عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 22:05
المحور:
مقابلات و حوارات
حوار الحرف والروح: رحلة في العوالم الروحية والوطنية والاجتماعية للشاعر أبو بكر البطوش
يقف المتلقي أمام نصوص الشاعر الأردني أبو بكر البطوش متأملاً مقدرة خاصة على صياغة عوالم شعرية تجمع بين رصانة البناء الكلاسيكي وحرارة التجربة الإنسانية الحية. فقصيدته لا تولد من مجرد ترف لغوي، بل تنبثق كاستجابة واعية لصراعات الذات والمجتمع والمقدس. في هذا الحوار المعمق، نلج إلى كواليس محترفه الإبداعي عبر خمسة محاور مستنبطة من صلب قصائده؛ لنسبر أغوار اللغة، ونفكك فلسفة البر والفقد، ونستنطق وجع الحنين الكامن خلف تضاريس مفرداته، بعيداً عن كليشيهات النقد الجاهزة، وقريباً من جمرة الإحساس الصادق الذي يخطه بدمه على الورق.
🖋️ المحور الأول: رحلة التيه والسكينة في رحاب مكة (قصيدة: ما بين السماء والأرض)
س1: بدأت قصيدتك بوصف رحلة شاقة من البحث والتدوير في السهول والجبال والشواطئ؛ لماذا كانت البداية محملة بكل هذا التشتت والقلق؟
هذا التوسع الأفقي والبحث المستمر يعكس قلقاً داخلياً وتشظياً مكانياً شاقاً في نفسي؛ حيث كنت أفتش عن ملاذ واستقرار حقيقي لروحي، ولم أجد في طريقي سوى الحيرة والتيه.
س2: وصفت الأماكن الدنيوية الأخرى بأنها "أشباه سكن" تصنع سلوى مصطنعة وبلا قلوب؛ ما الذي يفرغ المكان العادي من روحه في نظرك؟
المكان الجغرافي العادي هو مكان بارد عاجز تماماً عن استيعاب أشواقي وتطلعاتي الروحية؛ فالجمال فيه مصطنع، ولا يقدم سوى سلوى زائفة خالية من النبض والمشاعر الحية التي تغرق الروح بالحب.
س3: في لحظة فارقة، تتحول الكعبة في نصك إلى ذات ناطقة تخاطبك وتقول "ها أنا أتيت"؛ كيف يتجاوز البناء الحجري جفافه في عين الشاعر؟
في لحظة التحول اللامكاني، رفعت الغشاوة عن عيني وتحولت الكعبة سيكولوجياً من بناء حجري صامت إلى كيان حي، ناطق، ومحب، يفيض بنور سماوي ليرشدني ويحتضن قلبي، ويمنحني الأمان المطلق.
س4: تحدثت عن الشوط الأول في الطواف وما صحبه من ذهول فوري أمام جلال الهيبة؛ كيف يتغير وعي الإنسان بالزمن والدنيا بمجرد الانعطاف نحو البيت الحرام؟
بمجرد أن يممت وجهي نحو الكعبة وبدأت أعد الأشواط، تغير وعيي تماماً؛ فالشوط الأول يمثل صدمة اللقاء الحقيقي وجلال الهيبة وصمت الخشوع، حيث ذهلت تماماً ومن فيض هذا الجلال ارتويت وتلاشت الدنيا من حولي.
س5: ركزت على تفاصيل حسية مثل لمس الستائر العتيقة وشم شذا المسك وتذوق ماء زمزم؛ كيف تسهم هذه الحواس في نقلك إلى حالة الأمان؟
هذه الحواس تتسامى في المكان المقدس؛ فلمس الكسوة الحريرية والتعلق بالستائر العتيقة هو ملامسة للأمان المطلق، وتنفس شذا المسك والعنبر هو استنشاق للقداسة والبركة، أما التذوق فيتجلى في الارتواء من ماء زمزم الطاهر.
🖋️ المحور الثاني: عندما تتحول الجغرافيا إلى حالة نفسية
س6: وصلت إلى ذروة التماهي والحلول الروحي حين قلت "وأسكن في حماك وتسكنين فيّ"؛ كيف تتحول الكعبة من مجرد وجهة على الخريطة إلى فضاء داخلي يسكنك؟
هنا تتلاشى الحدود الجغرافية تماماً؛ فالكعبة لم تعد مكاناً أذهب إليه كجهة على الخريطة، بل أصبحت فضاءً داخلياً يسكنني ويحميني، وتتحول الجغرافيا إلى حالة وجدانية مستمرة وخلاصة خشوع طاهر لا ينتهي بانتهاء المكان المادي.
س7: يرى القارئ أنك جعلت من الطواف ديناميكية وحركة نفسية؛ كيف تسهم الحركة الدائرية حول مركز ثابت في إعادة ترتيب وعي الإنسان المشتت؟
الطواف في قصيدتي هو ديناميكية نفسية وحركة صوفية تعيد تشكيل وعي النفس؛ فهو ينقل الإنسان من التيه الأفقي المشتت في بلدان الدنيا إلى الحركة الدائرية حول المركز الثابت (الكعبة)، مما يعيد ترتيب الروح وتصاعد وعيها.
س8: ينتهي الطواف الجغرافي بانتهاء المناسك، لكنك تتحدث عن شوق لا ينتهي؛ كيف يستمر طواف الروح داخلك بعد مغادرة المكان المادي؟
يعكس الطواف حالة من القرب، التعلق الوجداني، والامتزاج المطلق بيني وبين المكان المقدس؛ هذا الامتزاج يتحول إلى حالة وجودية مستمرة وشوق دائم لا ينقضي، بحيث يظل الطواف مستمراً داخل روحي أينما ذهبت.
س9: نبرة القصيدة تفيض بالوجد والتعلق الشديد؛ كيف استطعت الموازنة بين جلال وهيبة المكان المقدس وبين رقة لغة العشق الصوفي؟
لقد نبعت هذه الموازنة من كون الكعبة هي الحاضن والمحب الحقيقي لقلبي؛ فالعلاقة تبادلية قائمة على قول الشرح "أحبه ويحبني أعشقه وتهواني"، وهي توليفة تجمع بين هيبة جلال الله وعذوبة الخشوع والشوق.
س10: يظهر في النص صراع خفي بين الكبرياء البشري والرغبة في الطمأنينة؛ كيف استطاعت رحاب الكعبة تحطيم أسوار الخوف الداخلي لتمنحك الارتواء?
الكعبة هي المكان الوحيد القادر على تحطيم أسوار الإنسان وهدم كبريائه البشري؛ فعندما يمتزج العبد بجلال بيته، تذوب الهيبة المصطنعة للذات وتتحطم كل أسواري ومجاديفي ليحل محلها الارتواء الروحي التام والطمأنينة.
🖋️ المحور الثالث: شرف النشميات وبسالة الرجال (قصيدة: النشميات)
س11: افتتحت قصيدتك بلفظ حازم وقاسٍ مثل "خسئت وخاب ظنك يا حقير"؛ لماذا فضلت أن تكون بداية النص هجومية وقاطعة إلى هذا الحد؟
البداية جاءت بلفظ حازم لتوبخ الشخص المسيء فوراً، ولتؤكد له أن ظنه السيء قد خاب وفشل؛ فالأمر يتعلق بالدفاع عن شرف وعرض النشميات الأردنيات، وهو موقف يتطلب الرد بحزم وقسوة دون مواربة وتوعد المسيء بنار مستعرة.
س12: عندما تقول "ونحن لعرضنا السيف الشطير"؛ كيف يترجم رجال الأردن قيم الشهامة والدفاع عن العرض إلى مواقف حاسمة لا تقبل المساومة؟
نرد بحزم لنستنكر جهل المسيء الذي اعتقد واهماً أن عفة وطهارة نساء الأردن يمكن أن تُشترى بالمال أو يُستخف بها؛ وهنا يأتي دور رجال الأردن بوصفهم السيوف الحادة والقاطعة التي تصون العرض وتحميه.
س13: وصفت نساء الأردن بأنهن "حرائر خدرها شرف نضير"؛ كيف تبرز القصيدة أن صون المرأة وعفتها في بيتها هما قمة العز والمكانة؟
نرفع من مكانة المرأة الأردنية وصفاً من واقع الحال؛ فهن تيجان فوق رؤوس الرفعة والعز، وحرائر عفيفات، صونهن وسترهن في بيوتهن يمثل شرفاً ناصعاً، مشرقاً، وجميلاً لا يمكن لأحد المساس به.
س14: استعرت صورة "زئير الأسود" لوصف صوت الأردنيين الذي تذوب لهوله الصخور؛ ما الذي تعكسه هذه الصورة الفنية عن معدن الشعب وقت الشدائد؟
هذه الصورة توضح شجاعة وبسالة رجال الأردن؛ فإذا اشتدت المحن والأزمات والحروب (وحمي الوطيس)، يكون للأردنيين صوت هادر كزئير الأسود، ومن شدة قوته وهوله تذوب الصخور الصماء الصلبة.
س15: اختتمت القصيدة بعبارات بالغة الشدة لردع المسيء مثل "وشاربك تحت نعل العز صغير"؛ متى يصبح الشعر أداة حادة وقاسية ومشروعة؟
يصبح الشعر حاداً وقاسياً عندما يُراد به لجم المتطاولين؛ فقد ختمت القصيدة بتوجيه رد شديد القسوة يأمر المسيء بالصمت واصفاً كلامه بالنباح، للتأكيد على أن كرامته ورجولته المدعاة صغيرة ومهانة تحت أقدام العز الأردني.
🖋️ المحور الرابع: كرامة الأم وقرار الطلاق الحاسم (قصيدة: البر وعصف الزفاف)
س16: تروي القصيدة حسرة ليلة زفاف تحولت من فرح إلى مصدر للبكاء والألم؛ كيف يمكن لليلة العمر أن تنقلب فجأة لتصبح مواجع مستمرة؟
تنقلب ليلة العمر عندما تُهدم التوقعات الجميلة بسبب سقطة وخطأ جسيم يصدر من الزوجة نتيجة جهلها؛ فبدلاً من أن تكون الليلة قمة الفرح والابتسام، تحولت بمرارة إلى مصدر دائم للبُكاء والحسرة.
س17: أوضحت أن الأزمة لم تكن عابرة ليلتها بل كانت تراكمات بدأت من هناك؛ إلى أي مدى يسهم جهل الزوجة وسقطاتها المتراكمة في هدم صرح الحياة الزوجية؟
تصحيحاً للموقف الواقعي، فإن الأحداث لم تقع فجأة بل تشير عبارة "يا ليلة العرس ما زالت مواجعها" إلى أن المواجع بدأت تطفو وتتراكم منذ ذلك الوقت بفعل جهل الزوجة حتى انفجرت لاحقاً وهدمت صياغة عهود الحب.
س18: تمادت الزوجة في الخصام ووجهت إهانة للأم أمام عيني ابنها؛ nanny تعتبر كرامة الأم خطاً أحمر لا يمكن للرجل الأصيل أن يتجاوزه أو يغفره؟
الأم هي المربّية التي سهرت وطحنها العمر، ومن باب البر والإحسان لا يمكن للزوج أن يقبل بأن تعيش أمه في نقمة وألم بسبب زوجته؛ لذا فإن توجيه الإهانة للأم أمام عين الزوج هو مشهد مرير ينهي أي مجال للتسامح.
س19: نطق الزوج بكلمة "أنتِ الطليق" انتصاراً لدموع أمه رغم حبه لزوجته؛ كيف يستطيع الواجب والبر إطفاء عاطفة الحب في لحظة الحق الحازمة؟
أمام دموع الأم وحزنها العاصف ينعدم صبر الزوج ويختار الانفصال الفوري برغم حبه؛ فينطق بكلمة (أنتِ الطليق) مؤكداً أن بر الأمومة لديه هو الراية والغاية الأسمى التي تُطفئ وتقدم على أي عاطفة أخرى.
س20: ختمت بقاعدة واضحة وهي أن من يهن أمه لا يوثق له في عهد؛ كيف تلخص هذه النهاية درساً اجتماعياً واقعياً يعيشه الكثيرون؟
هذا الختام يمثل قاعدة اجتماعية صارمة؛ فالمرأة أو الشخص الذي يهن الأم ويخون قدرها العظيم، هو إنسان فاقد للأصل والوفاء، وبالتالي لا يمكن الوثوق به في أي عهد، أو قسم، أو علاقة مستقبلية.
🖋️ المحور الخامس: تمازج الأساليب وفلسفة الكلمة أمام المجتمع (قصيدتا: اعتذار ووفاء، وملاك الحسن)
س21: خضت تحدياً فريداً في قصيدة "اعتذار ووفاء" بدمج الفصحى بالنبطي؛ ما الذي أضافه هذا التمازج للنص ليوصل مشاعر الندم الصادقة؟
التحدي كان في إبراز قدرة المزج بين الأسلوبين؛ حيث بدأت بالفصحى لتقديم الاعتذار المباشر والاعتراف بالتقصير وبيان أثر البعد، ثم انتقلت للنبطي (العامي) لتأكيد هذا الاعتذار بلهجة دافئة وأكثر قرباً وتأثيراً.
س22: جاء الجزء النبطي محملاً باعتراف مباشر بالخطأ صراحة؛ إلى أي مدى تسهم اللهجة العامية في تجريد العتاب من التكلف وتقريب الصلح من القلوب؟
اللهجة النبطية سمحت لي بمدح خصال المعتذل له ووصفه بـ"راعية طيب السجايا والوفا"، وجعلت الاعتذار صريحاً ودافئاً وذكياً؛ فالاعتراف علناً بـ "جيتك وأنا المخطي وأني ندمت" يزيل أي تكلف ويقرب الصلح فوراً.
س23: في قصيدة "ملاك الحسن"، رسمت لوحة لجمال خارق يغار منه الريحان وينحني له البستان؛ كيف يحول الغزل عناصر الطبيعة والكون إلى شواهد على حسن المحبوبة؟
القصيدة تنتمي للغزل الوصفي، وتتمحور حول تصوير المحبوبة كأيقونة للجمال؛ وبسبب هذا الحسن تهتز المشاعر (يميد الوجدان) وتتحرك الغيرة في الطبيعة كالريحان، بل وينحني البستان بأكمله إجلالاً لقوامها الممشوق.
س24: أشرت إلى أنك في عمرك الحالي تفكر في الكلمة آلاف المرات تجنباً لأقلام النقاد؛ كيف توازن بين حرية التدفق الإبداعي وبين الرقابة الذاتية المسؤولة؟
في الماضي كتبت قصائد عن أيام الشباب وخواطر لا أستطيع نشرها الآن، أما في عمري الحالي فأنا حريص جداً وأفكر آلاف المرات قبل كتابة أي كلمة لكي أبتعد عن أقلام النقاد، ولكي أضمن أن كل ما أسطره يفيد المجتمع بشكل عملي وملموس.
س25: تؤمن بمبدأ أن "الشعراء لا يكتبون لأنفسهم بل للناس جميعاً"؛ كيف يصنع هذا الفهم جسراً وجدانياً يجعل قصائدك تعبيراً صادقاً عن قضايا المجتمع؟
عندما يؤمن الشاعر بأنه يكتب للناس كافة وليس لإرضاء نفسه فقط، يصبح شعره مرآة لواقعهم؛ مثل ردي على الإساءة لنساؤنا في (النشميات)، أو معالجة قضايا بر الوالدين في (البر وعصف الزفاف)، مما يجعل الكلمة أداة نفع وبناء للمجتمع.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟