أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - احتلال مكة والمدينة ونصف السعودية مشروع مسياني في كتاب الحاخام الصهيوني الأمريكي آفي ليبكين















المزيد.....


احتلال مكة والمدينة ونصف السعودية مشروع مسياني في كتاب الحاخام الصهيوني الأمريكي آفي ليبكين


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 16:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية


مقدمة
في السنوات الأخيرة ظهر كتاب غريب العنوان والمضمون، يحمل اسم «العودة إلى مكة»، لمؤلفٍ إسرائيلي يُدعى آفي ليبكين؛ صدر الكتاب في مدينة القدس العربية المحتلة عام 2012، يحاول الكاتب ذو الأفكار الصهيونية،أن يقنع القارئ بأن الجزيرة العربية وتحديداً ما يسمى الان (المملكة السعودية)؛وفي قلبها مكة والمدينة المنورة؛ ان فيها أرض يهودية ضائعة يجب أن يعود؛ "اليهود المهاجرين في دول العالم إليها" يومًا ما؛ وهذا ما يسمى بتنفيذ الحلم القديم المخطط له من طرف الحركة الصهيونية العالمية.

يجدر الإشارة،ان محتوى الكتاب وافكارة الصهيونية العدوانية المسيانية؛ ليس بحثًا تاريخيًا ولا دراسة أكاديمية، بل إعلان نوايا عدوانيّ مكتوب بلغة النبوءة المزيفة التي تم تزيفها؛ الحاخام/ ليبكين لا يبحث في النصوص، بل يفتّش عن ذريعةٍ جديدة لتوسيع (خريطة دولة الاحتلال الإسرائيلي) ويضع أهم الأماكن الإسلامية المقدسة؛ « مكة الكرمة والمدينة المنورة والقدس العربية المحتلة » في مثلثٍ واحدٍ يسميه "مثلث العودة اليهودية المقدّسة" وفقا للفكر المسياني.

للإشارة؛ المسيانية (Messianism) هي الإيمان بقدوم "المسيح المنتظر" كمخلص لشعب إسرائيل، وهي عقيدة قديمة في الفكر اليهودي الصهيوني المتطرف. تتخذ الصهيونية الدينية المتطرفة، التي ينتمي إليها الحاخام/ليبكين؛وامثال/ بن غفير ؛وسموتريتش، من هذه العقيدة المحرفة؛ إطارًا أيديولوجيًا يدفع إلى "تسريع" مجيء المسيح عبر السيطرة الكاملة على ما يسمونه "أرض إسرائيل" الكبرى فوق أرض فلسطين وبعض أراضي الدول العربية.

يرى هذا التيار أن الاستيطان وتهجير الفلسطينيين وفرض السيادة على المسجد الأقصى؛ (وثم هدمه) هي خطوات عملية لتحقيق "الخلاص" الديني. يختلف ذلك عن الحريديم الذين ينتظرون المسيح بصبر، بينما يسعى المسيانيون المتطرفون إلى "إجبار" الخلاص عبر الفعل السياسي والعسكري. وهكذا تتحول المسيانية لدى أحزاب مثل "الصهيونية الدينية" و"القوة اليهودية" إلى مشروع توسعي عنيف يرفض أي تسوية سياسية مع العرب وتحديداً الفلسطينيين.

هذا الكتاب يمثّل تطوّرًا مروعًا ومفزعًا في الأحلام المشتركة بين (الصهيونيتين – اليهودية والمسيحية المسيانية)؛ التي تتفق مع الفكر الصهيوني؛ في عصر العلو الكبير والأخير لبني إسرائيل، كما يصفه بعض المحللين. فما القصة؛ حول هذا الكتاب ذو الأفكار الصهيونية المسيانية الذي يدعو إلى إحلال النفوذ اليهودي محل الوجود الإسلامي في أم القرى، ولذلك يحمل الكتاب على غلافه صورة (ساحة المسجد الحرام مكة المكرمة)، وفي وسطه بدل الكعبة صورة "التفيلين" اليهوديّ الصهيوني، وهو عبارة عن مكعّب أسود يقدسه اليهود، ويضعون داخله بعض عبارات التوراة، وهو يشبه شكل الكعبة.

-السؤال الإشكالي:

لماذا يعود الحلم الصهيوني اليوم إلى الواجهة بمطالب تتجاوز دولة فلسطين إلى السعودية؛ تحديداً إلى (مكة المكرمة والمدينة المنورة)؛ وهل يمكن اعتبار كتاب الحاخام المسياني/إيفي ليبكن ؛مجرد هذيان فردي معزول، أم أنها تعبير عن تيار أعمق في الفكر الصهيوني التوسعي؛ وما هي الآليات التي يقترحها هذا التيار المسياني الصهيوني المتطرف لتحقيق هذا الهدف الذي يبدو مستحيلًا على أرض الواقع؛ وأخيرًا، كيف ينبغي للأمة العربية والإسلامية أن تتعامل مع هذا الخطاب الذي يحوّل التاريخ إلى سلاح والجغرافيا إلى نبوءة بكل رفض وحزم.

أولًا: من هو الحاخام المسياني/ إيفي ليبكن وخلفيته الفكرية.

إيفي ليبكن، هو يهودي أمريكي مولود في نيويورك عام 1949م، هاجر إلى فلسطين عام 1968م وخدم في جيش الاحتلال الإسرائيلي. يُعرّف نفسه بأنه ضابط سابق في الاستخبارات الإسرائيلية، وهو حاخام صهيوني مسياني متطرف جداً؛ ومحاضر ومؤلف، ويترأس حزبًا صغيرًا يُسمى "Bible Bloc". منذ عام 1991م، اهتم هذا الرجل بنشر معتقدات الفكر الصهيوني، وأصبح من فريق الوعظ التابع (للاتحاد اليهودي المسيحي المسياني) في منابر ألف كنيسة ومعبد في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية، بهدف التحكم في الرأي العام الغربي بما يخدم العقيدة الصهيونية لدعم دولة الاحتلال الاسرائيلي.

إن كتاب «العودة إلى مكة» يُعد السادس في سلسلة مؤلفات المسياني/ ليبكين، التي تسبقها خمسة كتب تناولت ما اعتبره الكاتب "الأدلة على أن الإسلام يشكل تهديدًا عالميًا". هذه الخلفية تكشف أن الرجل ليس مجرد مؤلف عابر، بل هو جزء من منظومة أوسع تعمل على ترويج (خطاب صهيوني)؛ يرى في الإسلام عدوًا استراتيجيًا يجب مواجهته ليس فقط عسكريًا، بل ثقافيًا ودينيًا واحتلال أراضي في المملكة العربية السعودية وفي دول عربية اخرى.

ثانيًا: الركائز الثلاث للمشروع الصهيوني للحاخام المسياني/ليبكين.

يبني الحاخام اليهودي المسياني/آفي ليبكين ؛رؤيته الصادمة في كتابه "العودة إلى مكة" على ثلاث ركائز أساسية يرى أنها كفيلة بتغيير وجه "الشرق الأوسط" وإخضاعه بالكامل. هذه الركائز تعكس مزيجًا من الأيديولوجيا الدينية اليهودية المسيانية المتطرفة والاستراتيجية العسكرية وفق المخطط الصهيوني للمنطقة.

1-الركيزة الأولى: إعادة الجغرافيا الدينية؛ هي الركيزة الأكثر غرابة وإثارة للجدل في كتابه. يزعم الحاخام الصهيوني/"ليبكين" أن "جبل سيناء" الحقيقي (الذي تلقى فيه "موسى" الوصايا) لا يقع في "مصر"، بل يقع في شمال غرب "السعودية" (منطقة "جبل اللوز").

الهدف من هذا الادعاء الكاذب؛ هو إيجاد "حق ديني وتاريخي" لليهود في الجزيرة العربية، ممهدًا الطريق للمطالبة بأراضٍ سعودية كجزء من الإرث اليهودي القديم الموعود بة حسب أكاذيبهم قبل 3000 عام من الان. بل يذهب الحاخام الصهيوني/ ليبكين ؛إلى أبعد من ذلك، مدعيًا أن جبل الطور الحقيقي الذي كلّم الله فيه نبيّه موسى هو "جبل اللوز" الموجود في محافظة تبوك في شمال الأراضي السعودية، وليس هو جبل موسى المعروف في سيناء بمصر. ويجدر بالذكر أن المنطقة التي بها هذا الجبل بمحافظة تبوك هي ذات المنطقة التي أُطلق فيها ما سمّي "مشروع نيوم السعودي". هذا الربط بين الادعاء الديني والمشروع الاقتصادي ليس بريئًا، بل يكشف عن نية مبيتة لربط الجغرافيا للأراضي السعودية بالمقدس المسياني-اليهودي وفق الفكر التوسعي الصهيوني في منطقة الخليج العربي.

2-الركيزة الثانية: تفتيت الدول الكبرى (استراتيجية الفوضى) – يرى الحاخام المسياني الصهيوني/ "ليبكين" أن بقاء "دولة الاحتلال الإسرائيلي" قوية يعتمد بالضرورة على تحويل الدول العربية المحيطة (وخاصة السعودية ومصر والعراق) إلى دويلات طائفية وعرقية متناحرة.

الآلية المقترحة تشمل دعم الأقليات في هذه الدول، وإثارة النزاعات المذهبية، واستغلال الأزمات الاقتصادية لتفكيك الجيش المصري؛ والسيطرة على حقول النفط في الخليج، مما يجعل هذه الدول غارقة في صراعاتها الداخلية لعقود لن تستطيع مواجهة اسرائيل لعدة سنوات قادمة.

يحدد الحاخام الصهيوني/ ليبكين في كتابه عدة وسائل لتحقيق ذلك، منها؛ أن يأتي اليوم الذي يتوسل فيه (بعض السعوديين) إسرائيل أن تأتي وتنقذهم من "باقي السعوديين الآخرين"، الذين يريدون قتلهم، وأن تحدث حرب أهلية في السعودية وسيواجه الشيعة/السنة، وكذلك السنة/يقتلون السنة، وأن يواجه السعوديون القاعدة، وأن يستغيث جانب من "السعوديين العلمانيين" بالولايات المتحدة الأمريكية لتأتي لإنقاذهم، وأن تطلب الولايات المتحدة من دولة الاحتلال الإسرائيلي مساعدتها في هذا الأمر؛ وبذلك تستطيع الدخول من باب واسع إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة وتفرض شروطها.

2-الركيزة الثالثة: التحالف مع المسيحية المتصهينة ؛يعتمد الحاخام المسياني الصهيوني/ "ليبكين" ؛في رؤيته على حشد ملايين المسيحيين الإنجيليين المسيانين (Evangelicals) في الغرب، لإقناعهم بأن "العودة إلى مكة" هي نبوءة توراتية تسبق "نهاية الزمان". وهو لا يريد حربًا إسرائيلية فقط، بل يريد حربًا "صليبية-صهيونية" مشتركة ضد المسلمين في السعودية وفي باقي الجزيرة العربية . وهذا التوجه ينسجم مع ما قاله القس صموئيل مارينوس زويمر، أحد غلاة المبشّرين في الشرق، في مؤتمر في القدس عام 1935، «مهمة التبشير الذي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمديّة ليست هي إدخال المسلمين في المسيحيّة... وإنما مهمتكم أن تُخرجوا المسلم من الإسلام، ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله». إن هذا التقاطع بين الصهيونية والمسيحية المسيانية المتصهينة ليس جديدًا، لكن الحاخام/ ليبكين ،يمنحه بعدًا جديدًا بجعله أداة لاحتلال مكة نفسها.

وللإشارة، المسيحية المسيانية المتصهينة (أو الصهيونية المسيحية) هي حركة دينية سياسية تنتمي غالبًا إلى الكنائس البروتستانتية الأصولية، وتؤمن بأن عودة اليهود إلى فلسطين وقيام "دولة الاحتلال الإسرائيلي" عام 1948 فوق أرض فلسطين كانا ضرورة حتمية لتحقيق نبوءات الكتاب المقدس. حيث يعتقد أتباعها (المسيانين) أن قيام إسرائيل يمثل مقدمة لمجيء المسيح الثاني، وأن دعمهم السياسي لإسرائيل واجب ديني. يفسرون الكتاب المقدس تفسيرًا مسيانيا محرفا، ويرون أن دعم الوجود الإسرائيلي يساعد في تحقيق النبوءات الإنجيلية.

ثالثًا: مكة في مرمى البصر – قراءة في التصريحات والمواقف

لم يكتفِ الحاخام المسياني/ ليبكين ،بكتابه كتاب تحريضي، بل دأب على الظهور في الفضائيات الدينية التابعة لمنظمات المسيحية الصهيونية المسيانية في أمريكا، داعيًا إلى تشكيل حلف "مسيحي صهيوني مسباني" لتخطيط وتنفيذ مشروع تقسيم السعودية.

أيضاً في تصريحات مثيرة للجدل، قال الصهيوني/ ليبكين، "أعتقد أن حدودنا ستمتد في نهاية المطاف من لبنان إلى الصحراء الكبرى أي المملكة العربية السعودية، ثم من البحر الأبيض المتوسط إلى الفرات".

وأردف قائلا ، "الموجودون على الجانب الآخر من الفرات هم أصدقاؤنا الأكراد.. إذا لدينا البحر الأبيض المتوسط خلفنا والأكراد أمامنا.. ولبنان الذي يحتاج حقًا إلى مظلة حماية إسرائيل وبعد ذلك أعتقد أننا سنأخذ (مكة والمدينة)؛ وجبل سيناء". هذه التصريحات أثارت غضبًا عارمًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث علق أحدهم قائلًا: "عشم إبليس في الجنة"، وأضاف آخر: "نهاية المطاف هي زوالكم من على وجه الأرض وقد بدأت البشاير". لكن السخرية وحدها لا تكفي لمواجهة مشروع يستند إلى عقيدة نسياني صهيونية حاقدة؛ وراسخة لدى تيار لا يستهان به من الصهاينة والمسيحين الإنجيليين الأكثر ميسيانية من الحاخام الصهيوني ليبكين.

رابعًا: الوسائل العملية لتنفيذ "العودة المسيانية للسعودية"

حدد الكاتب الحاخام الصهيوني/ إيفي ليبكين في كتابه (العودة إلى مكة) عددًا من الوسائل التي اعتمدها لتحقيق هدف "العودة"، وأجملها في النقاط التالية:
1-أن يأتي اليوم الذي يتوسل فيه بعض السعوديين إسرائيل.

2- أن تأتي اسرائيل وتنقذهم من السعوديين الآخرين الذين يريدون قتلهم.

3-أن تحدث حرب أهلية في السعودية وسيواجه الشيعة/السنة، والسنة يقتلون/السنة؛ وأن يواجه السعوديون القاعدة.

4-أن يستغيث جانب من السعوديين العلمانيين بالولايات المتحدة الأمريكية لتأتي لإنقاذهم؛ وأن تطلب الولايات المتحدة من إسرائيل مساعدتها في هذا الأمر؛ ويقول الحاخام الصهيوني ليبكين، (لماذا لا نحتل جزءًا معينًا من السعودية).

هذه السيناريوهات، التي يطرحها الصهيوني/ ليبكين، تكشف عن نظرة استراتيجية تقوم على استغلال الانقسامات الداخلية في العالم العربي والإسلامي، وتحويلها إلى أبواب للتدخل الأجنبي؛ وهي نظرة لا تختلف كثيرًا عن الاستراتيجيات الاستعمارية التقليدية التي اعتمدت على مبدأ "فرّق تسد".

خامسًا: ردود الفعل العربية والإسلامية بين الإنكار والتحذير.

أثار كتاب «العودة إلى مكة» وتصريحات ليبكين ردود فعل متباينة في العالم العربي والإسلامي. ففي حين حاول البعض التقليل من شأنه باعتباره هذيانًا فرديًا، رأى آخرون فيه كشفًا عن نوايا حقيقية. وقد نظم المركز الثقافي البغدادي محاضرة بعنوان "قراءة نقدية في كتاب العودة إلى مكة" قدمها الباحث الدكتور قاسم محمد الأسدي، الذي أكد أن قراءة مثل هذه الكتب نقديًا ضرورية لفهم الخطابات الغربية التي تتناول الإسلام من منظور أيديولوجي، وتظهر الحاجة إلى قراءة علمية متوازنة تفكك مضامينها وتواجهها بالحجة والدليل.

كما كتب د. وليد العريض مقالًا بعنوان "العودة إلى مكة... حين يحاول الحقد أن يكتب التاريخ من جديد"، وصف فيه الكتاب بأنه "إعلان نوايا عدوانيّ مكتوب بلغة النبوءة"، مشيرًا إلى أن الحاخام الصهيوني/ ليبكين "لا يبحث في النصوص، بل يفتّش عن ذريعةٍ جديدة لتوسيع خريطة إسرائيل".

سادسًا: لماذا مكة- الدلالة الرمزية والاستراتيجية وقبلة المسلمين.

اختيار مكة هدفًا للحلم الصهيوني ليس اعتباطيًا. فمكة هي قبلة المسلمين، وأقدس بقعة على وجه الأرض لديهم، وأول بيت وضع للناس. يشير الدكتور عبدالحكيم سليمان وادي، أن مجرد التهديد الصهيوني الانجيلي المسياني بالسيطرة على مكة ؛حتى في الخطاب ؛تعني نزع القداسة عن الإسلام نفسه، وتحويل أقدس رموزه إلى مجرد "إرث يهودي ضائع".

هذا ما يصرح به الحاخام الصهيوني/ ليبكين حيث يقول، "إن حدود إسرائيل الكبرى لا تتوقف عند ضفاف الأردن، بل إن مكة والمدينة وجبل سيناء هي في الأصل أجزاء من الإرث اليهودي الذي يجب استعادته، والسيطرة على مكة هي المفتاح لكسر شوكة الإسلام نهائيًا".

هذا القول يكشف عن فهم عميق لأهمية مكة الرمزية لكافة المسلمين في العالم، وعن نية مبيتة لاستهداف قلب الإسلام وليس فقط أطرافه. كما أن مكة المكرمة تمثل في التصور الصهيوني للحاخام/ ليبكين ؛نقطة الوصل بين التاريخ الديني والجغرافيا السياسية، إذ يزعم أن بني إسرائيل هم الذين طافوا بالكعبة قبل المسلمين، وأن الحج طقس توراتي قديم "سرقه" الإسلام وأعاد تدويره. إنها محاولة لتزوير التاريخ الديني نفسه، وليس فقط الجغرافيا السياسية.

سابعًا: البعد المسيحي الانجيلي المسياني الصهيوني يشكل حلف ضد الإسلام.

لا يمكن فهم مشروع الحاخام الصهيوني المسياني/ ليبكين ؛دون وضعه في سياق التحالف التاريخي بين الصهيونية والمسيحية الإنجيلية المسيانية المتصهينة. فهذا التحالف، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، يرى في عودة اليهود إلى فلسطين تحقيقًا لنبوءات توراتية تسبق المجيء الثاني للمسيح. لكن الحاخام الصهيوني/ ليبكين ؛يوسع هذا التحالف ليشمل مكة والمدينة، داعيًا إلى "حلف صليبي مسياني-صهيوني" لتحقيق ذلك.

هذا التوسع يعكس تحولًا في الاستراتيجية الصهيونية من التركيز على "أرض الميعاد" في فلسطين إلى السعي للسيطرة على المراكز الدينية الإسلامية نفسها. وهو ما يثير مخاوف جدية لدى المراقبين، خاصة في ظل الحديث عن اتفاقات تطبيع جديدة؛ تحمل مصطلح تطبيعي غريب يعرف باسم (اتفاقيات أبراهام) ، خاصة مع المملكة العربية السعودية.

-اقتراحات عملية لمواجهة هذا الخطاب الصهيوني المسياني:

1. تفكيك الخطاب فكريًا: يجب على المؤسسات الأكاديمية والدينية في العالم العربي والإسلامي أن تتصدى لكتابات الصهاينة والمسيانين؛ مثل كتاب الحاخام الصهيوني ليبكين الذي يحمل عنوان«العودة إلى مكة» بدراسات نقدية رصينة، تفنّد مزاعمها التاريخية والدينية بالحجة والبرهان. فالرد على هذا الخطاب لا يكون بالإنكار أو السخرية، بل بالبحث العلمي الجاد الذي يكشف زيف الادعاءات ويفضح أهدافها.

2. تعزيز الوعي المجتمعي: ينبغي تنظيم حملات توعية على مستوى الجماهير العربية والإسلامية، تشرح طبيعة هذا الخطاب الصهيوني المسياني ومخاطره، وتكشف عن الآليات التي يقترحها لتفكيك المجتمعات العربية. ويجب أن تكون هذه الحملات بلغة مبسطة تصل إلى الشباب خاصة، لأنهم الفئة المستهدفة من قبل هذه الخطابات.

3. الوحدة في مواجهة التحديات: إن استغلال الانقسامات الداخلية هو المدخل الأساسي لهذه المشاريع. لذا، فإن تجاوز الخلافات المذهبية والسياسية، والعمل على بناء جبهة عربية إسلامية موحدة، هو السبيل الوحيد لإفشال هذه المخططات. فالخصم لا يخفي أنه يريد "حربًا أهلية في السعودية" و"مواجهة بين الشيعة والسنة".

4. الاستثمار في الإعلام المضاد: يجب إنشاء منصات إعلامية عربية وإسلامية قوية تخاطب الرأي العام العالمي، وليس العربي فقط، لشرح طبيعة المشروع الصهيوني التوسعي، وكشف تحالفاته مع الجماعات الإنجيلية المتطرفة؛ فالمعركة ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وعي وإدراك وحرب المفاهيم.

5. توظيف القوى الدينية المعتدلة: ينبغي إشراك القيادات الدينية المسيحية والإسلامية المعتدلة في العالم في حوار يهدف إلى تفنيد "اللاهوت السياسي" الذي يستغله المتطرفون من الجانبين، وإبراز القيم المشتركة التي تدعو إلى التعايش والسلام، بدلًا من الصراع والصدام.

ختاماً،إن الحلم الصهيوني بالعودة إلى مكة، كما يطرحه الحاخام الصهيوني المسياني/ إيفي ليبكن، ليس مجرد هذيان فردي أو خيال مريض، بل هو تعبير عن تيار عميق في الفكر الصهيوني التوسعي يرى في الإسلام عدوًا يجب إخضاعه، وفي مقدساته هدفًا يجب السيطرة عليه.

صحيح أن هذا الحلم يبدو مستحيلًا على أرض الواقع في المدى المنظور، لكن الاستهانة به قد تكون خطأً كبيرًا. فالتاريخ يعلمنا أن الأطماع التي تبدأ أحلامًا في الكتب قد تنتهي يومًا مشاريع على الأرض، إذا وجدت من يستغلها ومن يمنحها الغطاء. والمسؤولية تقع على عاتق الأمة العربية والإسلامية، بمفكريها وعلمائها وإعلامها وشعوبها، في تحصين الوعي، وتوحيد الصف، والتصدي لكل محاولة للنيل من مقدساتها. فمكة ليست مجرد مدينة، بل هي قلب الأمة النابض، ورمز وحدتها، وأي مساس بها ؛حتى في الخطاب ؛هو مساس بكل مسلم على وجه الأرض؛ ومكة خط أحمر لا يسمح المساس بها.

-المراجع:

1. د. وليد العريض، "العودة إلى مكة... حين يحاول الحقد أن يكتب التاريخ من جديد"، نبأ الأردن، 7 نوفمبر 2025.
2. "العودة إلى مكة!"، الشروق أونلاين، 30 يوليو 2022.
3. "قراءة في كتاب آفي ليبكين Avi Lipkin العودة إلى مكة Return to Mecca "، إضآءات، 28 فبراير 2026.
4. "حدودنا ستمتد ونأخذ مكة والمدينة وجبل سيناء.. تصريحات الإسرائيلي آفي ليبكين تثير جدلا كبيرا"، سما نيوز، 11 يناير 2024.
5. "بعد القدس الدور على مكة! قراءة في كتاب العودة إلى مكة!"، وكالة أنباء التقريب، 11 فبراير 2025.
6. "قراءة نقدية في كتاب العودة إلى مكة "، المركز الثقافي البغدادي، 19 أكتوبر 2025.
7. "توصية زويمر"، جريدة اللواء، 19 يناير 2022.
8. صلاح المقداد، " إسرائيل الكبرى المشروع الاستعماري الذي يستهدف وجود العرب والمسلمين كأمة! (2-5)"، 26 سبتمبر، 6 سبتمبر 2026.
9. علي أحمد مثنى، "قراءة في كتاب العودة إلى مكة "، الميثاق، 29 أكتوبر 2025.
10. Evyatar Liebkin, Return to Mecca, Self-Published, Jerusalem, 2012.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الموساد في مرمى الاتهام- اغتيال أولوف بالمه وإغلاق التحقيقات ...
- الجيوبنيوية في مشروع بونتيس والسيادة الأوروبية والاستقلال ال ...
- بونتيس والسيادة الأوروبية-التحرر الرقمي من العقوبات الأمريكي ...
- اللعبة ذات المستويين في السياسة الدولية من التفاوض الداخلي إ ...
- الجيوبنيوية وتأثير مفهوم ناش على ضعف الدول في معالجة الأزمات
- أطروحة دكتوراه تتكون من 26 صفحة تنال جائزة نوبل
- الخط الأصفر في غزة وهشاشة التحصينات الثابتة وفشل خط بارليف و ...
- هل يمكن لأطروحة دكتوراه ان تكتب بدون مراجع في تحدّي للتقاليد ...
- صدمة فيلم نازا- أعتراف جنود الاحتلال الاسرائيلي-تعمدنا قتل ا ...
- صناعة القادة المخادعين عبر براند سياسي
- الذكاء الاصطناعي في الأبحاث وأطروحات الدكتوراه بين الرفض وال ...
- الجيوبنيوية القوة والمركز والمنطق البنيوي – مقاربة نظرية في ...
- بلطجة أمريكية جديدة تفرض عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية ا ...
- اتفاق مكة الثلاثي يحتاج للطرف الرابع إيران كفاعل أساسي لاستق ...
- الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة- الأسباب، الآثار، والتأثي ...
- المعايير المزدوجة للإعلام الغربي- لماذا تغطى أحداث سبتة وتُه ...
- نتنياهو وفلسفة تعطيل السلام عبر عقود من الجمود السياسي وموت ...
- الهند تحولت إلى شريك اسرائيل في الإبادة الجماعية بقطاع غزة
- كيف نتجاوز خطاب الكراهية ونحقق السلام الحقيقي في فلسطين المح ...
- قراءة قانونية في مذكرة اعتقال نتنياهو ومآلات العدالة الدولية ...


المزيد.....




- -العودة إلى الأرض-.. هؤلاء الأشخاص تركوا حياة المدينة للعيش ...
- اكتشاف دوائر حجرية غامضة في جبال الأنديز على ارتفاع 3000 متر ...
- بزشكيان: طهران لن تتهرب من الحوار مع واشنطن
- إيطاليا.. قواعد جديدة للمدارس تشمل النقاب والطلاب الأجانب
- بريطانيا تفرض عقوبات جديدة تضم 31 بندا على روسيا
- ترامب: الزيدي أصبح رئيسا لوزراء العراق بفضل دعمي
- الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال عنصر في المنظومة الصاروخية للجه ...
- هيغسيث يعلن -تطهير- قيادات الجيش: لا سمينين ولا متحولين ولا ...
- مقاطعة خاركوف.. لقطات لمعارك تحرير بلدة نيستيرنويه
- الولايات المتحدة.. -انقراض الديناصورات- مجددا نتيجة لعاصفة ق ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - احتلال مكة والمدينة ونصف السعودية مشروع مسياني في كتاب الحاخام الصهيوني الأمريكي آفي ليبكين