى المدفوعات عبر الإنترنت وفي المتاجر بحلول 2027. لكن "فيرو" لا يزال يعتمد على نظام "سبا إنستانت" (SEPA Instant) الأوروبي، الذي يوفر تسوية فورية بين البنوك دون الحاجة إلى شبكات البطاقات الأمريكية. هذا الاعتماد على البنية التحتية الأوروبية هو ما يجعل "فيرو" أكثر مقاومة للضغوط الأمريكية من بطاقات فيزا وماستركارد، إذ لا يوجد أي كيان أمريكي في سلسلة المعاملات بين البنوك.
إلى جانب ذلك، يواصل البنك المركزي الأوروبي تطوير "اليورو الرقمي" للاستخدام التجزئي بين الأفراد والمتاجر، مع هدف الإطلاق بحلول عام 2029. ويُعد هذا المشروع مكملاً لـ"بونتيس" في الجانب المؤسسي، حيث يهدف إلى توفير بديل سيادي للنقود الإلكترونية الخاصة التي قد تكون مرتبطة بالدولار. كما أن هناك مشروع "أبيا" (Appia) الذي يُفترض أن يكون الحل طويل الأجل لربط البنية التحتية للمدفوعات الأوروبية بمنظومة الأصول الرمزية، مع مسودة أولية متوقعة بحلول عام 2028. هذه المبادرات، مجتمعة، تشكل نسيجاً متكاملاً يهدف إلى (تقليل الاعتماد الأوروبي على البنية التحتية المالية والتقنية الأمريكية)، وهي خطوات ضرورية إذا أرادت أوروبا أن تمتلك فعلاً القدرة على حماية مؤسساتها ومواطنيها من العقوبات المفروضة من خارج حدودها.
خامساً: العقبات البنيوية- لماذا لا تكفي بونتيس وحدها.
رغم الطموح الذي تحمله هذه المبادرات، فإن الطريق إلى السيادة الرقمية الأوروبية محفوف بعقبات بنيوية عميقة لا يمكن حلها بمشروع تقني واحد بسبب العقبات التالية:
1- أول هذه العقبات هو استمرار هيمنة الدولار على نظام المقاصة العالمي. فرغم أن "بونتيس" يتيح تسوية المعاملات باليورو، إلا أن البنوك الأوروبية لا تزال تعتمد على علاقات مصرفية مراسلة مع بنوك أمريكية لتنفيذ جزء كبير من تحويلاتها الدولية، مما يجعلها عرضة للضغط الأمريكي حتى في المعاملات التي لا تستخدم الدولار بشكل مباشر. ويشير تقرير بحثي إلى أن حل مشكلة الامتثال المفرط "لا يمكن أن يتم فقط عبر بنية المدفوعات، بل يتطلب « تقليل اعتماد البنوك الأوروبية على المقاصة بالدولار »؛ والعلاقات المصرفية المراسلة الأمريكية"، وهي عملية "تعمل على أفق زمني يمتد لعقد من الزمن، وليس دورة شراء تقنية".
2-العقبة الثانية تتمثل في أن مبادرات مثل "فيرو" لا تزال تعتمد على طبقات تقنية أمريكية في تطبيقات الهواتف المحمولة. فحتى لو تمت تسوية معاملة "فيرو" بالكامل عبر نظام "سبا إنستانت" الأوروبي، فإن تشغيل هذا التطبيق على أجهزة أندرويد يعتمد على واجهة برمجة "جوجل بلاي إنتجريتي" (Google Play Integrity)، وهي واجهة مملوكة لشركة جوجل تحدد ما إذا كان يُسمح لتطبيقات الدفع والبنوك والحكومة بالعمل على الجهاز أم لا. هذه التبعية التقنية تعني أن السيادة الأوروبية في المدفوعات لن تكتمل ما لم يتم تطوير بدائل أوروبية للطبقات الأساسية من نظام التشغيل وخدمات التحقق من الهوية الرقمية.
3-العقبة الثالثة هي غياب الإرادة السياسية الأوروبية الموحدة. فرغم أن البرلمان الأوروبي دعا في يوليو 2025 إلى تفعيل "لائحة الحجب" الأوروبية لحماية القضاة المستهدفين من العقوبات الأمريكية، إلا أن المفوضية الأوروبية لم تستجب حتى الآن. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن بعض الدول الأعضاء تتردد في تفعيل اللائحة خوفاً من إثارة غضب واشنطن في وقت تتزايد فيه التوترات التجارية والتهديدات بفرض رسوم جمركية أمريكية على الصادرات الأوروبية. هذا التردد يعكس إشكالية أعمق، (هل أوروبا مستعدة لتحمل تكاليف السيادة، أم أنها تفضل الاستمرار في المنطقة الرمادية بين التبعية والاستقلال)، حتى لو كان الثمن هو التخلي عن مبادئها القانونية ومؤسساتها الدولية.
سادساً: نموذج واقعي كيف يمكن لبونتيس أن يحمي المحكمة الجنائية الدولية.
لفهم كيف يمكن لمشروع بونتيس أن يشكل درعاً عملياً ضد العقوبات الأمريكية، من المفيد تصور سيناريو واقعي. لنفترض أن المحكمة الجنائية الدولية كانت قد تمكنت من تسوية رواتب موظفيها ومدفوعات مورديها عبر منصة أوروبية لا تمر عبر البنوك الأمريكية أو نظام المقاصة بالدولار. في هذه الحالة، عندما فرضت واشنطن عقوبات على المدعي العام/ كريم خان في 2025، لم تكن البنوك الأوروبية لتغلق حساباته خوفاً من العقوبات الثانوية، لأن المعاملات كانت ستتم حصرياً عبر نظام "سبا إنستانت" الأوروبي أو منصة "بونتيس"، دون أي نقطة اتصال مع البنية التحتية المالية الأمريكية. وبهذا، كانت العقوبات ستظل مؤلمة على المستوى الشخصي ؛كمنعه من السفر إلى الولايات المتحدة؛ لكنها لن تعطل قدرته على أداء وظيفته أو الحصول على راتبه أو دفع نفقاته اليومية.
لكن هذا السيناريو لا يتحقق تلقائياً بمجرد إطلاق "بونتيس". فالمحكمة الجنائية الدولية، ومقرها لاهاي في هولندا، لديها أكثر من 900 موظف من دول مختلفة، وتتعامل مع موردين عالميين في مجالات الأمن والترجمة وتخزين البيانات والتحقيقات الميدانية. العديد من هؤلاء الموردين يعملون بالدولار أو يعتمدون على خدمات مالية أمريكية. وحتى لو تمكنت المحكمة من تحويل رواتب موظفيها باليورو عبر نظام أوروبي، فإن الحظر الأمريكي على تقديم الخدمات للكيان نفسه قد يمنع شركات أمريكية؛ مثل مايكروسوفت أو أمازون؛ من الاستمرار في تقديم خدمات التخزين السحابي والبريد الإلكتروني للمحكمة. وهذا يعني أن الحل ليس مجرد بناء نظام دفع أوروبي، بل بناء منظومة سيادية كاملة تشمل الحوسبة السحابية، وأمن المعلومات، والاتصالات المشفرة، والهويات الرقمية، وهي مجالات لا تزال أوروبا تعتمد فيها بشكل كبير على الشركات الأمريكية.
سابعاً: العقوبات الأمريكية على أوروبا من المحكمة إلى البنوك الكبرى في اروبا.
لا تقتصر التداعيات على المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها، بل تمتد إلى البنوك الأوروبية الكبرى نفسها. ففي سابقة تاريخية، فرضت الولايات المتحدة عام 2014 غرامة قياسية على بنك بي إن بي باريبا الفرنسي بلغت 8.9 مليار دولار، بتهمة انتهاك العقوبات الأمريكية على السودان وكوبا وإيران. هذه الغرامة، التي كادت أن تهدد وجود البنك نفسه، أرسلت رسالة واضحة إلى جميع البنوك الأوروبية، (إما الامتثال الكامل للقوانين الأمريكية) خارج الحدود الإقليمية، أو مواجهة عواقب مالية وجودية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت البنوك الأوروبية أكثر حذراً في تعاملاتها مع أي طرف قد يثير غضب واشنطن، حتى لو كان ذلك الطرف مؤسسة قانونية أوروبية تعمل تحت حماية القانون الأوروبي وليس الامريكي.
في عام 2026، تجددت هذه الضغوط عندما كشفت تقارير أن الإدارة الأمريكية تدرس (فرض عقوبات على بنوك أوروبية)؛ تتعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، مما دفع بنك Spuerkeess في لوكسمبورغ إلى إغلاق حسابات المحكمة. هذه الواقعة تظهر كيف أن العقوبات الأمريكية لا تقتصر على استهداف "الأشرار" المفترضين حسب مزاج الرجل البرتقالي/ترامب، بل تعمل كآلية لنقل الضغط إلى الحلفاء والأصدقاء، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للاختيار بين الالتزام بقوانينهم الأوروبية أو الحفاظ على مصالحهم المالية في الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، (تصبح السيادة الرقمية الأوروبية ليست ترفاً تقنياً، بل شرطاً ضرورياً للحفاظ على استقلال القرار السياسي والقانوني الأوروبي).
-اقتراحات:
1. تفعيل "لائحة الحجب" الأوروبية بشكل فوري وشامل. يجب على المفوضية الأوروبية أن تعلن، دون تأخير، أن لائحة المجلس الأوروبي رقم 2271/96 ملزمة لجميع الكيانات الأوروبية (الدول والبنوك وجميع المؤسسات)، وأن الامتثال للعقوبات الأمريكية خارج الحدود الإقليمية "يشكل انتهاكاً للقانون الأوروبي". وينبغي أن تشمل اللائحة ليس فقط منع الامتثال، بل أيضاً آلية تعويض للمتضررين من العقوبات ؛هذا التفعيل سيغير حسابات البنوك الأوروبية، لأن مخالفة القانون الأوروبي ستصبح مخاطرة قانونية حقيقية أكثر من العقوبات الأمريكية، وليست مجرد احتمال نظري.
2. تسريع إطلاق اليورو الرقمي للاستخدام التجزئي وتوسيع نطاق "بونتيس". يجب أن ينتقل البنك المركزي الأوروبي من مرحلة التجريب إلى التنفيذ الكامل في أقرب وقت ممكن، مع ضمان أن يكون اليورو الرقمي متاحاً لجميع المواطنين والشركات في منطقة اليورو، وأن يكون مقبولاً في جميع المتاجر والخدمات العامة. كما يجب توسيع نطاق "بونتيس" ليشمل ليس فقط الأصول الرمزية، بل أيضاً المدفوعات اليومية بين الشركات والمؤسسات العامة، مما يخلق بديلاً حقيقياً عن شبكات البطاقات الأمريكية.
3. بناء بنية تحتية أوروبية للحوسبة السحابية وتخزين البيانات. لا يمكن تحقيق السيادة الرقمية بدون السيطرة على البيانات والبنية التحتية التي تُخزن وتُعالج فيها. يجب على الاتحاد الأوروبي أن يستثمر في مشاريع مثل "غايا-إكس" (Gaia-X) لتطوير سحابة أوروبية سيادية، وأن يفرض على المؤسسات العامة الأوروبية استخدام هذه البنية بدلاً من الخدمات الأمريكية. هذا الأمر ضروري لحماية المؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولية من قطع خدمات البريد الإلكتروني والتخزين السحابي، كما حدث مع المدعي العام/ كريم خان.
4. تعديل نظام المقاصة الأوروبي لتقليل الاعتماد على الدولار. يجب أن تعمل أوروبا على توسيع استخدام اليورو في تسوية المعاملات الدولية، خاصة في قطاعات الطاقة والمواد الخام والتجارة الإلكترونية. وهذا يتطلب تطوير آليات مقاصة أوروبية مستقلة عن نظام "سويفت" (SWIFT) وعلاقات البنوك المراسلة الأمريكية، مما يجعل البنوك الأوروبية أقل عرضة للعقوبات الثانوية.
5. إنشاء صندوق أوروبي لحماية المؤسسات المستهدفة من العقوبات. على غرار الصندوق الذي أنشأته بعض الدول الأوروبية لتعويض الشركات المتضررة من العقوبات الأمريكية على إيران، ينبغي إنشاء صندوق أوروبي مشترك يوفر دعماً مالياً وقانونياً للمؤسسات الأوروبية ؛بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية؛ التي تستهدفها عقوبات أجنبية غير معترف بها من الاتحاد الأوروبي. هذا الصندوق سيرسل رسالة واضحة بأن أوروبا تقف إلى جانب مؤسساتها وقيمها الأخلاقية والاقتصادية والقانونية.
6. تعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين لمواجهة العقوبات الأحادية. لا تقتصر معاناة العقوبات الأمريكية على أوروبا، بل تمتد إلى دول أخرى مثل (كندا واليابان ودول أمريكا اللاتينية). يجب على الاتحاد الأوروبي أن يبني تحالفات مع هذه الدول لإنشاء جبهة موحدة ضد الاستخدام الأحادي للعقوبات المالية، والعمل على إصلاح النظام المالي الدولي ليعكس التعددية القطبية بدلاً من الهيمنة الأحادية لواشنطن.
ختاما،يكشف مشروع "بونتيس" والعقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية عن مفارقة عميقة في العلاقات الأوروبية-الأمريكية. فبينما تعلن واشنطن باستمرار أن أوروبا حليف استراتيجي (حلف الناتو)، فإن ممارساتها المالية والعقابية تتعامل مع الحلفاء ككيانات خاضعة للقانون الأمريكي، يمكن معاقبتها إذا تجرأت على تحدى الإرادة الأمريكية. لم تعد العقوبات على قضاة المحكمة مجرد مسألة قانونية تتعلق باختصاص محكمة دولية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى استعداد أوروبا للدفاع عن سيادتها القانونية والمالية.
بالطبع مشروع "بونتيس"، بكل طموحه التقني، ليس سوى خطوة أولى في رحلة طويلة نحو بناء منظومة أوروبية سيادية متكاملة. فبدون تحرر حقيقي من هيمنة الدولار، ومن شبكات البطاقات الأمريكية، ومن خدمات الحوسبة السحابية الأمريكية، ستظل أوروبا عرضة لاستخدام التبعية الرقمية كسلاح يفرض عليها الاختيار بين مصالحها المالية ومبادئها القانونية.
كما يجدر الإشارة؛ أن القاضية الفرنسية /نيكولا غيلو؛في المحكمة الجنائية الدولية؛قالت بصراحة مؤلمة، "إذا لم نكن نمتلك السيادة الرقمية والمصرفية، فإننا نفقد سيادتنا القانونية وسيادة القانون ذاتها". هذا ليس شعاراً، بل تحذيراً من أن أوروبا، التي بنت مشروعها على القانون والمؤسسات، لا يمكنها أن تحمي هذا المشروع إذا كانت مفاتيح بنيتها المالية والتقنية بيد طرف آخر (واشنطن). أما مشروع بونتيس قد لا يحل كل المشكلات، لكنه يفتح الباب أمام أوروبا لتقرر؛ هل تريد أن تكون لاعباً قوياً ومستقلاً في النظام العالمي، أم أن تظل ساحة للصراعات والعقوبات التي يصنعها الآخرون.
-مراجع:
1. European Central Bank. (2026, September 21). Pontes: tokenizzazione e sovranità, l euro nel futuro dei mercati digitali. RaiNews. https://www.rainews.it/articoli/2026/09/pontes-tokenizzazione-euro-225392ec-3909-4b44-80ad-507c4bd6e109.html
2. Financial Times. (2026, September 21). Digital euro makes debut in wholesale financial markets. https://www.ft.com/content/9f57e612-1068-43ab-889a-febad1602c4a
3. Associated Press. (2026, September 21). The Netherlands is bracing for potentially devastating US sanctions against the ICC. The Canadian Press. https://www.thecanadianpressnews.ca/world/the-netherlands-is-bracing-for-potentially-devastating-us-sanctions-against-the-icc/article_bbfd3dd2-63eb-5d45-b4e5-dede64b3cb6c.html
4. United Nations Human Rights Office. (2026, January 26). USA: UN expert demands withdrawal of sanctions against ICC judges and prosecutors, calls for repeal of executive order. https://waps.ohchr.org/en/press-releases/2026/01/usa-un-expert-demands-withdrawal-sanctions-against-icc-judges-and
5. Tehran Times. (2026, September 22). ICC blacklist plan prompts US senator’s calls to sanction Trump and Rubio. https://www.tehrantimes.com/news/530299/ICC-blacklist-plan-prompts-US-senator-s-calls-to-sanction-Trump
6. EUobserver. (2026, September 22). ‘Bullies cannot be appeased’: Pressure mounts on EU to shield ICC from new US sanctions. https://euobserver.com/238997/bullies-cannot-be-appeasedpressure-mounts-on-eu-to-shield-icc-from-new-us-sanctions
7. The Irish Times. (2026, September 22). US-sanctioned international court judge urges Ireland to take a stand. https://staging.irishtimes.com/crime-law/courts/2026/09/22/us-sanctioned-international-criminal-court-judge-urges-ireland-to-take-a-stand/
8. Zenodo. (2026). European digital dependencies and over-compliance in sanctions. https://zenodo.org/records/19358628/files/european-digital-dependencies.pdf
9. Financial Times. (2026, February 10). European alternatives to Visa and Mastercard ‘urgently’ needed, says banking chief. http://app003.ftchinese.com/interactive/250362/en
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟