|
|
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع سفيرة الكلمة والسلام: الشاعرة والباحثة التونسية حياة بربوش
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 00:31
المحور:
مقابلات و حوارات
من جزيرة جربة النابضة بالسحر والتاريخ، ومقاعد جامعة منوبة العريقة، خرجت الأستاذة حياة بربوش لتصنع لنفسها مساراً استثنائياً في المشهد الثقافي العربي. هي ليست مجرد شاعرة تكتب بمداد الوجدان والتمرد، بل ناقدة تفكك الخطاب الروائي، وباحثة تغوص في علم النفس والآثار، وتشكيليّة ترسم الكلمات بألوان الروح. نالت بجدارة ألقاباً دولية كـ"سفيرة الثقافة والأدب" و"سفيرة الحب والسلام"، لتمثل تونس في المحافل العربية والإفريقية بصوت يجمع بين أصالة الجذور وعصرنة الرؤية. في هذا الحوار الخاص، نلتقي بها لنبحر في عوالمها الإبداعية، ونفتش في حقيبتها الأكاديمية عن أسرار السرد والشعر، ونستشرف معها مستقبل الثقافة في العصر الرقمي.
المحور الأوّل: الهويّة والجذور وأثر المكان 1/كيف ساهمت جزيرة جربة بطبيعتها وخصوصيّاتها الثّقافيّة في تشكيل وعيك الأدبيّ الأوّل؟
تتميّز جزيرة جربة بخصوصيّات ثقافيّة فريدة ونادرة حيث يتداخل فيها عبق التّاريخ، والتّنوع الدّيني، والهندسة المعماريّة الاستثنائيّة التّي تعكس تأقّلم الإنسان مع محيطه. 1/التّنوع الدّيني والتّعايش السّلمي.تمثّل الجزيرة ملتقى الأديان.فهي نموذج فريد للتّسامح والتّعايش بين المسلمين (بمن فيهم الإباضية) واليهود.إنّها تضمّ "كنيس الغريبة"، وهو أحد أقدم الكنيس اليهوديّة في العالم ومزار سنويّ تاريخيّ بارز.كما تُعرف بجزيرة المساجد (فيها أكثر من 360 مسجداً) تميّزت تاريخيّا بأدوار دفاعيّة كقلاع محصّنة لحماية الجزيرة من الغزاة والطّامعين.
2/ النّمط العمرانيّ الاستثنائيّ (المنازل والمساجد)
تمتاز المساكن التّقليدية المعروفة باسم المنازل بتصميمها الدّائري حول ساحة مركزيّة للحفاظ على البرودة، وتحيط بها بساتين النّخيل والزّيتون في نظام المنازل (Menzel) مفردها المنزل وحوش المِعمار الجربي له بعد اقتصاديّ واجتماعيّ مستقلّ، وتنتشر على سواحل الجزيرة مساجد محصّنة وأربطة مراقبة كانت تتواصل فيما بينها عبر الدّخان نهاراً والنّار ليلاً لصّد الطّامعين فيها.
3/ الصّناعات التّقليدية والحرف اليدويّة ك:
- فخّار قلاّلة: تعتبر منطقة قلاّلة مركز الخزف والفخّار التّقليدي في الجزيرة، حيث يحافظ الحرفيّون على تقنيات بربريّة قديمة
-النّسيج والملابس التّقليدية: تشتهر بصناعة النّسيج اليدويّ الفاخر، والملابس التّقليدية المميّزة مثل "الحايك" و"المظلّة" الجربيّة لحماية الأهالي من أشعّة الشّمس والحليّ البربريّ والأمازيغيّ.
4/ المطبخ الجربيّ:
- الأكلات المحليّة ينفرد المطبخ الجربيّ بأطباق شهيرة تعتمد على الطّهي بالبخار وزيت الزّيتون، وأبرزها الرّوز الجربيّ (الأرز المطبوخ بالخضار واللّحم أو السّمك بالبخار)، و"المسفوف الجربيّ"، و"الزّميطة"..
- سحر الصّيد البحريّ يرتبط تراثها الغذائيّ بالصّيد التّقليدي للأسماك والأخطبوط عبر طرق متوارثة تشهدها الأسواق اليوميّة مثل حومة السّوق
5/ الموقع:
تقع جزيرة جربة في الرّكن الجنوبيّ الغربيّ من الحوض الشّرقي للمتوسّط بخليج ڨابس أو ما يعرف ب«سرت الصّغرى» عند القدامى ممّا يجعلها منفتحة في ذات الوقت على المتوسّط والصّحراء،تبلغ مساحتها 514 كم2. وترتبط الجزيرة بالقارّة الإفريقيّة بمنفذيْن أحدهما بحريّ اِنطلاقا من "آجيم" حيث يوجد مضيق يفصل الجزيرة عن القارّة، أمّا الثّاني فهو برّي اِنطلاقا من القنطرة بواسطة طريق يشقّ البحر تعود جذوره إلى العهد الرّومانيّ. هذا بالإضافة إلى موانئ عديدة كانت منذ القديم وإلى اليوم نقاطا رئيسيّة لإرساء البواخر وتوجد أبرز هذه الموانئ بحومة السّوڨ بالسّاحل الشّماليّ وآجيم بالسّاحل الغربيّ والڨنطرة بالسّاحل الجنوبيّ وتمرّ بقرب هذه الموانئ أودية تحت مائيّة تسمح بوصول السّفن ولذلك أنشئت حول هذه الموانئ تحصينات دفاعيّة لمنع الأعداء من اختراقها.وتوضّح الدّراسات الّتي تعقّبت مسار التّطور الجيولوجيّ الّذي عرفته الجزيرة بأنّها قد أدركت شكلها الرّاهن خلال الزّمن الجيولوجيّ الرّابع وقد مرّت بتاريخ عريق . والمعروف تاريخيّا أنّ الأمازيغ هم السّكان الأصليّون لإفريقيا الشّماليّة .وقد كانوا يسكنون الشّواطئ والجبال ويشتغلون بفلاحة الأرض، مساكنهم الكهوف والبيوت المنحوتة أو المبنيّة من الحجارة والطّين،لباسهم يتكوّن من نسيج صوفيّ مخطّط برنس أسود، يرتدون الكدرون والجبّة ومنهم من يحلقون رؤوسهم ولا يغطّونها بشيء ويحجبون وجوههم بالشّام الّذي لا يزال معمولا به إلى اليوم. يأكلون الكسكسي، ويتكلّمون الشّلحة .وهي لغة متميّزة بذاتها معروفة من قديم الزّمان ومتواترة إلى الآن ، لها آدابها الشّعبيّة الشّفهية.وممّا لا شكّ فيه أنّ الفينيقيّين هم الّذين جلبوا غراسة أشجار الزّيتون...وبعدهم جاء المحتلّ الرّومانيّ، فشهدت الجزيرة ازدهارا عظيما لا تزال آثاره العمرانيّة دالّة عليه إلى اليوم. يحدّها البحر من كلّ الجهات، سميّت "بجزيرة الأحلام" أدرجت في قائمة التّراث العالميّ لليونسكو سنة 2023.هذه الجزيرة بهوّيتها الثّريّة وجذورها الأصيلة وثقافاتها المتنوّعة وانفتاحها على الثّقافات المختلفة ومخزونها الغنائيّ وأهازيجها وإيقاعاتها ذات الصّلة الوطيدة بالطّبيعة من بحر ونخيل يتمايل على وقع قصائد بدويّة شعبيّة تعبّر عن الحبّ والوفاء والعشق العفيف والحنين إلى الوطن في محافلها التّي تحتفي بالجمال.هذه القيم الأصيلة العريقة تشبّعت بها حدود الامتلاء.جزيرة علّمتني الشّموخ والإباء والاستعصاء...أصليَ عريق وفرعيَ يناشد العزّة والسّماء....وعيتُ منذ نشأتي الأولى أنّي امرأة الاختلاف والاستثناء...عميقة كالبحر، شامخة كالوتد، كريمة أبيّة ، أعشق الحريّة، زاديَ قيم إنسانيّة خالدة...
2/ تجمعين في هويّتك بين العربيّة والأمازيغيّة، كيف انعكس هذا التّنوّع الثّقافي على لغتك الشّعريّة؟
إنّ هويّتي هدهدة بين هويّتين:
1- هويّة عربيّة: إنّ الهويّة العربيّة عندي ذات دلالات لغويّة وفلسفيّة ونفسيّة واجتماعيّة وثقافيّة،فهي لا تُعدّ منظومة نهائيّة أو كيان مكتمل ، بل هي مشروع مفتوح ومنفتح على المستقبل مشتبك مع الحاضر بتضاريسه ومعطياته والتّاريخ بأحداثه وتراكماته، ولا تكتمل خصوصيّتها الحضاريّة إلاّ إذا تجسّدت مرجعيّتها في كيان مشخّص تتطابق فيه ثلاثة عناصر وهي الوطن والأمّة والدّولة.إنّها ضرب من الانتماء، له مقوّماته ، ولهويّتي ثلاثة مستويات وهي، الهويّة الوطنيّة أو القوميّة، والهويّة الجماعيّة، وأخيرا الهويّة الفرديّة أو الذّاتية والتّي تنبني على الدّعائم التّالية:
- الدّين والقيم :يُشكل الإسلام المكوّن الرّوحي والأخلاقيّ الأبرز لغالبيّة العرب، إلى جانب وجود أقليات دينيّة أخرى ساهمت في إثراء النّسيج الثقافيّ والحضاريّ، إنّه ذاك الانفتاح على الآخر دون إقصاء ولا تعصّب.
- اللّغة العربيّة :وتُعدّ بالنّسبة إليّ الرّكن الأساسيّ والجامع الأبرز للهويّة، لذلك اخترت عن وعي وعشق كبيريْن أن يكون تخصّصي في اللّغة والأدب العربييّن .
- الأرض والجغرافيا: الانتماء إلى رقعة جغرافيّة متّصلة ومتكاملة تمتدّ من الخليج العربيّ إلى المحيط الأطلسيّ (الوطن العربيّ بعاداته، وتقاليد الحياة الاجتماعيّة، والفنون، والآداب، والأنماط الثّقافية المشتركة التي تميز المجتمع العربيّ عن غيره من المجتمعات)
- التّاريخ المشترك: الذّاكرة التّاريخيّة والحضاريّة التّي تجمع بين شعوب المنطقة وتخلق شعوراً بالوحدة والمصير المشترك وأواصر التّآزر في السّراء والضّراء.ولا تتكامل أبعاد الهويّة العربيّة ومقوّماتها إذا توفّر بها الوعي الذّاتي والشّعور بالانتماء إلى الأمّة العربيّة أو الوطن العربيّ والوعي بأهميّة هذا الانتماء.
2-هويّة أمازيغيّة: أمّا الهويّة الأمازيغيّة فتقوم في عُرفيَ على جذور تاريخيّة عميقة تمتدّ لآلاف السّنين كأحد أقدم الشّعوب الأصلية في شمال إفريقيا. وتتشكّل هذه الهويّة من منظومة متكاملة تجمع بين عناصر:
- الأرض: إنّ علاقتي بالأرض والطّبيعة روحيّة. فالأرض هي رمز للحماية والوجود والاستمرارية..، فيها أحيا حرّة . فكلمة "أمازيغ"تعني في اللّسان الأصليّ "الرّجال الأحرار"، وهو ما يعكس قيم الأنفة، ورفض التّبعية، ومقاومة الاستعمار عبر العصور.
- اللّغة: تمتلك اللّغة الأمازيغيّة نظام كتابة أصيل وخاصّ بها يُعرف بـ حرف التّيفيناغ، وهو خطّ تاريخيّ عريق يزيّن الآثار الأمازيغيّة ، وتتفرّع إلى لهجات محليّة متعدّدة تشترك في أصول لغويّة موحّدة.وجزيرة جربة شأنها شأن بعض دول المغرب العربيّ تتقن هذه اللّغة الثّرية والمتفرّدة.
-الثّقافة الغنيّة: لقد تميز التّاريخ الأمازيغيّ بالقدرة العالية على التّلاقح الحضاريّ والتّسامح، حيث تفاعل الأمازيغ مع مختلف الحضارات المتعاقبة على شمال إفريقيا (مثل الفينيقيين، الرّومان، والعرب) دون التّخلي عن جوهر هويّتهم.
- الموروث الاجتماعيّ والرّوحي: وهو ما يتشكّل عندي في الدّين الإسلاميّ، وفي ذاك التّراث الشفويّ والفنيّ من عادات وتقاليد تشمل الشّعر، الحكايات الشّعبية، والاحتفال بالعام الأمازيغيّ الجديد (إيض يناير)، فضلاً عن الفنون البصريّة المتمثّلة في صناعة الحُليّ الفضيّة والزّربيّة الأمازيغية ذات الرّموز والدّلالات العميقة...فأنا تلك العربيّة الأمازيغيّة، هويّتي فسيفساء من القيم:الدّينيّة والفنيّة والجماليّة...سليلة الشّعر، أمّيَ الأرض المعطاء والطّبيعة الغنّاء، أغمس ريشتي في ألوان أستمدّها من حليّ جدّتي ، و"بسكري"(نوع من اللّباس ترتديه المرأة في الأعراس)أمّي...لذلك فالطّبيعة حاضرة في أشعاري، والجمال حاضر، والشّموخ حاضر تصريحا أو تلميحا، والبحر حاضر...فأنا "أنثى الموج" أقول"أنا ابنة البحر المائج... على الدّوام هائج... أسخر منك كثيرا... حين تريد... أن تنال من حريّتي"... فالحريّة عندي مِشعل تسلّمته من جدودي "الطّوارق" ورضعته مع لبن أمّي....
3/هل تعتقدين أنّ المكان الأوّل يظلّ يسكن قصائد الشّاعر مهما تنقّل واغترب؟
ليس الوطن رقعة جغرافيّة أحيا بين ربوعه ، بل هو نبضٌ يسكن بين الشّريان والشّريان، هو تاريخ أحمله في ذاكرتي،هو وشم نقشته على جسدي ، هو الانتماء والهويّة، هو القصيدة التّي لم تكتمل بعد، هو لوحة تشكيليّة تتغلغل فيّ، هو صياغة أسطر شعريّة من لغة غير اللّغة ، هو العشق الذّي لا يفنى، بل كالجمر يُفنيني ولا يفنى، هو آيات تُتلى، وفريضة ليس لها كفاية، هو أنشودتي في الصّباح والمساء.... هو حكاية عندي لها بداية وليس لها نهاية،هو كلّ ذكرياتي،مهما شرّقت ومهما غرّبت أعود إليه واللّهفة تأسرني، أناجيه يناجيني، بين أحضانه ولدت وبين أحضانه أموت ، لا مفرّ لي منه إلاّ إليه، أنا الطّائر وهو عشّي، أنا الموجة أنكسر على شطآنه نشوانة، هو نور الأنوار بنوره أهتدي في اللّيلة الظّلماء، أعشق كلّ ذرّة من ذرّات ترابه، هو قِبلتي بعد الله، وترنيمتي في مسافاتي، هو حالة روحيّة شبيهة أكون فيها بالمتصوّفين، يفنى الزّمان وهو لا يفنى، وتهرم الأماكن وهو شابّ على طول الأزمان....هو ذاكرتي حين تخونني الذّكريات، هو كينونتي وكياني، هو حلميَ الأبديّ، هو شموخيَ وكبريائي، هو جسر بين ذاتي وإبداعاتي، هو سرّ وجودي، هو مبعث فخري وفخر جدودي، هو الجمال، هو الجلال، هو ذاك الإيقاع النّابع من الشّلال، هو محراب مقدّس بعيدا عنه أشعر بالاغتراب والعذاب، وفي رحابه أشعر بالانتماء،هو الأرض والسّماء، على قِممه أعيش "كالنّسر فوق القمّة الشّماء" ( الشّابي) بيني وبينه آلاف الحكايات والذّكريات، فيه قلتُ أحلى الأغنيات...أردّدها وأردّد معها ما قاله "أبو تمّام" "نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى... ما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل " ....كم منزل في الأرض يألفه الفتى و حنينه أبدا لأوّل منزل"... فكلّ الأبجديّات واللّغات تعجز إن هي حاولت توصيف وطني الأكبر"تونس" والأصغر"جربة"...
4/كيف أثرت دراستك لعلوم الآثار والحضارة في نظرتك للتّاريخ والذّاكرة داخل النّص الأدبيّ؟
لقد مكّنتني دراستي لعلوم الآثار والحضارة من توسيع آفاقي المعرفيّة.فأدركتُ من خلالهما أنّهما التّعبير الرّوحي والتّوثيق الحيّ لتاريخ الشّعوب وثقافتها على جميع الأصعدة.فعلوم الآثار هي مغامرة جعلتني أكتشف خصوصيّات الشّعوب ، وهو ما لمسته في المخطوطات والرّقاع والنّقوش القديمة والنّصوص
( الأمازيغيّة، الآشوريّة، الفرعونيّة...)، الأمر الذّي أخذ بيدي لفهم السّياقات التّاريخيّة لقصص الشّعوب والملاحم الأسطوريّة وتفاصيل أحداثها ثمّ التّأكّد من مصداقيّتها فتوثيقها في بعض الأحيان للعود إليها كلّما سنحت الفرصة.إنّها من مصدر من مصادر الإلهام.فيأتي ما أكتبه من الشّعر والقصّة القصيرة مرآة تعكس صادق القيم والأفكار.فتكون الكتابة
- من هذا المنطلق- شكلا من أشكال صون هوّية الأمم من التّلاشي والاندثار.فالتّاريخ محفور في ذاكرتي منه أستقي صوري الشّعريّة وأبعادها الجماليّة والدّلاليّة، إنّه بحث وتقصٍّ في أصول حضارة الإنسان القديمة عن طريق استقراء الشّواهد الماديّة والفكريّة للعصور المتعاقبة عبر التّاريخ،وفي ذات الوقت استخلاص القيم الثّقافية، والعلميّة، والاستيتيقيّة للآثار التّي تركها الإنسان شاهدة على فعله القاهر الزّمن. وتعمل الذّاكرة -من وجهة نظري- الجماعيّة أو الفرديّة على تخزين التّراث الانسانيّ وربط السّيرورة الزّمنيّة ربطا وثيقا تدوينا وتوثيقا لكلّ الحكايات والشّهادات والوثائق الرّسمية والمشاعر الإنسانيّة والتّجارب السّياسيّة والعاطفيّة والفكريّة للأمم ونقل العادات والتّقاليد، والقيم من جيل إلى آخر.وقد سعيت من خلال نصّيَ الأدبيّ أن أنحت ذاكرة مشتركة ووعياً موحّداً للشّعوب، وذلك منعا للذّوبان وحماية لخصوصيّة تاريخ أمّتي ووطني من الطّمس أو التّغريب ومقاومة النّسيان واعتراف وامتنان للّذين ضحّوا لنحيا وأخذ العبرة للاعتبار.
5/ما هي الذّكريات العالقة مع مقاعد الدّراسة إلى الكليّة والتّ صنعت حياة بربوش الشّاعرة؟
منذ سمعت ذات فجر القرآن يُتلى بصوت أبي في مقامات مختلفة(البياتي، الرّاست، الحجاز..) بقراءات متنوّعة( نافع،ابن كثير، البصريّ....) في لغة ما سمعت أوقع منها في نفسي، سرت في عروقي مسرى الدّم..من يومها سكنتني وعشقتها وبدأ فعل سحرها يفعل فيّ، فأقبلت على الكتب ألتهمها علّني أشفي غليلي، كانت دراستي في مقاعد الدّراسة عزلة اختليت فيها بصفوة الشّعراء قديما"امرؤ القيس""الصّعاليك""أبو العتاهية""أبو نواس""ابن زيدون""أبو تمّام""ابن خفاجة""ابن هانىء الأندلسي"وغيرهم كثر...أمّا حديثا فقد أرهفت السّمع إلى شعراء المهجر"جبران، ايليا أبو ماضي..."، "أبو القاسم الشّابي""محمود درويش""بدر شاكر السّياب""نزار قباني""فدوى طوقان""أحمد شوقي"وغيرهم...أمّا نثرا فمن القديم استهوتني رسائل"ابن شهيد""الجاحظ""إخوان الصّفا""الغفران"كذلك"المتصوّفة"الغزالي""الحلاّج"و "مقامات الهمذاني""وبخلاء الجاحظ""كليلة ودمنة""الإمتاع والمؤانسة"...وقد سباني النّثر الحديث من خلال "طه حسين"مخائيل نعيمة""نجيب محفوظ""نوال السّعداوي""أحلام مستغانمي""مقامات المويلحي""محمود تيمور""علي الدّوعاجي""جبران خليل جبران""أبو القاسم الشّابي وكتابه الخيال الشّعري عند العرب"" محمود المسعدي"...ولم تقف مطالعاتي عند الأدب العربيّ بل كان لي هوس بالأدب الغربيّ، شعرا قرأت لـــــــ"جون جاك روسو""بودلير""ألفريد دي موسي""لامرتين"أمّا نثرا فقد كان حضور أعلام الفلسفة الوجوديّة"جون بول سارتر""كافكا""ألبير كامو"وغيرهم ، وكان لي شغف بأعلام المسرح"شكسبير"...أمّا مسيرتي في كليّة الآداب بمنّوبة فتلك رحلة مختلفة ومغامرة متفرّدة حيث اخترت أن يكون تخصّصي في اللّغة والأدب العربيّ، فتعمّقت في اللّغة وقواعدها ومدارسها والألسنيّ وعلم الأصوات، وانفتحت أمامي مشارب الحضارة وعلوم الآثار وعلوم:النّفس والاجتماع والتّربيّة...وانفتح أمامي باب النّقد ومدارسه وعلم السّرديات وهو تخصّصي الأكاديميّ(سيرة ذاتية، رواية، مذكّرات، قصّة....) وقد آثرت الاشتغال على الأدب النّسوي...
المحور الثّاني:الكتابة الإبداعيّة والنّزعة الوجدانيّة.
1/تمتاز قصائدك بالنّزعة الوجدانيّة الصّادقة، هل الشّعر بالنّسبة لك هو حالة تطهير ذاتيّ أم مواجهة مع العالم؟
تتنوّع عندي وظائف الشّعر لتراوح بين:
- الوظيفة الجماليّة والفنيّة والتّي أصوّر عبرها مشاعري وأحاسيسي في إيقاع مثير وصور فنيّة بليغة التّعبير والتّصوير تلامس روح المتلقّي فتأسره.
- الوظيفة الاجتماعيّة والسّياسية حيث تصير الكتابة الشّعريّة شكلا من أشكال الدّفاع عن القيم والأفكار.
- الوظيفة التّعليمية والتّأديبيّة وهي تتعلّق أساسا بتلقين طلبتي فصاحة اللّغة العربيّة من جهة ، وتهذيب أخلاقهم من جهة أخرى، إلى جانب كلّ هذا هناك وظيفة نفسيّة هي طقس من طقوس التّطهير الذّاتي(أو ما يُعرف فلسفياّ ونقديّا بمصطلح التطهير - Catharsis) الذّي أعمد من خلاله إلى التّعبير عن كوابت ومشاعر المتلقّي وتصعيد شحناته عبر قدرة لفظيّة ذات محسّنات بديعيّة تشفي نفسه ممّا تجد هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنفّس عن ذاتي في كلّ تفاصيل سيرتي الحياتيّة، ما يمنحني سلاما داخليّا وتوازنا يتجسّد تحديدا في التّوحد مع ما أكتب هذا من ناحية، وتوحّد المتلقّي مع تجربتي الشّعريّة في مظاهر عدّة كالمعاناة والثّورة واللّحظات الرّومانسيّة من ناحية أخرى.وهو ما يجعل تجربتي تتحرّر من البعد الفرديّ الضّيق لتعانق البعد الإنساني في أبهى تجليّاته. ويكون هذا الارتقاء عبر توظيف الرّمز والأسطورة، ما يثير - حتما- الدّهشة الجماليّة التّي تدفعه إلى تأمّل حدود الوجود الإنسانيّ، وطرح أسئلة، مصيريّة، ممّا يرفع من نضجه العقليّ والرّوحي.ولا يمكن الجزم أنّ وظيفة ما أكتب تقف عند هذا الحدّ، بل تتجاوزه لخوض معركة لا هوادة معها.فيغدو شعري أداةً نضاليّةً ووسيلةً للكشف والرّفض، ومقاومة الظّلم في ظلّ أنظمة سياسيّة ديكتاتوريّة وفي ظلّ مجتمع ذكوريّ يحرّم ويجرّم فعل المرأة تحت مسميّات عدّة(الدّين، القانون، الأخلاق، العادات....)إنه شكل نضاليّ ضدّ الإقصاء والتّهميش، وذلك لنحت كيان مختلف وهوّية مختلفة. فتصبح التّجربة الشّعريّة حصنا لذاكرني من التّلاشي والنّسيان وحماية لي من الصّراعات الدّاخليّة والشّعور بالضّياع والغربة.
2/ في قصيدتك"ما أحلى وجودك" تجلّت مشاعر استثنائيّة دافئة ماهي الشّرارة الأولى التّي تولد منها قصائدك؟
يقول هوميروس: «تلهمنا ملكات الشّعر مقدّمات قصائدنا، ويبقى علينا كشعراء أن نستلهمها» فالشّرارة الأولى لأيّ عمل إبداعيّ تظلّ «سرًا عجيبًا» وفق سحره يكون الإبداع.وهذه القصيدة "ما أحلى وجودك" من أجمل ما كتبتُ إيقاعا وسبكا، انتابني حينها شعور مفاجئ قويّ حرّك دواخلي ودفعني لتحويل إحساسي إلى كلمات موزونة تمازجت فيها الطّبيعة بالألوان والموسيقى الدّاخليّة عبر تدفّق عفويّ. فشرعتُ في كتابة السّطور الأولى دون تكلّف في تشكيل جماليّ من البساطة بمكان.عشت حينها مخاضا روحيّا ونفسيّا بدأ بشرارة الإلهام الفجائية وانتهي بنصّ فنيّ مكتمل ومصقول.وقد ظلّت فكرة " ما أحلى وجودك" تسكنني، تراودني، حتّى تشكّلت المعاني وتداخلت الصّور الذّهنية في مخيّلتي وبدأت ملامح لغتي تنضج ، فترقرقت الألفاظ وأتتني الأبنية منصاعة وتزاحمت الإيقاعات لتحتلّ مكانها بين تلافيف المقاطع، فتعالقت خيوط النّظم في شكل ضفيرة وانفلت من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل، وبعد المخاض كانت الولادة في وميض يشبه وميض البرق.وقد بدأت هذه القصيدة بحروف نادت أفعالا وأسماءً. فكان الاحتفاء في تراكيب حوت صورا شعريّة استدعيتُ لها إيقاعات متنوّعة .فانبجس النّور بعد الظّلمة.وكان الانبعاث ...مغامرة لها ملامحها، ملامح لا تشبه ملامح قصيدة أخرى....
3/يوصف أسلوبك أحيانا بالتّمرد على ماذا تسترخص حياة بربوش تمرّدها الشّعري؟
يحيا الشّعر على التّمرد، أي الخروج عن النّظريات أو القوانين التّي تحاول أن تضع له التّحديدات والضّوابط، أو تسعى إلى توجيهه انطلاقا من أفكار أو معتقدات جاهزة. والشّعر بطبيعته ينحو إلى التّجديد والابتكار، كثيرا ما يتعرّض للتّضييق عليه من ناحية القِيَم السّائدة والقائمين عليها بتعصّبهم الفكريّ. والشّعر العربيّ لم يجد في مراحل ازدهاره وتألقه(خاصّة الشّعر العباسي قديما وشعر الحداثة حديثا)، سوى التّمرد، لكي يقاوم الجمود وينفلت من القيود والأصنام. وقد زخر التّاريخ العربيّ بالمتمرّدين شكلا ومضمونا مثل"أبي نواس"وأبي العتاهية" وأبي الطّيب المتنبي" و"أبي العلاء المعرّي" و"أبي تمّام"قديما و"نزار القبّاني" و"محمود درويش" وفدوى طوقان"
و"بدر شاكر السّياب"و"نازك الملائكة" .... حديثا. أمّا عن تمرّدي فقد كنت أوّل من كتب قصيدة النّثر رافضة كلّ الأشكال التّقليدية المنمّطة والمحنّطة والانفتاح الثّقافيّ، ما ولّد عندي حسّا نقديّا يرفض الجمود والتّقليد . وقد أسهم اطّلاعي على مبادىء الفلسفة الوجوديّة في تأجيج ثورتي على كلّ القيود والموروثات التّي تسلب الأنثى حريّتها خاصّة في المجتمع العربيّ باعتباره مجتمعا ذكوريّا أنانيّا.ويمكن حصر مظاهر تمرّدي في ثلاثة:
1/ التمرّد الفنّي والجماليّ (الشّكل والإيقاع): ويلمسه المتلقّي في كسر عمود الشّعر التّقليديّ والانتقال إلى بحور مرنة تتماشى مع إيقاع العصر الحديث، وصولاً إلى انتهاك النّظام العروضيّ التّقليدي كاملاً مع تشكيل القصيدة تشكيلا بصريّا وظفتُ فيه الفراغات ولعبة السّواد والبياض، وتوزيع الكلمات توزيعا دلاليّا مكمّلا للنّص دون الالتفات إلى آراء المتعصّبين من النّقاد والقرّاء.
2/ التمرّد على اللّغة ومعجم الممنوعات : بدت ملامح تمرّدي من خلال ترك موروث القدامى واستبداله بلغة حيّة، مألوفة مستوحاة من الحياة اليوميّة في صور شعريّة يكتنفها الغموض الفلسفيّ والرّمزية.فهي صور مركّبة قوامها الأساطير والمرجعيّات التّراثية لخلق تجربة ذهنيّة متفرّدة تخاطب قارئاً فاعلاً. 3/ التمرّد الفكريّ: وهو ما نلمسه في قصائد مناهضة للأنظمة الحاكمة وفي رفض الاحتلال الصّهيوني للشّعب الفلسطينيّ، وخاصّة في الثّورة على العادات البالية والتّقاليد المجتمعية الرّاكدة.ولم تخلُ تجربتي الإبداعيّة من التمرّد الميتافيزيقيّ وذلك بطرح أسئلة وجوديّة للتّعبير عن قلقي واغترابي في واقع مشوّه قيميّا. وكان كلّ ذلك في إطار نزعة ذاتيّة ونفسيّة تعانق النّرجسيّة في كثير من الأحيان. فأنا لم أشكّ يوما أنّني كائن حرّ أنحت مسيرة وجوديّة وإبداعيّة ترفض المعطى وتنحت المكتسب وفق رؤية كونيّة ذات خصوصيّات وعلامات دالّة عليّ كيانا وبيانا.
4/إلى أي مدى تتقاطع الرّسامة التّشكيليّة داخلك مع الشّاعرة عند رسم الصّور والقصائد بالكلمات؟
يُمثّل التقاء الرّسم بالشّعر أرقى صور التّمازج الفنّي عبر التّاريخ حيث يُوصف الرّسم بأنّه شعر صامت، والشّعر بأنّه رسم ناطق وينطلق الفنّان والشّاعر على حدّ السّواء من منطلق مشترك أساسه الخيال والإيحاء وتحويل المشاعر الإنسانيّة إلى صورة متكاملة، سواء كانت مرئيّة بالألوان أو مقروءة بالكلمات.ويمكن اعتبار مبدإ محاكاة(أرسطو في كتبه فنّ الشّعر) الواقع والطّبيعة القاسم بين الفنيّن هذا من جهة،ومن جهة ثانية اعتبر الشّاعر الرّوماني "هوراس" أنّ القصيدة هي لوحة وكذلك اللّوحة هي قصيدة استنادا إلى ذاك التآلف بينهما في كثير من العناصر كــــــــــ : *لغة التّشكيل:تقوم القصيدة على لغة أساسها المجازات والاستعارات، أمّا اللّوحة الفنيّة فهي ألوان وخطوط وأشكال. *اعتماد الحواس:الشّعر قناته السّمع والتّذوّق، واللّوحة قناتها البصر للتّقييم. *توظيف عناصر الصّورة: يوظّف الشّاعر الحديث بعضا من تقنيات الرّسم في قصائده مثل الألوان والظّلال والأضواء ليسمها بشحنة حسيّة تخترق مجال الكلمات.
أمّا عن خصوصيّات تجربتي مع الشّعر من جهة (وهو عندي الأسبق) والرّسم من جهة أخرى ، فرغم التّباعد الزّمنيّ بين التّجربتيْن ، إلاّ أنّ التّعالق بينهما واضح وجليّ،فهما صناعتان مختلفتان مادة متّفقتان صورة،فالشّعر أصله القول، والرّسم أصله التّلوين، لكنّهما يقومان أساسا على المحاكاة وأساسها التّخييل والإحساس. فالمعاني المكوّنة للصّورة الشّعرية عندي تعادل الأصباغ المكوّنة للّوحة التّشكيليّة، ويعادل تسلسل ونظم معاني والصّور الشّعرية تواؤم وتناغم أصباغ اللّوحة،وذلك لتوليد دلالة ما...وأنا أكتب الشّعر أتخيّر عن وعي لتصوير مكوّنات عالمي الشّعريّ لغتي بكلّ مفرداتها، تراكيبها، معاجمها، صورها، إيقاعاتها.فأناغم بينها وفق إكسير من الألوان والأضواء والظّلال، وحين أتربّع في مرسمي أنتقي الفكرة ثمّ أزوّقها بألوان على قدر من الدقّة في المقادير لحظة المزج اللّوني الذّي لا يكون له شعاع ولا حياة دون لعبة ضوئيّة أوزّعها بحرفيّة في مناطق من اللّوحة بعينها.وقد يكون المزج بينها في لحظة بعينها، وهو أن أضع لوحة أمامي وأقول فيها قصيدة، وهي تجربة تنفي الحدود الفاصلة فيها بين فنّين.فتتحقّق تلك الشّعريّة في نظام يأسر الحواس والفكر معا، ما يعمل على تبليغ الدّلالة إلى المتلقّي بفعاليّة عبر تقديمي إطاريْن دلاليّين أحدهما سمعيّ والآخر بصريّ في تناغم ملفت للانتباه..
5/كيف توفّقين بين كتابة الشّعر وبين صياغة القصّة القصيرة، وأيّ الفضاءات تجدين فيه حريّتك الكاملة؟
إنّ الكتابة الشّعرية عندي ليست مجرّد رصفٍ للكلمات أو اتّباعٍ لأوزانٍ وقوافٍ وإيقاعات، بل هي طقس من الطّقوس المقدّسة ، حالة من التّجلي الصّوفي والتّحرر من القيود، حيث أحوّل اللّغة من أداة للتّواصل إلى كائنٍ حيّ يفيض بالجماليّة في لحظة أمزج فيها الوعي باللاّوعي، لأعيد تشكيل العالم وفق رؤيتي الخاصّة، متجاوزة حدود الواقع المتدهور إلى آفاق الحريّة اللاّمتناهية.
وتتجلى لذّة الكتابة الشّعريّة في عدّة مستويات تمنح نصوصي قيمتها الفنيّة والوجوديّة وهي:
أوّلاً: التّحرر اللّغوي ورفض النّسج على منوال السّابقين لأرتقيَ بلغتي إلى صفائها المطلق الحرّ .فتأتيني اللّغة مِطواعا أفكّّكها وأعيد تركيبها لتبوح بآهات ذاتي وأوجاع جسدي، محتفية بالحياة في أدقّ تفاصيلها العابرة والمتغيّرة.
ثانياً: تحقيق لذّة نصوصي ومتعتها من خلال شحذها بطاقة، فكلّما قرأها متلقٍّ استعاد تلك اللّذة واختبرها من جديد بما تحدثه فيه من خلخلة في الثّوابت.
ثالثاً: سحر الإيقاع وجماليّتة من خلال هندسة الأصوات والموسيقى الدّاخلية والخارجيّة التّي تداعب الحواس وتثير العواطف، أمّا الغموض فأنسج خيوطه بالرّمز والإيحاء.
رابعاً: تحويل الألم إلى أثرٍ باقٍ ، فالكتابة الشّعرية في كلّ تفاصيلها انتصار داخليّ يحوّل تجربتي الذّاتية العابرة إلى أثرٍ جماليّ وكونيّ يتحدّى الزّمن ، أثر يبقى خالدا بعد الرّحيل إلى مدن النّسيان .
أمّا الكتابة القصصيّة فتلك حكاية أخرى ،هي عندي عمليّة خلق متكاملة، تبدأ من ومضة فكرة عابرة وتنتهي ببناء عوالم موازية تنبض بالحياة. إنّها التّجربة التّي يمتزج فيها عنت التّفكير بجمال التّعبير، لتمنح الكاتب والقارئ على حدّ سواء إحساساً عميقاً بالحريّة والحلم.فحين أنسج خيوط القصّة القصيرة أمتلك دون غيري سلطة الخلق والتّشكيل، إنّه ذاك الإحساس بمتعة استثنائية في كوني سيّدة النّص، أخلق الشّخصيات، وأرسم مصائرها، وأتحكّم في الزّمان والمكان، ممّا يمنحني شعوراً بالانعتاق من قيود الواقع ورتابته ، ما يمنحني مجالا للتّطهّر من صراعاتي وآلامي .فأتقاسمها مع قرّائي في لعبة سرديّة أساسها الغموض والمخاتلة وحياكة التّفاصيل بحرفيّة تسبق لحظة الإدهاش ، هي تفاصيل ذات طاقة كامنة في المفردات المفعمة بالتّكثيف والإيحاء ، حيث يصبح الحذف، والرّمز، والنّهايات المفتوحة أدوات تترك مساحات شاسعة للتّأويل، مما يحوّل قراءة قصَصي إلى فعل كتابة ثانٍ يشاركني فيه المتلقّي.فيكون - حينئذ- ذاك التّوحد بين الفضول المعرفيّ والدّهشة الفنيّة. ففي كثير من الأحيان أكتشف أثناء مسيرتي القصصيّة جوانب غامضة من روحي ومن السّلوك الإنسانيّ .أمّا عن اللّغة التّي أكتب بها ، هي لغة سهلة تحقّق لذّة خفيّة ذات قدرة على تحويل اللّحظات العادية العابرة إلى مواقف مكثّفة ذات أبعاد رمزيّة واجتماعيّة ونفسيّة عميقة، لتبقى خالدة تقارع النّسيان. أمّا السّؤال أين أجد حرّيتي في الشّعر أم القصّة، فكلّ جنس يمارس عليّ إغواءه وسلطته في لحظة تجتاحني الرّغبة في الكتابة،فالشّعر أنصاع له في لحظات وجعي،أمّا القصّة أنقاد لها حين أريد بناء عالم كما أرومه أنا،أبني كما أشاء ، وأهدم ما أشاء...وهما معا يحقّقان رغبة ما في تلافيف كياني ، هما مدن للتّجريب مثلهما مثل أيّ جنس أدبيّ آخر(لي مشروع رواية). المحور الثّالث:النّقد الأكاديمي والسّرديات: 1/ بصفتك باحثة في السّرديات الحديثة كيف يدعم العقل النّقديّ الأكاديميّ عاطفة الشّاعرة لديك وهل يتصادمان؟
لقد اخترت مجال السّرديّات الحديثة اختيارا واعيا باعتباره مجال بحث في مسائل ذات علاقة بالظّواهر الإنسانيّة عموما وبالمرأة خصوصا،ومن وجهة نظري لا أرى تعارضا أو تصادما بين العقل الأكاديميّ النّاقد وبين العاطفة، فالعقل يدعم العاطفة من خلال تنظيمها، وتوجيهها، وتفسيرها ليتحوّل الاندفاع العاطفيّ الفطريّ إلى سلوك ناضج ومعطاء، كما يعمل العقل على تحويل الأحاسيس المبهمة إلى كلمات ذات معنى ودلالة تصنيفا وتوصيفا واعيا .وهو ما يمنحني شعوراً بالسّيطرة على ذاتي والعالم من حولي.فيكون تحليلي للظّواهر وتفسيرها منطقيّا.وهو ما يحوّل مشاعري إلى طاقة إنتاجيّة بعيدا عن الطّفرويّة والعشوائيّة. وتجدر الإشارة في هذا المضمار أنّ طبيعة العلاقة بين العقل النّقدي والعاطفة تقوم على ضوابط يمكن استجلاء ملامحها في: - ضبط العاطفة وتهذيبها من خلال العقل النّقدي الذّي يعتمد على المنطق والاستدلال للتّثبّت من العواطف، مما يمنع الانقياد خلف الانفعالات والأحكام المعياريّة المُسبقة. - الإلهام والحيويّة من خلال مدّ عاطفة الإنسان بالشّغف والطّاقة اللاّزميْن للفعل، بينما يضع العقل الوسائل والمعايير الصّحيحة لتوجيه هذا الفعل توجيها صائبا.. - اتّخاذ الأحكام المتّزنة حين يكون ذاك التّوازن بين عقل يحلّل وعاطفة تشحذ دون تحيّز ولا مغالاة. فعلاقة العقل النّقدي بالعاطفة - من وجهة نظري - هي علاقة تكامل وتفاعل مستمرّ وليست علاقة صراع مطلق، فالعقل النّقدي يقوم بتحليل المشاعر وتقييمها بينما تمنح العاطفة الدّافع والمعنى للأفكار.
2/تناولت أبحاثك دراسات عن محمود درويش ونزار القبّاني، ما الذّي أضافه لك تفكيك نصوص هذه القامات؟
لقد شرّحت طوال مسيرتي الأكاديميّة عشرات النّصوص الشّعرية منها والنّثريّة. ويعتبر تفكيك بنية النّصوص علما له مناهجة المضبوطة، إنّه أداة نقديّة تهدف إلى فهم النّص بشكل عميق بدلاً من القراءة السّطحية التّي تشوّه التّجارب الإبداعيّة على اختلاف أجناسها. وقد يساعد تفكيك النّصوص النّاقد على: -كشف معاني النّص الخفيّة وتجاور الظّاهر لإدراك مقاصد الشّاعر القصيّة والدّلالات الفكريّة منها والفلسفيّة وفكّ رموزها وشفراتها.وهو ما يسمح بانفتاح النّص على تأويلات لا تُدرك لها ضفاف.
- تذوّق مكامن النّص الجماليّة والفنيّة وذلك من خلال تبيّن قيمة الوزن و القافية والموسيقى الدّاخلية وتعدّد الإيقاع ودورها في تبليغ عواطف الشّاعر لحظة الإبداع. -تفكيك التّشبيهات والاستعارات وطبيعة الصّور الشّعريّة ودورها في بناء ملامح التّجربة الشّعريّة. - اكتشاف مواطن جماليّات اللّغة وذلك بالنّظر في طبيعة الهندسة النّصيّة والعلاقات الكامنة بين الألفاظ وبنية التّراكيب والرّوابط العِليّة بين الجمل وأثر كلّ ذلك في سبك العلاقات اللّغويّة. - المقارنة الأدبيّة بين نصوص سابقة وأخرى لاحقة، أو حتّى نصوص من نفس الحقبة التّاريخيّة. ويعلن تشريح النّصوص وتفكيكها عن موت المؤلّف(جاك دريدا) وفتح باب القراءة والتّأويل أمام المتلقّي. أمّا ما أضافه لي تفكيك نصوص هذه القامات يمكن لي استجلاء ملامحه في: 1/ قدرتهما على إعادة صياغة أنظمة الشّعر صياغة مختلفة أساسها الثّورة والتّمرد على الأنماط القديمة المحنّطة. 2/ تحويلهما المعاني إلى رموز عميقة تلامس الوجود الإنسانيّ(درويش حوّل النّضال والقضيّة الفلسطينيّة إلى قضيّة وجود)(نزار حوّل الحبّ من الممنوع إلى المشروع واعتبره حقّا إنسانيّا خاصّة بالنّسبة إلى المرأة) وقد تبيّن لي بعد تعمّق وطول دراسة وتفكيك أنّ لكلّ شاعر منهما ما يميّزه: قيمة شعر محمود درويش: - الرّمزية الكونيّة: وبدت من خلال تحويل القضية الفلسطينيّة من شعار سياسيّ أجوف إلى رمز إنسانيّ عميق يلامس الوجود الإنسانيّ في كلّ زمان ومكان. - تطوير المجاز والاستعارات ويبدو ذلك واضحا في التّشكيل الجماليّ المتوحّد بالتّأمل الفلسفيّ في الموت والحريّة والثّورة والمنفى (كما في ديوان "الجدارية"). - العمق الهويّاتي من خلال تعالق النّص الشّعريّ عنده مع ثنائيّات المكان والذّاكرة واللّغة بوعي حداثيّ متفرّد. إنّها تجربة عمّقت رؤيتي للشّعر ووظائفه وفتحت أمامي سبل الثّورة على القوالب الجاهزة مبنى ومعنى ومغنى. قيمة شعر نزار قباني: - التّخلّي عن حوشيّ الكلام واعتماد لغة بسيطة تلامس مشاعر الآخر الدّفينة. - تحويل الحبّ إلى وسيلة مقاومة للمجتمع الذّكوريّ خصوصا والعربيّ عموما. - تحرير المرأة و منحها صوتاً حضوريّا جريئاً في الأدب العربيّ وتحدّي الموروث الذّكوري السّائد. إنّها تجربة جعلت منّي امرأة جريئة تدافع عن كيانها بكلّ شراسة العالم إلى آخر رمق.
3/ركّزت على السّرد النّسائيّ المغاربيّ، ما هي أبرز الخصائص والتّحوّلات التّي رصدتها في هذا الخطاب؟
يتميّز السّرد النّسائي المغاربيّ بخصائص فنيّة وموضوعيّة جعلت منه ظاهرة أدبيّة حديثة قادرة على تفكيك الأنساق التّقليدية والثّورة عليها وذلك بإعادة صياغة الهويّة الثّقافية. وتتشكّل أبرز هذه الخصائص - من وجهة نظري- انطلاقا من النّقد الأدبيّ الحديث في : 1- الخصائص الموضوعيّة والثّقافية من خلال: - مواجهة المنظومة الذّكورية: وتمثّلت في اعتماد الكتابة الأنثويّة على تحويل المرأة من الهامش إلى المركز، ونضالها لإرساء المساواة، وكسر القيود ، ورفض التّهميش والإقصاء، - الخوض في المسكوت عنه في تعابير جريئة عن قضاياها كـــــــــ : التّعبير عن رغبات جسدها، الطّلاق، العنف الأسريّ، والاغتصاب... - اكتساح كلّ المجالات السّياسية والاجتماعيّة والأدبيّة لإثبات جدارتها . - طرح سؤال الخصوصيّة والهويّة الأنثويّة والتّعدد اللّغوي (العربيّة، الفرنسيّة، والأمازيغيّة) 2- الخصائص الفنيّة والجماليّة والتّي تبدو جليّة للعيان في: - تكسير خطيّة الزّمن تقنيات تيّار الوعي، الارتداد والاستباق. - تعدّد الأصوات والضّمائر (البوليفونيّة)و تعدّد الرّواة في لعبة سرديّة لها خصائصها. - خوض مغامرة كتابة السّيرة الذّاتية "كتابة الذّات" لطرح قضايا جنسويّة. - شعريّة المكان (تحويل المكان من مجرد فضاء جغرافيّ إلى ملاذ نفسيّ ) والجسد(توظيف لغة الجسد كأداة للتّحرر من الرّقابة للبوح). - الأسلوب المخاتل وذلك بترك فراغات ومسافات داخل النّص ، ما يدعو المتلقّي لفكّ شفرات الخطاب وتفكيك البُنى السّردية المتشعّبة. أمّا عن التّحوّلات التّي رصدتها في بحثي الموسوم بـــ "شعريّة الخطاب الرّوائيّ في السّرد النّسائيّ المغاربيّ" فهي تحوّلات عميقة وجذريّة انتقلت عبرها الكتابة الأنثويّة من الإطار الضّيق(همومها) إلى إطار أعمق، فعانقت قضايا الهويّة والتّجريب النّصي وفكّكت بكل جرأة الأنساق الذّكورية السّائدة. الأمر الذّي عكس نضجاً إبداعيّا وفكريّا واكب بجلاء التّغيرات السّوسيو- الثّقافيّة والسّياسية في دول المغرب العربيّ.وقد تمكنّتُ من رصد التّحوّلات التّالية: 1/طغيان حضور ضمير المتكلّم "أنا" بدل "هي"المؤنّث دون تقنّع (نثرا وسردا). 2/ تجاوز الهواجس الذّاتية ما جعل كتابتها مفتوحة على هموم بنات جنسها الإنسانيّة. 3/ مواجهة الثّوابت والأنساق الذّكورية بكلّ ثقة وجرأة. 4/ تفكيك الهيمنة السّوسيو- ثقافيّة بطريقة أساسها المواجهة والثّورة على كلّ مظاهر الظّلم، التّهميش، والقمع.... 5/ تعرية الأنساق الفكريّة التّي تنادي بحقوق المرأة في البرلمانات بينما تنتهكها بعيدا عن الأنظار. 6/ اختلاق لغة الاختلاف والمغايرة بحثا عن هويّة متفرّدة ومسارات مختلفة. 7/ الكتابة بلغات هي العربيّة والفرنسيّة وحتّى الأمازيغيّة ، وذلك احتجاجا ورغبة في التّثاقف. 8/ظهور التّعددية المنهجيّة والمراوحة بين السّرد والنّقد السّوسيولوجي (فاطمة المرنيسي وكتابها الخطاب الفكريّ والنّقدي لإعادة بناء المواقع الثّقافية للمرأة).وهو ما ميّز الكتابة النّسائية المغاربيّة بالتّجريب والثّورة على أنماط الكتابة السّائدة جماليّا وموضوعاتيّا....
4/كتابك تحت الطّبع" السّيرة الذّاتية النّسائيّة"، ما هي التّحديات التّي تواجه المرأة العربيّة في كتابتها سيرتها؟ تواجه المرأة العربيّة عموما والمغاربيّة خصوصا عند كتابة سيرتها الذّاتية تحديّات معقّدة تتداخل فيها السّلطة المجتمعيّة، والرّقابة الذّاتية، والقيود الثّقافية، ما يجعل فعل الكتابة لديها بمثابة معركة لإثبات الهويّة والتّحرّر من القيود المفروضة عليها منها: ١/مجتمعيّا/ ثقافيّا: * مواجهة الفكر الذّكوري الأنانيّ الذّي يفرض عليها قيوداً صارمة (الدّين / القوانين/ التّقاليد) على حريّة المرأة الذّاتية حتّى لا تكشف تجاوزاته. * الخوف من النّبذ الأسريّ (الأب/ الزّوج/ الأبناء) لما يثيره البوح النّسائي غالباً من كشف الأسرار أو تشويه السّمعة. * احتكام الكتابة النّسائيّة إلى الرّقابة، التّعديل، والحذف تفاديا للمواجهة والصّدام مع العادات والتّقاليد الخرقاء. * استنزاف وقتها في الأدوار الموكولة إليها (الأمّ/ الزّوجة..)على حساب شغفها بالتّأليف والإبداع. ٢/نفسيّا /ذاتيّا: * معاناة المرأة من الإقصاء الاجتماعيّ ، وهو ما ولّد لديها أزمة هويّة واغتراب ،ما يفقدها الثّقة في نفسها وإبداعها. * الخوف من الأحكام الأخلاقيّة التّي تنظر إلى أدبها بعين النّقد الأخلاقيّ المتّهم بدلاً من النّقد الأدبيّ الموضوعيّ. كلّ هذه التّحديات وغيرها حرمت المرأة من ممارسة حقوقها الوجوديّة المشروعة في مجتمعات عربيّة تتشدّق بالمساواة والدّيمقراطيّة لتحقيق مأربها السّياسيّة لا غير.... 5/هل يمتلك النّاقد المبدع أدوات تحليليّة أعمق من النّاقد الأكاديمي الصّرف؟ تتمثّل أدوات النّاقد الأكاديميّ في مجموعة من الآليات المنهجيّة والمعرفيّة التّي تمكّنه من تقييم الأبحاث والدّراسات العلميّة بشكل موضوعيّ بعيداً عن الانطباعات الشّخصية العابرة. وتصنّف هذه الأدوات الأساسيّة إلى ما يلي: 1- الأدوات المنهجيّة والمعرفيّة: * المرجعيّات والأطر النّظرية وذلك بالاعتماد على خلفيّات علميّة متينة ومواكبة للمناهج النّقدية الحديثة لتفكيك النّصوص ( المنهج التّاريخيّ، الاجتماعيّ، النّفسيّ، البنيويّ، التّفكيكيّ..). * التّحليل المنهجيّ من خلال التّأكّد من بناء العمل الأدبيّ(السّيرة الذّاتية لها أدواتها، الرّواية لها آليّاتها ...) 2- مهارات التّفكير النّقدي المستمرّ وتنهض على: * القراءة المتأنية للجنس الأدبيّ أشكاله ومضامينه. *الوقوف عند القضايا المطروحة. * نقل ظواهر النّص وشكله الخارجيّ بتوصيف دقيق. *توضيح المعاني الغامضة وشرح الألفاظ والرّموز وتفسيرها. * تأويل واستخراج المعاني الخفيّة والعميقة وراء المفردات. *تقويم العمل الأدبيّ وإصدار حكم جماليّ وقيميّ. إنّ امتلاك هذه الأدوات النّقدية واعتمادها بموضوعيّة من شأنه أن يرتقيَ بالنّصوص الأدبيّة. أمّا أدوات النّاقد المبدع فهي تجمع بين 1 /الأدوات المعرفيّة والثقافيّة وتتمثّل في: - الثّقافة الموسوعيّة من خلال الإلمام بالعلوم الإنسانيّة كالفلسفة، وعلم النّفس، وعلم الاجتماع لفهم أبعاد النّص . - إدراك السّياق التّاريخي والاجتماعيّ الذّي خُلق فيه الأثر الأدبيّ. - الوعي بالنّظرية الأدبيّة ومعرفة المدارس والمناهج النّقدية المتنوّعة (مثل البنيويّة، التّفكيكيّة، والنّقد النّفسي...). 2/الأدوات اللّغوية والبلاغيّة وفهم أسرار اللّغة وقواعدها من نحو، وصرف، ودلالة. - التّمكن اللّغوي - التّحليل الأسلوبيّ بالنّظر إلى المحسنات البلاغيّة، والاستعارات، والصّور الفنيّة داخل الجنس الأدبيّ. - تتبّع مظاهر الشّعريّة - الغوص في تفاصيل النّص اللّفظية والمعنويّة فهما وتحليلا. - تحليل العناصر البنيويّة وذلك بتفكيك الحِبكة، وتطوّر الشّخصيات، وخصائص الزّمن، والمكان. -فكّ شفرات الأفكار والرّموز لاستكناه رؤية الكاتب. 3/الأدوات الذّاتية والجماليّة - التّذوق الفنّي والقدرة على التّفاعل الوجدانيّ مع الأثر الأدبيّ - الحياد والموضوعيّة من خلال الفصل بين الإعجاب بالمؤلّف وبين تقييم ما كتبه كبنية مستقلّة - عدم الاقتصار على تقييم الأثر، بل إصفاء أبعاد وقراءات جديدة ترتقي به. لا يمكن لي الجزم بعد كلّ هذا أن أعدّل الكفّة نحو النّاقد الأكاديميّ الصّرف أو أعدّلها نحو النّاقد المبدع، وإن اختلفت أدواتهما فإنّ غايتهما واحدة هي إبراز مكامن الجمال في العمل الأدبيّ وقراءته وتأويله.فتكون الكتابة على الكتابة ضربا من الإبداع اللاّمتناهي... المحور الرّابع:اللّقاءات والتّكريمات 1/حظيت بلقب سفيرة الثّقافة والأدب بتونس، ماهي المسؤوليّة التّي يفرضها هذا اللّقب على عاتقك؟
لقد حظيب بلقب سفيرة الأدب والثّقافة ، وهي سفارة فخريّة عمّقت بداخلي الشّعور بالمسؤوليّة، لذلك سعيتُ جاهدة أن أمدّ جسور التّواصل الإنسانيّ والثّقافيّ والمعرفيّ مع الشّعوب العربيّة أوّلا، وشعوب المجتمعات الأخرى...وقد انحصرت مهامي(أدير صالونا أدبيّا اسمه "سرايا العاشقات، صالون أنثويّ، بمعيّة الشّاعرة "كوثر غانم"أنا مهتمّة بالجانب الأدبيّ وهي بالجانب الرّقمي). في: 1/التّعريف بالمبدعات العربيّات وآخر إنتاجهنّ (رواية، شعر، فنون...). 2/ترجمة بعض النّصوص ونشرها. 3/ تنظيم تظاهرات لتكريم مبدعات في مجالات شتّى (فاطمة سعد الله في الرّواية، وفائزة بن مسعود في الشّعر، درصاف الطّرابلسي في الفنّ التّشكيلي، نادرة التّومي في المسرح..). 4/الاحتفاء بالشّاعرات قراءة وتكريما. 5/ تبادل الإبداعات من خلال إقامة معارض للتّعريف بإبداع المبدعات. 6/ إقامة أمسيات لطرح قضايا المرأة ومحاولة إيجاد بعض الحلول. 7/ بناء علاقات مع عديد النّوادي النّاشطة لتبادل الخبرات. 8/ القيام بدراسات نقديّة (في مجال تخصّصي) حول الرّوايات الحديثة والدّواوين الشّعريّة واللّوحات الفنيّة. 9/ تشجيع الطّاقات المبدعة(التّجارب المبتدئة) توجيها وإشهارا. كلّ هذه الأنشطة كانت على نفقتنا الخاصّة دون أي دعم ماديّ ولا معنويّ من قبل المشرفين على الثّقافة. 2/تمّ تكريمك كسفيرة الحبّ والسّلام، كيف يمكن للشّعر والأدب أن يصنعا سلاما حقيقيّا في عالم مليء بالنّزاعات؟ إنّ الآداب والفنون هي جسور تواصل بين الأمم والشّعوب، وهي وسائل لإرساء الحوار بين الحضارات ونشر قيم التّسامح والتّعايش السّلمي المشترك في ظلّ ظروف عالميّة تحكمها النّزاعات والصّراعات. ويعمل الشّعر والأدب على كسر الحواجز الفاصلة بين الشّعوب على اختلاف لِسنها(لغتها) ودياناتها.فتغدو الأواصر الإنسانيّة (المحبّة، التّسامح، قبول الآخر، نبذ التّعصّب، التّعاطف في المِحن...) إكسير أنسنة يشّد بنيان العالم والوجود وحماية الفرد من الأنانيّة والغربة.. ويسهم كلّ من الشّعر والأدب في: - الانفتاح من خلال عمليّة قراءة تجارب الآخرين والاستفادة منها ، ما يكسر النّمطيّة ويفتّت التّعصّب. - تقاسم المشاعر الإنسانيّة ، ما يوحّد المعاناة بين الأنا والآخر. - كشف الحقائق والتّجاوزات ، فالأدب أقوى فعلا وتأثيرا من البارود.فيغدو الأدب - من هذا المنطلق- وثيقة تأريخيّة تسجّل ما تخلّفه النّزاعات من دمار. - بثّ الوعي الجماعيّ بضرورة نبذ الأحقاد والصّراعات والعنف"تطهير". - التّغنّي بالقيم الإنسانيّة النّبيلة(المحبّة، السّلام، نبذ العنف، قبول الاختلاف الفكريّ..) . -تضمين أسس ثقافة الحوار والتّعايش في البرامج التّربويّة. - تجريم الخطاب الدّاعي للعنف والعنصريّة. - تمجيد قيم الفضيلة والعقل. - إيقاظ الضّمير وتحسيسه بالمسؤوليّة(التّحول من المفعوليّة إلى الفاعليّة). - إشعار الآخر بقيمته وإسعاده من خلال تحفيزه وتشريكه في بناء صرح الإنسانيّة. - تثوير الذّوات ضدّ الظّلم وكلّ أشكال الاستعباد و ترسيخ قيم الحريّة والمساواة والعدالة. فالأدب والشّعر - من هذا المنطلق- سلاح شرسٌ له أدواره ووظائفه باعتباره ملتزما بقضايا الإنسان في مطلق الزّمان والمكان. 3/ما هي الأهداف التّي تسعيْن لتحقيقها من خلال عضويّتك في الاتّحاد الإفريقيّ والمنظّمات الثّقافيّة الدّوليّة؟
كانت غايتي من الانضمام إلى الاتّحاد الإفريقيّ والمنظّمات الثّقافيّة الدّوليّة هي توطيد الحوار بيني(تونس) وبقيّة الدّول العربيّة وحتّى الغربيّة منها(بحكم إتقاني عدّة لغات) وهو حوار أراه ضروريّا لتحقيق التّطور المجتمعيّ، ومدّ جسور التّواصل ، وفكّ العزلة، وتبادل الخبرات في مجالات عدّة ، والعمل بما جاءت به الأديان من تسامح، كذلك التّعريف بالهويّة الوطنيّة من منجزات وتراث عريق(العادات، التّقاليد، الآثار، الفنون...). ولا يفوتني أن أعرّج على ما يسهم به هذا الانضمام الفعّال تنشيط السّياحة الثّقافيّة وتطوير المهارات الإبداعيّة (المسرح، السّينما، الموسيقى...)، وكذلك الوقوف عند آخر الابتكارات في عالم طباعة الكتاب، ومتابعة التّطوّرات التكنولوجيّة ومدى مساهمتها في الارتقاء بالأدب....
4/شاركت في عديد الملتقيات العربيّة والدّولية، أيّ المحطّات كانت الأكثر تأثيرا في مسيرتك؟
لقد أسهمت الملتقيات الأدبيّة والشّعرية بشكل جليّ في إثراء مسيرتي الإبداعيّة، حيث منحتني فرصا للخروج من الإطار الضيّق إلى آخر أوسع وأثرى من حيث تنويع الحضور،ما أسهم في انتشاري في كامل الدّول العربيّة تقريبا،فأنا أنشر في عشرات المجلاّت الورقّية(الدّراسات النّقدية، القصّة، الشّعر..) وكذلك المجلاّت الإلكترونية،فقد نلت وسام الاستحقاق الثّقافي من العراق 2022 ومن مصر2024 ، وقد لحّن لي الأستاذ "كريم العراقي" سبع وعشرين قصيدة...وقد منحتني هذه الملتقيات فرصة: *بناء علاقات إنسانيّة وثقافيّة مع الشّعراء والنّقاد وأصحاب المجلاّت. *الاستفادة من النّقاشات في مجاليْ النّقد والسّرديات ( مصر، العراق، الأردن، المغرب...)، ما جعلني أطوّر أدواتيَ البحثيّة. *الاتّصال بشعراء والاطّلاع على تجاربهم الشّعرية ذات المشارب المختلفة(تبادل نسخ مؤلّفات بيننا). *تجويد مهاراتي في الإلقاء ومواجهة الجمهور، ما أشعرني بلذّة فكريّة، وعزّز ثقتي بنفسي. *الإسهام في دواوين جماعيّة. *التّمكّن من توثيق قصائدي خاصّة في ظلّ تنامي ظاهرة السّرقات الأدبيّة. *الاستمتاع بالاستماع إلى أصوات شعريّة ناشئة. *الإدلاء بدلوي في نقد بعض القراءات النّقديّة. *كسر العزلة والصّوت الواحد ، فأنا محتاجة على الدّوام إلى النّقد لتطوير تجاربي في مختلف الأجناس الأدبيّة. *فرض وجودي وافتكاك الاعتراف بي والإقرار بدوري الفعّال في تطوير المشهد الثّقافي وطنيّا وعربيّا. 5/كيف تقيّمين انفتاح المشهد الثّقافي التّونسي حاليا على بقيّة التّجارب في العالم العربيّ؟
يضمن الفصل 42 من الدّستور التّونسي الحقّ في الثّقافة وحريّة الإبداع ، وينصّ صراحة على دعم الانفتاح على مختلف الثّقافات والحوار بين الحضارات، ممّا يعطي غطاءً قانونيّا وسياسيّا داعما للتّبادل الثّقافي العربيّ.وحاولت كلّ الحكومات المتعاقبة منذ2011 المراهنة على إثراء المشهد الثّقافيّ وذلك من خلال: 1/انفتاح المشهد الثّقافي التّونسي على مختلف تجارب العالم العربيّ إبداعيّا(موسيقى، مسرح، رقص، سينما...) وذلك لتوطيد الهويّة المشتركة، وتحقيق التّلاقح الفنّي والفكريّ. 2/ تعدّد المهرجانات (مهرجان قرطاج، الحمامات، دقّة، صفاقس...). 3/الاحتفال بأيّام قرطاج السّينمائية والمسرحيّة (استقطاب المخرجين والممثّلين والفرق المسرحيّة من شتّى أنحاء العالم العربيّ من مصر والمغرب والجزائر لعرض تجاربهم وتبادل الخبرات...) 4/المهرجان العربيّ للإذاعة والتّلفزيون الذّي ينظمه اتّحاد إذاعات الدّول العربيّة بمدينتيْ تونس والحمامات، ويُعدّ سوقا برامجيّا وملتقى لصنّاع المحتوى والإعلاميّين العرب. 5/إقامة معارض للكتاب(معرض الكرم) يستضيف سنويّا دور نشر ومفكّرين وأدباء من مختلف الدّول العربيّة، ممّا يتيح حوارا فكريّا مباشراً عبر النّدوات والأمسيات الشّعرية المشتركة. 6/صدور مجلاّت تسعى إلى التّجديد الأدبيّ وتبادل الخبرات الشّعريّة والنّقدية. 7/إقبال الجمهور والموسيقيّون التّونسيون على الأنماط الموسيقيّة ذات الأصل العربيّ (المصريّ، اللّبناني، السّوري)، مع دمجها بالموروث التّونسيّ.
لكن رغم هذا التّنوع والثّراء إلاّ أنّ المشهد الثّقافيّ التّونسي لم يرتقِ إلى المستوى المرجوّ، وذلك لتواجد عديد الهانات أهمّها: * غياب رؤية واضحة لمشروع ثقافيّ عادل. *تضارب مصالح المثقّفين وذلك للانقسامات السّياسية(غياب مشروع ثقافيّ موحّد الأهداف والغايات). * تعيين وزراء ثقافة لا يمتلكون مشروعا أو تصوّرا جليّا لدور الثّقافة في بناء الأفراد والمجتمع. * العنف المتقصّد ضدّ الفنّانين والمعالم الثّقافيّة واتّهامهم من قبل السّلفييّن بالإنبتات الثّقافي والتّغريب وعدم الاكتراث بالموروث الأخلاقيّ وبالمقدّسات. * تمركزّ التّظاهرات في أماكن دون أخرى(غياب العدالة الاجتماعيّة). *ضرب ممنهج لدور الثّقافة وكبت حريّة التّعبير واعتقال بعض رموزها. *الرّقابة والمحسوبيّة في التّعيينات دون مراعاة الكفاءات بل مبدأ الموالاة. *إقصاء الطّاقات الشّبابيّة. *الاعتداءات المتكّررة على الفنّانين من قبل التّكفيريّين. *غياب التّشجيعات والدّعم المادي لطباعة المؤلّفات مع غياب دُور التّوزيع.(كلّ مؤّلفاتي طبعتها على نفقتي الخاصّة) هو مشهد ثقافيّ يحتاج إلى وقفة حازمة ورؤية شاملة تؤمن بقيمة الثّقافة في بناء الذّوات والمجتمعات، لا اعتبارها ورقة انتخابيّة وتبجّحا على المنابر وخطابا مُفرغا من قيمه....
المحور الخامس: الرّؤية
1/تنشطين كصانعة محتوى رقميّ وأدبيّ ،كيف ترين دور التّكنولوجيا الحديثة في نشر الشّعر والوصول إلى الأجيال الجديدة؟
أعتبر نفسي ناشطة في المجتمع المدنيّ وصانعة محتوى رقميّ وأدبّي منذ سنة2011. وقد لعبت التّكنولوجيا الحديثة دورا محوريّا وجليّا في نشر الشّعر على أوسع نطاق. فلم يعد الشّعر رهين أوراق صفراء بل تحرّر من القيود وصار يحلّق في آفاق لامتناهية.وقد جعلت التّكنولوجيا العالم قرية صغيرة.وهو ما نلمسه في منصّات التّواصل الاجتماعيّ (فيس بوك، توتير، إنستغرام،..) التّي تسمح لما أنشره أن يصل إلى كلّ شبر في العالم في لمح البصر.وقد سعيت - حتّى يلامس شعري الأجيال- أن ألقيَ القصائد بصوتي حينا وأصوات بعض الشّعراء والشّاعرات مع مقاطع موسيقيّة وصوري أو صور مختلفة حينا آخر.فغدا ما أكتب شعرا مرئيّا يجذب المتلقّي ويجعله يتابع منشوراتي.كما أنّني لم أكتف بذلك، بل ولجتُ إلى الموسوعات الرّقمية مثل "بوابة الشّعراء" التّي تضمّ فسيفساء من الشّعر والشّعراء على اختلاف مدارسهم، كذلك سعيت إلى إلقاء بعض القصائد لشعراء من مصر والعراق بصوتي باعتماد تطبيقات مثل" سبوتيفاي" و"ساوندكلاود" صوتا وصورة، وذلك لإبراز جماليّات الإيقاع، مستعينة في ذلك ببعض أدوات الذّكاء الاصطناعيّ لتجويده هذا من جهة ، ومن جهة أخرى اللّجوء إلى النّقد الرّقمي الذّي يمنحني التّهذيب من جهة أخرى .وقد سعيت من منبري إلى ترجمة قصائد إلى اللّغات التّي أتقنها، وسمحت لبعض الشّعراء بترجمة قصائدي رقميّا، كلّ هذا وغيره حتّى يصل إبداعي إلى الأجيال الجديدة مواكبا للعصر سهل المنال...
2/هل تعتقدين أنّ المنصّات الرّقميّة أنصفت الأدب الجادّ، أم ساهمت في نشر السّطحية؟
لقد لجأ كثير من الشّعراء والأدباء إلى المنصّات الرّقمية هروبا من واقع لم ينصفهم ولم يقدّر إبداعهم ولم يدعمه ماديّا ومعنويّا.فقد رأوْا فيها الملجأ والخلاص من العزلة والاغتراب بالتّالي الاستغناء عن دُور النّشر.ولم يقف دور المنصّات الرّقميّة عند هذا الحدّ، بل خلقت جيلا جديدا من المتذوّقين الرّقمييّن، ما أسهم بشكل جليّ في عولمة الشّعر المحليّ وذياع صيته والاطّلاع في ذات الحين على التّفاعلات بين الشّعراء والمتلقّين على اختلاف أعمارهم ومشاربهم ومواطنهم.إنّه تفاعل تشاركيّ ينفي النّخبويّة المقيتة ويقيم بدلا عنها تشاركيّة مثمرة فكريّا. هذه التّشاركيّة هي تلقٍّ لقصائد متعدّدة الوسائط(شعر، صور، مؤثّرات صوتيّة)، ما أسهم في إضفاء بعد جماليّ على المشهد الثّقافيّ تعمّق أكثر فأكثر بظهور ضروب من الشّعر ( الومضة، القصّة القصيرة جدّا، الهايكو...).وقد حرّرت هذه المنصّات أيضا الأدب من سلطة الرّقابة والحذف.وهو ما سمح بحريّة الفكر والتّعبير بأجناس أدبيّة متنوّعة تُوثّق رقميّا بشكل تحفظ لصاحبها الملكيّة القانونيّة. إلاّ أنّ مظاهر الإنصاف هذه لم تمنع من إلحاق الضّرر بالأدب.فاختلط الحابل بالنّابل، وغاب التّقييم النّقديّ وفق معايير مضبوطة، ما عمل على تشويه الذّائقة الشّعريّة.كما اكتسح السّاحة الأدبيّة المتطفّلون ، وعمّت السّرقات الأدبيّة .فغاب الإبداع وحلّ محلّه الذّكاء الاصطناعيّ، وشاعت الأخطاء اللّغويّة والتّراكيب الرّكيكة، ما أفقد اللّغة قداستها ومكانتها.ولا يفوتنا أن نقف عند غياب العمق كتابة (أشباه الأدباء يكتبون لحصد نسبة المشاهدين )وتلقيّا(بحث عن استهلاك بصريّ يدغدغ مكبوتات).فتتحوّل التّجربة الأدبيّة الإبداعيّة من تجربة جماليّة فكريّة لها خصوصيّاتها إلى تجربة استهلاكيّة تلوّث الفكر والحواس. وهذا التّلوّث هو في حقيقته تشوّه يطال الأدب حين يُخنق بالمقاييس التّقنيّة(ضبط عدد الأسطر، اقتراح التّيمة..).فتصير الكتابة عرضا محكوما بالطّلب درّا للمال أو لإرضاء نزوات البعض، والتّي قد تصل إلى التّفاعل المزيّف أو حتّى إلى إغراء المتابعين في الكواليس وما خفي كان أعظم (إسقاط مجلّة والإعلاء من أخرى، دعم السّراق، رصد شهادات مزيفة ك"أمير الشّعراء" لقب"دكتور"سفير" وكلّها ألقاب وهميّة لشراء الذّمم واللّعب على الأوتار الحسّاسة)..إنّه ذاك الانحدار بالأدب إلى الهاوية حدود ضياعه وتلاشيه.فحامل الأدب وحاميه لم يعد الكتاب، إنّما صار رهين خوارزميّات واختراقات وضياع بيانات وسرقة معطيات...
3/ما هي ملامح مشاريعك الأدبيّة أو الأبحاث النّقديّة القادمة، هل تعلنين عليها الآن؟
1/مشاريعي الأدبيّة: * مشروع رواية * ديوان تاسع 2/ مشاريعي النّقدية: مؤلّف عن: *السّيرة الذّاتي. *الزّمن. *مؤلّف يضمّ دراسات نقديّة. *دراسات نقديّة لروايات نسويّة. 4/لو أتيحت لك الفرصة لتوجيه رسالة للأقلام الشّابة النّاشئة في تونس والعالم العربيّ، ماذا تقولين لهم؟
إنّ خوض غمار الكتابة الأدبيّة مغامرة وجوديّة ، هي من اللّذة بمكان .أمّا الولوج إلى مسالك الإبداع مسيرة كلّها تجريب وتحدّيات تستوجب من الأدباء الشّبان دعائم لبناء إبداعهم على أسّ متينة أهمّها: *مطالعة أمّهات الكتب للامتلاء معرفيّا ولغويّا. * الاطّلاع على تجارب السّابقين(شعرا لمعرفة البحور، أنواع الشّعر:العموديّ، الحرّ، شعر التّفعيلة...)(نثرا لإدراك الاختلافات بين الأجناس السّرديّة:السّيرة الذّاتية، الرّواية، القصّة، اليوميّات...) *التّكوين المستمرّ وذلك بمواكبة الدّراسات النّقدية الحديثة التّي تتطوّر بشكل مطّرد وسريع. * النّقد الذّاتي وتجنّب الغرور وقبول النّقد بصدر رحب والإقرار بنقصان الفعل الإنسانيّ. * عدم التّكلّف والتّصنّع" لا تكتبْ إلاّ ما تشعر به" ولا"تتّبع أسلوب الآخرين". *التّأنّي في القراءة، التّكوين، الكتابة، التّواضع المعرفيّ والأخلاقيّ. *لا تجعل همّك الشّهرة، إنّها فخّ لا يغترّ به إلاّ السّذّج. هي وصايا ، هي جسر إلى طريق الإبداع الحقيقيّ لا الوهميّ. 5/ماهو الحلم الإبداعيّ الكبير الذّي تشعرين أنّك لم تحقّقيه بعد في عالم الكلمة؟ إنّ حلميَ الأكبر في عالم الكلمة و رحاب الأدب، أن أمتلك القدرة على التّعبير الكامل عن جوهر الوجود الإنسانيّ وإحداث تغيير حقيقيّ في الوعي البشريّ عبر نصوص(شعر، قصّة،نقد، رواية) قاهرة للزّمن بكلّ اللّغات، هو حلم جماليّ فلسفيّ أوجزه في: *أكتب الكلمة كي أظلّ حيّة في الضّمير الإنسانيّ (فلسفة الخلود) بعد الرّحيل إلى مدن النّسيان. *ترجمة كلّ أجناسيَ الأدبيّة وبلوغ ضفاف العالمية. *ملامسة العمق الإنسانيّ وخفاياه عبر لغة مغايرة. *أن أكون سفيرة الحبّ والسّلام والحريّة والحلم. أن يكون لي دعم ماديّ يمكّنني من مواصلة نشاط نادي"سرايا العاشقات".وللحلم بقيّة إنْ كان للعمر ........
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة بسمة المرواني
-
التجربة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الكاتبة التونسية سلو
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية راضية
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة :الشاعر التونسي سليمان بن
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية سلوى
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:عادل لطيفي في حديث من الق
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوارٌ مع حارس اللحظة اله
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع الشاعر التونسي ع
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية فائزة
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعر التونسي محمد عل
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع الشاعر التونسي ن
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة مجيدة محمدي
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الشاعر التونسي محمد ا
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع عبد المجيد عبوبي
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوارٌ مع الشاعر والمربي س
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع الشاعرة المغربية
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: لقاء مع الفنان التشكيلي
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع عبد المؤمن الزياني
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:عبد اللطيف النيلة في حوار
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعر الناقد فرحات نز
...
المزيد.....
-
هل إيران على صلة بحادثة طائرة -فلاي دبي-؟.. ترامب يرد
-
السعودية تتهم جماعة أنصار الله باستهداف محطة لتوزيع الكهرباء
...
-
إيران تحتج على اتهامات بريطانية بضلوعها في مخطط لاستهداف قاع
...
-
بوتين يحدد الحل الأمثل والعادل لقضية فلسطين
-
تشييع جثامين 105 ضحايا في غزة
-
بلومبرغ: إيران تحدد شرطا أساسيا للسماح بعودة المفتشين إلى مو
...
-
تصعيد ميداني متواصل في اليمن
-
صراع بين البقاء والفناء.. تفاصيل رحلة -فلاي دبي- الكارثية
-
أزمة النزوح تتفاقم في السودان
-
سوريا خارج --قائمة الحظر- الدفاعية الأمريكية.. ماذا يعني الت
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|