أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رحيم حمادي غضبان - غباء الجماهير وسلطة الشعارات: قراءة في واقع العراق على ضوء أفكار ديتريش بونهوفر















المزيد.....

غباء الجماهير وسلطة الشعارات: قراءة في واقع العراق على ضوء أفكار ديتريش بونهوفر


رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)


الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 10:25
المحور: قضايا ثقافية
    


حين تتحول الغوغاء إلى أداة في يد السلطة، وحين تتراجع قدرة الإنسان على التفكير المستقل أمام سطوة الشعارات والانتماءات، يصبح المجتمع مهيأً للدخول في حالة من الفوضى قد لا يدرك المشاركون فيها أنهم يسهمون في صناعة الواقع الذي يعانون منه. هذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة عند قراءة أفكار القس والفيلسوف الألماني ديتريش بونهوفر حول الغباء، ولا سيما تأملاته التي كتبها في ظل صعود النازية وتجربته مع نظام هتلر، إذ لم ينظر إلى الغباء بوصفه مجرد نقص في المعرفة أو ضعف في القدرة العقلية، وإنما بوصفه ظاهرة اجتماعية وأخلاقية خطيرة يمكن أن تظهر عندما يفقد الإنسان استقلاله في التفكير والحكم، ويصبح أسيرًا لقوة خارجية تملي عليه ما يعتقده وما يرفضه وما يعدّه حقيقة. ومن هذا المنطلق، يمكن إجراء مقارنة تحليلية بين أفكار بونهوفر وما يشهده المجتمع العراقي في الوقت الحاضر، لا بهدف إصدار حكم شامل على العراقيين، ولا للقول إن التاريخ يعيد نفسه بصورة مطابقة، وإنما لفهم بعض الآليات التي تسمح للشعارات الطائفية والحزبية والسياسية بأن تتحول إلى أدوات للتعبئة، ولتفسير الكيفية التي يمكن بها أن يُستغل وعي الأفراد لمصلحة قوى لا تتطابق بالضرورة مصالحها مع مصالحهم.

كان بونهوفر يرى أن مواجهة الشر تختلف عن مواجهة الغباء؛ فالشر، مهما بلغ من الخطورة، يمكن كشفه وتسميته وإدانته، وقد يقتنع الإنسان بخطورته عندما تظهر نتائجه بوضوح، أما الغباء الذي تحدث عنه في رسالته المعروفة عن الغباء، فيمكن أن يجعل صاحبه عاجزًا عن رؤية التناقض بين ما يؤمن به وما يحدث أمامه. فالإنسان الذي يقع تحت تأثير سلطة فكرية أو سياسية أو اجتماعية قد لا يحتاج إلى أن يُجبر على الدفاع عن تلك السلطة، بل قد يفعل ذلك بإرادته الظاهرة، معتقدًا أنه يدافع عن الحقيقة أو العقيدة أو الوطن أو الكرامة، حتى عندما تتعارض أفعاله مع مصالحه ومصالح المجتمع الذي ينتمي إليه. وهنا تكمن خطورة الظاهرة؛ إذ لا يعود الأمر مجرد تضليل يمارسه صاحب السلطة على الآخرين، بل يصبح تضليلًا يعيد الأفراد إنتاجه بأنفسهم، ويدافعون عنه، بل وقد يعاقبون كل من يحاول كشفه أو التشكيك فيه.

وعند إسقاط هذا التصور على الواقع العراقي، يمكن ملاحظة أن جزءًا من الأزمة السياسية والاجتماعية لا يرتبط فقط بوجود الفساد أو ضعف المؤسسات أو الصراع على السلطة، وإنما يرتبط أيضًا بالطريقة التي تُصنع بها القناعات العامة وتُوجَّه بها مشاعر الناس. فمنذ عام 2003، تشكلت في العراق بيئة سياسية معقدة تداخلت فيها الهويات الطائفية والقومية والحزبية مع المصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ، وأصبحت بعض القوى السياسية قادرة على استثمار الخوف من الآخر، واستحضار المظلومية التاريخية، واستخدام الرموز الدينية والوطنية في حشد الأنصار. وفي مثل هذه البيئة، قد يُدفع المواطن إلى النظر إلى الحزب الذي ينتمي إليه بوصفه ممثلًا وحيدًا لجماعته أو حاميًا لمقدساتها وحقوقها، بدلًا من التعامل معه بوصفه جهة سياسية ينبغي إخضاعها للمساءلة والتقييم وفق نتائج عملها. وعندما يصبح الانتماء معيارًا للحكم على صحة المواقف، يمكن أن يتراجع السؤال العقلاني: ماذا قدمت هذه الجهة للناس؟ ليحل محله سؤال عاطفي: هل تقف هذه الجهة مع جماعتنا أم ضدها؟ وبذلك يتحول الولاء من وسيلة للتعبير عن الرأي إلى حاجز يمنع صاحبه من رؤية الأخطاء، مهما كانت واضحة أو متكررة.

إن إحدى النقاط المهمة في تحليل بونهوفر هي أن الإنسان الواقع تحت تأثير سلطة معينة قد يحتفظ بقدرته على الكلام والجدال، لكنه يفقد قدرته على مراجعة المسلمات التي تحكم تفكيره. وهذا ما يمكن ملاحظته في بعض أشكال الخطاب السياسي العراقي، حين تتحول المناقشة من بحث في الوقائع والبرامج والنتائج إلى تبادل اتهامات جاهزة، أو ترديد شعارات من قبيل التخوين والتكفير والعمالة والتهديد بضياع المذهب أو القومية أو الوطن. في هذه الحالة، لا يُقاس الرأي بقوة الأدلة التي يستند إليها، وإنما بمقدار انسجامه مع خطاب الجماعة التي ينتمي إليها صاحبه. وقد يعرف الفرد أن هناك إخفاقًا في الخدمات أو فسادًا أو بطالة أو تراجعًا اقتصاديًا، لكنه حين يُواجَه بهذه الحقائق قد يلجأ إلى تبريرها أو إنكارها أو تحميل مسؤوليتها بالكامل لجهة أخرى، لأن الاعتراف بها قد يعني، في نظره، الاعتراف بخطأ الجماعة التي منحها ثقته. وهكذا تتحول القناعة السياسية إلى منظومة دفاع نفسي واجتماعي، يصبح فيها الاعتراف بالخطأ أصعب من الاستمرار فيه.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود الأفراد، لأن بونهوفر أعطى أهمية كبيرة لتأثير الجماعة في تعطيل الحكم المستقل. فالإنسان عندما يكون منفردًا قد يفكر بطريقة تختلف عن الطريقة التي يتصرف بها وسط حشد غاضب أو جماعة متعصبة؛ إذ يشعر داخل الجماعة بأن مسؤولية قراراته موزعة على الآخرين، وأن كثرة المؤيدين تمنح الموقف شرعية إضافية، حتى إذا كان ذلك الموقف يفتقر إلى الدليل أو يؤدي إلى نتائج ضارة. ويمكن أن تتجلى هذه الآلية في بعض التجمعات السياسية أو الطائفية أو الحزبية في العراق، عندما تتحول الحشود إلى وسيلة للضغط على الخصوم أو تخويف المنتقدين أو إضفاء الشرعية الشعبية على قرارات لا تستند بالضرورة إلى مصلحة عامة. فارتفاع الأصوات لا يعني صحة المطالب، وكثرة المشاركين لا تجعل كل ما يرددونه حقيقة، كما أن انتشار الشعار لا يحوله إلى دليل. ومع ذلك، قد يشعر الفرد بأن مجرد انضمامه إلى الأكثرية يعفيه من مسؤولية التفكير والمراجعة، فيصبح جزءًا من سلوك جماعي قد لا يقبله لو تأمله منفردًا بعيدًا عن ضغط المحيط.

وهنا تبرز العلاقة بين الغوغائية والسلطة؛ فالغوغاء ليست بالضرورة مرادفًا لكل حشد شعبي، لأن التجمعات الجماهيرية قد تكون وسيلة مشروعة للمطالبة بالحقوق ومقاومة الظلم والدفاع عن الحرية. إنما تتحول الجماهير إلى أداة غوغائية عندما تُعطَّل قدرتها على التمييز، ويُستبدل النقاش بالشحن العاطفي، ويصبح المختلف عدوًا يجب إسكات صوته بدلًا من أن يكون مواطنًا له الحق في الاعتراض. وفي العراق، كما في مجتمعات أخرى، يمكن لبعض السياسيين أن يستفيدوا من هذه الحالة عبر توجيه غضب الناس نحو خصومهم، أو عبر إثارة المخاوف من انهيار الجماعة إذا فقدوا السلطة، أو عبر ربط مصير المواطنين بمصير الحزب أو الزعيم. وعندئذ قد يدافع المواطن عن منظومة سياسية لا تحقق له الخدمات الأساسية ولا توفر له فرص العمل ولا تضمن له العدالة، لأنه يعتقد أن سقوطها سيؤدي إلى تهديد هويته أو مكانته أو أمنه. وبذلك تصبح المخاوف أداة للسيطرة، ويغدو المواطن الذي يفترض أن تكون السلطة في خدمته مستعدًا للدفاع عنها حتى عندما تعجز عن أداء واجباتها.

ويزداد هذا التحليل أهمية عند النظر إلى دور بعض الشخصيات الدينية والاجتماعية والإعلامية، فالتأثير الديني في ذاته ليس دليلًا على الغباء، كما أن التدين لا يتعارض مع التفكير النقدي أو المسؤولية الوطنية. لكن الخطر يظهر عندما يُستغل الاحترام الديني لإعفاء شخص أو جماعة سياسية من المساءلة، أو عندما تُقدَّم المواقف السياسية على أنها واجبات مقدسة لا يجوز مناقشتها، أو يُصوَّر المعترض على أداء حزب أو مسؤول باعتباره عدوًا للدين أو للجماعة. عندها تنتقل القضية من اختلاف سياسي يمكن حسمه بالحوار والأدلة إلى اختبار للولاء والانتماء. ويحدث أمر مشابه عندما تستخدم بعض المنابر الإعلامية خطابًا قائمًا على الإثارة والتخويف والتكرار، فتختزل الأزمات المعقدة في تفسيرات سهلة، وتحدد للناس من يحبون ومن يكرهون، ومن يصدقون ومن يتهمون، دون أن تتيح لهم فرصة كافية لفحص المعلومات ومقارنة الروايات. إن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في أنها قد تقدم معلومات خاطئة، وإنما في أنها قد تضعف استعداد المتلقي للبحث عن الحقيقة خارج الإطار الذي اعتاد عليه.



#رحيم_حمادي_غضبان_العمري (هاشتاغ)       Raheem_Hamadey_Ghadban#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحسين درس لم ينجح به أحد
- السلوك الأيراني
- مضيق هرمز وفوهات النار الأيرانية
- الحرب الأمريكية ضد أيران من الرابح؟وماذا جنت دول الخليج العر ...
- الاحتفاظ بحق الرد
- الحرية بين الحق والمسؤولية: متى تتحول إلى جريمة؟
- أيران بين ضبط النفس والحرب النفسية الدولية
- الشرعية والمشروعية
- الخوف والتخوف بين المعنى اللغوي والدلالة النفسية
- الفقر بين شح الموارد وسوء الأدارة قرأة في التجارب العالمية و ...
- نتائج الأنتخابات البرلمانية العراقية ٢٠٢&# ...
- المعارضة بين المشاركة والرقابة وأمكان نشئتها في العراق
- السياسة بين المفهوم والممارسة..قرأة في الواقع العراقي المعاص ...
- القانون يحمي الفاسدين عندما يتحول مبدأ عدم التشهير إلى غطاء ...
- الفرق بين اللقاء والاجتماع والمؤتمر والندوة
- القيادة بين الصرامة والغرور
- ترامب بين السياسة والتجارة صفات لا أتفاقات
- الوهم والأيهام بين الإدراك والتأثير الأجتماعي
- جذور الانتماء بين الغريزة والوعي من العائلة إلى الوطن
- بين الغريزة والعقل هل يضبط الأنسان سلوكه


المزيد.....




- مستوطنون إسرائيليون يهاجمون دبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغ ...
- سوريا.. ألغام النظام السابق تقتل وتجرح جنديين بمنطقة التنف ب ...
- السيسي: سننفذ أي إجراء لحماية السعودية
- موقع: أوكرانيا فشلت باعتراض أي صواريخ باليستية أو جوية روسية ...
- الشيباني: قرار إسرائيل ضم الجولان السوري المحتل حبر على ورق ...
- زيلينسكي: القيود على -ستارلينك- لا تزال تعيق عمليات الجيش ال ...
- تهديد زيلينسكي لأوروبا يثير التهكم والسخرية في بولندا
- الحوثيون: إسقاط طائرة أباتشي تابعة للجيش السعودي قبالة منطقة ...
- إذا حاول الديمقراطيون عزله مجددًا.. ترامب يلوّح بفتح ملفات ض ...
- -السلطات لا تصغي إلينا-.. غضب الشباب الفرنسي يتصاعد في باريس ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رحيم حمادي غضبان - غباء الجماهير وسلطة الشعارات: قراءة في واقع العراق على ضوء أفكار ديتريش بونهوفر