أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الشاعرة وردة أيوب عزيزي















المزيد.....


الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الشاعرة وردة أيوب عزيزي


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 09:23
المحور: مقابلات و حوارات
    


«وردة أيوب عزيزي: صوفية الحرف وسادنة المجاز في محراب القصيدة العمودية والإعلام»

تتشكل التجربة الإبداعية للشاعرة والإعلامية الجزائرية وردة أيوب عزيزي كحالة استثنائية في المشهد الثقافي المعاصر؛ إذ نجحت بجدارة في الجمع بين الالتزام بالعمود الشعري الخليلي، وبين سيولة التدفق الروحي ذي النزعة الصوفية والوطنية الإنسانية. ومن واقع مسيرتها التي زاوجت فيها بين عين الإعلام الفاحصة وعاطفة الشاعر الجياشة، استطاعت أن تنقل الحرف الجزائري إلى مدارات العالمية عبر ترجمة نصوصها لعدة لغات. في هذا الحوار، نسبر غور تجربتها الإبداعية لنتعرف علي ملامح هذا العطاء الثقافي.
1. ما الذي جذبكِ للاعتصام بالقصيدة العمودية في زمن يتجه فيه الغالبية نحو شعر التفعيلة وقصيدة النثر؟
لم أشعر يومًا أن اختياري للقصيدة العمودية هو اعتصام ضد الحداثة، بل هو اعتصام باللغة وبجمالياتها العميقة. العمود الشعري بالنسبة إليّ ليس قالبًا موروثًا فحسب، وإنما ذاكرة جمالية هائلة، ونظام موسيقي قادر على منح الفكرة والعاطفة جسدًا متماسكًا.
أجد في القصيدة العمودية مساحة واسعة لأقول ما أريد، دون أن أشعر بأنني أسيرة للماضي. فالوفاء للتراث لا يعني اجتراره، كما أن الحداثة لا تعني بالضرورة القطيعة معه. ما أبحث عنه هو أن أجعل القصيدة العمودية تتكلم بوعي الإنسان المعاصر، بلغته وأسئلته وقلقه وانكساراته.
وربما لهذا السبب أحب أن أتعامل مع الوزن والقافية بوصفهما تحديًا إبداعيًا لا قيدًا. حين يستطيع الشاعر أن يضع تجربته الحديثة داخل بناء موسيقي عريق، دون أن تبدو القصيدة غريبة عن زمنها، أظن أنه يحقق نوعًا من المصالحة الجميلة بين الأصالة والتجديد.

2. كيف توازنين بين صرامة القافية والوزن الخليلي وبين تدفق العاطفة المعاصرة دون أن تفقد القصيدة عفوية الإحساس؟
أتعامل مع الوزن والقافية بوصفهما موسيقى داخلية قبل أن يكونا قوانين خارجية. حين يصبح الشاعر متمكنًا من أدواته، لا يعود الوزن بالنسبة إليه شيئًا يراقبه في كل لحظة، بل يتحول إلى إيقاع يسكن النص.
بالنسبة إليّ، القصيدة تبدأ من إحساس حقيقي، من سؤال أو وجع أو دهشة أو موقف إنساني، ثم تأتي الصنعة الشعرية لاحقًا لتمنح هذا الإحساس شكله الأجمل. لذلك لا أريد للقافية أن تقودني إلى معنى لم أقصده، ولا للوزن أن يجبرني على التضحية بصدق التجربة.
وأؤمن أن العفوية لا تعني غياب الصنعة؛ فالقصيدة الأكثر عفوية قد تكون وراءها يقظة لغوية وموسيقى دقيقة وعمل طويل. الشاعر الحقيقي هو من يجعل القارئ لا يرى هذه الصرامة، بل يشعر فقط بانسياب القصيدة وكأنها ولدت دفعة واحدة.
لهذا أحاول أن يكون الوزن خادمًا للعاطفة، لا سيدًا عليها، وأن تكون القافية خاتمة موسيقية للمعنى لا قيدًا عليه.
3. هل ترين أن البحور الشعرية التقليدية لا تزال قادرة على استيعاب قلق الإنسان الحديث وأزماته الراهنة؟
بكل تأكيد. البحر الشعري لا يشيخ، الذي يتغير هو الإنسان الذي يسكن القصيدة.
البحور الخليلية نشأت في سياقات تاريخية مختلفة، لكنها تحمل طاقة إيقاعية وإنسانية قابلة للتجدد. نحن اليوم نكتب عن الحرب والاغتراب والوحدة والقلق الوجودي، وعن المدن التي تتغير، وعن الإنسان الذي يعيش وسط سرعة هائلة وضجيج لا ينتهي؛ وكل هذه القضايا يمكن أن تجد مكانها في القصيدة العمودية إذا امتلك الشاعر القدرة على إعادة توظيف اللغة والإيقاع.
المشكلة ليست في البحر، وإنما في كيفية استخدامه. فإذا ظل الشاعر يكتب العمود بعقلية القصيدة القديمة، سيبدو النص قديمًا مهما كان موزونًا. أما إذا حمل البحر تجربة معاصرة، وصورة جديدة، ورؤية مختلفة، ولغة تنتمي إلى أسئلة زمننا، فإن القصيدة العمودية تستطيع أن تكون شديدة الحداثة وهي ترتدي ثوبًا تراثيًا.
وأنا لا أرى المعركة الحقيقية بين العمود والتفعيلة والنثر؛ المعركة الحقيقية في رأيي هي بين قصيدة حيّة وقصيدة بلا روح. قد تكتب قصيدة موزونة فتكون أكثر حداثة من نص نثري، وقد تكتب قصيدة نثر فتكون شديدة التقليدية في رؤيتها. الشكل وحده لا يصنع الحداثة.
ما يعنيني في النهاية أن تظل القصيدة قادرة على أن تمس الإنسان، وأن تقول شيئًا لم يكن قادرًا على قوله وحده. وإذا استطاعت القصيدة العمودية أن تفعل ذلك، فهي ليست ماضيًا على هامش الحاضر، بل حاضرًا له جذور.

4. ديوان «واشتعل القلب عشقًا» بُني بالكامل على أسس القصيدة العمودية، ما البحر الشعري الذي تجدينه الأقرب إلى نبضك الداخلي؟

أميل كثيرًا إلى البحر المتقارب؛ لأنني أجد في إيقاعه قربًا من النبض الإنساني، وفي تفعيلاتِه بساطةً ظاهرية تخفي طاقةً عاطفية كبيرة. هو بحر يستطيع أن يحمل الشجن والبوح والحب والمناجاة، وفي الوقت نفسه يمنح الشاعر مجالًا للمراوحة بين الهدوء والانفعال.
لكنني لا أتعامل مع البحر باعتباره اختيارًا ثابتًا أو هوية مغلقة. أحيانًا تكون التجربة هي التي تختار موسيقاها. قد أشعر أن المعنى يحتاج إلى إيقاع أكثر اتساعًا، فأذهب إلى بحر آخر. بالنسبة إليّ، القصيدة هي التي تقود الشاعر إلى بحرها، وليس الشاعر الذي يفرض البحر عليها.
وفي «واشتعل القلب عشقًا» كان المتقارب قريبًا من طبيعة التجربة في كثير من المواضع، لأنه يتيح لي أن أجعل الإيقاع متحركًا مع حركة القلب، وأن يتحول الوزن من مجرد انتظام موسيقي إلى جزء من الدلالة.

5. كيف تواجه الشاعرة وردة عزيزي اتهامات البعض بأن الالتزام بالعمود الشعري قد يسقط النص في فخ التكرار اللفظي أو النمطية؟

أعتقد أن المشكلة ليست في العمود، وإنما في الشاعر الذي لا يجدد أدواته. العمود الشعري يمكن أن يكون مكررًا، كما يمكن أن تكون قصيدة النثر مكررة؛ لأن النمطية لا يسكنها الشكل، بل تسكنها الرؤية.
أنا أحاول أن أتعامل مع القصيدة العمودية بوصفها فضاءً مفتوحًا للتجريب داخل نظامها الموسيقي. أبحث عن الصورة الجديدة، وعن المفردة التي لم تُستهلك، وعن العلاقات غير المألوفة بين الأشياء، وأحاول أن أجعل تجربتي الشخصية حاضرة في النص، لأن التجربة الصادقة وحدها قادرة على إنقاذ القصيدة من التكرار.
وأرى أن الشاعر حين يمتلك وعيًا باللغة والتراث ويعيش عصره في الوقت نفسه، يستطيع أن يكتب قصيدة عمودية لا تشبه سواها. فالتراث مادة للإبداع، وليس وصفة جاهزة لإعادة الإنتاج.
6. في ديوانك «صوفية في محراب عشق»، كيف تشكلت هذه التوليفة بين العشق الإلهي والتعبير الأدبي؟

التصوف بالنسبة إليّ لم يكن زينة لغوية أضعها على القصيدة، ولا مجموعة من الرموز والمصطلحات الصوفية. كان قبل ذلك كله حالة شعورية ورؤية إلى الإنسان والوجود.
العشق الإلهي حين يدخل الشعر يمنح اللغة طبقة أخرى من المعنى؛ فالكلمة لا تعود مجرد وسيلة للقول، وإنما تصبح محاولة للاقتراب من معنى يتجاوز اللغة نفسها. ومن هنا جاء التداخل بين التجربة الروحية والتعبير الأدبي.
في «صوفية في محراب عشق» حاولت أن أجعل الشعر مساحة للمناجاة والتأمل والبحث عن الطمأنينة، وأن أستفيد من ثراء المعجم الصوفي دون أن أفقد صوتي الخاص. ولذلك فالتجربة عندي ليست استنساخًا للخطاب الصوفي القديم، وإنما حوار مع روحه من داخل حساسية شاعرة معاصرة.

7. إلى أي مدى تتقاطع التجربة الصوفية في قصائدك مع المفهوم الفلسفي للتصوف الإسلامي؟

تتقاطع معه في جوهر التجربة أكثر مما تتقاطع معه في المصطلح. ما يجذبني في التصوف الإسلامي هو ذلك الانتقال من ظاهر الأشياء إلى باطنها، ومن معرفة العالم إلى محاولة معرفة الذات، ومن الانشغال بالمظاهر إلى البحث عن المعنى.
لكنني لا أتعامل مع قصيدتي بوصفها بحثًا فلسفيًا في التصوف، وإنما بوصفها تجربة شعرية تستلهم بعض أسئلته الكبرى: سؤال الروح، والحضور والغياب، والمحبة، والتجرد، والبحث عن الحقيقة.
والشعر هنا يتيح لي أن أطرح السؤال دون أن أدّعي امتلاك الإجابة. وربما هذه إحدى أجمل نقاط الالتقاء بين الشعر والتصوف: كلاهما يجعل الإنسان في حالة بحث دائم عن معنى يتجاوز ما هو مباشر ومحسوس.

8. هل الكتابة الروحية بالنسبة لكِ نوع من العزلة الاختيارية الهروبية أم هي مواجهة واعية للواقع؟

هي مواجهة، وليست هروبًا.العزلة التي أحتاجها حين أكتب ليست انسحابًا من العالم، وإنما عودة مؤقتة إلى الداخل كي أستطيع النظر إلى العالم بوضوح أكبر. الإنسان أحيانًا يحتاج إلى الصمت لا لكي يهرب من الواقع، وإنما لكي يسمعه جيدًا.
والكتابة الروحية بالنسبة إليّ لا تعني تجاهل الألم الإنساني أو إغلاق العين عن الواقع، بل محاولة إعادة قراءة هذا الواقع من زاوية أكثر عمقًا. حين أكتب عن الرحمة أو المحبة أو الصفح أو الأمل، فأنا لا أنكر قسوة العالم، وإنما أبحث عن إمكانية مقاومته بقيم إنسانية أكثر نبلاً.
لذلك أرى أن الشعر الروحي يمكن أن يكون فعل مقاومة هادئة؛ لأنه يرفض أن يسمح للقسوة بأن تعيد تشكيل روح الإنسان.

9. كيف تنعكس لغة الإشارة والرمز الصوفي في قصائدك دون السقوط في الغموض المستغلق على القارئ؟

أؤمن أن الرمز الجميل هو الذي يفتح أبواب المعنى ولا يغلقها.لا أريد من القارئ أن يحتاج إلى قاموس خاص كي يدخل قصيدتي. الرمز بالنسبة إليّ ليس تعقيدًا متعمدًا، وإنما طبقة إضافية من الدلالة. يمكن أن تكون الكلمة بسيطة، لكن ما وراءها من إحالات وتأويلات يمنحها عمقًا آخر.
وأحاول دائمًا أن أترك في القصيدة خيطًا يصل القارئ بالنص، حتى عندما أستخدم الإشارة الصوفية. فالغموض المقبول هو الذي يدفع إلى التأمل، أما الغموض الذي يمنع الفهم تمامًا فقد يتحول إلى قطيعة بين الشاعر والمتلقي.
أحب أن تكون قصيدتي قابلة للقراءة الأولى، ثم قابلة لاكتشاف طبقات جديدة في القراءة الثانية والثالثة. أن يفهم القارئ القصيدة، ثم يكتشف أنه لم ينته منها بعد؛ هذا هو النوع من الغموض الذي أحبّه.

10. ما الحدود الفاصلة في نصوصك بين العشق الإنساني الأرضي والعشق الروحي المطلق؟

أحيانًا لا أضع بينهما جدارًا حادًا، لأن التجربة الإنسانية نفسها قد تكون جسرًا نحو الروحي. الحب الإنساني بما يحمله من شوق وحنين وفقد وانتظار يمكن أن يوقظ في الإنسان أسئلة أعمق عن معنى المحبة والحضور والغياب.
لكن هناك فرق في الغاية والمرجعية. العشق الإنساني يرتبط بالمحبوب الإنساني وتفاصيل العلاقة وذاكرتها، بينما العشق الروحي يتجه إلى المطلق، إلى معنى يتجاوز الشخص واللحظة والمادة.
وفي تجربتي الشعرية قد يتجاور المستويان، لكنني أحرص على ألا يتحول العشق الإلهي إلى مجرد استعارة للحب الأرضي، ولا الحب الإنساني إلى قناع للتجربة الروحية. لكل منهما خصوصيته، وإن كان بينهما ذلك الخيط الجميل الذي اسمه المحبة.
وربما لهذا ظل العشق حاضرًا في تجربتي: لأنه عندي ليس موضوعًا شعريًا فحسب، بل طاقة تجعل الإنسان أكثر قدرة على اكتشاف ذاته والعالم والآخر.

12. كيف تسهم القصيدة في صون الذاكرة التاريخية للجزائر وإبراز الهوية العربية أمام محاولات التغريب الثقافي؟

أؤمن أن القصيدة ليست مجرد مساحة للتعبير عن المشاعر، بل هي أيضًا ذاكرة حيّة تحفظ ما قد يحاول الزمن أن يطمسه. والجزائر تمتلك ذاكرة تاريخية وثقافية شديدة الثراء، من مقاومة الاستعمار إلى الثورة التحريرية، ومن عمقها العربي والإسلامي إلى تنوعها الحضاري.
حين أكتب عن الجزائر، فأنا لا أستحضر التاريخ بوصفه ماضياً منتهياً، وإنما أراه جزءاً من حاضرنا ووعينا وهويتنا. والقصيدة قادرة على أن تمنح الذاكرة حياة جديدة، لأنها تحول الحدث التاريخي من معلومة إلى إحساس، ومن تاريخ مكتوب في الكتب إلى وجدان يسكن الإنسان.
أما الهوية العربية، فأراها مكوّناً أصيلاً في شخصيتنا الثقافية، والحفاظ عليها لا يعني الانغلاق أمام الآخر، وإنما يعني أن ننفتح على العالم ونحن نعرف من نحن. فالتغريب الحقيقي يبدأ حين نفقد علاقتنا بلغتنا وذاكرتنا ورموزنا، ولذلك أجد في الشعر العربي وسيلة من وسائل مقاومة النسيان والذوبان الثقافي.
13. متى يتحول الحرف في قصائد وردة عزيزي من أداة جمالية إلى سلاح وموقف نضالي؟

يتحول الحرف إلى سلاح حين يصبح الصمت خيانة للحقيقة، وحين يشعر الشاعر أن الجمال وحده لا يكفي، وأن عليه أن يقول موقفه تجاه قضايا الإنسان والوطن والحرية والعدالة.
لكنني لا أؤمن بالسلاح الشعري الصاخب أو الخطابي؛ أحب أن يكون الحرف قوياً من داخله، وأن يحمل موقفه دون أن يفقد شعريته. قد تكون صورة واحدة أكثر مقاومة من خطاب طويل، وقد يكون بيت شعري قادرًا على اختزال وجع وطن بأكمله.
لذلك أحاول أن أجعل القصيدة مساحة يلتقي فيها الجمال بالموقف، والعاطفة بالوعي، والذات بالشأن العام. فالشاعر، في رأيي، لا يرفع راية النضال خارج النص فقط، بل يستطيع أن يجعل اللغة نفسها مساحة للمقاومة.

14. هل تعتقدين أن الشعر السياسي والوطني يفقد قيمته الإبداعية إذا صار مباشراً، وكيف تجنبتِ ذلك في نصوصك؟

المباشرة ليست خطراً في حد ذاتها، وإنما الخطر حين تتحول القصيدة إلى بيان سياسي أو خطاب شعاري وتفقد خصوصيتها الفنية. الشعر الوطني والسياسي يستطيع أن يكون عميقاً وجمالياً إذا امتلك الشاعر القدرة على تحويل الفكرة إلى صورة وإيحاء ورمز.
أحاول دائماً ألا أقول الفكرة كما هي، بل أن أجعل المتلقي يصل إليها من خلال الصورة الشعرية. فحين أكتب عن الوطن، لا أريد أن أصفه فقط، وإنما أريد أن أجعل القارئ يشعر به. وحين أكتب عن الألم أو الظلم، لا أريد أن أرفع صوتي في وجه القارئ، بل أريد أن أترك في داخله سؤالاً وقلقاً وذاكرة.
الشعر بالنسبة إليّ ليس منشورًا سياسيًا موزونًا، وإنما موقف إنساني يرتدي ثوب الجمال.

15. حصلتِ على جوائز في مدح الرسول وفي مسابقات وطنية، كيف يسهم التكريم المحلي في تعميق ارتباط الأديب بقضايا مجتمعه؟

التكريم بالنسبة إلى المبدع ليس مجرد شهادة أو جائزة، بل هو رسالة تقول له إن ما يكتبه يصل، وإن هناك من يرى في إبداعه قيمة تستحق الاحتفاء. وعندما يأتي التكريم من محيطك الوطني والثقافي، فإنه يصبح أكثر ارتباطا بالمسؤولية تجاه المجتمع.
الجوائز التي نلتها، سواء في مجال المديح النبوي أو في المسابقات الوطنية، جعلتني أشعر أكثر بأن الشعر يمكن أن يكون جسرا بين المبدع وبيئته، وأن الكتابة ليست فعلاً فرديا منعزلاً عن قضايا الناس.
وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يفعله التكريم هو أن يدفع المبدع إلى المزيد من العمل، لا إلى الاكتفاء بما حققه. الجائزة الحقيقية بالنسبة إليّ هي أن أظل قادرة على كتابة نص يستحق أن يُقرأ، وأن أضيف شيئا إلى المشهد الثقافي الذي أنتمي إليه.
16. في كتابك «مساكب الضوء»، جمعتِ حوارات ورؤى مع مبدعين عرب، كيف أثرت هذه اللقاءات الفكرية في وعيك الشعري الخاص؟

«مساكب الضوء» لم يكن بالنسبة إليّ مجرد كتاب يجمع حوارات مع مبدعين، بل كان تجربة في الإصغاء. وأحيانًا يكون الإصغاء إلى تجربة مبدع آخر نوعاً من الكتابة، لأنه يفتح أمامك أسئلة جديدة ويجعلك تعيد النظر في أشياء كنت تظن أنك تعرفها.
الاحتكاك بتجارب المبدعين العرب وسّع رؤيتي للشعر وللثقافة، وجعلني أكتشف أن لكل شاعر طريقته الخاصة في النظر إلى العالم، وأن الاختلاف بين التجارب لا يلغي إمكانية الحوار بينها.
وقد انعكست هذه اللقاءات على وعيي الشعري، ليس بالضرورة من خلال تقليد ما قرأته أو سمعته، وإنما من خلال اتساع الأسئلة داخلي. وأعتقد أن الشاعر الحقيقي لا يتوقف عن التعلم؛ كل لقاء عميق يمكن أن يترك في روحه نافذة جديدة.

17. هل يخدم العمل الإعلامي والصحفي الشاعر أم أنه يسرق منه وقت التأمل وعزلة الكتابة؟

أعتقد أن الأمر يتوقف على كيفية إدارة الشاعر لعلاقته بالإعلام. العمل الصحفي قد يسرق الوقت بالفعل، خصوصاً عندما تتزاحم الالتزامات والمواعيد، والشعر يحتاج إلى مساحة من العزلة والتأمل لا يمكن تعويضها بسهولة.
لكنني في المقابل أرى أن العمل الإعلامي منحني شيئا مهما جدًاً: الاحتكاك بالناس والتجارب والأفكار. الصحفي يذهب إلى الآخرين ويسألهم ويستمع إليهم، وهذا الاحتكاك يثري حساسية الشاعر تجاه التفاصيل الإنسانية.
لذلك لا أرى الإعلام والشعر خصمين. قد يأخذ الإعلام من الشاعر بعض وقته، لكنه يمنحه في المقابل مادة إنسانية وفكرية واسعة. والتحدي الحقيقي هو أن يعرف المبدع متى يخرج إلى العالم، ومتى يعود إلى عزلته، لأن القصيدة تحتاج إلى الاثنين: ضجيج الحياة، وصمت الكتابة

18. من واقع حواراتكِ مع النخب العربية، ما هي القواسم الفكرية المشتركة التي وجدتها تجمع بين هموم الأديب الجزائري والأديب العربي؟
أعتقد أن المسافة الجغرافية بين المبدعين العرب أكبر من المسافة التي تفصل همومهم الحقيقية. من خلال الحوارات التي أجريتها، لمست أن هناك قضايا مشتركة تتكرر وإن اختلفت تجلياتها: سؤال الهوية، وعلاقة المثقف بمجتمعه، والقلق على اللغة العربية، ومشكلة القراءة، وموقع الأدب في زمن التحولات السريعة.
الأديب الجزائري يحمل خصوصية تجربته التاريخية والثقافية، لكنه في الوقت نفسه يعيش الأسئلة الكبرى التي يعيشها المبدع العربي عموماً. هناك أيضاً ذلك الصراع بين الرغبة في الحفاظ على الأصالة والانفتاح على الحداثة، وبين حاجة المبدع إلى أن يجد لنفسه مكاناً في مشهد ثقافي شديد التغير.
وقد جعلتني هذه الحوارات أؤمن أكثر بأن الثقافة العربية، رغم اختلاف البيئات، تمتلك وجداناً مشتركاً يمكن أن يكون أساساً لحوار عربي حقيقي يتجاوز الحدود.

19. كيف وظفتِ أدوات الصحافة الاستقصائية والتحليلية في تفكيك البنية الثقافية والاجتماعية داخل نصوصك؟

الصحافة علمتني أن وراء كل ظاهرة حكاية، وأن وراء كل موقف سياقاً ينبغي فهمه قبل الحكم عليه. وهذا الوعي انعكس على كتابتي الأدبية، خصوصاً في طريقة النظر إلى التفاصيل والشخصيات والقضايا الاجتماعية.
لا أنقل أدوات التحقيق الصحفي إلى القصيدة بصورة مباشرة، لكنني أستفيد من روحها: السؤال، والبحث، ومراجعة المسلمات، والنظر إلى الظاهرة من أكثر من زاوية. وهذا يجعل النص الأدبي أكثر التصاقاً بالواقع، من دون أن يتحول إلى تقرير صحفي.
الشعر يمنحني الحرية التي لا يمنحها التحقيق الصحفي؛ أستطيع أن أستخدم الرمز والصورة والمفارقة والإيحاء، وأن أترك للقارئ مساحة ليشارك في اكتشاف المعنى. لذلك أرى أن الصحافة غذّت في داخلي حس الملاحظة والتحليل، بينما أبقى حريصة على أن تظل القصيدة قصيدة.

20. هل ساعدكِ الإعلام في تسليط الضوء على جوانب خفية من منجزكِ الأدبي لم تلتفت إليها القراءات النقدية الكلاسيكية؟

بالتأكيد. الإعلام يمنح المبدع فرصة لأن يتحدث عن تجربته بصوته، وهذه نقطة مهمة جداً. فالناقد يقرأ النص من زاويته ومنهجه، بينما الحوار الإعلامي يتيح للشاعر أن يكشف بعض الخلفيات الفكرية والوجدانية التي رافقت ولادة النص.
أحياناً يكتشف القارئ من خلال الحوار أن قصيدة ما لم تكن مجرد تجربة عاطفية، وإنما كانت مرتبطة بسؤال فكري أو بذاكرة تاريخية أو بتجربة إنسانية معينة.
لكنني لا أضع الإعلام في مواجهة النقد؛ كلاهما يؤدي وظيفة مختلفة. النقد يمنح النص قراءة تحليلية ومنهجية، والإعلام يفتح نافذة على صاحبه وعلى السياق الذي تشكلت فيه التجربة. وبين الاثنين تتسع دائرة تلقي العمل الأدبي.

21. تُرجمت أعمالكِ إلى لغات متباينة مثل الصربية والكردية والفرنسية، كيف استقبلتِ تحول المترجمين نحو نصوصكِ ذات الصبغة العمودية والصوفية؟

استقبلت ذلك بامتنان كبير، لأن وصول القصيدة إلى لغة أخرى يعني أنها غادرت حدود تجربتي الشخصية لتدخل فضاءً إنسانياً أوسع. والأجمل أن يكون النص العمودي والصوفي تحديداً هو موضع اهتمام المترجم، لأن هذا النوع من الشعر يحمل خصوصية لغوية وإيقاعية وثقافية شديدة الحساسية.
الترجمة هنا ليست نقلاً للكلمات فقط، وإنما محاولة لنقل روح تجربة تشكلت داخل بيئة عربية لها مفرداتها وإشاراتها الروحية والجمالية. ولهذا أقدّر كثيرًا المترجم الذي لا يتعامل مع القصيدة بوصفها نصًا لغويًا فحسب، وإنما يحاول فهم خلفيتها الثقافية والوجدانية.
وأرى أن ترجمة الشعر في جوهرها حوار بين روحين: روح النص الأصلي وروح اللغة الجديدة.

22. ما الذي يتبقى من روح القصيدة الخليلية بعد تجريدها من موسيقاها الأصلية، الوزن والقافية، عند ترجمتها إلى لغات أخرى؟
يبقى الكثير، إذا استطاع المترجم أن ينقل ما هو أعمق من الوزن والقافية. صحيح أن الموسيقى الخليلية جزء أساسي من هوية القصيدة العربية، وفقدانها في الترجمة يعني فقدان طبقة مهمة من جمال النص، لكن القصيدة لا تختزل في موسيقاها الخارجية.
هناك الصورة، والإيقاع الداخلي، والتوتر العاطفي، والرمز، والفكرة، والنبرة، والعلاقة بين الكلمات. وهذه كلها يمكن أن تجد أشكالاً جديدة في اللغة المترجِمة.
ومع ذلك، لا أعتقد أن الترجمة تستطيع أن تكون بديلاً كاملاً عن الأصل، خصوصاً في الشعر العمودي. هي تقدم لنا قصيدة أخرى تولدت من القصيدة الأصلية، وتحاول أن تحمل ذاكرتها إلى قارئ لا يستطيع الوصول إليها بلغتها الأولى.

23. هل لمستِ تفاعلاً مختلفاً من القارئ الغربي أو غير العربي مع المضامين الروحية والوطنية التي تطرحينها؟
نعم، وأعتقد أن الاختلاف في المرجعية الثقافية لا يعني بالضرورة اختلافاً في القدرة على التفاعل. قد لا يملك القارئ غير العربي الخلفية نفسها التي يمتلكها القارئ العربي، لكنه يستطيع أن يتفاعل مع المشاعر الإنسانية التي تحملها القصيدة: الحب، الفقد، الحنين، البحث عن المعنى، والانتماء، والخوف والأمل.
أما المضامين الصوفية، فهي تحديدًا تملك بعدًا إنسانيًا واسعًا، لأنها تتصل بأسئلة الروح والوجود والبحث عن الطمأنينة والمعنى.
وقد يكون القارئ غير العربي بحاجة إلى بعض المفاتيح الثقافية لفهم بعض الرموز والإشارات، لكن هذا لا يمنع القصيدة من الوصول إليه وجدانيا. وهنا تكمن قوة الأدب الحقيقي: أن يبدأ من خصوصيته المحلية، لكنه يستطيع أن يلامس إنسانًا في مكان بعيد.

24. كيف تسهم ترجمة الأدب الجزائري المعاصر في تصحيح الصور النمطية وبناء جسور الحوار بين الثقافات؟
ترجمة الأدب الجزائري ليست مجرد عملية نقل من العربية أو الأمازيغية أو الفرنسية إلى لغات أخرى، بل هي فعل ثقافي قادر على تقديم الجزائر كما تراها ذاكرتها وأدباؤها، لا كما قد تقدمها الصور النمطية الجاهزة.
حين يقرأ الآخر رواية أو قصيدة جزائرية، فإنه يكتشف الإنسان الجزائري من الداخل: أحلامه، ذاكرته، علاقته بالأرض، وأسئلته تجاه التاريخ والحداثة والهوية. وهذا أكثر عمقاً من أي خطاب تعريفي أو دعائي.
وأعتقد أن الأدب من أنجح سفراء الثقافات، لأنه لا يطلب من الآخر أن يتبنى وجهة نظرنا، وإنما يدعوه إلى أن يرى العالم من نافذة مختلفة.
نحن بحاجة إلى أن نترجم أدبنا لا لكي نثبت أننا موجودون فقط، بل لكي ندخل في حوار متكافئ مع العالم؛ حوار نعرّف فيه بأنفسنا، ونصغي في الوقت نفسه إلى الآخر. فالترجمة، في جوهرها، ليست عبوراً للكلمات فحسب، وإنما عبورٌ للذاكرة والهوية والإنسان من ثقافة إلى أخرى.



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:الهادي العثماني: الشاعر ا ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع سفيرة الكلمة وال ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة بسمة المرواني
- التجربة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الكاتبة التونسية سلو ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية راضية ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة :الشاعر التونسي سليمان بن ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية سلوى ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:عادل لطيفي في حديث من الق ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوارٌ مع حارس اللحظة اله ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع الشاعر التونسي ع ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية فائزة ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعر التونسي محمد عل ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع الشاعر التونسي ن ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة مجيدة محمدي
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الشاعر التونسي محمد ا ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع عبد المجيد عبوبي
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوارٌ مع الشاعر والمربي س ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع الشاعرة المغربية ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: لقاء مع الفنان التشكيلي ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع عبد المؤمن الزياني


المزيد.....




- زوجة طيار رحلة -فلاي دبي-: لا نسأله عما حدث حتى لا يسترجع ذك ...
- -أكسيوس-: اجتماع سري و-غير معتاد للغاية- لكبار مسؤولي إدارة ...
- فينوكوروف يكشف تفاصيل جديدة حول تورط الاستخبارات الأوكرانية ...
- تقارير إيرانية تفند مزاعم ترامب وتكشف إحصائية ناقلات النفط ا ...
- باكستان.. الحكومة وحزب عمران خان يبدآن محادثات لاحتواء مسيرة ...
- مشاهد توثق استهداف الجسر الشمالي في مدينة كييف
- القوات الحكومية اليمنية تعلن ضرب 71 هدفا حوثيا في تعز
- الخارجية الروسية: نهج طوكيو نحو إعادة العسكرة يخلق مخاطر أمن ...
- مقتل خمسة أشخاص في غارة إسرائيلية على غزة
- تعرّض ناقلتان لهجوم -مجهول- في مضيق هرمز، ومصادر تتحدّث عن ت ...


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الشاعرة وردة أيوب عزيزي