|
|
جائزة نوبل للسلام… حين ينتصر الإيمان بالقانون على منطق القوة
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 10:20
المحور:
الصحافة والاعلام
ليس أخطر ما يواجه عالمنا اليوم اتساع رقعة الحروب، ولا عجز الدبلوماسية عن احتواء الصراعات، بل أن يصبح انتهاك القانون أمرًا يمكن تبريره حين يصدر عن دولة قوية، بينما تتحول القواعد الدولية إلى قيود صارمة حين يتعلق الأمر بدولة أضعف. عند هذه النقطة، لا تكون المشكلة في الانتهاك وحده، بل في الفكرة التي تبرره: أن القوة تمنح صاحبها حقًا لا يملكه الآخرون، وأن النفوذ يستطيع إعفاءه من المساءلة.
فالقانون الذي لا يسري على الجميع يفقد جوهره، ويتحول من إطار يحمي الحقوق وينظم العلاقات إلى امتياز تتحكم موازين القوة في تحديد المستفيدين منه. وحين يحدث ذلك، لا تكون العدالة وحدها هي المهددة، بل الثقة في النظام الدولي نفسه، وفي قدرة مؤسساته على منع العالم من الانزلاق إلى واقع لا يعترف إلا بمن يستطيع فرض إرادته.
من هنا تكتسب جائزة نوبل للسلام لعام 2026، التي مُنحت للقاضية والمحامية الجنوب أفريقية نافانيثيم «نافي» بيلاي، دلالة تتجاوز تكريم مسيرة قضائية وحقوقية طويلة. فقد أعلنت لجنة نوبل النرويجية منحها الجائزة تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، في وقت تتعرض فيه منظومة العدالة الدولية لضغوط سياسية متزايدة، وتتسع فيه الفجوة بين المبادئ التي يعلنها المجتمع الدولي وما يستطيع تطبيقه على أرض الواقع.
والسؤال الذي تعيده هذه الجائزة إلى الواجهة ليس جديدًا، لكنه أصبح أكثر إلحاحًا: هل يستطيع العالم بناء سلام مستقر إذا ظل القانون يتراجع كلما اصطدم بمصالح الأقوياء؟
من مقاومة الفصل العنصري إلى الدفاع عن العدالة الدولية
لم تبدأ حكاية نافي بيلاي في أروقة المحاكم الدولية، بل في جنوب أفريقيا، حيث نشأت في ظل نظام الفصل العنصري الذي جعل التمييز العرقي جزءًا من بنية الدولة، وحوّل الحقوق الأساسية إلى امتيازات تتحدد وفق لون البشرة والانتماء العرقي.
في تلك البيئة اختارت دراسة القانون وممارسة المحاماة، ودافعت عن معارضين سياسيين وناشطين مناهضين للفصل العنصري، قبل أن تصبح أول امرأة سوداء تتولى منصبًا قضائيًا في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا بعد انتهاء النظام العنصري. ثم انتقلت إلى العمل القضائي الدولي، فتولت مناصب في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية، وشغلت منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014. كما ترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل.
قد تبدو هذه المحطات متباعدة، لكنها تلتقي عند معنى واحد: ألا تتحول السلطة إلى حصانة، وألا يصبح التمييز مقبولًا لمجرد أنه محمي بقوانين الدولة أو مؤسساتها أو نفوذها.
فما قيمة القانون إذا عجز عن حماية الإنسان حين يكون خصمه صاحب سلطة؟ وما معنى العدالة إذا توقفت عند أبواب النفوذ، أو أصبح الوصول إليها أسهل لمن يمتلك المال والتحالفات والقدرة على التأثير في القرار السياسي؟
لا تكمن أهمية تجربة بيلاي في المناصب التي شغلتها وحدها، بل في المسار الذي يربط بين تجربتها في مواجهة التمييز داخل بلادها وعملها اللاحق في المؤسسات الدولية. فالقانون ليس مجموعة نصوص جامدة، ولا أسماء كبيرة على واجهات المؤسسات، بل محاولة بشرية لوضع حدود للسلطة وحماية الإنسان عندما يصبح أضعف من أن يدافع عن حقوقه بمفرده.
وهذه الفكرة هي ما يمنح تكريمها أهميته في اللحظة الراهنة؛ لأن الدفاع عن القانون الدولي لم يعد نقاشًا محصورًا بين فقهاء القانون والدبلوماسيين، بل أصبح سؤالًا يتعلق بمستقبل العلاقات بين الدول، وبقدرة المجتمع الدولي على منع القوة من التحول إلى مصدر وحيد للشرعية.
فلسطين… الامتحان الذي يكشف تناقضات النظام الدولي
تتضح هذه المسألة بصورة خاصة عند النظر إلى ما شهدته غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة من دمار ومعاناة إنسانية، وما أثارته الحرب من أسئلة بشأن حماية المدنيين والمساءلة عن الانتهاكات ومدى استعداد المؤسسات الدولية لتطبيق القواعد القانونية بصرف النظر عن هوية الأطراف المعنية.
فالقضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع سياسي طويل، بل أصبحت أحد الاختبارات الصعبة لصدقية المبادئ التي يعلنها المجتمع الدولي. فمن جهة، تؤكد الدول احترام حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتدعو إلى حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني؛ ومن جهة أخرى، تكشف مواقفها المتباينة أن المصالح والتحالفات قد تؤثر في درجة الحزم التي تتعامل بها مع الانتهاكات.
ليست المشكلة في اختلاف الدول بشأن تفسير الوقائع أو تقدير المسؤوليات، فالاختلاف جزء طبيعي من العلاقات الدولية، وإنما في أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل المساءلة، أو أن تصبح هوية المتهم أهم من الأدلة المتعلقة بالفعل نفسه.
وفي هذا السياق، تكتسب رئاسة بيلاي لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل أهمية خاصة. ففي 16 سبتمبر 2025، خلصت اللجنة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعال إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وفق تحليلها لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وقد رفضت إسرائيل نتائج التقرير وانتقدتها.
ومن الضروري التمييز بين استنتاجات لجنة تحقيق أممية مستقلة وبين حكم قضائي نهائي صادر عن محكمة مختصة. فتقرير اللجنة يعبر عن نتائج تحقيقاتها وتحليلها للأدلة في حدود ولايتها، ولا يجوز تقديمه باعتباره حكمًا قضائيًا نهائيًا. وهذا التمييز ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل جزء من احترام القانون الذي ندافع عنه؛ إذ لا يمكن المطالبة بالدقة القانونية حين تخدم موقفنا، ثم تجاوزها عندما نعتقد أن النتيجة محسومة سلفًا.
لكن احترام الإجراءات لا يعني تجاهل المعاناة، ولا تحويل انتظار الأحكام القضائية إلى مبرر لتأجيل المطالبة بحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. فالضحايا لا ينبغي أن يفقدوا حقهم في العدالة بسبب طول الإجراءات أو تعقيدها أو اعتراض الحكومات على نتائج التحقيقات.
والعدالة، في المقابل، لا تستهدف شعبًا بسبب هويته، ولا يجوز اختزالها في موقف من دين أو قومية أو جنسية. إنها مساءلة عن أفعال ومسؤوليات محددة وفق قواعد قانونية يفترض أن تسري على الجميع.
وهنا يعود السؤال الأساسي: هل يمكن تحقيق سلام دائم إذا شعر جزء من البشرية بأن القانون الذي تتحدث عنه المؤسسات الدولية لا يوفر له الحماية نفسها التي يوفرها لغيره؟
قد يوقف وقف إطلاق النار نزيفًا آنيًا، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة أسباب الصراع. فالمظالم التي لا تجد طريقها إلى المعالجة تبقى حاضرة في ذاكرة الشعوب، وقد تتحول مع مرور الزمن إلى أسباب جديدة للغضب وانعدام الثقة. أما السلام الذي يستند إلى العدالة، فيمنح الأطراف فرصة للخروج من دائرة الانتقام، ويفتح الطريق أمام علاقة لا تقوم على الخوف وحده.
لهذا تطرح القضية الفلسطينية سؤالًا يتجاوز حدودها الجغرافية: هل يريد المجتمع الدولي قانونًا يحمي الإنسان، أم نظامًا يستطيع فيه أصحاب النفوذ تحديد متى ينبغي تطبيق القانون ومتى يمكن تجاهله؟
حين تصبح المساءلة مصدرًا للضغط على القضاء الدولي
لا تقتصر التحديات التي تواجه القانون الدولي على القضية الفلسطينية، وإن كانت هذه القضية تكشف جانبًا واضحًا من اختلالاته. فالمؤسسات القضائية الدولية لا تملك دائمًا أدوات التنفيذ التي تتمتع بها الدول، وتعتمد فاعليتها بدرجة مهمة على تعاون الحكومات واحترامها استقلال القضاء.
وقد ظهر ذلك في التوتر بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما من خلال الإجراءات الأمريكية العقابية التي استهدفت المحكمة ومسؤولين مرتبطين بها على خلفية عملها القضائي، بما في ذلك ملفات تتصل بإسرائيل. كما واجهت المحكمة رفضًا روسيًا لإجراءاتها المتعلقة بالحرب في أوكرانيا، ومنها مذكرة التوقيف الصادرة بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مارس 2023، على خلفية الاشتباه في مسؤوليته عن جريمة حرب تتعلق بالترحيل غير القانوني للأطفال ونقلهم من المناطق المحتلة في أوكرانيا.
ولكل من هذه الملفات ظروفه وأساسه القانوني، ولا يصح التعامل معها كما لو كانت متطابقة. لكن النظر إليها معًا يتيح تأمل مشكلة أوسع: ماذا يحدث عندما تتعارض إجراءات القضاء الدولي مع حسابات دولة تمتلك نفوذًا سياسيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا كبيرًا؟
إن استقلال القضاء لا يعني أن المحاكم معصومة من الخطأ، ولا أن قراراتها لا يجوز نقدها أو مناقشة اختصاصها وأدلتها. بل يعني أن الاعتراض ينبغي أن يستند إلى الحجج القانونية والإجراءات المتاحة، لا إلى تقويض المؤسسة أو الضغط على القضاة لمجرد أن عملهم لا ينسجم مع مصالح دولة بعينها.
فإذا أصبح القاضي معرضًا للعقوبات بسبب أداء وظيفته، فما الرسالة التي تصل إلى الضحايا الذين يلجؤون إلى القضاء بحثًا عن بديل عن الانتقام؟ وإذا استطاعت دولة قوية تعطيل المساءلة التي لا ترضيها، فبأي أساس يمكن إقناع الدول الأضعف بأن القانون الدولي يوفر لها حماية حقيقية؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل تتصل بقدرة النظام الدولي على الحفاظ على الحد الأدنى من الثقة اللازمة لاستمرار مؤسساته. فالقضاء لا يستطيع أن يحل محل السياسة في كل شيء، لكنه يفقد جزءًا من دوره إذا تحولت السياسة إلى وسيلة لمنعه من النظر في القضايا التي تدخل ضمن اختصاصه.
لذلك، فإن الدفاع عن استقلال القضاء الدولي ليس دفاعًا عن كل قرار يصدر عنه، بل عن حق المؤسسات القضائية في أداء عملها دون ترهيب، وعن حق المتهمين في محاكمة عادلة، وعن حق الضحايا في أن تُفحص ادعاءاتهم وفق القانون، بدلًا من أن تحسمها موازين النفوذ قبل بدء الإجراءات.
هل يتغير العالم فعلًا؟
من السهل قراءة الأحداث الدولية باعتبارها دليلًا على أن العالم بدأ يتخلى عن هيمنة القوى الكبرى، لكن هذا الاستنتاج يحتاج إلى حذر. فموازين القوة لم تختفِ، والتحالفات ما زالت تؤثر في القرارات، والمصالح الاقتصادية والأمنية لا تزال حاضرة بقوة في حسابات الحكومات.
ومع ذلك، لا يبدأ التغيير دائمًا بانهيار النظام القائم. فقد يبدأ بتبدل ما يقبله الناس وما يرفضونه، وباتساع مساحة النقاش حول ممارسات كانت تمر في السابق دون مساءلة كافية، وبازدياد المطالبة بتفسير القرارات السياسية في ضوء القواعد القانونية المعلنة.
أصبحت أسئلة ازدواجية المعايير وحماية المدنيين ومسؤولية الدول واستقلال القضاء موضوعًا يتجاوز الدوائر الرسمية، لتناقشها الجامعات والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام وقطاعات واسعة من المجتمع المدني. وهذا الاتساع مهم، لكنه لا يعني أن العدالة تحققت بالفعل؛ فالوعي لا يوقف الحرب بمفرده، والاحتجاج لا يصدر حكمًا قضائيًا، والتكريم الدولي لا ينفذ مذكرة توقيف.
تظهر قيمة التحولات في الرأي العام عندما تتحول إلى مواقف وسياسات وإجراءات عملية، وعندما تجد المؤسسات الدولية دعمًا يسمح لها بممارسة اختصاصاتها، ويصبح احترام القانون جزءًا من حسابات الدول، لا مجرد عبارة ترد في بياناتها الرسمية.
وقد يكون التحدي الأكبر هو الانتقال من الاعتراض على انتقائية القانون إلى بناء منظومة أكثر اتساقًا في تطبيقه. فليس المطلوب أن تنتقل الهيمنة من طرف إلى آخر، أو أن تتغير أسماء الدول التي تخضع للمساءلة بينما تبقى القواعد انتقائية. المطلوب أن تتقلص المسافة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية، وأن يصبح القانون مرجعًا مشتركًا لا أداة تستخدمها الأطراف عندما تخدم مصالحها وتتجاهلها عندما تتعارض معها.
من هنا يمكن فهم أهمية جائزة نوبل لنافي بيلاي، لا باعتبارها إعلانًا عن انتصار نهائي للقانون الدولي، بل بوصفها اعترافًا رمزيًا بأهمية الدفاع عن النظام القانوني العالمي في وقت تتعرض فيه مؤسساته لضغوط شديدة.
النخب ومسؤولية الضمير
ثمة جانب آخر من هذه المسألة لا يقل أهمية، يتعلق بالنخب السياسية والثقافية والإعلامية والأكاديمية التي تسهم في تشكيل الرأي العام. فالهيمنة لا تقوم دائمًا على القوة المادية وحدها، بل قد تستفيد من خطاب يبررها، أو من صمت يحيط بها، أو من لغة تنتقي من الوقائع ما ينسجم مع المصالح وتغفل ما يحرج أصحاب النفوذ.
وقد تدفع العلاقات السياسية والمصالح الاقتصادية والضغوط الإعلامية والخشية من العزلة بعض الشخصيات والمؤسسات إلى تجنب مواقف واضحة في قضايا تتطلب شجاعة أخلاقية. لكن الإنصاف يقتضي ألا نعتبر كل صمت خضوعًا، أو كل اختلاف في التقدير دليلًا على الابتزاز؛ فالمواقف السياسية والإنسانية معقدة، وقد تتباين دوافع أصحابها.
ومع ذلك، يبقى مبدأ أساسي لا ينبغي التنازل عنه: ألا يتغير معيار العدالة بتغير هوية الفاعل. فما نعدّه انتهاكًا عندما يرتكبه خصمنا لا ينبغي أن يصبح قابلًا للتبرير عندما يرتكبه حليفنا، وما نطالب به من مساءلة في قضية لا ينبغي أن نتراجع عنه في قضية أخرى لمجرد أن مصالحنا أصبحت على المحك.
وهنا تظهر مسؤولية المثقف والصحفي والأكاديمي ورجل السياسة، بل كل من يمتلك قدرة على التأثير في الوعي العام. فليس المطلوب أن يتفق الجميع على موقف سياسي واحد، وإنما أن يتفقوا على قواعد أساسية تمنع تحويل السياسة إلى مبرر دائم لانتهاك الحقوق.
إن استقلال الضمير لا يظهر فقط في الجرأة على انتقاد الخصوم، بل في القدرة على الاحتفاظ بالمعيار نفسه عندما تصبح الحقيقة محرجة للأصدقاء والحلفاء وأصحاب المصالح. عندها تتجاوز المسؤولية الأخلاقية حدود الخطاب الجميل، لتصبح اختبارًا فعليًا للنزاهة.
ما الذي تقوله جائزة نوبل في هذه اللحظة؟
لا تستطيع جائزة نوبل للسلام أن تغير موازين القوى بمفردها، أو أن توقف الحروب، أو أن تجبر الحكومات على تنفيذ القرارات القضائية. فهي ليست محكمة، ولا تملك سلطة تنفيذية، ولا تحل محل المؤسسات التي تتولى التحقيق والمحاسبة.
لكن الجوائز الكبرى تستطيع أن تؤدي دورًا مختلفًا: توجيه الانتباه إلى ما يستحق التقدير، وإبراز مسارات إنسانية وقانونية قد تحاول الحسابات السياسية تهميشها، والتذكير بأن قيمة الإنسان لا تتحدد بموقعه في هرم القوة.
حين تكرم لجنة نوبل شخصية قضائية كرست حياتها للدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز القانون الدولي، فإنها تمنح مسيرتها اعترافًا رمزيًا، وتعيد طرح أهمية المؤسسات التي يفترض أن تحمي البشرية من تحول النزاعات إلى صراعات لا تحكمها قواعد مشتركة.
وتزداد دلالة هذا التكريم في وقت تواجه فيه تلك المؤسسات ضغوطًا سياسية. فالدفاع عن استقلال القضاء الدولي يتجاوز الملفات المعروضة أمام المحاكم إلى الدفاع عن فكرة أوسع: أن الإنسان يستحق الحماية بصرف النظر عن موقعه، وأن الدولة لا ينبغي أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في تحديد حدود مسؤوليتها عن أفعالها.
ولا يعني ذلك أن المؤسسات الدولية تعمل بلا أخطاء، أو أن النظام القانوني العالمي مكتمل. فقد نشأ هذا النظام ويعمل في ظل تفاوت كبير في موازين القوة، كما يعاني من صعوبات في التنفيذ ومن محدودية قدرة بعض مؤسساته على إلزام الدول بقراراتها.
لكن الاعتراف بهذه العيوب لا يستدعي التخلي عن القانون، بل يدعونا إلى إصلاحه وتطوير آليات تطبيقه وتعزيز استقلال مؤسساته. فإذا كانت العدالة الدولية غير مكتملة، فإن البديل الذي ينبغي السعي إليه هو عدالة أوسع وأكثر اتساقًا، لا عالم تتراجع فيه فرص المساءلة كلما ازدادت قوة المتهم.
الشرعية ليست امتيازًا تمنحه القوة
تعلمنا تجارب التاريخ أن القوة قد تحقق مكاسب سريعة، وقد تفرض واقعًا سياسيًا لفترة طويلة، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان الثقة أو المصالحة أو الاستقرار. فقد تفرض الصمت، لكنها لا تصنع الاقتناع، وقد تنتزع تنازلات، لكنها لا تمحو بالضرورة أسباب المظالم من ذاكرة الشعوب.
أما الشرعية فتحتاج إلى ما هو أبعد من القدرة على فرض الإرادة. إنها ترتبط باحترام القواعد المشتركة، وبشعور الناس بأن حقوقهم لا تتوقف على جنسيتهم أو انتمائهم أو مكانة الدولة التي يعيشون تحت سلطتها.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى القانون الدولي باعتباره خصمًا للسيادة الوطنية، بل إطارًا لتنظيمها ومنع تحولها إلى ذريعة للاعتداء على الآخرين. كما أنه ليس عائقًا أمام الأمن، وإنما أحد الشروط التي تسمح ببناء أمن مستقر لا يعتمد على إخافة الآخرين أو إخضاعهم.
ولا يستطيع النظام الدولي الحفاظ على مصداقيته إذا تفاوت تطبيق قواعده بصورة جوهرية تبعًا لهوية الأطراف أو مصالح الدول النافذة. فكلما اتسعت هذه الفجوة، تراجعت ثقة الشعوب بالمؤسسات التي يفترض أن تحميها، وأصبح اللجوء إلى القانون أقل إقناعًا لمن يشعرون بأن فرص العدالة ليست متساوية.
إن العالم الذي نحتاج إليه ليس عالمًا تختفي منه القوة، فذلك غير واقعي، ولا عالمًا تستبدل فيه هيمنة بأخرى، وإنما عالم تخضع فيه القوة لحدود قانونية وأخلاقية، وتكون فيه المساءلة ممكنة بصرف النظر عن مكانة المسؤول أو نفوذ الدولة التي ينتمي إليها.
فالقانون لا يفقد أهميته لأنه لا يستطيع منع كل انتهاك، وإنما يفقدها عندما نتوقف عن المطالبة بتطبيقه، أو نقبل أن تكون الحصانة امتيازًا دائمًا لمن يمتلكون القدرة على فرضها.
خاتمة: حين يستعيد الضمير ثقته بالقانون
ربما لا تغير جائزة نوبل للسلام النظام الدولي، لكنها تضع أمامه سؤالًا يصعب تجاهله: كيف يمكن للعالم أن يتحدث عن العدالة بوصفها قيمة إنسانية مشتركة، بينما تتعرض المؤسسات التي يفترض أن تحققها للضغط كلما اقتربت من مصالح أصحاب النفوذ؟
إن تكريم نافي بيلاي يذكّرنا بأن الدفاع عن القانون الدولي ليس ترفًا فكريًا، ولا موقفًا عاطفيًا عابرًا، ولا مجرد انحياز سياسي لطرف ضد آخر. إنه دفاع عن حق الإنسان في ألا تضيع قضيته بسبب ضعف موقعه، وعن ضرورة أن تخضع الأفعال للمساءلة بدلًا من أن تحدد القوة وحدها ما يجوز وما لا يجوز.
قد لا يكون العالم قد تجاوز منطق الهيمنة، كما أن اتساع الاعتراض على ازدواجية المعايير لا يعني أن العدالة أصبحت واقعًا مكتملًا. لكن ثمة فرقًا بين عالم يتعامل مع الإفلات من المساءلة باعتباره أمرًا طبيعيًا، وعالم يزداد فيه الإصرار على أن السلطة، مهما بلغت قوتها، لا ينبغي أن تكون فوق القانون.
والتحول الحقيقي لا يبدأ بالضرورة عندما تتراجع قوة دولة أو يتغير ميزان سياسي، بل قد يبدأ عندما تتغير المعايير التي يحتكم إليها الناس في الحكم على الأفعال. عندما لا يعود السؤال مقتصرًا على من انتصر ومن خسر، بل يمتد إلى كيفية تحقيق ذلك الانتصار، ومدى احترامه للحقوق، وما إذا كان ينسجم مع القواعد التي يطالب الجميع الآخرين باحترامها.
فالسلام ليس أن يقبل المظلوم بالأمر الواقع، ولا أن يفلت القوي من المساءلة، ولا أن تتراجع المبادئ أمام المصالح والتحالفات. السلام الذي يستحق اسمه هو الذي يجد فيه الإنسان حماية لحقوقه، وتجد فيه الشعوب طريقًا إلى العدالة، وتخضع فيه الدول للقواعد التي التزمت بها، بدلًا من أن تخضع تلك القواعد لإرادتها.
وعندها فقط يمكن القول إن العالم بدأ يحد من منطق الهيمنة، لا لأن القوة اختفت من العلاقات الدولية، بل لأن البشرية أصبحت أكثر إصرارًا على ألا تجعل منها المعيار الأخير للحق والشرعية.
فالقانون الدولي لا يصبح قويًا بمجرد كتابة نصوصه، ولا يستمد شرعيته من عدد الدول التي توقع عليه، بل من قدرة العالم على الدفاع عنه عندما يكون تطبيقه صعبًا، وكلفته السياسية مرتفعة، والطرف الذي ينبغي أن يخضع له من أصحاب النفوذ.
فالاختبار الحقيقي للإيمان بالقانون ليس أن نطالب الآخرين باحترامه، بل أن نصر على تطبيقه حتى عندما تتعارض العدالة مع مصالح الأقوياء.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إينوما إيليش… أسطورة بدء الخلق البابلية
-
طائرة فلاي دبي إلى تبوك… ماذا حدث فعلًا فوق السماء؟
-
بعض البيوت لا تسكنها العائلات… بل تسكنها الحكايات
-
أوروبا تستعد للأسوأ… هل ارتفعت مؤشرات خطر الحرب الكبرى؟
-
7 أكتوبر .. هل كان نتنياهو ينتظر هذه الكارثة؟ من التحذيرات إ
...
-
جزيرتان، دولتان، وقلب واحد… حكاية الفن بين أليكيودي والبحرين
-
15 نباتًا ارتبطت في ثقافات العالم بالسكينة والبركة… رحلة بين
...
-
حين ينتصر الضمير… ويصمت الامتنان
-
الأبواب التي لا نغلقها تظل مفتوحة داخل رؤوسنا
-
القرار الذي اتخذته قبل أن تفكر… هل تعيش حياتك أم يقودك الطيا
...
-
المسافة التي تصنع الإنسان بين المشاعر والقرار
-
كيف تدير اقتصاد انفعالاتك في هذا العالم العاصف من خلال 13 فك
...
-
حين يصبح العقل أسيرًا للانفعال: المشاعر مرشدٌ لا قاضٍ
-
كل غضب لا ينتهي بانتهاء الموقف… بل يترك أثرًا في دماغك
-
هل الرفاهية قيدًا والراحة تكاسل… كيف نصنع سجوننا بإرادتنا؟
-
15 شيئًا يتخلص منه اليابانيون: كيف تعكس مقتنيات المنزل الياب
...
-
النباتات الداخلية… ديتوكس المنازل وحلفاؤنا الخضر في مواجهة ا
...
-
دروع العقل: كيف تبني شخصية مؤثرة وتحمي ذاتك من فخاخ الأفكار
...
-
متلازمة “وهم القمة المعرفية”: حين يعتقد العقل وهمًا بأنه لا
...
-
أسطورة الجلد والكبرياء: سيالكوت والنساء اللواتي صنعن مجد كأس
...
المزيد.....
-
مستوطنون إسرائيليون يهاجمون دبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغ
...
-
سوريا.. ألغام النظام السابق تقتل وتجرح جنديين بمنطقة التنف ب
...
-
السيسي: سننفذ أي إجراء لحماية السعودية
-
موقع: أوكرانيا فشلت باعتراض أي صواريخ باليستية أو جوية روسية
...
-
الشيباني: قرار إسرائيل ضم الجولان السوري المحتل حبر على ورق
...
-
زيلينسكي: القيود على -ستارلينك- لا تزال تعيق عمليات الجيش ال
...
-
تهديد زيلينسكي لأوروبا يثير التهكم والسخرية في بولندا
-
الحوثيون: إسقاط طائرة أباتشي تابعة للجيش السعودي قبالة منطقة
...
-
إذا حاول الديمقراطيون عزله مجددًا.. ترامب يلوّح بفتح ملفات ض
...
-
-السلطات لا تصغي إلينا-.. غضب الشباب الفرنسي يتصاعد في باريس
...
المزيد.....
-
مكونات الاتصال والتحول الرقمي
/ الدكتور سلطان عدوان
-
السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي
/ كرم نعمة
-
سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية
/ كرم نعمة
-
مجلة سماء الأمير
/ أسماء محمد مصطفى
-
إنتخابات الكنيست 25
/ محمد السهلي
-
المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع.
/ غادة محمود عبد الحميد
-
داخل الكليبتوقراطية العراقية
/ يونس الخشاب
-
تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية
/ حسني رفعت حسني
-
فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل
...
/ عصام بن الشيخ
-
/ زياد بوزيان
المزيد.....
|