أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 17:24
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
قبل أن يتعلّم الإنسان أن يسأل عن بداية العالم بلغة العلم، وقبل أن تصبح نشأة الكون مسألة فيزيائية تبحث فيها المراصد والمعادلات عن اللحظة الأولى، كان السؤال نفسه يسكن خيال الإنسان القديم: كيف بدأ كل شيء؟ من أين جاءت السماء والأرض؟ وكيف خرج النظام من قلب الفوضى؟ ومن أين جاء الإنسان، ولماذا وُجد؟
في بلاد الرافدين، حيث قامت واحدة من أقدم الحضارات التي تركت لنا نصوصًا مكتوبة، لم يكن هذا السؤال فضولًا فلسفيًا عابرًا. كان جزءًا من تصور كامل للكون، وللآلهة، وللسلطة، وللإنسان ومكانه في هذا العالم. ومن أقدم النصوص التي حاولت أن تجيب عن هذه الأسئلة تبرز ملحمة إينوما إيليش (Enūma Eliš)، أو ما يُعرف عادةً بملحمة الخلق البابلية، وهي من أهم النصوص التي تكشف لنا كيف تخيّل البابليون بداية العالم وترتيب الكون ومكان الإنسان فيه.
وكلمة «إينوما» نفسها مأخوذة من مطلع النص، وتعني تقريبًا «حينما في الأعالي». وكأن الحكاية لا تبدأ من أرض يعرفها الإنسان، ولا من زمن يمكن قياسه، وإنما من حالة سبقت وجود العالم الذي نعرفه.
هناك، في ذلك الزمن الأول، لم تكن السماء قد انفصلت عن الأرض، ولم تكن النجوم قد أخذت مواقعها، ولم يكن الليل والنهار قد عُرفا بعد. لم يكن هناك عالم بالمعنى الذي نعرفه، بل مياه بدائية، وأجيال أولى من القوى الإلهية التي بدأت تتوالد من امتزاج تلك المياه.
كان هناك أبسو (Apsu)، المرتبط بالمياه العذبة، وتيامات (Tiamat)، المرتبطة بالمياه المالحة والبحر البدئي. ومن امتزاج مياههما ظهرت أجيال من الآلهة. لكن هذه الأجيال الجديدة لم تكن هادئة؛ كانت كثيرة الحركة والضجيج، حتى أصبح وجودها مصدر إزعاج لأبسو، فقرر التخلص منها.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر اللحظات إثارة في الملحمة.
فالمشكلة لم تكن أن العالم وُجد من العدم، بل أن عالمًا جديدًا بدأ يتشكل داخل حالة أولى من القوى والمياه والصراع. أراد أبسو القضاء على الآلهة الجديدة، لكن الإله إيا (Ea)، وهو المقابل الأكادي للإله السومري إنكي (Enki)، استطاع أن يواجهه، فألقى عليه تعويذة جعلته يغفو، ثم قتله.
ومن هذه السلسلة من الصراعات ظهر الإله الذي سيصبح لاحقًا الشخصية المركزية في الملحمة: مردوخ (Marduk).
وهنا تبدأ الحكاية في تجاوز سؤال الخلق بمعناه البسيط، لتصبح أيضًا حكاية عن القوة والشرعية والسلطة.
كان مردوخ مختلفًا عن بقية الآلهة؛ قويًا، مهيبًا، وقادرًا على التحكم في الرياح. ومع تصاعد الصراع، أصبحت تيامات القوة الكبرى التي ستواجهه. ولا يصح اختزال تيامات ببساطة في صورة «الشر» أو «الفوضى» كما قد توحي بعض القراءات الحديثة؛ فهي في النص قوة كونية بدئية ترتبط بالمياه الأولى، ثم تتحول مع تطور الأحداث إلى خصم لمردوخ ومشروعه لإقامة نظام كوني جديد.
جمعت تيامات قوى ومخلوقات مخيفة، واختارت قينغو (Qingu) قائدًا لها، ومنحته سلطات واسعة. وصار الصراع بين الطرفين أكبر من خصومة بين آلهة؛ أصبح صراعًا بين عالم قديم وقوة جديدة تريد أن تعيد ترتيب الوجود.
وحين تراجع الآلهة الآخرون أمام تيامات، تقدم مردوخ، لكنه لم يفعل ذلك مجانًا. اشترط أن يصبح ملكًا على الآلهة إذا انتصر.
وهذه التفصيلة، على صغرها، تكشف جانبًا بالغ الأهمية في بنية الملحمة.
فالخلق هنا لا ينفصل عن السلطة.
مردوخ لا يصبح سيد الآلهة لأنه الأقوى فحسب، بل لأن انتصاره يمنحه شرعية القيادة. وكأن البابليين لم يتخيلوا الكون باعتباره مجرد بناء طبيعي قائم بذاته، بل باعتباره نظامًا يحتاج إلى قوة تحكمه وتحافظ على توازنه. ولهذا ارتبطت الملحمة أيضًا بصعود مكانة مردوخ وبروز بابل بوصفها مركزًا دينيًا وسياسيًا مهمًا في بلاد الرافدين.
ثم تأتي المواجهة الكبرى.
تواجه مردوخ وتيامات، وينجح في هزيمتها وقتلها. لكن اللحظة الأكثر غرابة تبدأ بعد موتها، لأن مردوخ لا يتخلص من جسدها، بل يستخدمه في تشكيل العالم.
يقسم جسد تيامات إلى نصفين، فيجعل أحدهما السماء والآخر الأرض، ثم يبدأ في تنظيم الفضاءات السماوية، ووضع الأجرام والنجوم في مواقعها، وتحديد الأزمنة ومساراتها. ومن جسد القوة البدئية التي هزمها، يبدأ بناء عالم جديد أكثر انتظامًا.
وهنا تصبح الأسطورة أكثر عمقًا من مجرد حكاية عن إله قتل إلهة بحرية.
العالم عند البابليين لم يخرج من الفوضى محايدًا؛ بل خرج منها بعد إخضاعها وإعادة تشكيلها.
فالكون ليس نقيض الفوضى منذ البداية، وإنما نتيجة الانتصار عليها. والنظام ليس شيئًا مكتملًا ينتظر الإنسان لكي يكتشفه، بل شيء يحتاج إلى قوة تؤسسه وتحافظ عليه.
ولعل هذا التصور لم يكن غريبًا عن حياة الإنسان الرافدي نفسه.
فالأنهار يمكن أن تفيض، والطبيعة يمكن أن تكون مدمرة، والجفاف يمكن أن يأتي، والمحاصيل يمكن أن تضيع، والحياة الزراعية كلها يمكن أن تتوقف على قدرة الإنسان على التعامل مع قوى طبيعية لا يملك السيطرة عليها. ولذلك لم يكن «النظام» بالنسبة إلى الإنسان الرافدي فكرة فلسفية مجردة؛ كان شرطًا لبقاء الحياة.
وربما لهذا السبب بدت فكرة انتصار النظام على الفوضى مهمة إلى هذا الحد في مخيلته.
وبعد أن ينظم مردوخ السماء والأرض، لا تنتهي عملية الخلق.
تظهر بابل نفسها في قلب القصة، ويُبنى معبدها العظيم إيساكيلا (Esagila) بوصفه مركز عبادة مردوخ. وهنا لا تعود بابل مجرد مدينة على ضفاف الفرات، بل تصبح في المخيال البابلي مركزًا رمزيًا يرتبط بالنظام الكوني الذي أعاد مردوخ ترتيبه.
وكأن المدينة التي يعيش فيها الإنسان يمكن أن تصبح صورة مصغرة عن الكون الذي يسكنه.
ثم يأتي السؤال الذي ربما يهم الإنسان أكثر من سؤال السماء والأرض:
من أين جاء الإنسان؟
في رواية إينوما إيليش، لا يظهر الإنسان باعتباره محور الكون، ولا باعتباره الغاية الأولى للخلق. بل يأتي لاحقًا، بعد انتصار مردوخ وتنظيم العالم، ويُخلق من دم قينغو بعد هزيمته وقتله.
والغاية من وجوده مختلفة بصورة لافتة عن كثير من التصورات التي ظهرت لاحقًا في ثقافات أخرى.
فالإنسان يُخلق لكي يتحمل بعض الأعمال التي كانت تثقل كاهل الآلهة، وليقوم بخدمتها وتقديم القرابين لها. وبعبارة أخرى، الإنسان في هذا التصور لم يُخلق لأنه سيد الكون، وإنما لأنه جزء من نظام كوني أكبر منه.
وهذه الفكرة وحدها تفتح بابًا واسعًا للتأمل.
فالإنسان المعاصر اعتاد أن ينظر إلى نفسه بوصفه مركز العالم، وأن الطبيعة وُجدت لخدمته وتسخيرها لمصالحه. أما الإنسان البابلي، فعلى الرغم من أن الأسطورة تمنحه وظيفة أساسية في استمرار النظام الديني، فإنها تضعه بوضوح داخل منظومة أكبر، لا فوقها.
وهنا تبدو المسافة بين الإنسان القديم والإنسان الحديث أقل اتساعًا مما نتخيل.
فنحن اليوم نملك التلسكوبات والمراصد الفضائية، ونرسل المركبات إلى الكواكب، ونقرأ إشعاع الكون القديم، ونستخدم الرياضيات والفيزياء لمحاولة فهم اللحظات الأولى لنشأة الكون. لكننا، رغم كل ذلك، لم نتخلص من السؤال الأول.
ما زلنا نسأل: من أين بدأ كل شيء؟
الفرق أننا غيّرنا أدوات السؤال.
ولذلك فإن ملحمة إينوما إيليش ليست مجرد حكاية قديمة عن آلهة تتقاتل، ومخلوقات بحرية، وسماء تشكلت من جسد قوة كونية مهزومة. إنها وثيقة تكشف كيف كان الإنسان القديم يفكر في السلطة والنظام والفوضى والمدينة والإنسان نفسه، وكيف حاول أن يمنح عالمًا غامضًا ومخيفًا قصة يستطيع أن يفهمها ويعيش معها.
والأكثر إثارة أن النص لم يكن مجرد قصة تُروى للتسلية. فقد ارتبط بالحياة الدينية والسياسية في بابل، ويُعتقد أنه كان يُتلى في سياق احتفالات أكيتو (Akitu)، أي احتفالات رأس السنة البابلية، حيث ارتبطت الطقوس بتجديد النظام وإعادة تأكيد مكانة مردوخ والملك وبابل داخل التصور الكوني والديني.
وتتكون الملحمة من سبعة ألواح مسمارية في نسختها المعروفة، وتضم أكثر من ألف سطر. ولا تنتهي الحكاية بمجرد اكتمال الخلق، بل تستمر بتعداد أسماء مردوخ وصفاته وسلطاته، في تقليد يعكس أهمية الاسم في التفكير الرافدي.
وهنا ربما تكمن إحدى أكثر الأفكار الإنسانية إثارة في النص كله.
منذ أن بدأ الإنسان يعي العالم، لم يكتفِ برؤيته؛ حاول أن يسميه.
أعطى أسماء للبحار والجبال والنجوم والرياح والحيوانات والآلهة، ثم حاول من خلال هذه الأسماء أن يمنح الأشياء حدودًا ومعنى يمكن الإمساك به. وكأن تسمية الشيء كانت خطوة أولى في رحلة الإنسان من الخوف من المجهول إلى محاولة فهمه.
فالشيء الذي لا اسم له يبقى غامضًا، والشيء الذي يحصل على اسم يصبح أقرب إلى العقل.
وربما لهذا السبب تبدو إينوما إيليش أكثر من مجرد أسطورة خلق. إنها شهادة مبكرة على حاجة الإنسان إلى أن يحول المجهول إلى حكاية، والحكاية إلى معنى، والمعنى إلى نظام يستطيع أن يعيش داخله.
وهذا يقودنا إلى نقطة مهمة عند قراءة الأساطير القديمة.
ليس المطلوب أن نتعامل معها باعتبارها كتبًا علمية تنافس علم الكون الحديث، ولا أن نسخر منها لأنها لا تتفق مع الفيزياء التي نعرفها اليوم. قيمتها الحقيقية موجودة في مكان آخر.
إنها تخبرنا كيف كان الإنسان يفكر قبل أن يمتلك أدوات العلم الحديثة.
كان يرى العاصفة فيسأل: من الذي أطلق الرياح؟ ويرى البحر الهائج فيسأل: أية قوة تختبئ وراءه؟ ويرى انتظام النجوم في السماء فيسأل: من الذي وضعها في أماكنها؟ ويرى الموت والحياة والتغير والفوضى، فيبحث عن قصة يستطيع من خلالها أن يجعل هذا العالم الغامض قابلًا للفهم.
وهذا في حد ذاته فعل إنساني عميق.
فالأسطورة لم تكن بالضرورة محاولة للهروب من الحقيقة، كما قد ننظر إليها اليوم، وإنما كانت في زمنها إحدى الأدوات التي امتلكها الإنسان لمواجهة المجهول. قبل المختبر كان هناك الخيال، وقبل المعادلة كانت هناك الحكاية، وقبل أن يستطيع الإنسان قياس الكون كان يحاول أن يمنحه صورة.
وربما لهذا السبب بقيت إينوما إيليش حية إلى اليوم، رغم أن الحضارة التي كتبتها باللغة الأكادية (Akkadian) وبالخط المسماري اختفت منذ آلاف السنين.
فالإنسان تغير، والآلهة تغيرت، والمدن تغيرت، والعلوم تغيرت، لكن السؤال بقي تقريبًا كما هو.
كيف بدأ كل شيء؟
الإنسان القديم كان ينظر إلى السماء ويحكي قصة، بينما ينظر الإنسان الحديث إلى السماء ويبني مرصدًا ويكتب معادلة.
لكن خلف الاثنين يقف السؤال نفسه.
سؤال الإنسان الأول، الذي ربما لن يتوقف الإنسان الأخير عن طرحه أيضًا:
كيف خرج النظام من الفوضى؟ وكيف أصبح هناك عالم بدلًا من ألا يكون هناك شيء؟
ولعل أجمل ما في الأساطير القديمة أنها لا تمنحنا دائمًا الإجابة التي نبحث عنها، لكنها تكشف لنا شيئًا ربما يكون أهم من الإجابة نفسها: تكشف لنا الإنسان الذي ظل، منذ فجر التاريخ، عاجزًا عن النظر إلى الكون دون أن يسأل عن قصته.
فربما لم يكن الإنسان القديم يعرف كيف بدأ الكون، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: أن وجوده أكبر من أن يمر أمامه العالم صامتًا.
وكان عليه أن يسأل.
وكان عليه أن يتخيل.
وكان عليه أن يحكي.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟