علي طه النوباني
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 14:01
المحور:
قضايا ثقافية
هل اللغة مجرد أداة للتواصل، أم أنها الكائن الحي الذي يتنفس من خلالنا ويفكر بنا؟ هل هي النافذة التي نطل منها على العالم، أم أنها القضبان التي تحدد رؤيتنا له؟ سؤالٌ إشكالي يضعنا أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن ننظر إلى اللغة باعتبارها كائناً عضوياً متجدّداً، أو أن نتعامل معها كنصبٍ تراثي يجب الحفاظ عليه في متحف القواعد الثابتة. هذا الصراع بين الرؤيتين ليس مجرد نقاش أكاديمي عقيم، بل هو معركة هوية ووعي وحضارة.
تنظر الدراسات اللغوية الحديثة إلى اللغة لا كنسيج جامد من القواعد والقوانين، بل ككائن حي يتنفس من خلال مستخدميه. وفي قلب هذا المنظور، يبرز اسمان بارزان شكلا مسار الفكر اللغوي:
أوغست شلايشر، عالم اللغة الألماني الذي شبَّه اللغات بالكائنات الحية في منتصف القرن التاسع عشر، معتبراً أنها تولد وتنمو وتشيخ وتموت، خاضعة لقوانين التطور الطبيعي كما تصورها داروين. وبالنسبة لشلايشر، اللغة ليست اختراعاً بشرياً واعياً، بل ظاهرة طبيعية تخضع للانتخاب الطبيعي.
في المقابل، يقف فرديناند دي سوسير في صدارة منظري البنيوية، مصراً على أن العلاقة بين اللفظ والمعنى اعتباطية، مبنية على التوافق الاجتماعي لا على منطق عضوي. وقد أحدث دي سوسير ثورة بمفهومي السينكرونية (دراسة اللغة في لحظة زمنية معينة) والدياكرونية (تتبع تطورها عبر الزمن)، مفتتحاً بذلك عصراً جديداً في علم اللغة.
غير أن الصورة لا تكتمل دون الإشارة إلى نعوم تشومسكي، الذي أضاف بعداً ثالثاً بمفهوميه: "الكفاءة اللغوية" (القدرة الذهنية الفطرية على إنتاج اللغة) و"الأداء اللغوي" (الاستخدام الفعلي في السياقات الاجتماعية). كما أن ميخائيل باختين، المنظر الروسي، أثرى الحقل بمفهوم "الحوارية"، مؤكداً أن اللغة تعيش في فضاء التفاعل بين الأنا والآخر، وأن معناها يتشكل في رحم الحوار لا في عزلة القاموس.
وهنا يبرز الانقسام المنهجي الأعمق في الفكر اللغوي، ذلك الانقسام بين مدرستين تتصارعان منذ قرون:
المدرسة الأولى: المعيارية (Pre-script-ivism) - لغة المتحف
تنطلق هذه المدرسة من موقف راديكالي متشدد، مفاده أن اللغة تملك شكلاً "صائباً" واحداً يجب الحفاظ عليه، وأن أي انحراف عنه يُعد انحداراً وانحطاطاً. وتنظر المعيارية إلى اللغة كنظام مغلق من القواعد الذهبية المستمدة من النصوص التراثية حيث تسعى جاهدةً إلى:
- تقنين الاستعمال اللغوي وفق معايير جامدة.
- محاربة المحدثات والمستحدثات بحجة "الحفاظ على الفصاحة".
- اعتبار اللهجات العامية انحرافاً مرضياً، لا تنوعاً طبيعياً.
المدرسة الثانية: الوصفية (De-script-ivism) - لغة الشارع والحياة
في الجانب الآخر، تقف المدرسة الوصفية التي ترى أن اللغة ليست ملكاً للنحاة والمجامع، بل هي ملك لمتحدثيها. وتنطلق هذه المدرسة من مبدأ أن اللغة تتغير بتغير مستخدميها، وأن دور الباحث ليس أن "يصحح" الاستعمال، بل أن "يصف" كيف يستعمل الناس لغتهم فعلياً. تؤكد الوصفية:
- أن اللغة كائن اجتماعي ديناميكي، يتجدد بفضل الإبداع الشعبي.
- أن الخطأ اللغوي ليس مفهوماً ثابتاً، بل هو مجرد "استعمال غير معتاد" مؤقتاً.
- أن التنوع اللهجي والطبقي غنىً، وليس فقراً، في المشهد اللغوي.
تتضاعف في عالمنا العربي، حدة هذا الصراع بسبب خصوصيات تاريخية ودينية وثقافية. فاللغة العربية تحمل في رحمها قداسة النص القرآني، مما جعل القداسة تتسرّب إلى بنيتها النحوية والصرفية، وكأن تغيير قاعدة نحوية هو تعدٍّ على العقيدة ذاتها!
هذا الوضع المهشّم يبرز بوضوح من خلال المشهد المؤسساتي:
تعدد المجامع اللغوية وتضارب قراراتها - فهناك مجمع اللغة العربية في القاهرة، ومجمع دمشق، ومجمع بغداد، ومجمع الرباط، وغيرها، وكلٌّ يصدر قراراته في تعريب المصطلحات الحديثة بمعزل عن الآخر. فعلى سبيل المثال، حين ظهر مصطلح "Computer"، عرّبه مجمع القاهرة بـ"الحاسوب"، بينما فضّل مجمع دمشق لفظ "الكومبيوتر" معرَّباً، بينما استخدم البعض "الحاسب الآلي". هذا التضارب لا يربك المتلقي العادي فحسب، بل يخلق فوضى مصطلحية في المؤسسات التعليمية والإعلامية.
والنتيجة؟ أن اللغة الأم تقف أحياناً مكمومة الفم، مصفدة بحبال المعايير المتصلبة، لا بسبب عجزها الذاتي، بل بسبب القيود التي يفرضها عليها تيار معياري متشدد يتحول من مجرد وجهة نظر أكاديمية إلى مطاردة حقيقية للمبدع، ومحاربة للتعبير التلقائي، وإجهاض لكل محاولة تجديدية.
إن النقد اللغوي المستمر، الذي يفتقر إلى الرؤية البناءة والتوجيه المشجّع، يزرع في الفرد - منذ طفولته المبكرة - الخوف والتردد، ويفقده الثقة في قدرته على التواصل. وينعكس هذا مباشرة على شخصية المتعلم، فتتولد لديه ظاهرة يمكن تسميتها "الرهاب اللغوي" (Linguistic Phobia):
- يخشى التلميذ المشاركة في الصف خوفاً من تصحيح أستاذه لنطقه أو إعرابه.
- يتردد الكاتب في استخدام تعابير جديدة خوفاً من نقّاد يتربصون به.
- يشعر المواطن العادي أن لغته "خاطئة" لمجرد أنها ليست فصحى، فينكمش ويصمت.
هذه الهيمنة المعيارية المتسلطة لا تساهم في بناء حضارة، بل تدفع بالأجيال للبحث عن بدائل تضمن لهم مرونة التعبير ونجاعة التواصل. وهنا يبرز سؤال مصيري:
هل البديل هو العاميات المتشظية؟
أم اللغات الأجنبية التي تتيح حريةً لا تجدها في اللغة الأم؟
أم لغة رقمية وسيطة تولد في فضاء الإنترنت، تجمع بين السرعة والمرونة، بعيداً عن رقابة المجامع؟
في كل الحالات، هناك خسارة حقيقية: خسارة اللغة العربية لجيلٍ كاملٍ يهجرها تدريجياً، ليس لأنها فقيرة، بل لأنها قدّمت له قيوداً بدلاً من أدوات، وأحكاماً بدلاً من تحفيز، ومتاحفَ بدلاً من مساحات للعب والإبداع.
هل من الممكن التوفيق بين المعيارية والوصفية؟ تجارب الأمم الأخرى تقدم لنا نماذج مثيرة للتفكير:
الأكاديمية الفرنسية (L Académie Française) تأسست عام 1635 بهدف "حماية اللغة الفرنسية". وهي تجسّد النموذج المعياري بامتياز، لكنها مع ذلك تطورت لتواكب العصر، فأصبحت تصدر تقارير سنوية عن المصطلحات الجديدة الواجب قبولها، مع مرونة متزايدة تجاه التأثيرات الأنجلوسكسونية في العقود الأخيرة.
اللغة العبرية كانت ميتةً عملياً لقرون، عادت إلى الحياة بقرار مجتمعي إرادي، وانتقلت من التجميد إلى النبض الحي، بفضل تبني الموقف الوصفي الذي سمح للمستخدمين اليوميين - وبخاصة الأطفال والمهاجرين - بتشكيل اللغة وتطويرها وفق احتياجاتهم، مع الاحتفاظ بالجذور التراثية لها.
النموذج الإنجليزي هو الأكثر تحرراً: لا توجد أي هيئة رسمية تنظم اللغة الإنجليزية، ومع ذلك فهي اللغة الأكثر انتشاراً وحيوية في العالم، لأنها تركت لنفسها حرية التطور الطبيعي، فامتصت آلاف المصطلحات من لغات العالم وأعادت صياغتها دون استئذان أحد.
إن معالجة أزمة اللغة العربية لا تكمن في الانتصار الكامل لإحدى المدرستين على حساب الأخرى، بل في بلورة صيغة تكاملية تجمع بين:
1. الاعتراف بثوابت اللغة - فالقواعد النحوية والصرفية الأساسية ليست سجناً، بل هي العمود الفقري الذي يمنح اللغة تماسكها وهويتها.
2. تبني الوصفية في التعامل مع الاستعمالات الجديدة - فالتعابير الحديثة، والمصطلحات العلمية، والمستحدثات الشعرية، يجب ألا تواجه بالرفض المبدئي، بل بالدرس والتحليل ثم القبول التدريجي.
3. توحيد جهود المجامع اللغوية في هيئة جامعة تعمل بروح تكاملية، وتصدر قرارات موحدة بعد استشارة واسعة تشمل الأدباء والنقاد والإعلاميين والمتخصصين في علوم اللغة الحاسوبية.
4. إصلاح تعليم اللغة في المدارس - بتحويله من مادة للحفظ والتلقين إلى مادة للحوار والإبداع، تُشجِّع التلميذ على استخدام اللغة بثقة، وتُصحِّح أخطاءه بأسلوب بنّاء لا يُفقده حبه للغته.
أليس من المفارقة العجيبة أن تصبح اللغة العربية عائقاً أمام نهضة الأمة؟ وهي التي كانت وعاءً للعلوم والحضارة حين كانت أوروبا تغط في ظلامٍ دامس. أليس من التناقض أن نطلب من شبابنا الإبداع بلغةٍ نخنق فيها كل محاولة للتجديد؟
اللغة، في النهاية، ليست نصباً تذكارياً يُزار في المناسبات، وليست جثةً محنطةً تُعرض في متاحف النحو. اللغة هي حياة، تتنفس من خلال أفواه الأطفال، وتنبض في قصائد الشعراء، وتتجدّد في تغريدات الشباب، وتتطور في مختبرات العلماء. إن قبلنا بهذه الحقيقة، حرّرنا لغتنا من قيود التجميد، وحرّرنا بها عقولنا من سجن المعيارية المتصلبة. وإن أبينا، فسيبقى سؤالنا محفوراً في جبين المستقبل:
هل نريد للغة أن تكون جسراً إلى المستقبل، أم سداًّ يحبسنا في الماضي؟
#علي_طه_النوباني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟