أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أوزجان يشار - 7 أكتوبر .. هل كان نتنياهو ينتظر هذه الكارثة؟ من التحذيرات إلى الحرب، الحلم الصهيوني الذي تحول إلى كابوس















المزيد.....


7 أكتوبر .. هل كان نتنياهو ينتظر هذه الكارثة؟ من التحذيرات إلى الحرب، الحلم الصهيوني الذي تحول إلى كابوس


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 17:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أحيانًا لا يكون السؤال الأخطر هو: ماذا حدث؟ بل: ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن شخصًا ما اتخذ قرارًا مختلفًا؟

في التاريخ، كثيرًا ما تبدو الكوارث وكأنها لحظات مفاجئة لا يمكن التنبؤ بها، ثم تأتي الوثائق والشهادات والتحقيقات بعد سنوات لتكشف أن الكارثة لم تكن مفاجئة تمامًا، وأن إشارات عديدة كانت موجودة قبل وقوعها، وأن بعض الذين كان يفترض بهم رؤيتها لم يروها، أو رأوها ولم يفهموها، أو فهموها ولم يتصرفوا على أساسها. وفي بعض الأحيان لا تكون المشكلة في غياب المعلومات، وإنما في الطريقة التي تختار بها السلطة قراءة المعلومات، وفي الصورة التي تريد أن تصدقها عن خصمها وعن نفسها.

وهنا تكمن إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ إسرائيل الحديث: هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فالهجوم لم يكن مجرد عملية عسكرية مباغتة، بل كان انهيارًا أمنيًا واستخباراتيًا وسياسيًا هزّ إسرائيل من الداخل، وأدى إلى مقتل نحو 1,200 إسرائيلي وأخذ 251 شخصًا رهائن، ثم فتح الباب أمام حرب مدمرة امتدت إلى غزة وما وراءها.

لكن بعد مرور السنوات، لم يعد السؤال الإسرائيلي الأساسي هو فقط: كيف تمكنت حماس من تنفيذ الهجوم؟ بل أصبح أكثر تعقيدًا وإلحاحًا: من كان يعلم؟ ومتى كان يعلم؟ ومن حذّر؟ ومن تجاهل التحذير؟ وهل كانت هناك معلومات كان يمكن أن تغير مستوى الاستعداد الإسرائيلي لو أُخذت على محمل الجد؟ ثم يأتي السؤال الذي يذهب أبعد من ذلك: من استفاد سياسيًا من الكارثة بعد وقوعها؟

هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة أن الحكومة الإسرائيلية كانت تعلم مسبقًا بموعد الهجوم وحجمه، ولا تثبت أن بنيامين نتنياهو تعمد السماح به. لكن طرحها لم يعد ترفًا سياسيًا، خصوصًا مع ظهور معلومات جديدة، من بينها ما نشرته صحيفة «هآرتس» في سبتمبر/أيلول 2026 بشأن تحذير إماراتي مزعوم قبل الهجوم بنحو عشرة أيام. وبين الرواية التي تتحدث عن تحذير مباشر، والنفي الإسرائيلي لحدوث الاتصال، تظهر الحاجة إلى العودة إلى تسلسل الأحداث نفسه، بعيدًا عن الانفعال الذي فرضته المأساة على الطرفين.

قبل 7 أكتوبر… حماس التي قيل إنها مُحتواة

لسنوات، قامت إحدى ركائز السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة على الاعتقاد بأن حماس يمكن احتواؤها. لم تكن إسرائيل غافلة عن وجود الحركة ولا عن قدراتها الصاروخية والعسكرية، وكانت تراقب القطاع بصورة مكثفة وتنفذ عمليات عسكرية كلما رأت أن مستوى التهديد ارتفع. لكن المشكلة، كما تكشف بعض التقارير اللاحقة، ربما لم تكن في غياب المعلومات بقدر ما كانت في تفسيرها.

فقد كشفت تقارير أن إسرائيل كانت تمتلك منذ أكثر من عام على الأقل وثيقة تفصيلية عُرفت باسم «جدار أريحا»، تضمنت تصورًا قريبًا بصورة لافتة من العملية التي نفذتها حماس لاحقًا، بما في ذلك هجوم صاروخي، وتعطيل وسائل المراقبة، واختراق الحدود، ودخول مقاتلين إلى الأراضي الإسرائيلية. ومع ذلك، اعتُبرت الخطة، وفق ما نقلته التقارير، متجاوزة لقدرات حماس الفعلية، ولم تُعامل باعتبارها سيناريو وشيكًا يستوجب الاستعداد له.

وهنا تظهر أولى مفارقات القصة: قد تمتلك الدولة المعلومات، لكنها تفشل في تصديق ما تقوله المعلومات. فالمشكلة لا تكون دائمًا في نقص البيانات، وإنما في العقل الذي يفسرها. وعندما تصبح فرضية معينة راسخة في ذهن المؤسسة الأمنية، فإن المعلومات الجديدة قد لا تُستخدم لتغيير الفرضية، بل لإعادة تفسير نفسها بما يتوافق معها.

كانت الفرضية السائدة أن حماس لا تريد حربًا شاملة، وأنها أصبحت، إلى حد كبير، قابلة للاحتواء. وربما كان هذا الاعتقاد هو أحد أهم مفاتيح فهم ما حدث لاحقًا؛ لأن الدولة عندما تقتنع بأن خصمها لا يريد الحرب، فإنها تبدأ في تفسير تدريباته العسكرية باعتبارها استعراضًا، واستعداده باعتباره وسيلة للردع، وتحركاته باعتبارها جزءًا من لعبة تفاوضية يمكن السيطرة عليها.

وهنا لا يصبح الخطأ الاستخباراتي مجرد عدم رؤية العدو، وإنما رؤيته من خلال الصورة التي تريد الدولة أن تصدقها عنه.

التحذيرات التي لم تصل إلى القرار

مع اقتراب أكتوبر/تشرين الأول 2023، ظهرت مؤشرات أخرى. فقد أفادت تقارير لاحقة بأن عناصر في الاستخبارات والمراقبة الإسرائيلية لاحظوا تدريبات وتحركات غير اعتيادية لحماس قرب الحدود، وأن بعض المجندات في وحدات المراقبة حاولن لفت انتباه رؤسائهن إلى خطورة ما يرونه.

ومع ذلك، بقي الاعتقاد بأن حماس مردوعة، وأنها لا تريد أن تدفع المنطقة إلى حرب شاملة. وهذه الفكرة لم تكن بلا أساس تمامًا؛ فقد كانت هناك سنوات من الصراع المحدود، والضربات المتبادلة، والتهدئات، والتفاهمات غير المباشرة، الأمر الذي ربما خلق شعورًا بأن قواعد اللعبة أصبحت معروفة وأن بالإمكان إبقاء الصراع داخل حدود يمكن التحكم فيها.

لكن التاريخ لا يرحم عندما تتحول الخبرة السابقة إلى قيد يمنع رؤية التغيير. فالعدو الذي تصفه بأنه «مردوع» قد يكون في الواقع يعيد بناء قدراته لشيء مختلف تمامًا. والخطر لا يكمن فقط في أن تفشل في معرفة ما يفعله خصمك، بل في أن ترفض احتمال أن يكون خصمك قد أصبح مختلفًا عما كنت تظنه.

سبتمبر 2023… التحذير الإماراتي المثير للجدل

ثم تأتي النقطة التي أعادت فتح الملف في سبتمبر/أيلول 2026.

نشرت «هآرتس» تحقيقًا يقول إن رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد أجرى اتصالًا مع بنيامين نتنياهو قبل نحو عشرة أيام من هجوم 7 أكتوبر، وحذره من أن زعيم حماس يحيى السنوار كان يعد لعملية كبيرة. وبحسب الرواية المنشورة، لم يكن التحذير عامًا، بل تضمن معلومات عن نية السنوار تنفيذ عملية واسعة يمكن أن تؤدي إلى سفك دماء وزعزعة استقرار المنطقة.

لكن هنا يجب أن نتوقف قليلًا، لأن هذه النقطة بالذات هي التي يمكن أن تحول المقال من تحليل سياسي إلى اتهام غير موثق إذا لم نتعامل معها بحذر.

نتنياهو ينفي حدوث الاتصال أصلًا، كما نفى مكتبه أن يكون قد تلقى تحذيرًا إماراتيًا مباشرًا، وقال إن المعلومات ذات الصلة، إن وجدت، كانت تمر عبر القنوات الاستخباراتية بين البلدين. أما الرواية الصحفية فتستند إلى مصادر قالت إنها تؤكد وجود الاتصال.

إذن نحن أمام رواية صحفية استقصائية، ومصادر تؤيدها، ونفي مباشر من نتنياهو. وفي مثل هذه الحالة لا يجوز للكاتب الموضوعي أن يحول الادعاء إلى حقيقة قطعية، لكن لا يجوز له أيضًا أن يتجاهله، لأن إثباته، إن حدث، لن يكون تفصيلًا هامشيًا، بل سيضيف طبقة جديدة إلى السؤال المتعلق بمسؤولية القيادة السياسية قبل 7 أكتوبر.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين سؤالين مختلفين تمامًا: هل تلقى نتنياهو تحذيرًا محددًا؟ وهل كان يعلم أن هجومًا واسعًا وشيكًا سيقع ثم قرر عدم منعه؟ الأول يحتاج إلى إثبات واقعة الاتصال ومضمونه. أما الثاني فيحتاج إلى إثبات المعرفة والقدرة والقصد، وهي أمور لا يمكن القفز إليها بالاستنتاج وحده.

التحذير المصري… حلقة أخرى في السلسلة

والاتصال الإماراتي ليس القصة الوحيدة. فقد سبق أن تحدث مسؤولون ومصادر مصرية عن تحذيرات أُرسلت إلى إسرائيل قبل الهجوم بشأن احتمال وقوع «شيء كبير» في غزة. وقد نفت إسرائيل في ذلك الوقت تلقي تحذير مصري محدد بالصيغة التي تم تداولها، بينما ظهرت لاحقًا تقارير وشهادات متضاربة حول طبيعة التحذير وما إذا كان قد وصل إلى نتنياهو مباشرة أم عبر القنوات الأمنية.

وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا. فإذا جمعنا، من دون أن نخلط بينها، الوثيقة التي تحدثت عن خطة هجوم واسعة، والتدريبات التي رصدتها وحدات المراقبة، والمعلومات الاستخباراتية السابقة، والتحذيرات المصرية، ثم الرواية الجديدة المتعلقة بتحذير إماراتي، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بإشارة واحدة تجاهلتها المؤسسة، بل بمنظومة كاملة من المؤشرات.

هل يمكن تفسير كل ذلك بمجرد «المفاجأة»؟ نعم، من حيث المبدأ. فالكم الهائل من المعلومات لا يعني بالضرورة أن أحدًا فهم الصورة كاملة، وقد تكون المؤسسات الأمنية قد أخطأت في تفسير النوايا والقدرات والتوقيت.

لكن الاحتمال الآخر يظل قائمًا: هل كانت هناك معلومات كافية لتغيير مستوى الاستعداد، ولم يحدث ذلك؟ وإذا كان الجواب نعم، فلماذا؟

هنا تحديدًا تبدأ المسؤولية السياسية، وهنا أيضًا يجب أن يتوقف الكاتب عن إصدار الأحكام قبل أن تتوافر الأدلة.

فجر 7 أكتوبر… اللحظة التي انهار فيها الوهم

ثم جاء الصباح الذي غيّر تاريخ المنطقة.

في 7 أكتوبر، شنت حماس هجومًا واسعًا على جنوب إسرائيل، اخترقت خلاله الحدود، وهاجمت مواقع عسكرية وبلدات إسرائيلية، وقتلت نحو 1,200 شخص واختطفت 251 شخصًا. وكانت الصدمة هائلة، ليس فقط بسبب حجم الخسائر البشرية، وإنما لأن الدولة التي بنت جزءًا كبيرًا من هويتها الحديثة على التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي والعسكري وجدت نفسها أمام هجوم واسع لم تستطع منعه ولم تتمكن في ساعاته الأولى من احتوائه.

انهارت في ذلك اليوم صورة إسرائيل التي تعرف كل شيء، أو التي تستطيع على الأقل أن تعرف ما يكفي لمنع خصمها من تنفيذ عملية بهذا الحجم. فالحدود التي كانت تُراقب بالكاميرات وأجهزة الاستشعار والطائرات والمسيرات أصبحت خلال ساعات بوابة لعبور المهاجمين، والجيش الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أقوى جيوش المنطقة احتاج وقتًا طويلًا لاستعادة السيطرة.

لكن المأساة لم تكن عسكرية فقط. كانت مأساة بشرية بكل معنى الكلمة. مدنيون قُتلوا، وجنود قُتلوا، وعائلات فقدت أبناءها، وأطفال ونساء ومسنون وجدوا أنفسهم في قلب كارثة لم يتوقعوها.

ولهذا فإن أي محاولة سياسية لفهم ما حدث لا ينبغي أن تتحول إلى تقليل من مأساة الضحايا الإسرائيليين. فحتى لو ثبت لاحقًا أن هناك تقصيرًا سياسيًا أو أمنيًا أو حتى تعمدًا، فإن ذلك لا يحول الضحايا إلى أدوات في لعبة سياسية. دمهم كان حقيقيًا، ومأساتهم كانت حقيقية، ومسؤولية من قتلهم لا تسقط بسبب أي إخفاق لاحق للحكومة الإسرائيلية.

بعد الصدمة… أين كانت المسؤولية السياسية؟

بعد انتهاء الصدمة الأولى، بدأ السؤال الطبيعي: كيف حدث ذلك؟

في البداية كان من السهل تحميل المسؤولية للأجهزة الاستخباراتية والعسكرية، وقد حاول نتنياهو نفسه في مراحل مختلفة الإشارة إلى إخفاق أجهزة الأمن والاستخبارات. لكن مع مرور الوقت أصبح السؤال أكثر اتساعًا: أين كانت المسؤولية السياسية؟

فالأجهزة الأمنية تنفذ سياسات الدولة، لكن الحكومة هي التي تحدد الأولويات الاستراتيجية، وهي التي تقرر مستويات الاستنفار، وتوزيع الموارد، وطريقة التعامل مع التهديدات، كما أنها الجهة التي تتحمل في النهاية المسؤولية السياسية عن حماية المواطنين.

وهذا لا يعني أن السؤال عن مسؤولية نتنياهو يساوي اتهامه بالتخطيط للهجوم. فهناك فرق جوهري بين أن تفشل حكومة في منع هجوم، وأن تعلم أن هجومًا وشيكًا سيقع ثم تختار ألا تمنعه.

الأولى كارثة أمنية وسياسية، وقد تكون نتيجة أخطاء متراكمة وسوء تقدير وثقة زائدة وصراعات داخلية. أما الثانية، إذا ثبتت، فهي قضية سياسية وأخلاقية وتاريخية من نوع مختلف تمامًا.

وهذا الفرق هو الذي يجب ألا نضيعه وسط صخب الاتهامات.

من الكارثة إلى الحرب

بعد ساعات الهجوم الأولى، تغيرت طبيعة المشهد. لم تعد الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع حادث أمني محدود، بل أعلنت الحرب، وبدأت العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة.

وهنا حدث تحول بالغ الأهمية. لم يعد 7 أكتوبر مجرد حدث يجب الرد عليه، وإنما أصبح الأساس السياسي والأخلاقي لحرب مفتوحة. وهذه النقطة تستحق النظر إليها بعناية، لا بهدف نزع حق إسرائيل في الرد على هجوم دموي، وإنما لفهم الكيفية التي يمكن بها للصدمة أن تغير حدود الممكن السياسي.

فليس من المنطقي أن نقول إن استخدام الحكومة للحدث لتبرير الحرب يثبت أنها خططت للهجوم. هذا استنتاج لا يثبت نفسه. لكن من المنطقي تمامًا أن نسأل: ما الذي أصبح ممكنًا سياسيًا وعسكريًا بعد 7 أكتوبر ولم يكن ممكنًا قبله؟

فالكوارث الكبرى لا تغير عدد الضحايا فقط؛ إنها تغير أيضًا حدود ما يمكن للحكومات أن تفعله، وما يستطيع المجتمع أن يقبله، وما تستطيع السلطة أن تبرره باسم الأمن والانتقام والدفاع عن النفس.

غزة… عندما أصبح الرد حربًا طويلة

تحولت الحرب إلى عملية عسكرية واسعة النطاق في غزة، وأدى ذلك إلى أعداد هائلة من الضحايا والجرحى والنازحين ودمار واسع في القطاع. ومع امتداد الحرب، تغير السؤال من مجرد كيفية الرد على حماس وتحرير الرهائن إلى أسئلة أكبر تتعلق بمستقبل غزة نفسها: من يحكمها؟ ومن يعيش فيها؟ وهل تعود إلى ما كانت عليه؟ وهل يجري إعادة تشكيل واقعها سياسيًا وأمنيًا وديموغرافيًا؟

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في هذا الملف. إذا كان 7 أكتوبر قد خلق الظروف السياسية والعسكرية التي سمحت بكل ذلك، فهل كان الهجوم مجرد كارثة بالنسبة إلى حكومة نتنياهو، أم أصبح أيضًا فرصة سياسية؟

لكن علينا هنا أن نتمسك بالفارق الذي يبدو بسيطًا لكنه جوهري: الاستفادة من الحدث لا تعني بالضرورة التخطيط له.

فقد تقع الكارثة من دون أن يخطط لها أحد، ثم يأتي السياسي ليستثمر نتائجها. وقد تستغل حكومة حدثًا لم تتوقعه لتحقيق أهداف كانت ترغب في تحقيقها قبل وقوعه. وهذا ليس دليلًا تلقائيًا على أنها صنعت الحدث أو سمحت به.

لكن عندما تكون نتائج الكارثة متوافقة بصورة لافتة مع أجندة سياسية كانت موجودة قبلها، يصبح السؤال مشروعًا، حتى لو لم تكن الإجابة محسومة.

من المستفيد؟

هناك قاعدة سياسية قديمة تقول إن المستفيد من الجريمة هو مرتكبها. لكنها قاعدة خطيرة إذا استخدمت كدليل وحيد، لأن الاستفادة من حدث لا تثبت التخطيط له. ومع ذلك، فإن الاستفادة تصبح ذات دلالة أكبر عندما تتطابق نتائج الحدث مع مشروع أو أجندة كانت قائمة قبل وقوعه.

وهنا يعود السؤال إلى سنوات ما قبل 7 أكتوبر.

فقد وجّه منتقدون لنتنياهو اتهامات متكررة بأن سياسته تجاه حماس والسلطة الفلسطينية ساهمت في إبقاء الانقسام الفلسطيني قائمًا، وأن إضعاف السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية مع بقاء حماس قوة مسيطرة في غزة كان يخدم، من منظور سياسي، إعاقة قيام تمثيل فلسطيني موحد.

إذا كان هذا الوصف يعكس بالفعل جانبًا من الاستراتيجية الإسرائيلية، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيدًا: هل كان بقاء حماس قوية جزءًا من حساب استراتيجي؟ وإذا كان كذلك، فهل أخطأت الحكومة في تقدير حجم الخطر الذي كانت تسمح له بالنمو؟

ثم يظهر السؤال الأكثر ظلمة: هل كان الخطأ مجرد خطأ، أم أن هناك من رأى في الانفجار القادم فرصة؟

لا نملك، على أساس ما هو معلن حتى الآن، ما يكفي لتحويل هذا السؤال إلى حكم نهائي. لكن وجود السؤال لا يعني الإدانة، كما أن رفض السؤال لا يعني البراءة.

ثلاث قراءات لما حدث

إذا وضعنا كل ما سبق أمامنا، يمكن قراءة 7 أكتوبر من خلال ثلاث فرضيات رئيسية. الفرضية الأولى هي أننا أمام فشل أمني واستخباراتي كارثي؛ كانت المعلومات موجودة، لكن الأجهزة فشلت في تحليلها، والحكومة لم تكن تعلم بحجم الخطر، ثم استغلت الكارثة بعد وقوعها سياسيًا وعسكريًا. وهذه الفرضية لا تحتاج إلى مؤامرة، بل يكفي لتفسيرها سوء تقدير، وغرور أمني، وثقة زائدة، وصراعات داخلية، وفشل في قراءة الخصم.

أما الفرضية الثانية فتذهب إلى أبعد من ذلك، من دون أن تصل إلى القول إن الحكومة خططت للهجوم. ربما كانت هناك تحذيرات كافية، وربما وصلت بعض المعلومات إلى دوائر القرار، لكن التعامل معها لم يكن بالجدية المطلوبة بسبب حسابات سياسية أو ائتلافية أو استراتيجية. ربما كان الاعتقاد بأن حماس مردوعة أقوى من التحذيرات، وربما كان التركيز السياسي على الضفة الغربية وعلى قضايا داخلية أكثر إلحاحًا في نظر القيادة. وفي هذه الحالة نكون أمام إهمال سياسي بالغ الخطورة، لكنه لا يساوي بالضرورة التخطيط للهجوم.

أما الفرضية الثالثة، وهي الأكثر ظلمة، فتقول إن المعرفة المسبقة كانت موجودة، وإن القيادة امتلكت القدرة على اتخاذ إجراءات كان من شأنها منع الهجوم أو الحد من أثره، لكنها اختارت عدم القيام بذلك لأنها رأت في الكارثة مدخلًا إلى مشروع سياسي وعسكري أكبر. وإذا ثبت هذا يومًا، فلن تكون القضية مجرد إخفاق أو إهمال، بل ستكون اتهامًا تاريخيًا بالغ الخطورة: أن حكومة سمحت بسفك دماء مواطنيها لكي تحصل على مبرر سياسي وعسكري لسفك دماء آخرين.

لكن هذه الفرضية تحديدًا هي التي تحتاج إلى أكبر قدر من الأدلة، لأن القصد لا يثبت بمجرد الاستفادة من النتائج.

الضحية لا يمكن أن تكون أداة

ربما تكون أكثر النقاط إيلامًا في هذه القصة أن الضحية يمكن أن تتحول بسهولة إلى أداة في خطاب الطرفين.

الإسرائيلي يقول: انظروا ماذا فعلت حماس بنا. والفلسطيني يقول: انظروا ماذا فعلت إسرائيل بنا. وكلاهما يستطيع أن يستخدم الجثث لإثبات روايته، بينما تضيع الحقيقة الإنسانية البسيطة وسط صراع الروايات.

فالقتيل لا يعرف لماذا استُخدمت صورته في الخطاب السياسي. الإسرائيلي الذي قُتل في 7 أكتوبر لم يمت دفاعًا عن سياسة نتنياهو، والطفل الفلسطيني الذي قُتل في غزة لم يمت دفاعًا عن حماس. الضحايا لا يختارون الروايات التي ستُكتب عنهم، ولذلك يجب أن يبقى الدم، قدر الإمكان، خارج الحسابات السياسية.

وهذا لا يعني مساواة المسؤوليات أو الجرائم أو الظروف. بل يعني فقط أن الإنسان الذي دفع حياته ثمنًا للصراع لا ينبغي أن يتحول بعد موته إلى مادة لتبرير مشروع سياسي.

ماذا نعرف… وماذا لا نعرف؟

نعرف أن 7 أكتوبر وقع، وأن حماس نفذت هجومًا واسعًا أدى إلى مقتل نحو 1,200 شخص وأخذ 251 شخصًا رهائن. ونعرف أن إسرائيل فشلت في منع الهجوم، رغم وجود معلومات وتحذيرات ومؤشرات سابقة بدرجات مختلفة. ونعرف أن هناك الآن تقريرًا صحفيًا إسرائيليًا جديدًا يزعم أن نتنياهو تلقى تحذيرًا إماراتيًا مباشرًا قبل الهجوم بنحو عشرة أيام، بينما ينفي نتنياهو حدوث الاتصال.

ونعرف كذلك أن الهجوم أدى إلى حرب واسعة ومدمرة في غزة، وأن حجم الخسائر الفلسطينية والدمار الذي أصاب القطاع أصبح محورًا رئيسيًا في الصراع الدولي والسياسي والقانوني حول الحرب.

لكننا لا نعرف، استنادًا إلى الأدلة العلنية التي يمكن التحقق منها، أن حكومة نتنياهو قررت عمدًا السماح بوقوع 7 أكتوبر من أجل تنفيذ أجندة لاحقة.

وهنا يجب أن يكون الفرق بين الصحافة والدعاية واضحًا. الدعاية تبدأ بالنتيجة ثم تبحث عن الأدلة التي تخدمها، أما البحث الحقيقي فيبدأ بالأدلة ثم يسأل: إلى أين تقودنا؟

وفي النهاية… السؤال الذي لا يموت

ربما تكون الحقيقة في النهاية أقل درامية من نظرية المؤامرة وأكثر قسوة منها. ربما لم يخطط نتنياهو للهجوم، وربما كان ما حدث فشلًا استخباراتيًا تاريخيًا، وربما كانت هناك تحذيرات لم تجد طريقها إلى القرار الصحيح، وربما كان هناك أيضًا إهمال سياسي تغذيه حسابات داخلية ورؤية استراتيجية خاطئة.

ثم جاءت الكارثة.

وعندما وقعت، استُخدمت نتائجها لتبرير حرب واسعة لم يكن من الممكن تبريرها بالطريقة نفسها قبل 7 أكتوبر.

وقد تكون هذه هي الحقيقة كلها. وقد تكشف التحقيقات يومًا ما شيئًا أكثر خطورة.

لكن إذا أردنا أن نكون منصفين، فعلينا ألا نحاكم التاريخ قبل أن نعرف وثائقه، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن نسمح للسلطة بأن تطلب منا إغلاق الأسئلة بحجة أن الأسئلة نفسها مؤامرة.

فالسؤال المشروع ليس: هل نصدق نتنياهو أم نصدق خصومه؟

السؤال الحقيقي هو: ماذا كان يعرف نتنياهو؟ ومتى عرف؟ ومن الذي حذره؟ وهل نقل التحذير إلى أجهزة الأمن؟ ولماذا لم تُرفع حالة الاستنفار إلى المستوى الذي يتناسب مع التحذيرات؟ ولماذا لم تُتخذ إجراءات كافية لحماية المناطق المهددة؟ وما الذي كانت الحكومة تخشاه أو تريده قبل الهجوم؟

ثم، بعد وقوع الكارثة، لماذا اتخذت القرارات التي اتخذتها؟ وكيف تحولت مأساة 7 أكتوبر من كارثة أمنية إلى حرب واسعة؟ ومن استفاد سياسيًا من نتائجها؟

إذا أثبت التحقيق أن ما حدث كان فشلًا، فعلينا أن نسميه فشلًا. وإذا أثبت أنه كان إهمالًا سياسيًا، فعلينا أن نسميه إهمالًا. أما إذا ظهرت يومًا أدلة تثبت أن كارثة 7 أكتوبر سُمح لها بالوقوع عمدًا لتحقيق أهداف سياسية لاحقة، فلن يكون أمام التاريخ سوى أن يسجل واحدة من أكثر المفارقات ظلمة في التاريخ السياسي الحديث: أن دماء الإسرائيليين الذين قُتلوا في 7 أكتوبر لم تكن فقط ضحايا لهجوم حماس، بل ربما تحولت، إن ثبتت هذه الفرضية، إلى الثمن الذي دُفع لفتح الطريق أمام حرب أوسع.

وهنا يصبح السؤال الأخير أكبر من نتنياهو، وأكبر من حماس، وأكبر من إسرائيل وغزة.

هل يمكن لحكومة أن تنظر إلى دماء مواطنيها باعتبارها مأساة، ثم تحول المأساة إلى مشروع إبادة وتهجير؟

ذلك هو السؤال الاخلاقي الذي يجب أن يجيب عنه التاريخ.

ليس بالخطابات، ولا بالانتخابات، ولا بالدعاية.

بل بالوثائق.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جزيرتان، دولتان، وقلب واحد… حكاية الفن بين أليكيودي والبحرين
- 15 نباتًا ارتبطت في ثقافات العالم بالسكينة والبركة… رحلة بين ...
- حين ينتصر الضمير… ويصمت الامتنان
- الأبواب التي لا نغلقها تظل مفتوحة داخل رؤوسنا
- القرار الذي اتخذته قبل أن تفكر… هل تعيش حياتك أم يقودك الطيا ...
- المسافة التي تصنع الإنسان بين المشاعر والقرار
- كيف تدير اقتصاد انفعالاتك في هذا العالم العاصف من خلال 13 فك ...
- حين يصبح العقل أسيرًا للانفعال: المشاعر مرشدٌ لا قاضٍ
- كل غضب لا ينتهي بانتهاء الموقف… بل يترك أثرًا في دماغك
- هل الرفاهية قيدًا والراحة تكاسل… كيف نصنع سجوننا بإرادتنا؟
- 15 شيئًا يتخلص منه اليابانيون: كيف تعكس مقتنيات المنزل الياب ...
- النباتات الداخلية… ديتوكس المنازل وحلفاؤنا الخضر في مواجهة ا ...
- دروع العقل: كيف تبني شخصية مؤثرة وتحمي ذاتك من فخاخ الأفكار ...
- متلازمة “وهم القمة المعرفية”: حين يعتقد العقل وهمًا بأنه لا ...
- أسطورة الجلد والكبرياء: سيالكوت والنساء اللواتي صنعن مجد كأس ...
- الخوف من الرفض… السجن الخفي الذي يصنعه المجتمع داخل الإنسان
- حين تصبح حياة الآخرين مرآة تحطّمنا: لماذا نقارن أنفسنا بغيرن ...
- قراءة شاملة لكتاب “كن أنت” للكاتبة إيلين لامب
- فن التجاهل: عندما يصبح الصمت أقوى سلاح واللامبالاة أسمى درجا ...
- حين تُستدعى الحقيقة: العنف ليس دينًا، والعدالة لا تعرف الانت ...


المزيد.....




- في إشارة لرغبتهم بأن يخلف ترامب في الرئاسة.. هذا ما هتفت به ...
- مصدر لـCNN: ولي العهد السعودي حث ترامب على ضرب الحوثيين.. وا ...
- بعد السيطرة على مواقع استراتيجية.. الحوثيون: الملاحة في باب ...
- بزشكيان: لا أؤيد استمرار الحرب، وترامب يواجه ضغوطاً لإنهائها ...
- قبيل انطلاق قمة -بريكس-.. بوتين وبيزشكيان يصلان إلى نيودلهي ...
- عمره 25 ألف عام.. اكتشاف أقدم دليل في العالم على استخدام الـ ...
- يائير غولان يقاضي سارة نتنياهو بسبب تصريحات مرتبطة بهجوم 7 أ ...
- ألمانيا: أسلحة ومخططات اغتيال .. اتهامات جديدة لعناصر من حما ...
- اليمن.. الحوثيون يعلنون تنفيذ عملية عسكرية واسعة في عدد من م ...
- السيسي يصل إلى نيودلهي للمشاركة في قمة بريكس


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أوزجان يشار - 7 أكتوبر .. هل كان نتنياهو ينتظر هذه الكارثة؟ من التحذيرات إلى الحرب، الحلم الصهيوني الذي تحول إلى كابوس