أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - علي طه النوباني - رسالة إلى أغبى هكر في العالم: حكاية ساخرة عن محاولة اختراق حسابي















المزيد.....

رسالة إلى أغبى هكر في العالم: حكاية ساخرة عن محاولة اختراق حسابي


علي طه النوباني

الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 18:09
المحور: كتابات ساخرة
    


منذ أسبوع وأنا أتلقى رموز التحقق على هاتفي بكل وسائل الاتصال المتاحة؛ عبر الواتساب والماسنجر والرسائل النصية والبريد الإلكتروني، حتى بدا لي أن شركات التكنولوجيا كلها قررت أن تتعاون، لأول مرة في تاريخها، على إزعاجي في وقت واحد.
أحدهم، في مكان ما من هذا العالم، يصر بشدة على اختراق حسابي في أمازون، ولا أدري لماذا اختار أمازون بالذات. ربما تخيل أنني واحد من أولئك الذين يقضون أمسياتهم في شراء الساعات السويسرية، والهواتف الحديثة. وربما تصوّر أن حسابي يقود إلى بطاقة مصرفية ممتلئة، أو إلى مستودع سري من البضائع النفيسة التي يمكنه بيعها في السوق السوداء.
ليتك، أيها الهكر الغبي، تتصل بي شخصيًا؛ فكل هذا الجهد الذي تبذله لا يتناسب مع النتيجة التي تنتظرك. اتصل بي، وسأوفر عليك الوقت والكهرباء والقهوة التي تشربها وأنت تحدق في شاشة حاسوبك، محاولًا فك كلمة المرور. وسأخبرك، بكل صدق، أنني منذ فتحت حسابي على ذلك الموقع الحقير لم أشتر منه سوى صنف واحد من البضاعة، وهو دعسات العكاكيز.
ولمن لا يعرف هذا الشيء الغريب، فإن الدعسات هي قطع المطاط التي توضع في أسفل العكاز لمنع الانزلاق على الأسطح الزلقة، ولتخفيف الصوت الناتج عن ارتطام العكاز بالأرض. إنها بضاعة صغيرة متواضعة، لا تُثير شهية اللصوص، ولا تحتاج إلى خزنة فولاذية أو حارس شخصي. ومع ذلك، يبدو أنك قطعت مسافات طويلة في العالم الرقمي من أجلها، وتجاوزت حواجز إلكترونية، وربما استخدمت برامج معقدة، حتى تصل أخيرًا إلى كنزي العظيم: قطعتين من المطاط الأسود.
أما الانزلاق، يا حضرة الهكر، فقد انزلقنا جميعًا إلى عالم مجنون، وباتت حافة الهاوية أقرب إلينا من حبل الوريد؛ إذ لم تعد المشكلة في أرضية مبتلة أو بلاط أملس، فالأرض كلها أصبحت تميد تحت أقدامنا، فمن يستطيع الوقوف لا يعرف إلى متى سيظل واقفًا، ومن يسقط لا يجد دائمًا يدًا تمتد إليه. وأما صوت الارتطام فقد اعتدنا عليه حتى أصبح جزءًا من الحياة، وصرنا نسمع الموسيقى ممزوجة بصوت البارود، ونشاهد نشرات الطقس بين صور لمدن تحترق.
أمِن بين ثمانية مليارات من البشر لم تجد غيري؟ ما أسوأ حظك! أي خوارزمية بائسة قادتك نحوي، وأي حظ أسود جعلك تتوقف عند حسابي؟ أهنئك على هذه الخيبة النادرة؛ فلا بد أن يكون المرء منحوسَا حتى يبحث عن فريسة، فيعثر على كاتب عربي يستخدم العكاكيز ويشتري دعساتها من أمازون.
تخيل لو نجحت في مسعاك بعد كل هذه المحاولات، ودخلت إلى الحساب منتصرًا. ستفتح سجل المشتريات بيد مرتجفة من الحماس، وتتوقع أن ترى الذهب والعطور والأجهزة، ثم تظهر أمامك صورة دعسة عكاز. ستظن في البداية أن الموقع يخدعك، فتحدّث الصفحة، ثم تعيد تشغيل الجهاز، وربما تغيّر موقعك الجغرافي، لكن الدعسة ستظل هناك، تحدق فيك بسوادها الصغير وتعلن هزيمتك.
وربما تعمل، أيها الصديق، ضمن عصابة محترفة لها مدير ومحاسب وجدول للأهداف. سيأتي موعد الاجتماع الأسبوعي، فيسألك المدير عما حققته، ويعرض زملاؤك غنائمهم: هذا اخترق حساب رجل أعمال، وذاك استولى على بطاقة ائتمان، وثالث حصل على أسرار شركة كبيرة. ثم يأتي دورك، فتنهض مترددًا وتقول: "لقد اخترقت حساب كاتب عربي، وعثرت فيه على دعسات عكاكيز". سيسود الصمت في القاعة، وربما ينظر إليك زملاؤك بشفقة، ويضع المدير يده على كتفك ويمنحك إجازة طويلة لتستعيد ثقتك بنفسك، وقد يُخفِّضون رتبتك من هكر إلى متدرّب مبتدئ، أو يكلّفونك بتنظيف لوحة المفاتيح والفأرة.
ومع ذلك، لا حاجة إلى كل هذا الجهد والعناء والإزعاج. هذه دعوة صريحة مني: تفضل وخذ عكاكيزي كلها، وخذ دعساتها البائسة، وإذا شئت أيضًا فخذ أيامي بكل شقائها وعنائها ووعودها الكاذبة. لكنني أحذرك من أن الصفقة متكاملة، ولا يجوز لك أن تنتقي منها ما يعجبك وتترك لي الباقي. إذا أردت العكازين، فعليك أن تأخذ معهما نحو خمسين عامًا من الطرق غير المهيأة، والأبواب الضيقة، والأرصفة المرتفعة، والأدراج التي تنتصب أمام الإنسان كأنها حراس الحدود. وستأخذ أيضًا المباني التي كُتب على أبوابها أنها مفتوحة للجميع، غير أن مهندسيها نسوا أن "الجميع" تشمل أيضًا من يمشي على عكازين أو يجلس على كرسي متحرك
وستأخذ تلك اللحظة التي تصل فيها إلى دائرة حكومية، فتكتشف أن الموظف الذي تحتاج إليه يجلس في الطابق الثالث، وأن المصعد إما غير موجود، أو موجود لكنه معطل منذ حرب البسوس. وحين تسأل عن الحل، سيشير إليك أحدهم نحو الدرج بثقة، كأنه اكتشف للتو علاج الشلل.
وإذا كانت العكاكيز لا تكفيك، يمكنك الانتقال إلى حسابي البنكي. سأعطيك كلمة المرور بنفسي، لكنني أخشى أن تشعر بالإهانة حين ترى الرصيد؛ فالأرقام هناك قليلة وأليفة، وتعيش منذ سنوات في هدوء كامل لأنها لم تتعرض يومًا لخطر الزيادة. وقد تحتاج بعد اختراق الحساب إلى أن تضع فيه بعض المال رأفةً بي، فتتحول العملية من سرقة إلكترونية إلى مشروع إغاثة إنسانية.
على أنني، رغم كل ما قلت، لا أعتقد أنك أسوأ القراصنة في هذا العالم. أنت مجرد هاوٍ صغير يرسل إليَّ رموز التحقق في أوقات غير مناسبة؛ فالقراصنة الحقيقيون لا يحتاجون إلى كلمات المرور؛ إنهم يدخلون من الأبواب الرسمية، ويرتدون الثياب الأنيقة، ويجلسون خلف مكاتب واسعة. بعضهم يسرق المال العام، وبعضهم يسرق أعمار الناس في طوابير الانتظار، وبعضهم يسرق أحلام الشباب ثم يلقي عليهم محاضرة عن الصبر والانتماء.
هناك من سرق مدنًا كاملة، وهناك من سرق طفولة أطفال لم يعرفوا من الألعاب سوى الركض من القصف. وهناك من يسرق الحقيقة، ثم يعيد نشرها بعد أن يغيّر اسمها وصورتها، وهناك من يسرق أصوات الناس ثمَّ يعلن أن الصمت كان اختيارهم الحر. هؤلاء لا تصل إلى ضحاياهم رموز تحذير، ولا ترسل إليهم الشركات رسالة تقول: "لاحظنا محاولة مشبوهة للدخول إلى حياتكم".
أنت، على الأقل، تطلب رمزًا قبل أن تحاول سرقتي. أما هم فقد سرقوا سنواتنا من دون أن يطرقوا الباب، وأخذوا حصتهم من أحلامنا قبل أن تصل الأحلام إلى سن الرشد. ثم تركوا لنا كلمات مرور لا تفتح شيئًا، وخطبًا طويلة عن المستقبل، ومستقبلًا قصيرًا لا يتسع للاستماع إلى الخطبة. لهذا، إن كنت مصرًّا على مواصلة مهنتك، فحاول أن تطورها قليلًا. لا تضيع وقتك في حساب كاتب يبحث عن دعسات عكاكيز. اخترق حسابات الذين لا يستطيعون إحصاء أموالهم، وافتح الخزائن التي امتلأت من جيوب الفقراء. ابحث عن الملفات التي اختفت لأن الحقيقة كانت محرجة، وعن الوثائق التي أُغلقت بكلمة "سري"، مع أن أصحابها جمعوا أسرارهم من عرق الناس ودموعهم.
اخترق نظامًا يطلق صاروخًا، وعطّله قبل أن يصل إلى بيت. افتح بوابة مغلقة أمام لاجئ، وأعد إلى أم صورة ابنها المفقود. وإذا استطعت، فاخترق عقل مهندس يصمم مبنى عامًا بلا مصعد، وضع في ملفاته صورة إنسان يقف أمام الدرج ولا يستطيع الوصول إلى حقه. افعل شيئًا يجعلك، ولو مرة واحدة، أقل غباءً وأكثر فائدة.
لكنني أعرف أنك قد لا تفعل شيئًا من ذلك؛ فالشجعان الحقيقيون قليلون حتى في عالم القرصنة. ستواصل إرسال الرموز إلى هاتفي، وسأواصل حذفها، وستظل تحاول الدخول إلى حساب لا يحتوي إلا على الدعسات وبعض العناوين القديمة. وربما تعتقد أن تكرار المحاولة سيغيّر محتويات الحساب، كما يعتقد بعضنا أن تكرار الوعود سيغيّر الواقع. ومع ذلك، فقد حققت شيئًا لم تكن تخطط له. كنت تريد أن تدخل إلى حسابي، فدخلت إلى مقالتي. أردت أن تسرق اسمي، فمنحتك اسمًا جديدًا: "أغبى هكر في العالم". كنت مجهولًا تختبئ خلف شاشة بعيدة، فأخرجتك إلى الضوء وجعلتك شخصية أدبية، وإن لم تكن الشخصية التي تمنيت أن تكونها.
إذا كنت مصرًّا على العودة، فسأترك لك الدعسات عند باب أمازون.
لكن العكازين سيبقيان معي؛ فما زالت أمامي طُرُق أحاول أن أعبرها، ومقالات أخرى أريد أن أكتبها عن عالم يحتاج، أكثر منك ومني، إلى تغيير كلمة المرور.



#علي_طه_النوباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جرش في الشعر العربي
- البيت الجديد وإزالة الصراصير والحشرات الضارة
- اللغة بين النبض والتحنيط: صراع المعيارية والوصفية في تشكيل ا ...
- حين يصبح الفن جسرًا لا جدارًا - لماذا نحتاج إلى تعميم مبادرا ...
- مباراة مصر والأرجنتين... التحكيم مرة أخرى
- -حادث بسيط-. عندما تتحول الجوائز إلى أسلحة في حروب الغرب
- رسالة إلى قناة الميادين
- قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية تكشف أيضاً الولاي ...
- رسالة إلى أبي رُغال
- غَزَّةُ جَنْدَلٌ وَحِصارُ
- فلسطين بين نفاق الأصدقاء وسفالة الأعداء
- الحق الفلسطيني والتأثير على الرأي العام العالمي
- بطل تحت القصف
- عَظَّم اللهُ أجركم
- صناعة النجوم من غبار الزلازل والجثث
- رسالة إلى علاء الدين
- كتابُ شكرٍ للتخلّفِ والفسادِ والمَحسوبيَّة
- الرماة ليسوا على الجبل أصلاً
- إعاقة الطابق الرابع لدى أستاذ حقوق الإنسان!
- الغولةُ والغول في إتلاف العقول


المزيد.....




- رشيد مشهراوي عن عرض الأفلام فوق أنقاض غزة: المكان قد يدمر لك ...
- لبنان: أكثر من 22% من أراضي الجنوب تضررت جراء الهجمات الإسرا ...
- في 4 محافظات.. التربية السورية تحدد مدارس تعليم اللغة الكردي ...
- -إنانا- تستعد لإشعال مسرح أصالة في دمشق
- دمشق تفتح ذراعيها لأصالة.. نجوم سوريا في استقبال -ابنة الشام ...
- وزير التعليم العالي يؤكد: «القاهرة 2026» تجربة متكاملة تجمع ...
- فنانو الطباشير يكرمون ضحايا الرحلة 93 برسومات في ذكرى هجمات ...
- مصر تعلن غلق هرم منكاورع وتكشف الأسباب
- مشهد يشعل نزاعا بين مسلسل -القبيحة- وفيلم -بيرغن-
- جمهور مهرجان تورنتو السينمائي يرسم الطريق للأوسكار


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - علي طه النوباني - رسالة إلى أغبى هكر في العالم: حكاية ساخرة عن محاولة اختراق حسابي