أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طه النوباني - مباراة مصر والأرجنتين... التحكيم مرة أخرى














المزيد.....

مباراة مصر والأرجنتين... التحكيم مرة أخرى


علي طه النوباني

الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 16:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صادف، خلال كأس العالم الذي أقيم في قطر، أن زارني صديق هولندي في جرش، فقضى يومين يتجول في معالمها الأثرية والسياحية. تحدثنا في أشياء كثيرة، وكان من بينها كرة القدم. وقد لاحظت دهشته عندما أخبرتُه أنني أشجع المنتخب الأرجنتيني إلى جانب المنتخبات العربية المشاركة، فقال لي: "يبدو أنك لم تقرأ كثيراً عن تاريخ هذا البلد، وكيف تقلص فيه الوجود الأفريقي نتيجة سياسات وممارسات عنصرية امتدت عبر مراحل تاريخية مختلفة."
الحقيقة أنني لم أكن أعرف الكثير عن تاريخ الأرجنتين، فعدت إلى بعض المراجع، واكتشفت جانباً لم يكن حاضراً في الصورة الرومانسية التي رسمتها في ذهني عن ذلك البلد. كنت أعرف الأرجنتين من خلال غيفارا ومارادونا؛ من خلال الثورة وكرة القدم. ففي أواخر السبعينيات اشترينا أول جهاز تلفزيون أبيض وأسود، وكانت مباريات كأس العالم تُبث مجاناً على القنوات الأرضية. هناك تشكل انحيازي المبكر لذلك القميص المخطط بالأبيض والأزرق، ولنجومه الذين أمتعوا العالم، من مارادونا إلى أورتيغا. كما زاد إعجابي القديم بغيفارا، الذي تحول إلى رمز عالمي لكل من يحلم بالعدالة ومواجهة الظلم.
لكن الصور الجميلة لا تكفي لفهم الدول، ولا الشعوب، ولا السياسات.
تذكرت حديث صديقي عندما شاهدت الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، السياسي اليميني الذي أعلن منذ وصوله إلى السلطة مواقف داعمة بقوة لإسرائيل، وأبدى رغبته في اعتناق اليهودية، وظهر في القدس مرتدياً القلنسوة اليهودية ومشاركاً في فعاليات مؤيدة لإسرائيل بالقرب من المسجد الأقصى. وقد فاز ميلي بالرئاسة بأغلبية بلغت 55%، وهو ما يعكس الحضور القوي لتيار اليمين في الحياة السياسية الأرجنتينية، وإن كان ذلك لا يعني اختزال المجتمع الأرجنتيني كله في هذا الاتجاه. فما يزال في الأرجنتين يسار عريق ومثقفون ومناضلون حافظوا على الإرث الإنساني الذي جعل أمريكا الجنوبية مصدر إلهام لكثيرين حول العالم.
وقد عادت هذه الأفكار إلى ذهني وأنا أشاهد مباراة مصر والأرجنتين، حيث ظهرت في المدرجات أعلام إسرائيل وهتافات ورسائل استفزازية مؤيدة لها، في وقت تتعرض فيه غزة لحرب خلفت عشرات الآلاف من الضحايا، الأمر الذي جعل المباراة تبدو، بالنسبة لكثيرين، أكثر من مجرد منافسة رياضية.
لكن ما استوقفني أكثر من كل ذلك كان التحكيم.
كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي أكثر الرياضات قدرة على جمع الشعوب. ولهذا السبب تحديداً، يجب أن تقوم على قواعد لا يختلف عليها أحد: العدالة والحياد والنزاهة. غير أن تكرار الأخطاء التحكيمية المؤثرة في نتائج المباريات جعل ثقة الجماهير تهتز، رغم التطور الهائل في التكنولوجيا.
وفي المقابل، نجد أن ألعاباً فردية مثل الجمباز تعتمد على لجان تحكيم كاملة، يصوّت أعضاؤها على كل حركة، فتتراجع احتمالات الخطأ إلى أدنى مستوى ممكن. أما في كرة القدم، ورغم أنها اللعبة الأكثر شعبية وتأثيراً، فما يزال القرار النهائي بيد حكم واحد، حتى بعد إدخال تقنية "الفار"، التي بقيت في جوهرها أداة استشارية لا تُنهي الجدل.
ومن هنا، أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة التفكير في فلسفة التحكيم نفسها، لا في أدواته فقط. فلماذا لا تتحول تقنية "الفار" إلى منظومة تحكيم جماعية مستقلة، تعتمد على تصويت عدد من الحكام دون رئيس، مستفيدة من أحدث وسائل التصوير والطائرات المسيّرة لتغطية جميع زوايا الملعب؟ إن القرار الجماعي أقل عرضة للخطأ أو التأثر من القرار الفردي، وهو المبدأ الذي تأخذ به كثير من الأنظمة القضائية والإدارية في العالم.
ولا يتوقف أثر الأخطاء التحكيمية عند تغيير النتيجة، بل يمتد إلى الحالة النفسية والبدنية للاعبين. فعندما يشعر الفريق بأنه تعرض لظلم، يتراجع تركيزه، ويطغى الإحباط على أدائه، ويستهلك جهداً مضاعفاً في محاولة تعويض ما يراه ظلماً، بدلاً من توجيه طاقته إلى اللعب نفسه. ويصبح العبء أكبر عندما تترافق القرارات المثيرة للجدل مع أجواء عدائية أو سلوكيات استفزازية في المدرجات أو تجاه الأجهزة الفنية.
قد يرى البعض أن الحديث عن المؤامرات في كرة القدم مبالغة، وأن أخطاء الحكام جزء من اللعبة. لكن من الصعب بالنسبة لي أن أثق في حياد مؤسسة منحت أول نسخة من «جائزة FIFA للسلام» للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت يرى فيه كثيرون أنه من أبرز الداعمين لإسرائيل خلال حربها على غزة. وعندما تجتمع مثل هذه الرسائل السياسية مع أخطاء تحكيمية متكررة في مباريات حساسة، يصبح من الطبيعي أن تتزايد الشكوك لدى الجماهير، حتى لو تعذر إثبات سوء النية في كل حالة بعينها.
ولا أدّعي أن كل خطأ تحكيمي مقصود، لكنني شاهدت مباريات كثيرة تركت لدى ملايين المتابعين شعوراً بأن القرارات المؤثرة لم تكن دائماً منسجمة مع ما جرى داخل الملعب. ولعل من أبرز الأمثلة، في تقديري، مباراة المغرب وفرنسا في كأس العالم السابق، ومباراة مصر والأرجنتين في البطولة الحالية، وغيرها من المباريات التي ظلت قراراتها محل نقاش واسع بين المحللين والجماهير.
وكما قال المدرب المصري حسام حسن: "إذا كانت حياتنا لا عدالة فيها، فمن حقنا على الأقل أن نطالب بالعدالة في الرياضة."
أليست مفارقة أن تخضع لعبة فردية مثل الجمباز لتحكيم جماعي صارم، بينما تبقى اللعبة الجماعية الأكثر شعبية في العالم رهينة القرار النهائي لحكم واحد؟ إن الحفاظ على ثقة الجماهير بكرة القدم لم يعد يقتضي تطوير التكنولوجيا وحدها، بل يقتضي أيضاً تطوير فلسفة التحكيم نفسها، حتى تصبح العدالة جزءاً من اللعبة، لا مجرد شعار يُرفع قبل انطلاقها.



#علي_طه_النوباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -حادث بسيط-. عندما تتحول الجوائز إلى أسلحة في حروب الغرب
- رسالة إلى قناة الميادين
- قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية تكشف أيضاً الولاي ...
- رسالة إلى أبي رُغال
- غَزَّةُ جَنْدَلٌ وَحِصارُ
- فلسطين بين نفاق الأصدقاء وسفالة الأعداء
- الحق الفلسطيني والتأثير على الرأي العام العالمي
- بطل تحت القصف
- عَظَّم اللهُ أجركم
- صناعة النجوم من غبار الزلازل والجثث
- رسالة إلى علاء الدين
- كتابُ شكرٍ للتخلّفِ والفسادِ والمَحسوبيَّة
- الرماة ليسوا على الجبل أصلاً
- إعاقة الطابق الرابع لدى أستاذ حقوق الإنسان!
- الغولةُ والغول في إتلاف العقول
- الجُزء الثالث من قصة الأعرابي والإبل -مظفر النواب وفلسفة الش ...
- الجُزء الثاني - من قِصَّةِ الأَعرابيِّ والإِبل
- الأعرابي الممنوع من الشتم!
- دموع النخب... دموع التماسيح
- تشويه صورة المقاومة الفلسطينية في فيلم -صالون هدى-


المزيد.....




- أمريكا تكشف عن مقاطع فيديو رُفعت عنها السرية للأجسام الطائرة ...
- عون: لبنان سيمضي في المفاوضات
- الجثث المجهولة الهوية.. فصل معاناة جديد
- وزير الخارجية الإيراني يزور سلطنة عُمان لبحث تطورات مضيق هرم ...
- الجيش الصومالي يصدر بيانا بعد فيديو مهين لأمريكا
- 5 أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي يعلنون توصلهم لاتفاق مع البي ...
- -ميدل إيست أي-: روسيا لم تظهر أي عداء عسكري تجاه أي دولة في ...
- واشنطن تخطط لبناء أسطول جوي حكومي خاص بالترحيل ونقل المسؤولي ...
- الدبلوماسية تعود إلى الواجهة بعد يومين من الضربات المتبادلة ...
- جهود لإحياء الوساطة... ترامب يوافق على استئناف المفاوضات وطه ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طه النوباني - مباراة مصر والأرجنتين... التحكيم مرة أخرى