أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 17:31
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
لو سألنا أي إنسان: هل ترغب أن تتحكم في حياتك؟ لأجاب بلا تردد: نعم. لكن السؤال الأصعب ليس عن الرغبة في السيطرة، بل عن القدرة الحقيقية على ممارستها. فالحقيقة التي يتهرب منها كثيرون هي أن جزءًا كبيرًا من حياتنا لا يُدار بقرارات واعية، بل بردود فعل متراكمة، وعادات نفسية ترسخت في أعماقنا حتى أصبحنا ننفذها ونحن نظن أننا نختار.
غير أن المشكلة أعمق من مجرد الانفعال أو العادة. فهي لا تكمن في المشاعر نفسها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. فالإنسان المعاصر لا يعاني من كثرة مشاعره بقدر ما يعاني من غياب الوعي الذي ينظمها ويضعها في سياقها الصحيح. ومن هنا يبدأ التحول الحقيقي؛ ليس بمحاولة السيطرة على المشاعر أو كبتها، وإنما ببناء وعي قادر على ملاحظتها قبل أن تتحول إلى قرارات.
فالوعي ليس أداة لإخماد الانفعالات، بل مساحة داخلية تسمح لنا برؤيتها وهي تتشكل. وفي تلك المساحة تنشأ الحرية الحقيقية؛ إذ نستطيع أن نراقب الغضب قبل أن يتحول إلى كلمة، والخوف قبل أن يتحول إلى انسحاب، والرغبة قبل أن تتحول إلى اندفاع. وعندها لا تعود المشاعر هي من يقود حياتنا، بل تصبح جزءًا من تجربة نفهمها ونوجهها بدل أن تستحوذ علينا.
⸻
إن ما يسمى بـ”الطيار الآلي” ليس مجرد آلية ذهنية صممها الدماغ لتوفير الجهد، بل أصبح، في كثير من الأحيان، أسلوبًا في العيش يعكس هروب الإنسان من مواجهة ذاته. فنحن نعيش في عصر يمجد السرعة، ويرفع شعار “قرر بسرعة” إلى مرتبة الفضيلة، حتى بدا التأمل ترفًا، والتريث ضعفًا، وإعادة التفكير نوعًا من التردد.
وقد أوضح عالم النفس والاقتصاد السلوكي دانيال كانيمان أن العقل يعمل عبر نظامين متكاملين: نظام سريع، حدسي، وتلقائي، وآخر بطيء، متأنٍ، وتحليلي. والمشكلة ليست في وجود النظام السريع، فهو ضروري للحياة اليومية، وإنما في أنه بات يتولى قيادة قرارات مصيرية كان ينبغي أن تمر عبر التأمل والمراجعة.
ومن هنا تبرز فكرة إدارة الوعي بوصفها خطوة تتجاوز مجرد إدارة المشاعر. فإذا كانت المشاعر غالبًا نتاجًا لاستجابات سريعة، فإن الوعي هو القدرة على ملاحظتها دون أن نندمج فيها. إنه تلك المسافة الهادئة التي تسمح لنا بأن نرى ما يحدث داخلنا قبل أن نتحول نحن أنفسنا إلى ما نشعر به.
ولعل هذا ما عبّر عنه الطبيب والفيلسوف النمساوي فيكتور فرانكل في كتابه «الإنسان يبحث عن المعنى» حين قال:
“بين المحفز والاستجابة توجد مساحة، وفي تلك المساحة تكمن قدرتنا على اختيار استجابتنا، وفي استجابتنا يكمن نمونا وحريتنا.”
هذه المسافة ليست مجرد تأخير زمني، بل فعل وعي خالص. إنها اللحظة التي يستطيع الإنسان فيها أن يسأل نفسه: “من الذي سيتخذ القرار الآن؟ أنا، أم برنامجي القديم؟”
⸻
العادة التي تعيش بالنيابة عنك
عندما نتعمق في سيكولوجيا العادة، نكتشف أن الدماغ لا يميز بين عادة جيدة وأخرى سيئة؛ فكل ما يعنيه هو ما يتكرر. فكل سلوك، أو فكرة، أو استجابة انفعالية يعاد تكرارها، تتحول مع الزمن إلى مسار عصبي أكثر رسوخًا وأقل كلفة في الاستخدام، حتى يصبح المرور عبره تلقائيًا، كما لو أن العقل اختصر الطريق إليه.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في العادات السلوكية البسيطة، كقيادة السيارة أو تنظيف الأسنان، فهذه عادات تمنحنا الكفاءة وتوفر علينا الجهد. إنما يكمن في العادات الانفعالية التي تتسلل إلى شخصيتنا دون أن نشعر بها؛ أن نغضب بالطريقة نفسها، وأن نخاف من الأسباب ذاتها، وأن ننسحب كلما واجهتنا مواجهة، وأن نكرر أنماط الحب والخسارة نفسها، حتى نظن أنها جزء من هويتنا، بينما هي في حقيقتها مجرد استجابات تعلمها الدماغ وأعاد إنتاجها مرات لا تحصى.
وهنا تتجلى مفارقة الإنسان المعاصر. فهو يعيش في عالم يتغير بوتيرة مذهلة، بينما يحمل داخله أنماطًا نفسية تكاد لا تتغير. يبدل المدينة، والوظيفة، والهاتف، وربما الشريك، لكنه يظل يصطحب معه الشخص نفسه الذي كانه قبل سنوات. وكأنه يبدل ثيابه باستمرار، بينما يترك أعماقه أسيرة العادات ذاتها.
وهذا التكرار ليس علامة ضعف بقدر ما هو شكل من أشكال العمى الذاتي. فما يبدو لنا قرارًا شخصيًا قد يكون، في كثير من الأحيان، مجرد استجابة آلية تسبق وعينا. فالذي ينسحب من كل خلاف لا يكون قد اختار الانسحاب في تلك اللحظة، بل استدعته برمجته القديمة إلى السلوك نفسه. والذي ينفجر غضبًا في كل نقاش لا يكون قد اتخذ قرار الغضب، بل تحرك داخله نمط انفعالي تشكل عبر سنوات من التكرار، فأعاد إنتاج نفسه مرة أخرى.
ولهذا فإن إدارة الوعي لا تبدأ بالسؤال: كيف أسيطر على غضبي؟ بل بسؤال أكثر عمقًا: لماذا يستثار غضبي بهذه السهولة؟ وما الذي يوقظه في داخلي؟ وهل أنتمي إلى هذه الاستجابة، أم أنني أكررها فقط؟
إنها نقلة من معالجة الأعراض إلى اكتشاف الجذور، ومن الانشغال برد الفعل إلى فهم من يصنعه.
⸻
الحرية ليست أن تختار… بل أن تتحرر من الاختيار التلقائي
إذا كانت الفلسفات القديمة قد ربطت الحرية بامتلاك الإرادة، فإن الإنسان الحديث كثيرًا ما اختزلها في وفرة الخيارات. أصبح يظن أن الحرية تعني أن يختار بين عشرات التطبيقات، أو مئات المنتجات، أو آلاف الوجهات، بينما بقي السؤال الأهم غائبًا: من الذي يختار أصلًا؟
فقد يملك الإنسان خيارات لا حصر لها، لكنه يختار بالطريقة ذاتها كل مرة؛ مدفوعًا بالخوف نفسه، أو بالحاجة نفسها إلى القبول، أو بالجرح القديم نفسه. عندئذ تصبح كثرة الخيارات مجرد وهم، لأن الذي يتخذ القرار ليس الحاضر، بل الماضي.
ولعل هذا ما يجعل إدارة الوعي ممارسة وجودية قبل أن تكون مهارة نفسية. فهي لا تطلب من الإنسان أن يقاوم رغباته بالقوة، بل أن يراها بوضوح. أن يراقب نفسه وهي ترغب، أو تخاف، أو تغضب، ثم يسأل: هل أريد حقًا أن أقودني هذه الرغبة؟
ويقول عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو في كتابه «الشعور بما يحدث»:
“الوعي ليس انعكاسًا سلبيًا للواقع، بل بناء نشط له.”
وهذا يعني أننا لا نتعامل مع العالم كما هو، بل كما تسمح لنا خبراتنا السابقة، وذكرياتنا، وحالتنا الانفعالية بأن نراه. لذلك فإن تحرير الوعي ليس هروبًا من الواقع، بل تحرر من الطريقة القديمة التي اعتدنا أن نرى بها الواقع.
ومن هنا يصبح التأمل فعلًا معرفيًا، لا مجرد تمرين للاسترخاء. إنه لحظة يتراجع فيها ضجيج الخارج قليلًا، لنسمع الأسئلة التي طالما غطت عليها العادة:
ما الذي يحركني الآن؟
أهو الخوف؟ أم الحاجة إلى الاعتراف؟ أم الرغبة في الانتصار؟
وهل هذا الدافع ينتمي إلى حاضري، أم أنه صدى لماضٍ لم ينتهِ بعد؟
⸻
ثورة صامتة في زمن الضجيج
في زمن تتنافس فيه المنصات على انتزاع انتباهنا، ويقاس النجاح بسرعة الاستجابة لا بعمقها، يصبح التوقف فعلًا مقاومًا. فالثواني القليلة التي تفصل بين المحفز ورد الفعل ليست فراغًا ضائعًا، بل المساحة الوحيدة التي نستطيع فيها أن نستعيد زمام أنفسنا.
هناك، في ذلك السكون القصير، يكتشف الإنسان أنه ليس مضطرًا إلى أن يكرر ما اعتاد عليه. وأن الماضي، مهما كان ثقيلًا، لا يملك حق إصدار القرارات نيابة عنه. ففي كل مرة نمنح وعينا فرصة للحضور، تتراجع سلطة العادة خطوة، وتتقدم الحرية خطوة أخرى.
ولهذا فإن نقطة البداية في أي مشروع جاد لتطوير الذات ليست اكتساب مزيد من التقنيات، ولا حفظ قوائم جديدة من النصائح، وإنما تنمية القدرة على الملاحظة الصادقة. فإدارة المشاعر قد تجعل الإنسان أكثر هدوءًا، لكنها لا تضمن أن يكون أكثر حرية. أما إدارة الوعي، فهي التي تمنحه القدرة على رؤية نفسه قبل أن ينفعل، وعلى مراجعة دوافعه قبل أن يتصرف.
ولعل هذا ما عبر عنه المفكر ألان واتس بلغته التأملية حين قال:
“أنت لست موجة في المحيط، بل أنت المحيط كله الذي يتجلى في هيئة موجة للحظة.”
وليس المقصود بهذا القول الهروب إلى التأمل المجرد، بل التذكير بأن انفعالاتنا ليست هويتنا. فهي حالات عابرة تمر في فضاء أوسع هو الوعي نفسه. وعندما ندرك ذلك، لا نتوقف عن الغضب، ولا نتخلص من الخوف، لكننا نتوقف عن الاعتقاد بأنهما يعرفان من نكون.
وعندها يصبح الفرق بين عبارتين بسيطتين فرقًا بين أسلوبين في الحياة: أن تقول “أنا غاضب”، أو أن تقول “أشعر بالغضب الآن.” في العبارة الأولى يبتلعك الانفعال، وفي الثانية تراقبه من مسافة تسمح لك بأن تختار كيف تتعامل معه.
⸻
القرار الذي يسبق كل القرارات
ربما أدركت الحضارات القديمة هذه الحقيقة حين جعلت التأمل ممارسة يومية، لا باعتباره طقسًا دينيًا فحسب، بل تدريبًا مستمرًا على رؤية الذات قبل الانشغال بالعالم. فالإنسان لا يغير الواقع الخارجي مباشرة، لكنه يستطيع أن يغير الطريقة التي يلتقي بها هذا الواقع، ومن هناك يبدأ كل تغيير حقيقي.
ولهذا فإن التحولات الكبرى لا تبدأ عادة بقرارات استثنائية، بل بأسئلة صغيرة يوجهها الإنسان إلى نفسه في اللحظة المناسبة:
من الذي يتحدث الآن؟
هل هذا صوتي، أم صوت عاداتي؟
هل هذا القرار يعبر عن حاضري، أم أن الماضي ما زال يختار بالنيابة عني؟
قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها تزعزع أكثر الأنماط النفسية رسوخًا. فهي تفتح نافذة في جدار العادة، وتمنح الإنسان فرصة لأن يرى نفسه كما هي، لا كما اعتاد أن يراها.
وليس المطلوب أن نتخلى عن كل ما اعتدناه؛ فالحياة تحتاج إلى كثير من العادات كي تستمر بكفاءة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العادة من وسيلة لتسهيل الحياة إلى بديل عنها، فيصبح العمر تكرارًا لمشاعر، وأفعال، وقرارات صاغتها نسخ قديمة من ذواتنا، ولم نعد نتوقف حتى لنسأل إن كانت ما تزال تمثلنا.
وهنا تكمن الدعوة الأخيرة.
لا تحاول أن تغير حياتك دفعة واحدة، ولا تبحث عن قرار استثنائي يقلب كل شيء بين ليلة وضحاها. ابحث فقط عن تلك اللحظة الصامتة التي تسبق كل استجابة. ففي تلك اللحظة لا يدور الصراع بينك وبين العالم، بل بينك وبين ما اعتدته عن نفسك.
ومن ينتصر في تلك المعركة الصغيرة، يكتشف مع مرور الأيام أن أعظم التحولات لم تبدأ بقرار ضخم، بل بسؤال هادئ سبق القرار بلحظة.
إن الانتقال من إدارة المشاعر إلى إدارة الوعي ليس مجرد تطوير للذات، بل إعادة تعريف لمعنى الحرية. فالحياة التي تستحق أن تُعاش ليست تلك التي تخلو من الانفعالات أو الأخطاء، وإنما تلك التي يعيشها الإنسان حاضرًا في قراراته، مدركًا لدوافعه، وقادرًا على أن يقول، في النهاية:
“هذه حياتي… وقد اخترت أن أعيشها بوعي.”
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟