أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - علي طه النوباني - كثير فيه معاقين بجرش يا عمو؟














المزيد.....

كثير فيه معاقين بجرش يا عمو؟


علي طه النوباني

الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 00:19
المحور: حقوق الانسان
    


حين تسبق الحلولُ التنمويةُ معرفةَ المشكلات
تلقيت اتصالًا من خبيرة تنموية تعمل في مؤسسة عربية عريقة، تسألني عن خبرتي في العمل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، وعن أوضاع هذه الفئة من السكان في جرش.
كانت في عجلة من أمرها، وتريد إجابات سريعة. وهذا مفهوم تمامًا؛ فهي تعمل في مؤسسة ذات كفاءة منقطعة النظير، تتوافر لديها الحلول قبل أن تُعرف المشكلات، وتُعدّ التقارير قبل أن تُطرح الأسئلة، وربما تكون قد انتهت من تقييم المشروع قبل أن يبدأ!
بدأت أحدثها عن تجربتي في العمل مع الفئات المهمشة، ثم خصصت الحديث للأشخاص ذوي الإعاقة، فقاطعتني قائلة:
«يعني إنت بدك تحكي عن مشكلتك؟»
قلت لها: لا، أنا أتحدث عن قضية عامة، لا عن مشكلتي الشخصية.
وحاولت أن أستأنف الحديث عن تجربة دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في الفعاليات الفنية، وعن الحواجز التي تحول دون مشاركتهم في الحياة الثقافية والاجتماعية، لكنها قاطعتني مرة أخرى، وسألت بدهشة بريئة:
«كثير فيه معاقين بجرش يا عمو؟»
نطقت اسم جرش بالجيم الشامية، أما أنا فقد أصابني الذهول من هذا المستوى التنموي الرفيع الذي يختصر قضية إنسانية واجتماعية وحقوقية في سؤال يشبه الاستفسار عن محصول المشمش هذا العام.
كدت أجيبها: والله يا بنتي، ما بعرف إذا الموسم مبشّر!
لكنني تماسكت، وراودتني رغبة عارمة في إنهاء المكالمة، والصعود إلى أعلى قمة في جرش، والصراخ بأعلى صوتي:
مبروك علينا جميعًا هذه التنمية الذكية، التي تجاوزت حدود المعرفة، ووصلت إلى مرتبة اللامعقول!
فالخبيرة، فيما يبدو، لم تكن بحاجة إلى معرفة عدد الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا إلى ظروف حياتهم، ولا إلى ما يمنعهم من الوصول إلى المدارس والمراكز الثقافية والمؤسسات العامة. كانت تحتاج إلى إجابة سريعة تضعها في خانة مناسبة من استمارة أنيقة، لتواصل المؤسسة رحلتها المظفرة نحو التنمية المستدامة.
ولا أعرف إن كانت خبيرتنا قد سمعت أن منظمة الصحة العالمية تقدّر عدد الأشخاص الذين يعيشون مع إعاقة كبيرة بنحو 1.3 مليار إنسان، أي 16% من سكان العالم، وأن الغالبية العظمى منهم تعيش في بلدان الجنوب العالمي.
لكن هذه أرقام دولية، وربما لم تصل بعد إلى المكاتب المكيفة التي تنتج الخطط والاستراتيجيات ومؤشرات الإنجاز.
والأغرب من السؤال نفسه هو المفهوم الذي يختبئ وراءه.
فحين تقول الخبيرة «معاق»، كما لو أنها تتحدث عن صنف بشري منفصل، فإنها تكشف عن فجوة بين لغة التنمية الحديثة والوعي الذي يفترض أن تقوم عليه. فالشخص ذو الإعاقة ليس مجرد جسد مختلف أو قدرة محدودة؛ إنه إنسان له حقوق وطموحات ومواهب، وقد تتحول إعاقته إلى عائق أشد حين يجد أمامه مجتمعًا يغلق الأبواب، ثم يعقد ورشة عمل لبحث أسباب بقائه خارجها.
«كثير فيه معاقين بجرش يا عمو؟»
كيف أجيبها؟
هل أخبرها أن بعض الأشخاص ذوي الإعاقة لا يغيبون عن المجتمع لأنهم لا يريدون المشاركة، بل لأن المجتمع لم يهيئ لهم مكانًا؟
هل أخبرها أن بعض الأسر لا تزال تخفي أبناءها ذوي الإعاقة عن الأنظار، خوفًا من الوصمة الاجتماعية، أو من اعتقادات خاطئة تربط كل الإعاقات بالوراثة، وكأن الإنسان عيب عائلي ينبغي إغلاق الباب عليه؟
هل أحدثها عن صعوبة الوصول إلى الخدمات التأهيلية المتخصصة، وعن الحاجة إلى تقييم الاحتياجات الفردية، وتوفير وسائل الدعم والتيسيرات التي تجعل المشاركة حقًا ممكنًا، لا شعارًا يزين واجهات المؤسسات؟
هل أسألها عن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين شاركوا في إعداد الخطط المخصصة لهم، لا عن عدد الذين ظهرت صورهم في تقارير الإنجاز؟
أم أخبرها أن المشكلة ليست دائمًا في نقص الموارد، بل في الطريقة العجيبة التي تُدار بها بعض الموارد؟
ففي بلادنا مشاريع تنموية تشبه لوحات فنية فاخرة، التهم إطارُها الخشبي ثمنَ الألوان والقماش، فلم يبقَ من اللوحة إلا البرواز، مع لوحة تعريفية تشير إلى اسم الجهة الممولة، والجهة المنفذة، والجهة الشريكة، والجهة التي أشرفت على تعليق البرواز.
أما الأشخاص الذين أُنشئ المشروع من أجلهم، فقد لا يجدون مكانًا حتى في الصورة التذكارية!
لقد أتعبنا السادة الخبراء بكلمات من قبيل: التمكين، والإدماج، والمشاركة، والاستدامة، وبناء القدرات. كلمات تتناسل في قاعات الفنادق، وتتكاثر في ملفات الحاسوب، وتخرج من ورشة عمل لتدخل أخرى، حتى يخيل إليك أن التنمية قد تحققت فعلًا، ولم يبقَ سوى إبلاغ الناس بذلك.
ولعلنا بحاجة إلى مشروع جديد عنوانه «بناء قدرات الخبراء على معرفة الفئات المستهدفة»، يتبعه مشروع آخر لتمكين الخبراء من استخدام نتائج المشروع الأول، ثم مؤتمر إقليمي لمناقشة أسباب عدم وصول النتائج إلى المستفيدين.
وبالطبع، لا بد من استراحة قهوة وصورة جماعية وشهادات مشاركة!
لم أجد ما أقوله لخبيرتنا الجليلة، سوى أن أطلب منها أن توصل تحياتي الحارة إلى السيدة «تنمية»، تلك السيدة المسكينة الجالسة منذ سنوات في ثلاجة المؤسسة، تنتظر أن يخرجها الخبراء إلى الشمس.
لكنهم يخشون عليها من حرارة الواقع، فتبقى محفوظة في درجة حرارة مناسبة، بين آلاف الصفحات من الخطط والتوصيات والتقارير.
مسكينة أنتِ أيتها التنمية، في بلاد البالونات والفقاعات والأغاني!
أما أنا فما زلت أحاول الإجابة عن السؤال العظيم:
«كثير فيه معاقين بجرش يا عمو؟»
ولا أدري لماذا تذكرت فجأة سؤالًا آخر لا يقل عنه أهمية في تاريخ الفكر العربي:
والقراصية منين يا عمو؟



#علي_طه_النوباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة إلى أغبى هكر في العالم: حكاية ساخرة عن محاولة اختراق ح ...
- جرش في الشعر العربي
- البيت الجديد وإزالة الصراصير والحشرات الضارة
- اللغة بين النبض والتحنيط: صراع المعيارية والوصفية في تشكيل ا ...
- حين يصبح الفن جسرًا لا جدارًا - لماذا نحتاج إلى تعميم مبادرا ...
- مباراة مصر والأرجنتين... التحكيم مرة أخرى
- -حادث بسيط-. عندما تتحول الجوائز إلى أسلحة في حروب الغرب
- رسالة إلى قناة الميادين
- قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية تكشف أيضاً الولاي ...
- رسالة إلى أبي رُغال
- غَزَّةُ جَنْدَلٌ وَحِصارُ
- فلسطين بين نفاق الأصدقاء وسفالة الأعداء
- الحق الفلسطيني والتأثير على الرأي العام العالمي
- بطل تحت القصف
- عَظَّم اللهُ أجركم
- صناعة النجوم من غبار الزلازل والجثث
- رسالة إلى علاء الدين
- كتابُ شكرٍ للتخلّفِ والفسادِ والمَحسوبيَّة
- الرماة ليسوا على الجبل أصلاً
- إعاقة الطابق الرابع لدى أستاذ حقوق الإنسان!


المزيد.....




- مندوب مصر بالأمم المتحدة: تحقيق السلام يبدأ بإنهاء الاحتلال ...
- ترمب يتراجع عن البث المباشر لإعدام نضال حسن بعد موجة انتقادا ...
- ميروشنيك يدعو لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في منظومة -السجون ا ...
- بمناسبة اليوم العالمي للعصا البيضاء..التضامن :نحرص على دعم ا ...
- ترامب يطالب بفرض عقوبة الإعدام على قتلة رجال الإطفاء
- أحكام الساحل السوري.. بين المحاسبة والانتقادات بين أحكام ال ...
- سوريا: اعتقال -معراج أورال- المتهم الرئيسي في مجزرة بانياس ع ...
- دمشق تعلن اعتقال علي كيالي المعروف بـ-جزار بانياس-.. ورواية ...
- ترمب يتراجع عن البث المباشر لإعدام نضال حسن بعد ضغوط دولية
- بعد جدل كبير.. ترمب يقرر تنفيذ إعدام نضال حسن بعيدا عن البث ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - علي طه النوباني - كثير فيه معاقين بجرش يا عمو؟