أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - جائزة نوبل للسلام للقاضية بيلاي التي واجهت إسرائيل بتهمة الإبادة في غزة















المزيد.....


جائزة نوبل للسلام للقاضية بيلاي التي واجهت إسرائيل بتهمة الإبادة في غزة


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 14:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جائزة نوبل للسلام للقاضية بيلاي التي واجهت إسرائيل بتهمة الإبادة في غزة


الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية

مقدمة
في التاسع من أكتوبر عام 2026، أعلنت لجنة نوبل النرويجية في أوسلو عاصمة النرويج؛ منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي، تقديراً لجهودها في تعزيز القانون الدولي والمساءلة عن الجرائم الجسيمة . جاء هذا الإعلان في لحظة تاريخية فارقة، إذ لم تكن الجائزة مجرد تكريم لمسيرة قانونية حافلة امتدت لأكثر من نصف قرن، بل كانت رسالة سياسية وأخلاقية بالغة الدلالة في خضم واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية إثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين.

فالقاضية بيلاي ليست مجرد حقوقية جنوب إفريقية عادية، بل هي المرأة التي ترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي خلصت في تقريرها الصادر عام 2025 إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي ارتكبت إبادة جماعية على مدار عامين من اكتوبر 2023 إلى اكتوبر 2025؛ بحق الفلسطينيين في قطاع غزة . وبذلك، وجدت جائزة نوبل للسلام نفسها، للمرة الأولى في تاريخها، تُمنح لشخصية ارتبط اسمها مباشرة باتهام (دولة احتلال اسرائيلي)، تحظى بدعم قوى عظمى ( واشنطن) بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

-السؤال الإشكالي:
كيف يمكن قراءة هذا التطور في سياق تاريخ الجائزة ووظائفها السياسية؛ وما هي دلالات منحها (للقاضية بيلاي) في هذا التوقيت بالذات؛ وإلى أي مدى يمكن اعتبار هذه الجائزة نقطة تحول في مسار العدالة الدولية، أم مجرد لحظة رمزية أخرى في مسيرة طويلة من الانتهاكات التي لا تزال مستمرة.

أولاً: نافي بيلاي من محامية مناهضة للفصل العنصري إلى قاضية العدالة الدولية.

وُلدت نافانيثيم "نافي" بيلاي في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1941 في مدينة ديربان بجنوب إفريقيا، لعائلة تنحدر من أصول تاميلية هندية . نشأت في ظل نظام الفصل العنصري الذي كان يفرض عزلاً قسرياً على غير البيض، وهي التجربة التي شكّلت وعيها السياسي والقانوني منذ نعومة أظافرها.

بدأت بيلاي مسيرتها المهنية كمحامية تدافع عن الناشطين السياسيين والمعتقلين في ظل نظام الأبارتايد، وعملت على توثيق الانتهاكات التي تعرضوا لها . وفي عام 1967، دخلت التاريخ القانوني لبلادها عندما أصبحت أول امرأة غير بيضاء تفتتح مكتب محاماة في مقاطعة ناتال، في خطوة كانت في حد ذاتها تحدياً صارخاً للبنية العنصرية التي كانت تهيمن على كل مناحي الحياة في جنوب إفريقيا آنذاك .

لم تتوقف طموحات بيلاي عند حدود المحاماة المحلية، بل سعت إلى تعميق معرفتها القانونية عبر الدراسة في جامعة هارفارد، حيث نالت درجتي الماجستير والدكتوراه في القانون . وقد أثمر هذا المزيج بين الخبرة الميدانية في مواجهة القمع والتدريب الأكاديمي الرفيع عن مسيرة مهنية دولية استثنائية.

شغلت بيلاي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014، وكانت أول امرأة من ذوات البشرة الملونة تشغل هذا المنصب الرفيع . كما عملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، وترأست المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا التي نظرت في قضايا الإبادة الجماعية التي شهدتها البلاد عام 1994 . وقد اكتسبت من خلال هذه التجارب خبرة عميقة في التعامل مع أكثر الجرائم تعقيداً وأشدها فظاعة، مما جعلها مؤهلة بشكل فريد لقيادة التحقيقات في النزاعات المعاصرة.

غير أن المحطة الأكثر إثارة للجدل في مسيرتها كانت (رئاستها للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة)، والتي خلصت في تقريرها الصادر عام 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة . هذا التقرير، الذي رفضته دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ حيث وصفته بأنه "مشين"، وضع (القاضية بيلاي) في قلب عاصفة سياسية وقانونية دولية . فلم يكن الأمر مجرد تقرير أكاديمي آخر يضاف إلى رفوف التقارير الأممية التي غالباً ما تظل حبراً على ورق، بل كان اتهاماً مباشراً لدولة عضو في الأمم المتحدة بارتكاب أبشع الجرائم التي عرفتها البشرية، وهي الجريمة التي تأسست المحكمة الجنائية الدولية ومعاهدات جنيف لمنع تكرارها.

ثانياً: جائزة نوبل للسلام تاريخ من التحولات والوظائف السياسية.

منذ منحها الأول في عام 1901، لم تكن جائزة نوبل للسلام مجرد ميدالية ذهبية وشهادة تقدير ومبلغ مالي يقدر بحوالي 1.2 مليون دولار . لقد كانت دائماً منبراً عالمياً يمنح الفائز صوتاً مسموعاً في كل أنحاء الأرض، ويسلط الضوء على قضيته، ويمنح الأمل للملايين بأن السعي من أجل عالم أفضل ليس جهداً ضائعاً .

وقد أوصى مؤسس الجائزة، ألفريد نوبل، بأن تُمنح لمن "بذل جهداً في سبيل نشر روح الإخاء بين الأمم، أو ساهم في تسريح الجيوش أو خفض أعدادها، أو أنشأ هيئات أو مؤتمرات تروّج للسلام" . هذه الصياغة الواسعة، التي يعود تاريخها إلى عام 1895، فُسّرت على مر العقود بشكل متوسع، مما أتاح للجنة النرويجية منح الجائزة لمجموعة واسعة من الشخصيات والمنظمات التي لم يكن بعضها بالضرورة "دعاة سلام" بالمعنى التقليدي، بل كانوا في كثير من الأحيان شخصيات سياسية أو حقوقية تثير الجدل بقدر ما تثير الإعجاب.

على مدار 75 عاماً، مُنحت الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وصناديقها وبرامجها والمنظمات ذات الصلة وموظفوها جائزة نوبل للسلام اثنتي عشرة مرة . وقد شملت هذه الجوائز منحها لبرنامج الأغذية العالمي عام 2020، ولمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013، وللفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ مع آل جور عام 2007 . كما فاز بالجائزة أمينان عامان للأمم المتحدة هما (كوفي عنان عام 2001 -وداغ همرشولد عام 1961 ).

هذه السابقة التاريخية لمنح الجائزة لكيانات أممية لم تكن مجرد تكريم بيروقراطي، بل كانت في كثير من الأحيان رسالة سياسية لدعم عمل هذه المؤسسات في مواجهة ضغوط سياسية أو مالية. وفي هذا السياق، يمكن فهم منح الجائزة "لنافي بيلاي"؛ كامتداد لهذا التقليد، لكن مع فارق جوهري يتمثل في أن (القاضية بيلاي)؛ لم تكن ممثلة لمؤسسة أممية في لحظة احتفاء بها، بل كانت شخصية قادت تحقيقاً اتهم حليفاً استراتيجياً للقوى الغربية الكبرى (دولة الاحتلال الاسرائيلي) بارتكاب إبادة جماعية في غزة .

ثالثاً: السياق القانوني لمحكمة العدل الدولية وقضية جنوب إفريقيا ضد إسرائيل.

لفهم الدلالة الكاملة لمنح الجائزة لبيلاي، لا بد من العودة إلى السياق القانوني الأوسع الذي شهدته الساحة الدولية منذ أواخر عام 2023. في التاسع والعشرين من ديسمبر 2023، تقدمت دولة جنوب إفريقيا بطلب إلى محكمة العدل الدولية لبدء إجراءات ضد دولة إسرائيل، متهمة إياها بارتكاب انتهاكات لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها .

وقد أكدت محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر في يناير 2024 أن هناك "حالة معقولة من الإبادة الجماعية في غزة"، وأمرت دولة الاحتلال الإسرائيلي باتخاذ تدابير مؤقتة لمنع ارتكاب أفعال إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، وبمعاقبة التحريض على الإبادة، واتخاذ خطوات فورية وفعالة للسماح بتقديم الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة؛ كما أمرت المحكمة (الكيان الإسرائيلي) بتقديم تقرير خلال شهر عن جميع التدابير المتخذة لتنفيذ أمر محكمة العدل الدولية.

هذا الحكم، الذي وصفه رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا بأنه "انتصار للقانون الدولي وحقوق الإنسان وفوق كل شيء للعدالة"، لم يكن مجرد انتصار قانوني عابر . لقد شكل سابقة تاريخية من حيث إن دولة ليست طرفاً في النزاع هي (جنوب أفريقيا)؛ تمكنت من إجبار دولة أخرى (الكيان الاسرائيلي) على المثول أمام أعلى محكمة أممية بتهمة الإبادة الجماعية في غزة.

طبعا، "قضاة محكمة العدل الدولية رأوا من خلال تسييس إسرائيل ومراوغتها وأكاذيبها الصريحة؛ لقد قيموا الوقائع والقانون وأصدروا تدابير مؤقتة تعترف بجسامة الوضع على الأرض وبصحة طلب دولة جنوب إفريقيا" . في المقابل، وصف المتهم بارتكاب جرائم حرب في غزة؛ رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي/ بنيامين نتنياهو الحكم بأنه "فاضح"، وقال إن إسرائيل تخوض "حرباً عادلة لا مثيل لها في غزة"، مضيفاً أنها ستواصل الدفاع عن نفسها ومواطنيها مع الالتزام بالقانون الدولي .

المفارقة الكبرى في هذا السياق أن (القاضية نافي بيلاي)، التي مُنحت جائزة نوبل للسلام تقديراً لعملها في تعزيز القانون الدولي، كانت قد ترأست لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى نتيجة تتطابق بشكل كبير مع ما خلصت إليه محكمة العدل الدولية في تدابيرها المؤقتة.

لكن الفارق بين الاثنين يكمن في أن محكمة العدل الدولية اكتفت بالقول إن هناك "حالة معقولة" من الإبادة الجماعية دون إصدار حكم نهائي، بينما ذهبت "لجنة بيلاي"، إلى أبعد من ذلك بإعلان أن الإبادة الجماعية قد وقعت بالفعل في غزة من اكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2025 . هذا التباين يعكس الفروق القانونية بين التحقيقات الأممية غير الملزمة والأحكام القضائية الملزمة، لكنه يبرز أيضاً الجرأة الاستثنائية التي تحلت بها بيلاي في تقريرها.

رابعاً: الدلالات السياسية جائزة تبحث عن ضمير في زمن الضجيج والنزاعات المسلحة والابادة الجماعية في غزة.

جاء منح جائزة نوبل للسلام لنافي بيلاي في عام 2026، وهو العام الذي شهد 65 نزاعاً عسكرياً في 35 دولة، وهو أعلى رقم منذ منتصف القرن الماضي . هذا السياق العالمي المضطرب يضفي على الجائزة دلالة خاصة، إذ لم تكن مجرد تكريم لشخصية قانونية بارزة، بل كانت رسالة إلى "جيل يبحث عن معنى السلام في زمن الضجيج، في عالم يتأرجح بين نيران الحروب وصيحات الأمل" . وقد قالت لجنة نوبل النرويجية في بيانها إن بيلاي "قدمت إسهامات مهمة في تطوير القانون الدولي، من خلال عملها في المحاكمات المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية"، مؤكدة أنها "دافعت طوال مسيرتها المهنية عن المبادئ العالمية للقانون، وأسهمت في تعزيز المساءلة الدولية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان" .

لكن هذا التوصيف الرسمي، رغم دقته، يخفي وراءه سؤالاً سياسياً بالغ الحساسية؛ (لماذا اختارت اللجنة النرويجية في هذا التوقيت بالذات تكريم شخصية ارتبط اسمها باتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية)،ربما الإجابة على هذا السؤال تتطلب النظر في المتغيرات التي شهدتها الساحة الدولية خلال عام 2025 و2026. فقد شهد العالم تحولات عميقة في موقف الرأي العام العالمي من القضية الفلسطينية، خاصة بعد التقارير المتكررة عن حجم الدمار والضحايا في قطاع غزة. كما أن انتخاب نواف سلام، رئيس محكمة العدل الدولية، رئيساً لوزراء لبنان في يناير 2025، ثم استقالته من المحكمة، أضاف بُعداً سياسياً جديداً للصراع حول الشرعية الدولية . سلام، الذي كان قد وصف الوجود الإسرائيلي المستمر في الأراضي الفلسطينية بأنه "غير قانوني" وطالب بإنهائه "في أسرع وقت ممكن"، كان قد تعرض لحملة من النواب الأمريكيين تطالب بانسحابه من القضايا المتعلقة بإسرائيل .

في هذا السياق، يمكن قراءة جائزة بيلاي كإشارة من لجنة نوبل النرويجية إلى أن العدالة الدولية، رغم كل الضغوط السياسية التي تتعرض لها، لا تزال قادرة على إنتاج رموز للمقاومة القانونية. وقد علقت المحكمة الجنائية الدولية على فوز بيلاي بالقول إن الجائزة "تعد اعترافاً مهماً بدور العدالة الدولية باعتبارها ركيزة أساسية للسلام". وقالت رئيسة المحكمة/ توموكو أكاني، "في ظل التحديات الجسيمة التي تواجه النظام القانوني الدولي وسيادة القانون، يكتسب هذا الاعتراف أهمية خاصة" . هذه الكلمات تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بأن النظام القانوني الدولي يمر بأزمة وجودية، وأن منح الجائزة لبيلاي يأتي في لحظة حرجة يحتاج فيها هذا النظام إلى تعزيز شرعيته.

خامساً: النماذج الواقعية بيلاي بين الإشادة والانتقاد.

لم يكن منح جائزة نوبل للسلام (لنافي بيلاي) حدثاً احتفالياً خالياً من الجدل. فبينما احتفلت شخصيات وقوى سياسية عربية وإسلامية بهذا القرار باعتباره "إدانة جديدة لجرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة وتسلط الضوء على حجم الابادة الجماعية هناك"، حسب تحليل الأكاديمي الفلسطيني الدكتور عبدالحكيم سليمان وادي، فإن أوساطاً مؤيدة لدولة الاحتلال الإسرائيلي؛ رأت في الأمر استثماراً سياسياً للجائزة ضد دولة تحظى بدعم قوى غربية كبرى .

وقد أعلنت بيلاي بنفسها أنها أهدت الجائزة إلى "جميع الناجين من الجرائم الدولية"، مشددة على "أهمية التضامن الدولي في مواجهة التحديات التي تعترض منظومة العدالة الدولية" . هذا الإهداء يحمل دلالة رمزية عميقة، إذ يربط بين الضحايا في غزة والناجين من الإبادات الأخرى في رواندا والبوسنة والهرسك وألبانيا وأرمينيا ودارفور بالسودان وغيرهما، للتأكيد أن العدالة الدولية ليست مسألة انتقائية، بل مبدأ عالمي يسري على الجميع.

في المقابل، يرى منتقدو الجائزة أنها تكرس ازدواجية المعايير في النظام القانوني الدولي؛ فبينما تُمنح جائزة نوبل للسلام لقاضية اتهمت إسرائيل بالإبادة الجماعية في غزة، لا تزال دول كبرى ترفض الاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية منها واشنطن وروسيا والصين، وتمارس ضغوطاً على المحاكم الدولية لمنعها من النظر في قضايا تتعلق بها أو بحلفائها.

وقد تجلى هذا التناقض بوضوح في ردود الفعل الدولية على حكم محكمة العدل الدولية في يناير 2024 ضد دولة الاحتلال الاسرائيلي، حيث رحبت دول مثل قطر ومصر وتركيا والسعودية وماليزيا وإيرلندا وإسبانيا وبلجيكا بالحكم وطالبت بتنفيذه، بينما قالت الولايات المتحدة إنها "تواصل الاعتقاد بأن مزاعم الإبادة الجماعية في غزة لا أساس لها"، وإن المحكمة "لم تصدر حكماً بشأن الإبادة الجماعية ولم تدع إلى وقف إطلاق النار" . أما كندا، فقد قالت وزيرة خارجيتها ميلاني جولي إن "دعمنا لمحكمة العدل الدولية لا يعني أننا نقبل premise القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا"؛ هذه المواقف المتباينة تعكس صورة الانقسام العميق في المجتمع الدولي حول كيفية التعامل مع اتهامات الإبادة الجماعية، وحول حدود سيادة القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بحلفاء استراتيجيين لهم مثل دولة الاحتلال الاسرائيلي.

سادساً: ما بعد الجائزة هل تتغير المعادلة.

السؤال الأكثر إلحاحاً بعد منح الجائزة لنافي بيلاي هو، (هل سيؤدي هذا التكريم إلى تغيير ملموس في المعادلة الدولية، أم أنه سيبقى مجرد لحظة رمزية أخرى)؛ربما الإجابة على هذا السؤال تتطلب النظر في ثلاثة مستويات هي:

1- المستوى القانوني، لا تمنح جائزة نوبلللسلام أي سلطة قضائية إضافية للفائز بها. بيلاي لن تصبح أكثر قدرة على تنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية بسبب حصولها على الجائزة. لكن الجائزة تمنحها منبراً عالمياً أوسع، مما قد يساعد في تسليط الضوء على قضايا العدالة الدولية وزيادة الضغط الشعبي على الحكومات لاحترام القانون الدولي.

2- المستوى السياسي، يمكن أن تُستخدم الجائزة كورقة ضغط أخلاقية في المحافل الدولية، خاصة في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، حيث يمكن للدول المؤيدة للقضية الفلسطينية أن تشير إلى التكريم العالمي لبيلاي كدليل على شرعية اتهاماتها.

3-المستوى الرمزي لمنح جائزة نوبل إلى بيلاي، ربما تكون هذه الجائزة الأكثر أهمية، إذ أنها ترسل رسالة إلى ضحايا الانتهاكات في كل مكان بأن المجتمع الدولي، رغم انقساماته وتناقضاته، لا يزال قادراً على الاعتراف بمعاناتهم وتكريم من يدافع عنهم؛لكن يجب ألا نبالغ في التفاؤل. فتاريخ جائزة نوبل للسلام حافل بأمثلة على فائزين لم تؤد جائزتهم إلى تغييرات جذرية على الأرض.

هناك نماذج عديدة منها؛ القائد الأفريقي/نيلسون مانديلا، الذي حصل على الجائزة عام 1993، كان قد أمضى عقوداً في السجون قبل أن يصل إلى السلطة، والجائزة لم تكن سوى محطة في مسيرة طويلة من النضال. كذلك القائد/مارتن لوثر كينغ جونيور، الذي حصل على الجائزة عام 1964، اغتيل بعد أربع سنوات فقط، ولم تتحقق أحلامه بالكامل حتى اليوم. وفي حالة فلسطين، فإن الفارق الجوهري هو أن الصراع ليس مجرد نزاع على الحقوق المدنية أو إنهاء احتلال، بل هو صراع وجودي مع دولة الاحتلال الاسرائيلي التي تمتلك ترسانة عسكرية هائلة ودعماً غير مشروط من القوى العظمى مثل واشنطن؛ وبالتالي جائزة نوبل للسلام، بقدر ما تحمل من رمزية، لا يمكنها أن تغير هذه المعادلة الصلبة من طرف بعض الدول التي تدعم بقاء الاحتلال.

-اقتراحات:

1. تعزيز آليات تنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية: ينبغي على المجتمع الدولي، وخاصة الدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، أن تتحرك بشكل جماعي لتفعيل آليات التنفيذ والمساءلة، بما في ذلك النظر في فرض عقوبات على الدول التي تتجاهل التدابير المؤقتة الصادرة عن المحكمة. إن بقاء هذه الأحكام دون تنفيذ يقوض مصداقية النظام القانوني الدولي بأكمله.

2. دعم استقلالية المحاكم الدولية وتعزيز مواردها: ينبغي زيادة التمويل والدعم السياسي للمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وضمان عدم تعرض قضاتهما لأي ضغوط أو تهديدات من أي دولة. كما يجب على الدول الكبرى التوقف عن ممارسة سياسة الانتقائية في التعامل مع هذه المؤسسات.

3. توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة: ينبغي على منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية تكثيف جهودها لتوثيق جميع الانتهاكات المرتكبة في قطاع غزة والضفة والقدس المحتلة؛وغيرها من مناطق النزاع في العالم، وحفظ الأدلة بشكل آمن يمكن استخدامه في الملاحقات القضائية المستقبلية. إن حفظ الذاكرة القانونية للجرائم هو خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة، حتى لو تأخرت.

4. تعزيز التضامن الدولي مع ضحايا الإبادة الجماعية: ينبغي بناء تحالفات عابرة للحدود بين منظمات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب السياسية والشخصيات العامة لدعم قضايا العدالة الدولية، والضغط على الحكومات لتبني مواقف مبدئية لا تتغير بتغير المصالح السياسية.

5. دعم البحث الأكاديمي في مجال القانون الدولي: ينبغي تشجيع الجامعات ومراكز البحث على إنتاج دراسات معمقة حول آليات المساءلة الدولية، وسوابق المحاكم، وتطوير أدوات قانونية جديدة لمواجهة الجرائم الجماعية في سياقات معقدة.

ختاماً، تظل جائزة نوبل للسلام (للقاضية/نافي بيلاي)؛ حدثاً بالغ الدلالة، لكنه لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن السياق الأوسع للصراع على الشرعية الدولية في عصر يتسم بتراجع سيادة القانون وتصاعد القوى التي تعتبر نفسها فوق المحاسبة؛ وفوق القانون الدولي مثل واشنطن؛ودولة الاحتلال الاسرائيلي وغيرهما. لقد منحت اللجنة النرويجية جائزتها لقاضية كرست حياتها لفكرة أن القانون الدولي ليس ترفاً نظرياً، بل أداة حية لحماية الضعفاء ومحاسبة الأقوياء.

لكن السؤال الذي يظل معلقاً هو « هل يمكن لجائزة، مهما كانت رمزيتها، أن تغير واقعاً يرفض التغيير ». طبعأ في اعتقادي أن الإجابة على هذا السؤال لا تكمن في قرار اللجنة النرويجية التي منحت جائزة نوبل للقاضية بيلاي، بل في إرادة المجتمع الدولي وقدرته على تحويل الرموز إلى أفعال؛ وحتى ذلك الحين، ستبقى نافي بيلاي رمزاً لضمير قانوني عالمي لم ينطفئ بعد، وشاهداً على أن هناك من يجرؤ على قول الحقيقة للسلطة، حتى عندما تكون السلطة في أقصى حالات عنفوانها مثل واشنطن ودولة الاحتلال الاسرائيلي.

-مراجع:

1. Qatar News Agency. (2026, October 8). نوبل للسلام 2026.. رسالة أمل في زمن الضجيج والصراعات. QNA.
2. WAFA Agency. (2026, October 9). ترأست لجنة أممية بشأن الإبادة الجماعية في غزة: منح جائزة نوبل للسلام للقاضية نافي بيلاي. WAFA.
3. Legalbrief. (2026, September 30). UN meets over ICJ s landmark ruling in SA case. Legalbrief Africa.
4. Jackson, R., & Sherman, B. (2024, March 29). Jackson and Sherman Lead Letter to Protect Israel. U.S. House of Representatives.
5. United Nations. (n.d.). Nobel Peace Prize AR | الأمم المتحدة - السلام والكرامة والمساواة. UN.
6. Masrawy. (2026, October 9). اتهمت إسرائيل بالإبادة في غزة.. من هي نافي بيلاي الحائزة على "نوبل للسلام" 2026؟. Masrawy.
7. Alghad. (2026, October 8). نوبل للسلام 2026 لقاضية إفريقية لاحقت الاحتلال بتهم الإبادة في غزة. Alghad.
8. Ramaphosa, C. (2024, January 25). Televised Address on the ruling of the International Court of Justice. The Presidency of South Africa.
9. Al-Aosboa. (2026, October 8). مصطفى بألم: فوز نافي بيلاي بنوبل إدانة جديدة لجرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة. Al-Aosboa.
10. Independent Arabia. (2025). نواف سلام يستقيل من عضوية محكمة العدل الدولية. Independent Arabia.
11. The Week. (2025, January 13). Who is Nawaf Salam? Lebanese PM-elect voted against Israel 210 times as UN envoy. The Week.
12. WION. (2025, January 12). Who is Nawaf Salam? ICJ president turned Lebanon s new prime minister. WION.
13. RNZ. (2024). South African president hails ruling against Israel as step toward justice. RNZ.
14. New Age BD. (2026, October 2). ICJ asks Israel to prevent genocide. New Age BD.
15. SANA. (2025, October 9). جائزة نوبل للسلام.. قصتها منذ البداية. SANA.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر- عامٌ ثالثٌ من الجحيم وال ...
- عملية السابع من أكتوبر وتوازن ناش في غزة
- احتلال مكة والمدينة ونصف السعودية مشروع مسياني في كتاب الحاخ ...
- الموساد في مرمى الاتهام- اغتيال أولوف بالمه وإغلاق التحقيقات ...
- الجيوبنيوية في مشروع بونتيس والسيادة الأوروبية والاستقلال ال ...
- بونتيس والسيادة الأوروبية-التحرر الرقمي من العقوبات الأمريكي ...
- اللعبة ذات المستويين في السياسة الدولية من التفاوض الداخلي إ ...
- الجيوبنيوية وتأثير مفهوم ناش على ضعف الدول في معالجة الأزمات
- أطروحة دكتوراه تتكون من 26 صفحة تنال جائزة نوبل
- الخط الأصفر في غزة وهشاشة التحصينات الثابتة وفشل خط بارليف و ...
- هل يمكن لأطروحة دكتوراه ان تكتب بدون مراجع في تحدّي للتقاليد ...
- صدمة فيلم نازا- أعتراف جنود الاحتلال الاسرائيلي-تعمدنا قتل ا ...
- صناعة القادة المخادعين عبر براند سياسي
- الذكاء الاصطناعي في الأبحاث وأطروحات الدكتوراه بين الرفض وال ...
- الجيوبنيوية القوة والمركز والمنطق البنيوي – مقاربة نظرية في ...
- بلطجة أمريكية جديدة تفرض عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية ا ...
- اتفاق مكة الثلاثي يحتاج للطرف الرابع إيران كفاعل أساسي لاستق ...
- الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة- الأسباب، الآثار، والتأثي ...
- المعايير المزدوجة للإعلام الغربي- لماذا تغطى أحداث سبتة وتُه ...
- نتنياهو وفلسفة تعطيل السلام عبر عقود من الجمود السياسي وموت ...


المزيد.....




- كيم كارداشيان تحضر بفستان شفاف جائزة سنغافورة الكبرى للفورمو ...
- مؤشرات التصويت المبكر تكشف تحولاً في مناطق دعم ترامب.. إليكم ...
- مطاردة تنتهي بدهس رجل بسيارة تابعة لإدارة الهجرة الأمريكية.. ...
- إيران: مضيق هرمز تحت سيطرتنا واشتعال النيران بناقلة نفطية ثا ...
- تصريحات مصرية بعد مقتل مضيفة وإصابة 7 مواطنين في مطار الرياض ...
- أجواء الرياض باتت خالية من الطائرات بعد الهجمات الحوثية العن ...
- الدفاع الروسية: تحرير بلدتين جديدتين شرق وجنوب أوكرانيا
- انطلاق مناورات -الأمن الجماعي- في بيلاروس (صور)
- كوكب بحجم الأرض شبيه بـ-تاتوين- في حرب النجوم قد يدعم الحياة ...
- تصريحات مصرية بعد مقتل مضيفة وإصابة 7 مواطنيين في مطار الريا ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - جائزة نوبل للسلام للقاضية بيلاي التي واجهت إسرائيل بتهمة الإبادة في غزة