علي طه النوباني
الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 02:42
المحور:
حقوق الانسان
في كثير من القرى والبوادي الأردنية يعيش أشخاص ذوو إعاقة لم يسبق لهم أن شاركوا في معرض فني، أو ورشة ثقافية، أو فعالية مجتمعية واحدة. وليس السبب غياب الموهبة أو الرغبة، بل غياب الفرصة. فالعزلة التي يعيشها كثير منهم لا تفرضها الإعاقة بقدر ما تفرضها البيئة الاجتماعية وضعف البرامج الموجهة إليهم.
وعلى الرغم من التطور التشريعي الذي شهده الأردن في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وما تبنته الدولة من سياسات تقوم على الدمج والتمكين بدلاً من الرعاية الإيوائية، فإن ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسات يومية ما تزال بحاجة إلى مزيد من المبادرات، ولا سيما في المحافظات والأطراف.
من هنا جاءت فكرة السيمبوزيوم الفني "معًا في الفن، معًا في الحياة" الذي نظمته جمعية مواسم للفنون وإحياء التراث، ليس بوصفه فعالية للرسم فحسب، وإنما باعتباره تجربة اجتماعية وثقافية هدفت إلى الإجابة عن سؤال بسيط وعميق في آن واحد: ماذا يحدث عندما نجلس فنانًا أصم وفنانًا آخر من غير ذوي الإعاقة أمام لوحة واحدة؟
الدمج ليس دعوة إلى الحضور
كثير من الأنشطة التي تحمل عنوان "دمج الأشخاص ذوي الإعاقة" تكتفي بدعوة بعضهم إلى الحضور، ثم يظل كل فريق يعمل داخل دائرته الخاصة. في هذه الحالة يكون الدمج شكليًا أكثر منه حقيقيًا.
أما الدمج الحقيقي، فهو أن يصبح الجميع شركاء في النشاط نفسه، يتبادلون الأفكار والأدوات والخبرات، ويواجهون التحديات معًا.
لهذا لم يكن الهدف من السيمبوزيوم أن يرسم الفنانون لوحات جميلة فحسب، بل أن يرسموا علاقات إنسانية جديدة.
جلس الفنانون الصم وغير الصم جنبًا إلى جنب في قلب الطبيعة، تحت أشجار الصنوبر في مخيم الأميرة بسمة الكشفي، وتبادلت الأيدي الألوان، بينما تولت لغة الإشارة والابتسامات واللوحات ما تعجز عنه الكلمات أحيانًا.
الفن لغة تسبق الكلام
من أكثر الأفكار التي أكدتها التجربة أن الفن لا يحتاج إلى لغة منطوقة كي يؤدي رسالته.
فعندما يبدأ الفنان برسم لوحته، تصبح الألوان وسيلة للتواصل، ويتحول الإعجاب بعمل الآخر إلى لغة مشتركة يفهمها الجميع.
وخلال السيمبوزيوم لم يكن مترجما لغة الإشارة مجرد وسيطين لنقل الكلمات، بل أصبحا جزءًا من عملية الإبداع، يساعدان على انتقال الأفكار بين الفنانين، بينما كان كثير من المشاركين يحاولون تعلم إشارات جديدة للتواصل المباشر مع زملائهم الصم.
وهنا بدأت الحواجز التقليدية بالتلاشي.
النتائج كانت أعمق من المتوقع
عند تحليل استمارات التقييم ظهرت نتائج تستحق التوقف عندها.
جميع الفنانين الصم أكدوا أنهم شعروا بأنهم جزء من الفريق، وأنهم تعرفوا إلى فنانين جدد، بينما عبّر أحدهم عن شعور مؤثر بقوله:
"سأفتقد غدًا هذه الفعالية."
هذه العبارة، على بساطتها، ربما كانت أهم مؤشر على نجاح التجربة.
فهي لا تعبر عن إعجاب بنشاط ترفيهي، بل عن اكتشاف مساحة شعر فيها المشارك بأنه مرئي ومسموع ومقدر، حتى وإن لم يكن يسمع.
أما الفنانون الآخرون، فقد كانت أكثر الكلمات تكرارًا في استماراتهم هي: "الدمج".
لم يكتبوا إن أكثر ما أعجبهم هو اللوحات أو المكان الجميل، رغم جمال غابات دبين، وإنما كانت التجربة الإنسانية نفسها هي أكثر ما بقي في ذاكرتهم.
تغيير الصورة النمطية
ما زالت نظرة جزء من المجتمع إلى الأشخاص ذوي الإعاقة تقوم على أنهم متلقون للخدمات أو للرعاية.
لكن التجربة قدمت صورة مختلفة تمامًا.
الفنان الأصم هنا لم يكن ضيفًا، ولم يكن متلقيًا للمساعدة، بل كان منتجًا للفن.
كان يشرح فكرته.
ويناقش اختيار الألوان.
ويشارك في اللوحة الجماعية.
ويعرض عمله بفخر.
لقد انتقل من موقع "المتلقي" إلى موقع "الشريك".
وهذا هو جوهر الدمج الحقيقي.
الأثر الحقيقي لمثل هذه المبادرات لا يتوقف عند المشاركين فيها.
الفنان الذي عاش تجربة ناجحة سيعود إلى أسرته وأصدقائه وهو يحمل تصورًا جديدًا عن الأشخاص ذوي الإعاقة.
والفنان الأصم سيعود إلى مجتمعه وهو أكثر ثقة بقدراته.
أما الزائر الذي يشاهد اللوحات، فسيرى الإعاقة من زاوية مختلفة.
وهكذا تتحول فعالية تستمر ساعات قليلة إلى رسالة اجتماعية قد يستمر أثرها سنوات.
إذا كانت هذه النتائج قد تحققت في فعالية واحدة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
كم شخصًا من ذوي الإعاقة في القرى والبوادي لم تتح له فرصة مماثلة؟
في كثير من المناطق البعيدة لا توجد مراكز ثقافية نشطة، ولا ورش فنية، ولا برامج دمج منتظمة.
وهذا يعني أن مئات الأشخاص قد يقضون سنوات طويلة دون أن تتاح لهم فرصة اكتشاف مواهبهم أو بناء صداقات خارج نطاق الأسرة.
وهنا لا تصبح المشكلة مشكلة إعاقة، بل مشكلة حرمان من المشاركة المجتمعية.
قد تبدو مثل هذه الفعاليات بسيطة من حيث التكلفة، لكنها كبيرة من حيث أثرها.
فهي تبني الثقة.
وتكسر الصور النمطية.
وتعزز التماسك الاجتماعي.
وتكشف عن مواهب جديدة.
وتفتح أمام الأشخاص ذوي الإعاقة أبوابًا للمشاركة والإنتاج.
ولهذا فإن دعم هذه المبادرات ليس عملاً خيرياً، بل هو استثمار في رأس المال الاجتماعي والثقافي للمجتمع.
لقد أثبت سيمبوزيوم "معًا في الفن، معًا في الحياة" أن الدمج ليس فكرة نظرية، بل ممارسة يمكن تنفيذها إذا توافرت الإرادة والتنظيم والتسهيلات اللازمة.
ومن هنا، فإن هذه التجربة تستحق أن تتجاوز حدود فعالية واحدة أو محافظة واحدة، لتصبح نموذجًا يمكن أن تتبناه مديريات الثقافة، والبلديات، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني في مختلف أنحاء الأردن.
فكل قرية تستحق أن تستضيف يومًا للفن الدامج.
وكل محافظة تستحق أن ترى فنانين صمًا وغير صم يرسمون اللوحة نفسها.
وكل شخص من ذوي الإعاقة يستحق أن يجد مساحة يشعر فيها بأنه ليس خارج المجتمع، بل في قلبه.
فحين يصبح الفن جسرًا بين الناس، لا تعود اللوحة مجرد عمل تشكيلي، بل تصبح إعلانًا صامتًا عن مجتمع أكثر عدلًا، وأكثر إنسانية، وأكثر إيمانًا بأن الاختلاف لا يمنع الشراكة، بل قد يكون مصدرًا لثرائها.
-----
"معًا في الفن، معًا في الحياة".. سيمبوزيوم فني في جرش يجسد الدمج عبر الإبداع ويبرز مواهب الأشخاص ذوي الإعاقة
جرش –اختتمت جمعية مواسم للفنون وإحياء التراث، بدعم من وزارة الثقافة، وبالتعاون مع مديرية ثقافة جرش ومديرية التربية والتعليم لمحافظة جرش ومركز التأهيل المجتمعي للأشخاص ذوي الإعاقة في مخيم سوف، فعاليات السيمبوزيوم الفني «معًا في الفن، معًا في الحياة»، الذي أقيم في مخيم الأميرة بسمة الكشفي، بمشاركة نخبة من الفنانين التشكيليين، من بينهم فنانون من الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، في تجربة فنية وإنسانية جسدت قيم الدمج والمشاركة المجتمعية من خلال الفن.
وشهد السيمبوزيوم جلسات للرسم في الطبيعة، عمل خلالها الفنانون الصم وغير الصم جنبًا إلى جنب في بيئة تفاعلية أتاحت تبادل الخبرات والتواصل الإنساني، مستفيدين من خدمات الترجمة إلى لغة الإشارة التي أسهمت في توفير مشاركة متكافئة لجميع الفنانين. كما أنجز المشاركون لوحة فنية جماعية جسدت شعار الفعالية ورسالتها في أن الفن لغة إنسانية قادرة على تجاوز جميع الحواجز.
وفي ختام الفعالية، زار عطوفة مدير ثقافة محافظة جرش الدكتور عقلة القادري، وعطوفة مدير التربية والتعليم لمحافظة جرش الأستاذ وائل العزام، السيمبوزيوم، حيث قدم الفنان أسامة أبو زيتون شرحاً عن الأعمال الفنية التي أنجزها المشاركون، وأبديا إعجابهما بالمستوى الفني للوحات وبالأجواء التشاركية التي سادت الفعالية، مؤكدين أهمية المبادرات الثقافية التي تعزز مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة العامة، وتنسجم مع التوجهات الوطنية في مجال الدمج والتمكين.
كما اطلع الضيفان على منتجات مشغل الفسيفساء للأشخاص ذوي الإعاقة الذي أسسته جمعية مواسم للفنون وإحياء التراث في مركز التأهيل المجتمعي للأشخاص ذوي الإعاقة في مخيم سوف، واستمعا إلى شرح حول أهداف المشغل في تنمية المهارات الفنية وفتح آفاق للتمكين الاقتصادي والاجتماعي من خلال التدريب والإنتاج والتسويق، بوصفه أحد النماذج المستدامة التي تتبناها الجمعية لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة.
وخلال الجولة، قدم منسق الأنشطة في الجمعية علي طه النوباني عرضًا موجزًا عن برامج الجمعية، مشيرًا إلى أن دمج الأشخاص ذوي الإعاقة أصبح نهجًا ثابتًا في مختلف أنشطتها الثقافية والفنية، وليس مجرد محور لمشروع مؤقت. وأوضح أن الجمعية تعمل على توفير بيئة دامجة تتيح المشاركة المتكافئة، وتستثمر الفن بوصفه وسيلة لتعزيز قيم المواطنة والتنوع وقبول الآخر، انسجامًا مع التوجهات الوطنية الأردنية التي تدعو إلى الانتقال من الرعاية الإيوائية إلى الدمج والتمكين والمشاركة الفاعلة.
وأعرب المشاركون، من الفنانين الصم وغير الصم، عن رضاهم الكبير عن تجربة السيمبوزيوم، مؤكدين أن العمل المشترك أتاح لهم التعرف إلى تجارب إنسانية وفنية جديدة، وأسهم في بناء علاقات قائمة على الاحترام والتعاون، بعيدًا عن الصور النمطية المرتبطة بالإعاقة، وأن الفن كان بالفعل لغة مشتركة جمعت الجميع في مساحة واحدة من الإبداع.
من جانبها، أكدت الأخصائية الاجتماعية هبة عتمة، التي تولت متابعة عملية الدمج ورصدها طوال الفعالية، أن السيمبوزيوم التزم بأفضل الممارسات في مجال الدمج، سواء من خلال توفير التسهيلات التيسيرية، وفي مقدمتها الترجمة إلى لغة الإشارة، أو من خلال تصميم الأنشطة بما يضمن المشاركة الفاعلة والتشاركية بين جميع الفنانين دون تمييز. وأضافت أن الملاحظات الميدانية والانطباعات التي جُمعت خلال الفعالية أظهرت مستوى مرتفعًا من التفاعل الإيجابي والشعور بالانتماء بين المشاركين، بما يعكس نجاح التجربة في تحقيق أهدافها الاجتماعية إلى جانب أهدافها الفنية.
ويأتي هذا السيمبوزيوم امتدادًا لجهود جمعية مواسم للفنون وإحياء التراث في ترسيخ الثقافة بوصفها حقًا للجميع، وتعزيز حضور الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم مبدعين وشركاء في الحياة الثقافية، مؤكدًا أن الدمج الحقيقي يتحقق عندما تتكافأ الفرص، وتُزال الحواجز، ويصبح الإبداع مساحة يلتقي فيها الجميع على أساس الكفاءة والموهبة، لا على أساس الاختلاف.
#علي_طه_النوباني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟