|
|
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الأديب والقاص المغربي محمد خوجة
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 12:07
المحور:
مقابلات و حوارات
حارس الكلمات المنسية: حوار مع الأديب والقاص المغربي محمد خوجة حول صناعة الدهشة في "ق.ق.ج" وقضايا الهوية الإنسانية
في عالم يتسارع فيه كل شيء، اختار الأديب المغربي محمد خوجة أن يمارس طقس التكثيف والتقطير الأدبي، منحازاً لجماليات القصة القصيرة جداً، ومتنقلاً بمرونة بين الفصحى والزجل والترجمة. عبر فضاءات نصوصه مثل "مرابطون"، "عنبر العقلاء"، وقصيدته المترجمة "الذئب"، يشيّد خوجة معماراً إبداعياً يلتصق باليومي والإنساني، ويسائل قضايا مجتمعية بوعي رمزي حاد. في هذا الحوار، نبتعد عن الأسئلة التقليدية الجاهزة، لنحاوره في عمق ورشته الإبداعية، ونفكك معه شيفرات الكتابة، والترجمة، ومسؤولية الحرف في الهوامش والمراكز. المحور الأول: جماليات التكثيف في القصة القصيرة جدا 1. في نصوصك مثل «حصاد» و«فرحة مؤجلة»، كيف توازن بين الاقتصاد الشديد في اللغة والعمق الدرامي؟
تعاملي مع التكثيف ليس غاية، وليس استغناء عن الكلمة، بقدر ما هو استفزاز لمخيلة القارئ، و فتح نوافذ للتأويل.ففي معظم كتاباتي، أحاول أن أترك النص يبدأ مع القفلة، لا أن ينتهي عندها؛ بحيث تفرض النهاية قراءة جديدة لما سبقها، وتعيد ترتيب دلالاته في ذهن القارئ.والكلمات عندي لا تقاس بكثرتها، بل بما تتركه وراءها من أسئلة وصور و احتمالات.
2. متى تتحول الفكرة عندك إلى قصة قصيرة جدا، بدل أن تكون قصيدة أو نصا تأمليا؟
في الحقيقة، ليست هناك لحظة مفصلية للتصنيف؛ فأنا عادة أكتب مسودة النص، وأطلق العنان لمخيلتي، وحين تكتمل الفكرة، أصوغها بحسب طبيعتها: إن كانت بحمولة سردية، أصبحت قصة؛ وإن كانت بحمولة تأملية، تحولت إلى ومضة؛ وأحيانا تسحبني شاعرية الموقف وجمالية الإحساس إلى عالم الشعر.عموما، لا أختار ماذا سأكتب؛ فعندما أبدأ الكتابة لا أعرف إلى أين ستقودني. وعندما أنتهي ، أتعرف على ما كتبته.
3. كيف تتجنب أن تتحول القفلة المفاجئة إلى مجرد حيلة متوقعة؟
المفارقة بالنسبة لي ليست غاية في حد ذاتها، ولا حيلة أستدرج بها القارئ، وإنما هي تصور عميق وموقف حاسم، يصبغ العبرة بطريقة تستفز ذكاء القارئ وفضوله.كما أن القفلة، في نظري، ليست نهاية مغلقة، بل باب مفتوح على مصراعيه أمام تأويلات القارئ وقراءاته؛ فحين تنتهي الكلمات، تبدأ احتمالات النص.
4. كيف تستطيع أن تخلق فضاء زمانيا ومكانيا واسعا في بضعة أسطر، كما في «عنبر العقلاء»؟
في القصة القصيرة جدا، تكفي الإيحاءات الزمكانية ــ إن اختيرت بإمعان ــ أن تضع القارئ في الإطار الزمني والحيز المكاني، دون حاجة إلى الإسهاب في الوصف.إشارات بسيطة قد تقضي الغرض؛ فندبة، أو انحناءة ظهر، قد تقول ما لا تقوله سطور، وقد تختزل عمرا كاملا أو تحيل إلى زمن مضى دون أن أصرح به.أما الفضاء، فلا أتعامل معه باعتباره مجرد خلفية تتحرك فيها الشخصيات، بل قد يتحول هو نفسه إلى حامل للدلالة، وإلى شخصية أخرى في القصة. ففي «عنبر العقلاء» لم يكن المكان مجرد عنبر، وإنما كان فضاء رمزيا تتقاطع داخله أسئلة الواقع والعقل والجنون، حتى بدا أن المكان نفسه يشارك في إنتاج المعنى.فالقصة القصيرة جدا لا تصغر العالم، بل تضغطه في كبسولة تسعها أسطر وكلمات قليلة؛ وكلما اتسعت دلالة المكان، اتسعت معه مساحة التأويل.
5. هل القصة القصيرة جدا هي الجنس الأدبي الأكثر تعبيرا عن إنسان اليوم الذي يفتقد الوقت؟ ربما، لكنها تبقى جنسًا أدبيًا قائمًا بذاته ضمن باقي الأجناس، ولا أرى أن قيمتها تختزل في كونها تناسب إنسانا يفتقد رفاهية الوقت.بل لعلها واحدة من أصعب الأجناس الأدبية؛ لأن الكاتب فيها يتنازل طوعا عن الوصف والاستطراد والتفاصيل، ويعوض ذلك بتكثيف محسوب يجعل كل كلمة تؤدي أكثر من وظيفة، وكل إشارة قابلة لأن تفتح دلالة أخرى.القصة القصيرة جدا لا تراهن على أن يقرأها القارئ بسرعة، وإنما على أن تظل تلاحقه بعد أن يفرغ منها؛ توقظ فضوله، وتدفعه إلى إعادة النظر في تفاصيلها، وفك رموزها، واستنباط ما أخفته خلف ظاهرها.لذلك، فالمشكلة ليست في قصر زمن القراءة، بل في طول الأثر وعمق التأثير؛ فالنص القصير في حجمه قد يكون طويل الإقامة في ذاكرة القارئ.
المحور الثاني: معمار النص وميكانيزمات الكتابة 6. في «عنبر العقلاء»، كيف توظف السخرية السوداء لتمرير النقد الاجتماعي دون الوقوع في المباشرة؟ السخرية السوداء بالنسبة إلي ليست زينة أسلوبية، بل وجهة نظر لاذعة تجاه واقع قد يكون أحيانا أغرب من الخيال.وحين تكون الحقيقة موجعة، يكون الضحك عليها أكثر إيلاما من البكاء؛ لذلك أحاول ألا أمارس الوصاية على القارئ، بل أضعه أمام المشهد، وأترك له أن يكتشف بنفسه أوجه المفارقة وفضاعة التناقض.وجدير بالذكر أن المدرسة اللاتينية، إلى جانب بعض الكتابات السياسية العربية، تركت بصمتها في تجربتي الأدبية. فالسخرية عندي لا تأتي لتخفيف الألم، بل لتكشفه؛ إنها تبتسم... لكن بأسنان مهشمة.
7. كيف تلتقط التفاصيل الصغيرة وتحول اليومي والعادي إلى مفاجأة أدبية؟
طبيعة عملي وانشغالاتي الجمعوية أكسبتني خبرة ووعيًا يجعلانني ألتقط التفاصيل، وأنتبه إلى ما يمر عليه الآخرون دون انتباه.ولا أخفيك سرا، أن بصمة غابرييل غارسيا ماركيز عميقة في تجربتي؛ فقد علمني، مثلما علمتني الحياة، أن التفاصيل البسيطة والعادية يمكن جدا أن تتحول إلى حكاية موجعة.لهذا أقول دائما: الأشياء الصغيرة ليست صغيرة في الأدب؛ يكفي أحيانا أن يزيح الكاتب عنها غبار العادة، ليكشف الدهشة الكامنة فيها.فالحكاية، في كثير من الأحيان، لا تكون مختبئة في الأحداث الكبيرة، بل في تفصيل صغير مر أمام الجميع... وتوقف عنده الكاتب.
8. هل العنوان عندك هو العتبة الأولى للنص أم اللمسة الأخيرة؟
العنوان هو الواجهة الرئيسية للنص، لذا فأنا غالبًا ما أكتب النص وأترك العنوان ليولد على مهل. أفضل العناوين الغامضة التي تخلق المفارقة و لا تلخص النص، وتضطر القارئ ليعيد قراءته بعد النهاية ويستنتج دلالة جديدة غير التي استخلصها في البداية.فالعنوان عندي تقنية فنية، لا بطاقة تعريف.
9. ما دور بياضات النص وفراغاته؟ وهل تترك مساحة للقارئ ليشارك في بناء المعنى؟
ما أسميه بياضات النص أو فراغاته، هي في الحقيقة أشياء لم أقلها صراحة، لكن ذكاء القارئ يلتقطها.أنا أترك أحيانا مساحة للقارئ حتى يكون شريكا في الكتابة؛ يتخيل المشهد، و يكمله من ذاكرته وتجربته، وربما من أسئلته أيضا.وأعتقد أن هذا ما يمنح القصة القصيرة جدا قدرتها على إنتاج قراءات متعددة؛ فما لا أقوله أنا قد يقوله القارئ بطريقته، وقد يكون وقعه أعمق مما كتب.
10. كيف ترى الإيقاع في القصة القصيرة جدا مقارنة بالزجل أو الشعر؟
الإيقاع، وإن اختلف، موجود في الاثنين، لكن وظيفته تختلف.الإيقاع في القصة يخدم الحركة والسرد و المفارقة، في حين أنه في الشعر ــ وأنا لم أكتب في الزجل بعد ــ جزء أكثر وضوحا في بنية النص، ويعتمد أساسا على الموسيقى.تجربتي المتواضعة علمتني أن أمزج بين الاثنين؛ فأغلب الإيقاع السردي في القصة، والإيقاع الموسيقي في الشعر، دون أن تفقد القصة شاعريتها، ولا القصيدة حبكة السرد.واللغة عندي ليست مجرد وسيلة لنقل الحدث، وإنما هي جزء من الحدث نفسه. 11. في «مرابطون» وقضاياك الوطنية، كيف تحمل القصة القصيرة جدًا قضية كبيرة دون أن تتحول إلى خطاب أو شعار؟
الأدب الوجيز ليس من اختصاصاته كتابة الخطب ورفع الشعارات؛ فهو جنس أدبي يبحث في دواخل الإنسان، وقد يحمل قضية من رحم مشهد بسيط، بعيدا كل البعد عن المباشرة.في «مرابطون»، كما في غيره من نصوصي الوطنية، تعمدت أن أجعل الإنسان محور النص، لا الخطاب؛ فالمشهد عندي قد يقول ما تعجز عنه الكلمات، والتفصيل الصغير قد يختزل معنى بحجم وطن.وعموما، القضايا الكبيرة لا تحتاج إلى ضجيج؛ يكفيها قلب يسمع وعقل يتدبر...فحين يصمت الشعار، يتكلم المعنى.
12. كيف تتعامل مع الشخصيات البسيطة والأصوات المهمشة في نصوصك؟ وهل ترى أن الأدب يستطيع إعادة الاعتبار إلى الهامش؟
كما سبق وأشرت، فأنا ابن تفاصيل الحياة اليومية، ولذلك من الطبيعي أن تنحاز كتاباتي إلى الإنسان البسيط.لكن تعاملي مع هذه الشخصيات لا يأتي من موقع التعاطف معها بقدر ما هو محاولة لإعادة الاعتبار إلى «الهامش»؛ ذلك الهامش الذي أصنع منه، في كثير من الأحيان، مركز الحكاية.وهكذا تتحول المساحة المهمشة إلى فضاء رحب، تصرخ فيه أصوات لا تجد منبرا، وتفصح عن لواعج واهتمامات طالما مر عليها الآخرون دون أن يحسنوا الإصغاء إليها.فأنا لا أستدعي الهامش إلى الحكاية؛ بل أكشف أن الحكاية كانت ناقصة بدونه.
13. في زمن الصورة والفيديو والاستهلاك السريع للمحتوى، هل ما زال الأدب قادرًا على منافسة الثقافة البصرية والوصول إلى المتلقي؟ لا أظن أن الأدب يحتاج إلى الدفاع عن نفسه بقدر ما هو في حاجة إلى أن يستوعب ما حوله؛ فهو يقدم ما لا تستطيع الصورة الخاطفة أن تبوح به، فيتغلغل إلى أعماق الإنسان.نعم، الصورة تقدم المشهد في ثانية، لكن الأدب يجعل الإنسان يعيش ما وراء المشهد؛ حيث قد توقفه كلمة، وتستفزه نقطة حذف، وتتركه أمام ما لم يقل.لقد أسرت الصورة العين، لكن الكلمة ما زالت تملك مفاتيح الداخل؛ فالصورة تنتهي حين ينتهي المشهد، أما الكلمة... فقد يبدأ مشهدها بعد أن ينتهي كل شيء.
14. إلى أي حد تستخدم الرمز لتجاوز الرقابة الاجتماعية والفكرية، مع الحفاظ على وضوح الفكرة؟
الرمز عندي أداة فنية تمنح الفكرة أكثر من طبقة، وليس وسيلة للتهرب من الرقابة.والرمز الناجح هو الذي لا يخفي الفكرة تماما ولا يكشفها عيانا؛ يأتي من صلب السياق، ويفتح للقارئ أكثر من احتمال، دون أن يفقده خيط المعنى.فالرمز لا يقول أقل... بل يترك للمعنى مساحة كي يقول أكثر.
15. هل ما زال الكاتب المغربي مؤثرا في مجتمعه، أم أصبح معزولا عن القارئ؟
أعتقد أن الكاتب المغربي لم يفقد تأثيره، بقدر ما فقد المنابر التي يصل عبرها إلى القارئ.وأنا أراه ابن بيئته؛ يحمل في نصه رائحة الأزقة، وذاكرة الناس، وأسئلة الهامش، وتفاصيل حياة قد تمر أمام الجميع ولا يتوقف عندها إلا الكاتب.أما أنا، فلا أكتب لأعظ، بل لأشهد؛ ألتقط الإنسان المغربي في فرحه وانكساره وتناقضاته، وأدع النص يقول ما لا أقوله مباشرة.فالأدب قد لا يغير العالم، لكنه يستطيع أن يزيح عنه طبقة من الغبار... كي نراه كما هو، ونرى أنفسنا فيه. 16. في نصك الريفي «الذئب»، عند ترجمته إلى العربية، ما الذي يتغير في الإيقاع والدلالة؟
لا أخفيك سرًا أن الأمازيغية، إجمالًا، لغة موسيقية بامتياز؛ وعند الانتقال إلى العربية، قد تخسر الترجمة شيئا من إيقاعها، لكنها تربح في المقابل مساحة أوسع للإحساس والتعبير الفني.لذلك لا أنظر إلى اللغتين باعتبارهما متنافستين، بل نافذتين أطل منهما على الإنسان نفسه.فالترجمة لا تنقل الكلمات فقط؛ إنها تنقل روحا من ضفة إلى أخرى... وقد تخسر شيئا من نبرتها، لكنها تمنحها حياة في أذن جديدة.
17. عندما ترجمت «مرارة فنجان» إلى الإسبانية ثم حولتها إلى أغنية، كيف تنظر إلى الموسيقى كجسر بين الثقافات؟
الموسيقى تستطيع أحيانًا أن تعبر الحدود قبل الكلمات.عندما حولت «مرارة فنجان» إلى الإسبانية، ثم إلى أغنية، لم يعد النص مطالبا بأن يفهم لغويا منذ اللحظة الأولى؛ صار الإحساس هو الجسر الأول.وهذا، في رأيي، جوهر الترجمة الأدبية؛ فنحن لا نترجم المعنى وحده، بل نحاول أن نعبر بالإحساس أيضا، حتى يشعر المتلقي أن وراء الكلمات إنسانا، وتجربة، ووجعا له ملامحه.لذلك اخترت الأغنية؛ لأنها تقول للآخر، دون حاجة إلى شرح طويل:قد لا تفهم لغتي... لكنك تستطيع أن تشعر بألمي.
18. إلى أي مدى تمنحك الريفية شحنة عاطفية ودلالية لا تستطيع الفصحى وحدها أن تنقلها؟ وكيف يرتبط ذلك بتجربتك الأدبية؟
بالتأكيد، لكل لغة مميزاتها الخاصة.أما الريفية بالنسبة إلي، فليست مجرد لغة؛ إنها ذاكرة وموسيقى وطفولة وبيئة، وأصوات أشخاص عشت بينهم، أو بقي أثرهم في ذاكرتي. هي اللغة التي تحمل رائحة المكان قبل أن تحمل الكلمات. والفصحى بالنسبة إلى تجربتي ليست بديلا عنها، بل امتداد آخر لها؛ بها أوسع فضاء الحكاية، وأعيد صياغة ما تختزنه الذاكرة المحلية في لغة تصل إلى قارئ أبعد. لهذا أرى أن التعدد اللغوي في تجربتي لم يكن مجرد انتقال بين لغات، بل انتقال بين طبقات من الذاكرة والتجربة؛ فكل لغة تفتح في داخلي نافذة، وتمنح النص زاوية أخرى لرؤية الإنسان.وفي النهاية، قد تختلف اللغات التي أكتب بها... لكن الإنسان الذي أبحث عنه واحد.
19. ما أصعب ما يواجه المترجم عند نقل الزجل أو الشعر المحلي إلى لغة أخرى، خصوصا حين يتعلق الأمر بالمجاز والذاكرة المحلية؟
إجمالا، أصعب ما في الترجمة هو ترجمة ما لا تقوله الكلمة.وأنا لم أكتب في الزجل بعد؛ فهو جزء أكثر وضوحا في بنية النص، ويعتمد أساسا على الموسيقى. تجربتي المتواضعة علمتني أن أمزج بين الاثنين؛ الإيقاع السردي في القصة، والإيقاع الموسيقي في الشعر، دون أن تفقد القصة شاعريتها، ولا القصيدة حبكة السرد. في الزجل، توجد إشارات ثقافية ومجازات ونبرة وإيقاع وذاكرة محلية، قد لا يكون لها مقابل مباشر في اللغة الأخرى. لذلك فالمترجم لا ينقل الكلمات فقط، بل يحاول أن ينقل ما يسكن خلفها: النبرة، والإيقاع، وروح المكان.فهو يعبر بالروح إلى لغة أخرى... دون أن يفقدها رائحتها.
20. كيف أسهم التعدد اللغوي، بين الريفية والعربية والفرنسية والإسبانية، في إثراء تجربتك السردية وتشكيل هويتك الأدبية؟
بالفعل، أسهم التعدد اللغوي في تشكيل تجربتي؛ فهو يوسع زاوية النظر، ويمنح الكتابة فسيفساء من الأصوات والثقافات.الريفية هي المنبت، والطفولة والذاكرة؛ والعربية تمنحني عمق الحكاية واتساعها؛ أما الفرنسية والإسبانية فتفتحان نوافذ على الآخر.ولا أرى أن الهوية الأدبية تبنى من لغة واحدة؛ فقد تكون أوسع من أن تختزلها لغة.هويتي في النهاية ليست مجموع هذه اللغات، بل ما تتركه مجتمعة في داخلي حين أجلس إلى طاولة الكتابة.
21. كيف غير النشر الرقمي علاقتك بالكتابة وبالقارئ؟ وهل ترى أن سرعة الوصول إلى الجمهور أثرت في طريقة اشتغالك على النص؟
بكل صدق، فجر النشر الرقمي أولى إرهاصاتي في الكتابة؛ فقد كنت أظن أن نصوصي لا ترقى إلى النشر، فأحتفظ بها لنفسي. ثم جاء النشر الرقمي فألغى المسافات، ومنحني قارئا لم أكن أحلم به. بالأمس كنا نكتب للأرشيف، وأحيانا للنشر حين تتاح الإمكانات؛ أما اليوم، فنقرة واحدة تكفي ليجوب النص العالم.لكن هذا القرب يحمل مسؤوليته أيضا؛ إذ قد يغري الكاتب بأن يكتب للتفاعل، لا للنص.لذلك أحاول أن أتذكر دائما: عدد الإعجابات ليس مقياسا للأدب؛ فالنص الذي يستقر في ذاكرة قارئ، أبقى من نص يزدحم تحته زر الإعجاب. 22. إلى أي مدى تؤثر تعليقات القراء وردود أفعالهم في أسلوبك؟ وهل يمكن للقارئ أن يغير مسار تجربتك الإبداعية؟
أصدقك القول، أقرأ التعليقات وأحترم القارئ، لكنني لا أكتب لإرضائه.قد يكشف لي قارئ زاوية لم أرها، وهذا ثمين؛ لكن إذا جعلت كل تعليق يقود قلمي، فقدت صوتي.وفي نظري، يحتاج الكاتب إلى نافذة يرى منها الآخرين، وإلى غرفة يغلق بابها حين يكتب. وبصراحة، أستمع إلى القارئ... لكنني لا أسلمه القلم. 23. هل ترى أن النقد الرقمي واكب القصة القصيرة جدا بما يكفي؟ وهل أنصف هذا الجنس الأدبي، أم ما زالت الحاجة قائمة إلى قراءة نقدية أكثر عمقا؟
النقد الرقمي فتح الباب أمام أصوات كثيرة، وهذا إيجابي، لكنه كشف أيضا تفاوتا كبيرا في مستويات القراءة.هناك قراءات جادة وعميقة، وأخرى تختزل النص في إعجاب أو نفور عابر.أما القصة القصيرة جدا، فما زالت تحتاج إلى نقد يقرأها بوصفها جنسا أدبيا له جمالياته وأدواته، لا مجرد نص قصير.فالكاتب لا يحتاج إلى مديح دائم؛ يحتاج إلى ناقد يقول له أين نجح، وأين أخفق، ولماذا.والنقد الحقيقي لا يصفق للنص... بل يوقظه. 24. في ظل سهولة النشر الرقمي وانتشار ظاهرة سرقة النصوص، كيف تحمي كتاباتك وتحافظ على مكانتها وقيمتها الأدبية؟ الحماية تبدأ بالتوثيق، والنشر باسم واضح، والاحتفاظ بالأصول والتواريخ، لكنها لا تنتهي عند ذلك.وبصراحة، لا يزعجني كثيرا أن تسرق منشوراتي؛ فقد أعتبر ذلك، في مفارقة غريبة، دليلا على أن النص وجد طريقه إلى القارئ.أما المكانة، فلا يحميها شيء أكثر من وعي الكاتب بقيمة ما يكتب، وألا يضع اسمه إلا على ما يستحقه.فالفضاء الرقمي سوق مفتوحة؛ فيه الجوهرة والحجر، والكاتب مسؤول عما يضعه في الواجهة.لذلك أحاول ألا أترك سرعة النشر تسبق نضج النص؛ فما يستحق أن يبقى، يستحق أيضا أن أمنحه الوقت الكافي قبل أن أتركه يغادرني. 25. كيف تنظر إلى اختلاف القراءات والتأويلات التي قد يثيرها النص الواحد من نصوصك في القصة القصيرة جدا؟ وهل ترى أن تعدد التأويلات دليل على نجاح النص، أم أن للكاتب دلالة محددة يحرص على أن تصل إلى القارئ؟
اختلاف القراءة أعتبره انتصارا للكلمة، ومساحة للقارئ ليشارك الكاتب في إتمام القصة.أنا أكتب النص، لكنني لا أغلق أبوابه؛ أترك فيه بياضات ومساحات للتأويل، لأنني أؤمن أن القارئ ليس مستهلكا للنص، بل شريك في إتمامه.لا ينبغي للنص أن يمارس الوصاية على قارئه أو يفرض عليه معنى واحدا؛ فقد يرى قارئ في القفلة ما لم يخطر لي، أو يلتقط من تفصيل صغير ما لم أصرح به. وهذا، بالنسبة إلي، ليس انحرافا عن النص، بل حياة جديدة له.لذلك لا أخاف من تعدد التأويلات؛ أخاف فقط من نص لا يترك وراءه سؤالا.فأنا أكتب القصة كي أضع آخر كلمة... لا كي أضع آخر معنى.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية اللبنانية المعاصرة: مع الإعلامية والشاعرة إ
...
-
الحركة اللبنانية المعاصرة:مع الشاعر بلال إسماعيل
-
الحركة الإبداعية الأردنية المعاصرة:حوار مع الدكتورة منال الع
...
-
الحركة الإبداعية الأردنية المعاصرة: مع الأديبة الأردنية أمل
...
-
الحركة الإبداعية الأردنية المعاصرة:مع الشاعر أبو بكر البطوش
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعرة سهام بنشيخ
-
الحركة الإبداعية الليبية المعاصرة : مع الأديبة صباح أبو شاقو
...
-
الحركة الإبداعية الليبية المعاصرة :مع الشاعرة والأديبة الليب
...
-
الحركة الإبداعية الليبية المعاصرة ..قراءة في عالم الكاتب محم
...
-
الحركة الإبداعية الليبية المعاصرة :الإعلامي والروائي فتحي مح
...
-
الحركة الإبداعية البحرينية المعاصرة: حوار مع الكاتب جعفر الد
...
-
الحركة الإبداعية الليبية المعاصرة :مع الأديب الليبي حسين بن
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة فوزية العكرمي
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الشاعرة وردة أيوب عز
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:الهادي العثماني: الشاعر ا
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع سفيرة الكلمة وال
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة بسمة المرواني
-
التجربة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الكاتبة التونسية سلو
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية راضية
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة :الشاعر التونسي سليمان بن
...
المزيد.....
-
وزير الأمن الداخلي الأمريكي يعتزم إجراء تحقيق بعد الانتخابات
...
-
مستشار لترامب: نتائج الانتخابات كانت -أكبر من أن تُزوّر-
-
من الأحمر إلى الأزرق.. سكان تكساس يحتفلون بفوز تاريخي للديمق
...
-
الولايات المتحدة تبدأ تفكيك حاملة -إنتربرايز- النووية
-
بمشاركة روسية.. جامعة النور العراقية تستضيف مؤتمرا دوليا لبح
...
-
كشف تفاصيل عملية قادش: كيف شكلت مصر تهديدا لإسرائيل وأجبرتها
...
-
بوتين: قادة إفريقيا انبهروا بالتوافق الديني في روسيا
-
مصر تدعو واشنطن وطهران إلى التهدئة وتجنب العودة للمواجهة الع
...
-
بيسكوف: دميترييف ولانتراتوفا سيمثلان روسيا في لقاء ميلانيا ت
...
-
الجزائر.. عناوين روسية في معرض الكتاب
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|