|
|
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة مع المفكر والباحث الكبير الهادي خلقة-1
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 08:29
المحور:
مقابلات و حوارات
"أستاذ الأجيال الهادي خلفة في حوار الظلال والوجيعة: بين عبقرية النص القرآني وأزمات الحداثة والوجود"
"يلتقي اليوم قلمنا بالأستاذ والباحث التونسي الهادي خلفة، أستاذ اللغة والآداب العربية، الذي لم يقف تقاعده حائلاً بينه وبين مواصلة الكدح المعرفي. في أطروحاته الأخيرة، يفاجئنا خلفة بعبور حاد بين النقد الأدبي والبلاغي وبين الفلسفة الوجودية وعلم النفس؛ فيُشرح قصة يوسف عبر قميص مادي ورؤيا غيبية، ويصطدم مع القرآنيين واليهود، ويفلسف الألم البشري بما أسماه الوجيعة . نرحب بك أستاذنا في هذا الإبحار العميق..." *المحور الأول :جماليات السرد و عالم الغيب والشهادة حول ثنائية الرّؤيا و القميص 1.أستاذ الهادي، لقد جعلت من "القميص" بطلاً سردياً في قصة يوسف وليس مجرد قطعة قماش؛ كيف تحول هذا الكائن المادي من "أداة للجريمة" مع الإخوة إلى "شاهد براءة" في القصر، ثم إلى "جرعة شفاء" ليعقوب؟ لقد مثّل القميص عنصرًا رئيسيًا وقد تحوّل من المادة إلى الرمز ومن التابع إلى البطل، يصنع الحدث و يكشف النّوايا و يُؤثّر في تطوّر المشهد القصصيّ ويتبّع في كلّ فصل توجهات و تحركات وعلاقة الأطراف ببعضها البعض، فكان يسخر من تبريرات إخوة يوسف ويُسايرهم في تضليلاتهم وهم يخدعون أنفسهم بأنهم على حقّ وصولي. وإنّ هذا القميص البريء الممزق ،هو خير دليل براءته وصدق ادّعاءاتهم و تمرير كذبهم ،ولكنّ أبو (يوسف عليه السلام *كان يرى في القميص الممزق كذبًا دليل جريمة لا دليل براءة، وكان يعلم من الله –تعالى- ما لا يعلمون، ولكن لحكمة من الله- تعالى- أجّل الردّ والحكم لأجل في الغيب مقدّر ومحتوم وهكذا يمثل السرد في القصة التقابل بين المُشاهد الحاضر والغيب الخفيّ. وهكذا يكون القميص عنصرًا ضعيفًا ،وضحية بين أيدي الإخوة و هو، في الآتي القريب عند يعقوب والغد السعيد عند ابنه يوسف (عليها السلام)، باب من أبواب التسامح، فلا تثريب على الأخوة الحساد المذنبين، وها هو القميص البريء وسيلة وضحية تستعمله امرأة العزيز لطمس شنيع تصرفاتها وسوء صنيعنا وتهورها فتقدّ قميص يوسف الهارب إلى الله ليصرفها عنه ويصرفه عنها، وتتحوّل محاولاتها إلى شهادة براءة، وينتصر القميص الضحية البريء. وإذا كان القميص في الحالتيْن الضحية والوجه السلبيّ؛ فإنه يتحول إلى بطل منتصر. وقد استردّ عنوان وجوده كفاعل خير و وسيلة تقارب وصاحب حسنات و جرعة شفاء نفسي و بصري، وهكذا تكون النهايات السعيدة. 2.استدعيت في مقدمتك الفلسفية ابن خلدون والإمام الغزالي لتفسير "الرؤيا"؛ هل ترى أن علم النفس الحديث عاجز عن تفسير أحلام يوسف والملك، أم أنك أردت إثبات أن الرؤيا الصالحة هي نافذة معمارية يخترق بها الغيب جدار العقل الصارم؟ إنّ الأحلام، وإن كانت تصدر عن النفس باختلاف توجّهاتها وحالات وأوقات حدوثها، تختلف في أنواعها وتفسيرها بين علم النفس الحديث و التفسير الديني بانعكاساته الشخصية الشاهدة و الإرهاصات والأبعاد الغيبة، فإذا كانت الأحلام في علم النفس الحديث انعكاسات للعالم الداخلي و اللا واعي ونقلة لحالة النفس في واقعها و رغباتها وعلاقاتها ،وقد تظهر في الأغلب في صور عشوائية يشكلها العقل الباطني، و تظهر كمتنفّس لمختلف الرغبات المخزونة أو المسجونة أو المحرّمة أو الخارجة عن الدين والعرف والقانون . وفي هذه الأحلام يتحرر "الحالم" من كل قيد أوشرط أو قانون، وقد تذهب الأحلام، وهي المتحررة من كل القيود، إلى سبل مختلفة ومتضاربة في أوجه المرجو و المحتمل و المرغوب و المكروه ؛فيكون منها في الخير والسعادة والأمل والتفاؤل والحث على الفضائل وأوجه الخير والإحسان والإصلاح ،ويكون منها في الشر والسوء و الإفساد، ورغم وجود علم النفس الباحث في تفسير الأحلام واعتماد العقل واستعمال آليات؛ فإنه قد يعجز أويفشل في الوصول إلى تفسير صحيح أو مقنع أو هادف. وقد يذهب بعض مفسّري الأحلام إلى مُجاراة رغبة الحالم الباحث عن تفسير مقنع ومرغوب فيه، أو استعمال القياس و المحاكاة لتفاسير موروثة، أو مستحدثة. وبذلك لا يكون هذا التوجه في التفسير ناجعًا أو مستقيما؛ فاعتماده على العقل عرضة للأخطاء والفشل و، ومن هنا تختلف الأحلام الأخرى المعتادة أو المتداولة عن الرؤيا الصالحة، والتي تحمل من صفتها كصالحة، فالصالحة من الأحلام تتأسس على شروط وعلامات وإرهاصات يتميّز الحالم و تتجاوز رغبات النفس و الأهواء ،وقد تتعارض مع المنطق والمقاييس والقوانين العقلية والضوابط المدنية. فالرؤيا الصالحة تتمظهر عبر صور ،قد تبدو غريبة وعجيبة و خارجة عن حدود زمانها ومكانها، وتصدر عن نفس نقية طاهرة متحررة من كل مطلب نفسي أو مادي أو وجودي لصاحبها، أو لمن لامسته تلك الرؤيا من قريب أو من بعيد، وإذا كانت الأحلام المعتادة تصدر عن رغبة وطلب وانتظار فان صاحب الرؤيا الصالحة يُفاجأ بما يراه في منامه وقد ينكره أو يتجاهله ويتناساه، وقد يتساءل وبأية علاقة يرتبط بتلك الرؤيا؟ وقد فُرضت عليه وتفاعل معها قبولًا أو حيرة أو استغرابا، ولكنها تبقى مخزونة وقد يُسرّ بها لأهل ثقته أو علمائه وقد ينتظر وحيدًا يوم تفسيرها وظهورها في الواقع القريب أو البعيد ،وقد تبدو عبر إشارات أو ملامح ،ولكن تبقى مرتبطة بتفسير عاجل أو بعيد مُحدّد بأجل غيبي ،وقد انتصر على العقل العاجز والنفس المتعجّلة. 3.في تفكيكك النحوي لسورة هود، وقفت طويلاً عند "نصب" سلام الملائكة لإبراهيم و"رفع" رد إبراهيم؛ كيف يمكن لحركة إعرابية (ضمة مقابل فتحة) أن ترسم ملامح سيكولوجية وطمأنينة وجودية كاملة في النص القرآني؟ إن للحركة الإعرابية دورَا فعالًا وأكيدًا ومؤثرًا في تشكيل معنى الكلمة وتوضيح دلالتها، وإذا كان هذا في المطلق، فإن هذا الدور يتأكد حضوره في النّض القرآنيّ، فالتغيير في حركة حرف واحد أو في حركات يمكن أن يُولّد عديد المعاني و يرسم ملامح سيكولوجية وإيحاد واقع من الطمأنينة وإحداث علاقة وثيقة و مُتجدّدة تُؤكّدها الصيغة ويُخقّقها التّوجّه وتوفّقها المقاصد و تتجاوز بها حدود الزمان والمكان، ففي مبادرة الملائكة بقول "سلاما" بالفتح خطاب ابتداء لإبراهيم (عليه السّلام*، وفي إجابة إبراهيم بقوله "سلامٌ" بالرفع، كما رأينا سابقا، نلاحظ محافظة الكلمة على بنائها ورسمها ،ولكن الاختلاف ظهر في تغير آخر حركتها ،وقد غير هذا الاختلاف في رسم المعنى وتحديد التوجه ونوعية العلاقة النفسية. فالنصب في (سلامًا)من قول الملائكة ،وهم ضيوف لضعف و أقصر و أقرب إلى التعبير عن نفسية الضيف المقبل على صاحب البيت ،والعبارة أقرب إلى انتظار الجواب مع ما يحمله من معنى الدعاء والطلب، وأما الرفع في (سلامْ) فهو أطول نفس، وأوسع انفتاح على الزمن وأوضح تعبير بشري عن الترحاب. وحسن القبول مع ما يحمله من معنى الإخبار بسلام الله .الواقع بالفعل وتقرير وجوده وضمان استمراريه والتعبير عن نفسية واقع إبراهيم (عليه السلام)، فهما في تناغم .فالسلام الذي يعيشه، وهو النبي الرسول، يتمظهر كذلك فى واقعه؛فيطمئن الضيوف و تنشرح صدورهم ويساعدون بضيافتهم، هذا وأن لهذا التغيير ليس مجرد مجرد اختلاف في الحركة في النصّ القرآني، وإنما هو من الملامح البلاغية التي تكشف عن جانب من جوانب الإعجاز القرآني، الذي يلامس البناء والمعنى والنفس و العلاقة، ويتجاوز بحفظه من الله الزمان والمكان. 4.وصفتَ الرؤيا بأنها تدخل في "علم الفتوى" وحذرت من الخوض فيها بالدجل والنفاق؛ هل ترى أن فوضى مفسري الأحلام على الشاشات اليوم هي جزء من عملية "تسطيح الوعي" وتدمير العقل المسلم؟ تملك ظاهرة تفسير الأحلام في واقعنا حضورا وإقبالًا وتنافسًا وقد تحوّلت من نشاط معرفي إيجابي ومطلب اجتماعي له ضوابطه وحدوده ومقوماته العقلية والعلمية والدينية والمدنية إلى تجارة وتنافس وأنشطة مُريحة تستغل القلق الوجودي والخوف من الغد المريب وضعف الإيمان، وتراجع الثقة بالنفس وبالله وبالقدرات والهروب إلى أطراف خارجية مساعدة، ولو كانت ادعاء وكذبًا وتطفلًا واستغلالًا وتجارة. و هكذا يصبح التفسير خطابًا مباشرًا آنيًا ومؤثرًا ومريحًا ومقبولًا يقدّمه، مَن يعرف ومَن لا يعرف، وقليل هم العارفون،وعلى أنه كشف الغيب وتوجيه سليم وناجح لتحقيق المطالب النفسية والمادية وإيجاد الحلول المناسبة السعيدة لكل المشاكل والعراقيل والأزمات والمكرهات و النزاعات. وفي نفسية وذهنية وتوجهات المرء السائل و الباحث عن تفسير يُبدّد قلقه ويسعده، ولو إلى حين ولوكان على حساب ماله ودينه و علاقاته، ويقدم له فتوى تجيب عن مختلف تساؤلاته مع اعترافه و قناعاته يتداخل الحقيقة مع الكذب والنفاق والإرضاءات، ومن هنا قد تسيء هذه التفاسير إلى الثوابت الدينية وتنتهك حرمة الشريعة و تتجاوز ضوابط القوانين وتهدد التصالح مع الذات وتفسد العلاقات، و تصبح خطرا وفسادًا لا على المستوى الديني والاجتماعي ،وإنما تمثل تعطيلًا للعقل ،وقد تميز به الإنسان، وتبعية مطلقة للمفسّر وولعا لشطحاته إذ ينتقل المرء الباحث عن تفسير لأحلامه الخاصة من باحث ومحلل ومستقرئ للأسباب والملامح والنتائج المتعلقة بأحلامه إلى منتظر لمحاولة خارجية تغنيه عن متاعب عقلية ونفسية و واقعية لتوفر له فكّ رموز أحلامه وتفسيرها المأمولة والمطلوبة و المريحة؛ فينقاد لها وقد أصبح عبدًا مطيعًا لهذا المفسر أو ذاك ومتابعًا وفيًا لهذه الشاشة أو تلك. وهكذا هو إنسان اليوم، وهو يلهث من شاشة إلى أخرى لتفسير أحلامه، قد أضاع إيمانه وأنام عقله وفقد استقرار النفسي و حضوره الإيجابي وقد يصل إلى فقدان إيمانه والثقة بربه ونكران الغيب وإلى الرّدّ والكفر. 5.ريح القميص سبقت البشير إلى يعقوب بمسافات. من منظور باحث أدبي ونفسي، هل هذه الدلالة تثبت أن المحبة الصادقة تمتلك "راداراً ميتافيزيقياً" يتجاوز حدود الفيزياء والمسافات المادية؟ إنّ ظاهرة ريح يوسف تلامس العلاقة بين أطراف تتكامل بين محبة صادقة بين الأب يعقوب، وهو الحزين و المشتاق، وابنه المفقود الغريب يوسف (عليهما السلام)، و اليقين الباطني أو الحدس والثقة بالله والمعجزة أو الكرامة، الحسيّة وسنن الله الكونية الفيزيائية وحدود المسافات. فريح القميص وصلت إلى يعقوب (عليه السلام) قبل الوصول المادي. فقد قال الله –تعالى- من سورة يوسف (الآية 94) :"" إنّي لأجد ريح يوسف لولا أن تُفنّدون"" ،وهذا إحساس نفسي لا يستند لأدلة واقعية وهو من الغرابة والعجب وعدم واقعيته ما جلب استغراب أبنائه ؛فتوقع منهم تفنيد الأمر بل وتكذيبه ووصفه بأحلام اليقظة. و كانت المفاجأة ؛فإذا بالأمر يتحقق والمواقف تتغير و خارق العادة يصبح واقعًا ملموسًا ،وينتصر حدس يعقوب (عليه السلام )،وتحقق كرامته وتظهر معجزته وكان قول الله –تعالى- (الآية 96):""فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتدّ بصيرا ""،وهكذا تضاعفت المعجزة أو الكرامة بوصول الريح قبل القميص، ثم بوصول القميص ثم ارتداد البصر ليوسف، وقد فقد البصر حزنًا وبكاء شوقًا و وحشة لفراق يوسف. وبهذا، وبين يعقوب، وهو ببادية الشام، وبين يوسف ،وهو بأرض مصر، تُطوى المسافات وتُتجاوز القوانين الفيزيائية، وهذا من خوارق العادة وفضل من الله –تعالى- و كرامته لعباده الصالحين ،ولنا في قصّص الأنبياء والرّسل أمثلة ؛فكان إنجاء نوح (عليه السلام) في السفينة ووسط أمواج متلاطمة، وإنجاء إبراهيم الخليل (عليه السّلام )من النار؛ فكانت بردًا وسلامًا، وحمله لزوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى واد غير ذي زرع بمكة ،متجاوزًا حدود المسافات والقلق النفسي ومحبة الأب لابن وهبه الله له على الكبر ، وإنجاء ذي النون من بطن الحوت، و الإسراء بمحمد (صلى الله عليه وسلم )الله من بيت الحرام بمكة إلى بيت المقدس بفلسطين ،والمعراج به (صلى الله عليه وسلم )إلى سدرة المنتهى، وهكذا هي المعجزات و الكرامات هي خوارق العادة متجاوزة الطاقات البشرية وحدود الفيزياء والمسافات. 📌 المحور الثاني: فقه السنن التاريخية والدور التصحيحي للقرآن (مواجهة القرآنيين والرواية اليهودية) مامدى خطورة تيار وفكر القرآنيين على البناء التشريعيّ ؟وهل يُمكن فهم القرآن الكريم خارج فضاء لغة وسياق السنة النّبويّة القرآنيون فئة اعتمدت تيارا فكريًا يرفض الاحتجاج بالسنة النبوية الشريفة والأحاديث ولو صحت نقلا ورواية ووضعا ومتنا لأنها ليست وحيًا بل هي اجتهاد ،،ويعتبرون النصّ القرآنيّ وحده المصدر الوحيد للتّشريع الإسلاميّ لأنه وحده يحتوي على كل ما يحتاجه المسلم ويدعون إلى محاولة فهمه بمعزل عن السنة النبوية الشريفة، فهم بهذا الطرح الغريب يخالفون إجماع الأمّة وعلى مرّ العصور واختلاف الأمصار. فالبناء التشريعيّ يقوم على عموديْن مُتعاضديْن هما النصّ القرآني والسّنة النبوية الشريفة ،فهما متلازمان متكاملان وبأدلّة من صريح الكتاب وصحيح السّنّة، وهما من الأهمية ما يمثل الناحية النظرية المؤطّرة و العملية التطبيقية، وفي الحالتيْن هما يصدران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وقد تلقى النّص وبلّغه وبيّنه فهو في سورة النجم (الآية 3 و4) :"" وما ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يُوحى"" وقوله تعالى محدّدا مُهمّة رسوله (صلى الله عليه وسلم) ومُوجّهًا أتباعه المؤمنين :"" وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "" ، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) الله هو المبلّغ والمبيّن و المعين على فهم والتطبيق النصّ القرآني وهو الذي جاء في المسائل التشريعيّ مُجملا ويحتاج لتوضيح وتفصيلا واقتداء وفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) أسوة حسنة وقدوة واجبة. ومن خلال سنّته تتّضح المسائل، وتُطبّق على أوجهها الصحيحة المقبولة .فها هي الصلاة(بين رسول الله صلى الله عليه عدد ركعات كل صلاة وهيئاتها من ركوع وسجود وتشهد وتسليم) ،والزكاة (وقد بيّن صلى الله عليه مقاديرها ومقاصدها)، الصوم (و ما يتّصل به من شروط وإباحة،، ،،) ،الحج(ومناسكه، ،،) ،وقد أمر بها ولكنها تحتاج من سنته (صلى الله عليه وسلم) الله تحديدًا وتفصيلًا وتطبيقًا عمليًا فالتشريع الإسلاميّ لا يمكن له ضمان وجوده ونجاحه وخلوده إلا أن يقوم على النصّ القرآني والسّنة النبوية الشريفة، وقد جاء كل منهما بلسان عربي مبين،فكانت اللغة الواضحة والخطاب التبليغ والحجة المقنعة، والأدلة الواضحة. هكذا، نجح رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) في تبليغ رسالة ربه وهداية الناس ورحمة للعالمين .ومن هنا تأتي خطورة تيار وفكر القرآنيين على البناء التشريعي وإجماع الأمة ووحدتها؛ فإسقاط السنة النبوية كمرجعية أساسية مُلزمة وجامعة، تجعل كل قارئ للقرآن الكريم يكتفي بنصه معزولًا عن فهمه وبيانه وتطبيقه بالسنة النبوية الشريفة وإجماع الأمة .وبذلك يبني كل قارئ أحكامه و تشريعاته الخاصة وحسب توجّهاته و معارفه وأهوائه ودون ضوابط و مرجعية دينية وأخلاقية ولغوية وبيانية،وهو ما يزيد الأمّة ضعفًا وانكسارًا وتمزّقا وتبعيّة وتذلْلا، خاصة وأعداء الداخل والخارج يتربّصون بها من كل الأوجه ،ويُضيّقون عليها من كل جانب، فلنتدارك الأمر ونصلح من واقعنا و نسترجع ريادتنا. 8.ركزت على لفتة تاريخية بالغة الذكاء؛ وهي أن سورة يوسف نزلت في مكة (عام الحزن) قبل اختلاط النبي ﷺ بـيهود يثرب. كيف يستقيم هذا التوقيت استراتيجياً لدحض فرية أن النبي كان يقتبس قصصه من أهل الكتاب؟ يُمثّل القصص في القرآن الكريم أحد المقاصد الأصلية إلى جانب إصلاح الاعتقاد، وتهذيب الأخلاق وتحديد الأحكام العامة والخاصة في التشريع، وإصلاح سياسة الأمّة وحفظ نظامها،،، وجاءت القصص وأخبار الأمم للموعظة و الاعتبار اقتداءً بصالح أحوالها و تحذيرًا من منكراتها وسوء أعمالها. ولقد كان لقصص اليهود في القرآن الكريم حضور لافت وحظ وافر ،وذلك لما سجّله الموروث الديني اليهوديّ والمُتداول بينهم من الإخبار القصصيّ، ولقد لحقت هذه وتلك اضطرابات وتضارب و اختلافات و مغالطات و تداخل بين الحقيقة والخيال والصدق و المبالغة و الصحّة والدسّ، وغيرها مماّ طالت رسلهم وأنبياءهم. وجاء القرآن الكريم لتصحيحها والقول السليم المبين في حق رسله وأنبيائه، وكان يوسف النبي الكريم بن الكريم بن الكريم بن الخليل الكريم (عليهم السّلام) ، كما أثنى عليه رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) ممّن طالته تلك الأخبار الكاذبة والمغاطات الخطرة و الإساءات الجارحة والبهتان المؤلم وقد مسّت كلّها شخصه وأخلاقه وشرفه وعصمته ،وهو ما لا يليق وقد اصطفاه ربّه نبيًا ورسولًا و معصومًا ومباركًا، فجاءت قصّته عليه السّلام في القرآن الكريم من أحسن القصص، كما وصفها ربّ العالمين، إنّ قصّة يوسف (عليه السّلام) في القرآن الكريم ليست إعادة سرد لقصّة معروفة و مُتداولة بين اليهود، وقد كان يجهلها العرب بمكّة خاصّة، وإنّما جاءت هذه القصّة القرآنيّة تصحيحًا إلهيّا وتبرئة ربّانيّة وردّا قاطعا وحقّا مبينا لدحض أكاذيب اليهود و افتراءاتهم ومغالطاتهم مع دروس من العبر والتّربية، ووجوب تقدير واحترام و محبّة رسل الله وأنبيائه (عليهم السّلام) إنّ المُتتبّع للموروث وللإخبار القصصيّ عند اليهود ؛ليقف على عديد المغالطات التي طالت يوسف عليه السّلام، وقد نالت من علاقته بأبيه، وادّعائه الرّؤيا و النّبوءة وعلاقته بامرأة سيده العزيز ومكيدته الاحتفاظ بأخيه عبدًا وأسيرًا بعد اتهامه بالسّرقة،وغيرها من محطات وجوده وأوجه المشاهد المتعاقبة، ولقد نالت علاقته بامرأة سيده العزيز خاصّة اهتماما ومتابعة ومغالطة ورواية مُنكرة وتداولًا واسعًا وحضورًا لافتًا عند اليهود أبناء جلدته وأتباع دينه، ومن هذه المغالطات، وقد صحّحها القرآن الكريم. حول علاقة يوسف المتميّزة مع أبيه و اتهامه بأنه هو الذي دفع أباه لمحبته وتفضيله على أخوته ،وذلك بتقرّبه وتزلّفه والتودّد إليه لكسب محبتّه و امتلاك مكانة خاصة، وعلى حساب أخوته مما جعل أبوه بحبّه ويُفضّله عليهم ؛ممّا جلب حسدهم وكيدهم. فيوسف هو كاد لهم وملك قلب أبيه، وإنّ القول بهتان وافتراء على يوسف ،وقد صحّحه القرآن الكريم .فالمحبّة إحساس باطني تملّك نفس الأب يعقوب (عليه السلام) ورحمة زرعها الله في قلبه و لأسباب خاصة ،ولعل أبرزها أن الله –تعالى- يعدّ يوسف ويعقوب لابتلاءات مستقبلية ،ومن مظاهرها أن حبّ الأب ليوسف قد ملأ نفسه؛فنازع حب الله –تعالى-. ومن حكمة الله أن من شارك أحدًا في حبّ الله ابتلاه كما اُبتُلي إبراهيم الخليل (عليه السّلام) بحب ابنه إسماعيل؛ فرأى في المنام أنه يذبحه، ولما صفا قلب إبراهيم لحب الله وحده ،وأخلص له ولبّى أمر ربه وهم بذبح ابنه الوحيد ،وقد جاءه على كبر، أكرمه ربه ؛ففداه بكبش عظيم. وهكذا كان تصحيح القرآن الكريم إذ برّا يوسف من المغالطات وأرجع، وهو الحق، المحبة إلى صاحبها الأب يعقوب .وهذا بشهادة الأخوة الذين نسيوا محبة يوسف لأبيهم، ومن هنا كان توجيه اللوم لأبيهم حتى أنّهم تجاوزوا حسن التعامل مع أبيهم ،وأظهروا سوء أدب وعقوقًا فقالوا :"" ليوسف وأخوه أحبّ إلى أبينا منا ونحن عصبة، إنّ أبانا لقي ضلال مبين "" وهكذا برّأ الله تعالى يوسف من مغالطات اليهود _اتّهام يوسف، وهو الفتى اليتيم والعبد المطيع في بيت سيده العزيز والقريب من امرأته والمكلّف بخدمتها، بأنه خان سيده وأغرى امرأته وسحرها بجماله وطيبته ،والتودد إليها حتى استجابت لإغراءاته وصوّروه كفتى مراهق غلبته شهوته؛ فساءت أخلاقه وتنكّر لجميل سيده ؛فاقدم على خيانته والاختلاء بزوجته ومُراودتها عن نفسها وميله إلى الفاحشة . وهكذا ،قالوا فيه ما قالوا وأكثرن ولكن القرآن الكريم برّأه مما قالوا افتراء وبهتانًا وإساءة لعِرضه ومسّا لشرفه وعفّته، فالله تعالى قد صحّح هذه المغالطات ،و نفى عنه أخطر النّعم و أشدّها مساسًا بالعصمة،فيوسف هو الأمين و البريء و المعصوم. فقال تعالى :"" ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه ""،وإذا كانت هي قد همّت بالمعصية؛ فقد يكون يوسف همّ بها ليدفعها عنه أو ليضربها أوليصيح مستنجدًا بأحد الخدم أو مستغيثا بربه بنداء خفي،ليصرفها عنه و ينجّيه من السّوء الفحشاء. ولقد تمثّلت عفّته و أمانته وسموّ أخلاقه : في قوله وبكل يقين وجُرأة وثبات :"" معاذ الله إنه ربّي أحسن مثواي،، ولقد أصرّ على براءته فقال أمام الجميع :"" هي راودتني عن نفسي "" ،وقد استجاب الله –تعالى- فعجّل برحمته فقال :"" كذلك لنصرف عنه السّوء والفحشاء ،أنّه من عادنا المُخلصين "". ولقد ثبتت براءته بشهادة شاهد من أهل القصر ومن أقارب امرأة العزيز الظالمة، ثمّ بتفضيله السجن على الاستجابة المعصية، وقد قال :"" ربّ السّجن أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه "". وهكذا اختار السجن ،وما يتركه، للسجين عامة والمظلوم خاصة، من آثار نفسية عميقة و مُؤلمة تتجاوز الحرمان من الحريّة لتُحدث تحوّلا يصدم النفس و يفرض بيئة جديدة وغريبة وقاسية يجب التكيّف معها، فيعيش السجين الوحدة وُيُصاب بالاكتئاب ،ويتحوّل إلى جسم شبه ميت فاقد لحرية الحركة أو اتخاذ أبسط القرارات ؛فهو مسلوب الإرادة يتّبع الأوامر وينضبط للقوانين.وكما يقولون وهو الحقّ :مَن رأى ليس كمَن سمع، ومَن اكتوى بظلم ليس كمَن كوى. و لقد عشت سنوات في السّجن بعد أن طالني ظلم الحكّام، كنت استاذًا وناشطًا سياسيًا ونقابيًا وممن يدعون إلى إصلاح جلّ الأوضاع سلميًا، ولكن كان للحكام رأي آخر وتخوف شديد من أي تغيير، فحُكم عليّ ظلما سنة 1987 وفي عهد بورقيبة بثلاث سنوات بتهمة الانتماء لجمعية غير مرخّص لها وهي الاتجاه الإسلامي، وخرجت من السجن وفُصلت عن التدريس واشتغلت بالتجارة، وفي سنة 1992 وفي عهد حكم زين العابدين بن علي حُكم عليّ مرّة أخرى بستة أشهر بتهمة الاحتفاظ بجمعية غير مرخّص فيها وهي النهضة، ومرت الأيام ولم استرجع حقوقي والرجوع إلى التدريس إلا بعد ثورة الربيع العربي 2011، وهكذا أخينا. قضيناها مُدى حُكمت علينا ومَن حكمت عليه مُدى قضاها ومَن حُكمت عليه سنوات سجن. فلن يموت حتى قد قضاها وهكذا أحب يوسف السجن تمسّكا ببراته ،ثم تدعّمت هذه البراءة بمتابعة الملك للقضية وإصدار الحكم القضائي وتأكدت البراءة باعتراف امرأة العزيز و نشوة المدينة. 7.وجهت نقداً لاذعاً للرواية التوراتية/اليهودية لقصة يوسف، وذكرت أن القرآن جاء لينزهه عما ألحقوه به من إساءات وافتراءات؛ ما هي أخطر المغالطات اليهودية التي طالت عصمة يوسف وصححها البيان القرآني؟ وإنّ من المغالطات والتّجنّي على يوسف عليه السلام أن رموه بالكتاب والادّعاء بالنبوءة و امتلاك كرامة تمكّنه من الرّؤيا وتفسيرها وانفتاحها على المستقبل ،وهذا مما يختصّ به الله وحده وهو من الغيب الخفي، ومن هنا كانت رؤاه، وقد أسرّ بها لأبيه ،أحلام عابرة كاذبة، وهي كذلك ما فسّر به أحلام الملك وقد عجز علماؤه وحاشيته عن تفسيرها وتحاشوا الخوض فيها. ولقد حاول اليهود الطعن في مصداقيته ،والمسّ من قدراته العقلية والاستنقاص من كرامة نسبه وجلال وسمو أخلاقه. ولكن ها هو القرآن الكريم ينزّهه عن الكذب والبهتان والادعاء الخاطئ، فيجعل رؤاه صادقة، وإن كانت لها دلالات غيبية، فلقد تحققت جميعها و بشهادة الحاضرين من الأب الذي بارك تلك الرؤيا ويوسف فتى ثم عاشها معه وهو الوزير وصاحب النفوذ، وها الملك يشهد ليوسف بنجاحه في تفسير رؤياه و يُكرمه بأعلى المناصب. _ثمّ يأتي اتهام يوسف ،بأنه قد اتبع أسلوبًا خاطئًا وحيلة مذمومة وطريقة مسيئة لأخ شقيق ولصاحب صلة قوية ومتينة .فلقد كاد لأخيه، وقد جاء يطلب حقه ونصيبه من الغذاء، واتهمه بالسرقة وأبقاه عنده رهينة وسجينًا وغريبًا يملأه الحنين والخوف على أبيه يعقوب عليه السلام الذي سيضاعف حزنه وأسفه على فقدانه بعد أن فقد أخاه يوسف. إنهم نظروا إلى هذا التدبير على أنه إساءة تدبير واعتماد المكيدة، وهذا يتعارض مع الأخوة الصادقة والإحسان للوالد الحزين الضرير .إنّ هذه أحكام بشرية ومواقف أملتها النظم و البيئة والعلاقات، ولكن لله –تعالى-، وهو صاحب التدبير والأمر، صحّح ما ذهب إليه القائلون بادعاءاتهم وظنونهم و إساءاتهم وأبرز أن ما اعتمده يوسف لإبقاء أخيه عنده، ولو كان بأسلوب يبدو غريبًا وحسب النظام الجنائي المعتمد في عقاب السارق، ليس موقفًا ذاتيًا خاطئًا ومذمومًا .وليس مكيدة أوخديعة .وإنما هو إيحاء وإلهام وتوجيه رباني وحكمة إلهية ليُكرم يوسف بوجود أخيه وتعويضهما عن سنوات الفراق والشوق؛ فيلتئم الشمل بينهما ويُحسن إليه. و يُزيل عنهما أثر الفراق الطويل والغربة المضنية ،وهكذا قدّر الله ما لا يعرفون أو يحتسبون. فإن لقاء يوسف بأخيه وإبقاءه عنده،قد مهّد لاسترسال الأحداث وجمع شمل العائلة وصحة تأويل رؤيا يوسف مع أبيه ،وقد دخلوا أرض مصر آمنين، وسجدوا له احترامًا وتقديرًا لا تقديسًا وتذلّلا، هكذا تمظهرت شخصية يوسف وتُليت قصّته،وهي من أحسن القصص، فكان فيها يوسف (عليه السلام) المقبل على الله –تعالى- والثابت على ثقته وتوكيله عليه والصادق والعفيف والأمين والعالم والحكيم و الرحيم والبارّ والمخلص و التسامح والمحسن والقادر على العفو عند المقدرة ،وهو يفاجئ أخوته المذنبون الظالمين "" لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين "" وهكذا تظهر عفة يوسف وبراءته بين المغالطات اليهودية و التصحيح القرآنيّ. 8.ركزت على لفتة تاريخية بالغة الذكاء؛ وهي أن سورة يوسف نزلت في مكة (عام الحزن) قبل اختلاط النبي ﷺ بـيهود يثرب. كيف يستقيم هذا التوقيت استراتيجياً لدحض فرية أن النبي كان يقتبس قصصه من أهل الكتاب؟ لقد نزلت سورة يوسف (عليه السلام) بمكّة (عام الحزن)، وقبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب ثم هي المدينة المنورة ؛أي قبل اختلاط النبي( صلى الله عليه وسلم )باليهود واحتكاكه بهم بيثرب ،فقصّة يوسف (عليه السلام) قرآنية مكيّة ولم تكن نتيجة اتصاله باليهود، فالقصة وحي قرآنيّ يُخالف الرواية الدينية و التاريخية في الموروث اليهودي والمُتداول بينهم عبر أجيالهم. ولقد جاءت القصة بأسلوب قصصي بليغ ومُعجز ،وفي سياق تربوي ومنهج تشريعي ومقصد معرفي وببناء قرآني متميّز و تصحيحًا للمغالطات والنقائص التي ألصقها اليهود بيوسف (عليه السّلام)؛ فكانت "" أحسن القصص "" كما جاء القرآن الكريم مُصحّحًا لعديد المغالطات والنقائص التي طالت مريم العذراء وعيسى (عليه السّلام ) من طرف النصارى، كما في سورة مريم وغيرها من السور القرآنية. 9.اعتبرت في مقالك "المسلمون ومعرفة ماضيهم" أن التاريخ ليس حكايات للتسلية بل "دستور للمستقبل"؛ برأيك، لماذا تعيش الأمة الإسلامية اليوم حالة "زهايمر تاريخي" جعلها تقع في ذات فخاخ الاستضعاف والخوف؟ إنّ حالة الاستضعاف و الخوف التي تعيشها الأمّة الإسلامية اليوم تتعلّق أساسا بوعيها بذاتها وبواقعها و بماضيها،ومن المؤلم أنّها فشلت في تجاوز عجزها الواضع ،وكسب النجاح والتوفيق والملاءمة والتوظيف السّليم بين ما تملكه من موروث متنوّع ورصيد معرفيّ متراكم وماض عظيم . كان رائدًا وقائدًا في مسيرة النهضة العلمية الإنسانية والعقود لا تُحصى ولا تُنكَر، وبين تحويل هذا الماضي العظيم التقليد إلى مشروع يخدم الحاضر والمستقبل، فلقد صار استحضار التاريخ وتمجيده عند الأغلبية حكايات للتسلية ومصدرا التفاخر بدل أن يكون منطلقا جاد! ومصدرا مُعتمدا لبناء الشخصية المتوازنة و النهضة العلمية والعملية الفعّالة مع الاقتداء بالماضي الجميل وبما يصنع الحاضر ويبني المستقبل،بإنشاء المؤسسات وإنتاج المعرفة وتطوير التعليم وإتقان الصناعات وحسن إدارة الاقتصاد واعتماد التقنيات الحديثة و إثبات الوجود في جميع المجالات الاستغناء عن الآخر. وإنّ الأمّة العاجزة عن صناعة حاضرها وبناء مستقبلها تلجأ إلى ماضيها لتعويض شعورها بالفشل والضعف والتّاخّر . ومن هنا تصبح الأمّة تعيش على التّواكل و التّبعيّة وقابلة الضغوطات و الابتزاز والتّفريط في مكتسباتها والتنازل عن كرامتها وقد تتخلى عن مقومات شخصيتها وثوابت دينها وتتّبع غالبيه و المغلوب مولع باتّباع الغالب، فينشأ الخمول و الضعف ويقوى الخوف و يسود التّردّد ثم الذوبان و بالتّعوّد على الحالة و تقبل هذا الواقع المؤلم يتحول الضعف إلى قناعة و اعتباره قدرًا لا مهرب منه، وتقبل أن يكون ماضيها بديلًا عن مستقبلها، وإنّ الأمّة الكريمة والعزيزة و الناجحة هي التي لا تحتاج أن تقول كان أجدادنا عظماء وتردّد هذا القول و تتفاخر به وتستعيده في كل مكان وزمان ،بل تقول نعم كان أجدادنا عظماء لأنهم قرؤوا واقعهم وأحسنوا استثمار إمكانياتهم . وعلينا نحن واجب استقراء واقعنا وبناء مستقبلنا، ومن كان على الأمة الإسلامية معالجة حالها والعمل على حسن تقييم واقعها و امتلاك إرادة إصلاح ما فسد من ذاتها وفاقم من ضعفها والتغلّب على خوفها، وهكذا بتحوّل التفاخر بالماضي إلى فهمه ومن فهمه إلى تقييم الحاضر ومن إلى بناء المستقبل، ولا تكون المعالجة وضمان النجاح وإثبات الوجود إلا باعتماد المنهج القرآني، واتباع سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم). 10.ذكرت أن القرآن ضرب الأمثال بالأمم السابقة التي تنكرت لماضيها؛ هل ترى أن محاولات التغريب المعاصرة وشطب الموروث الإسلامي بدعوى الحداثة هي إعادة إنتاج حرفية لسنن الأمم الهالكة؟ لقد ضرب القرآن الكريم للمسلمين الأمثال بالأمم السابقة التي تنكرت لماضيها .وهاهي اليوم محاولات التغريب و بعنوان المعاصرة تسعى للتشكيك في قدرة الموروث الديني في مسايرة النهضة و الحداثة والتطور وتدعو لشطبه وبدون مراجعة أو غربلة أو تصحيح. ويمثّل هذا الموقف إنتاجًا صريحًا، واتباع لافت لسنن الأمم الهالكة، ومن هنا وجب على هؤلاء من بعض المسلمين أو غيرهم من المتحاملين على الموروث الديني أن يفهموا أنّ أخبار الأمم السابقة الهالكة والتي عرضها القرآن الكريم ليست لمجرد التسلية وتداولها بين القصاصين والحكواتية والكتب المصروفة في الرفوف ،وإنما جعلها دروسًا وعبرًا وهو يستعرض أسباب نهوض الأمم و سقوطها . ومن هنا يمكن اعتبار الدعوات و المساعي السرية والعلنية و المتداولة مباشرة أو تلميحًا عبر المقالات ووسائل التواصل الاجتماعي، أو بأي شكل من أشكال التأثير على الفرد والجماعة والتي تتكامل وتسعى لإيجاد موقف واضح وجريء وعملي لإحداث القطيعة الفكرية والعملية مع الموروث الإسلامي كمحاولات تغريبة تعصيرية وذلك بتعلة أنه لا يُساير النهضة العلمية والحضارية .وهكذا يظهر جليًا محاولات هؤلاء تكرار وإنتاج لسنن كان القرآن الكريم قد حذّر من اتباعها ،وهي التي لحقت الأمم السابقة واستعرض نتائجها. إنّ الإسلام لا يدعو أتباعه إلى الجمود الفكري والتكلس المعرفي والاكتفاء بما وصلهم من الموروث الديني ورفض المعاصرة و الاستغناء عن منجزات العصر ،ولكنه يدعو إلى المعاصرة الواعية التي لا تدعو إلى القطيعة مع الموروث وشطبه، وفي آن واحد لا تتنكر لأصولها وثوابتها و ذاكرتها الحضارية، ومن هنا وجب على المسلمين قراءة للموروث قراءة مُتزنة واعية وفهم سليم ومتابعة عقلية لسنن الحياة والبحث الجدي عن أسباب نهضة الأمم وانهيارها و سقوطها وهلاكها و معرفة ومتابعة رصينة للعوامل الذاتية والموضوعيّة من تدهور للقيم وانتشار منكرات الأخلاق والأقوال و الأعمال و الأهواء والتدافع المميت ؛مما كان سببًا في الانحراف والسقوط. وهكذا، تكون دراسة واقع الأمم السابقة الهالكة تؤسس لتوثيق الصلة بالماضي و امتلاك القدرة على فهم الحاضر والتخطيط لمستقبل واعد، ولعل ما دفع لتبني فكرة التنكر للماضي القطيعة معه والتمسك بالحداثة وتفضيل المعاصرة أنهم لم يتعاملوا مع التراث كناتج بشري موسوعي تكوّن بالتراكم والاجتهاد والاختلاف وفيه ما يحتاج إلى تصحيح و تدقيق وتقييم ونقد ومراجعة. ولقد تحوّل نقد أصحاب القطيعة إلى دعوة صريحة لإلغاء المرجعية الحضارية كليا منكرين صالحها وطالحها ،و اعتمدوا فهما خاصا للحداثة و المعاصرة وجعلوه معيارًا وحيدًا ومطلقًا يُقبَل به ما جاء منها ،ويُرفَض به كل ما ورثته الأمة فكان شعارهم هذا ذريعة لشطب الذاكرة الدينية و الحضارية ،و لو قُدّر لهم النجاح في مسعاهم لاستطاعوا تشكيل وعي فردي وجماعي جديد وخطير يقطع مع الموروث الديني و الحضاري ويؤسس للحداثة و المعاصرة الموعود بهما ،وبذلك يظهر جليًا الإنتاج الحرفي لسنن الأمم السابقة الهالكة، ولو فهم الجميع أن النهضة الحقّ ليست بأن تفقد الأمة ذاكرتها وليست للحداثة و المعاصرة أن تتنكر لهويتها وإنما النهضة الحق أن تجعل الأمة تراثها قاعدة تنطلق منها ومن حاضرها لواقع مطمئن خلاق ومبدع ويصنع مستقبلا خيّرًا و مزاحمًا قويًا ومساهمًا فعالًا في النهضة العلمية والتطور الحضاري.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة مع المفكر والباحث الكبير
...
-
الحركة الإبداعية اللبنانية المعاصرة: مع الأديبة نهلا وهبي
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة:مع الأديب عبد اللطيف دحم
...
-
الحركة الإبداعية الأردنية المعاصرة:مع الإعلامية ندين أبو صال
...
-
الحركة الإبداعية الأردنية المعاصرة: مع الشاعرة بيان الحجاوي
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: حوارٌ مع الشاعرة فريال ا
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الدكتور عقيل الفتلي
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :حوار مع الأديبة والشاعرة
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوارمع الشاعر العراقي ر
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعرة سعاد شهيد
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الأديب والقاص المغربي
...
-
الحركة الإبداعية اللبنانية المعاصرة: مع الإعلامية والشاعرة إ
...
-
الحركة اللبنانية المعاصرة:مع الشاعر بلال إسماعيل
-
الحركة الإبداعية الأردنية المعاصرة:حوار مع الدكتورة منال الع
...
-
الحركة الإبداعية الأردنية المعاصرة: مع الأديبة الأردنية أمل
...
-
الحركة الإبداعية الأردنية المعاصرة:مع الشاعر أبو بكر البطوش
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعرة سهام بنشيخ
-
الحركة الإبداعية الليبية المعاصرة : مع الأديبة صباح أبو شاقو
...
-
الحركة الإبداعية الليبية المعاصرة :مع الشاعرة والأديبة الليب
...
-
الحركة الإبداعية الليبية المعاصرة ..قراءة في عالم الكاتب محم
...
المزيد.....
-
شاهد.. حوت ضخم يصطدم بقارب صيد بشكل مفاجئ قبالة سواحل نيويور
...
-
شبكة CNN تستضيف -وجهات نظر عالمية- في بانكوك.. وقادة بارزون
...
-
كيف أثرت الحرب في الشرق الأوسط على الطاقة وصنعت -ضغوطًا هائل
...
-
الحوثيون يردّون على إعلان -التحالف- اعتراض صاروخ فوق المدينة
...
-
الكرملين: المساعي الأمريكية لتسوية الأزمة في أوكرانيا تصطدم
...
-
تقارير: إيران تدعو -حزب الله- للاستعداد لقتال إقليمي جديد
-
خلافات غير مسبوقة حول ميزانية الاتحاد الأوروبي تهدد إقرارها
...
-
ترامب يدرس تقليص دعم كييف استخباراتيا
-
الحكومة الإسرائيلية توافق على تمديد حالة الطوارئ على الجبهة
...
-
ماذا دار بين مستشار نتنياهو ومسؤول قطري؟ تحقيق يكشف لقاءات س
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|