أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - أوزجان يشار - المسافة التي تصنع الإنسان بين المشاعر والقرار














المزيد.....

المسافة التي تصنع الإنسان بين المشاعر والقرار


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 11:12
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


قد لا تكون أعظم لحظة في حياة الإنسان تلك التي يحقق فيها نجاحًا كبيرًا، أو يفوز بمنصب، أو يجمع ثروة، بل اللحظة التي يكتشف فيها أنه لم يعد مضطرًا للاستجابة لكل ما يشعر به. تلك اللحظة التي يدرك فيها أن الغضب لا يجبره على الصراخ، وأن الخوف لا يفرض عليه الهروب، وأن الإهانة لا تلزمه بالانتقام.

قد يستغرب بعض القراء لماذا استرسلت في مقالاتي الأخيرة في الحديث عن الغضب، لكن السبب بسيط وعميق في آن واحد؛ فثمة مساحة صغيرة جدًا تفصل بين ما يحدث لنا وبين ما نفعله بعد ذلك. مساحة لا تُقاس بالأمتار ولا بالدقائق، بل بوعي الإنسان بنفسه. قد لا تستغرق سوى ثوانٍ معدودة، لكنها قادرة على تغيير مصير علاقة، أو مستقبل وظيفة، أو حتى مسار حياة كاملة.

هذه المساحة هي أكثر ما يميز الإنسان عن الكائن الذي تحركه الغريزة وحدها. فالحيوان يستجيب، أما الإنسان فيستطيع أن يختار. وكلما اتسعت هذه المسافة، اتسعت معها الحرية.

ولذلك فإن أكثر الناس هدوءًا ليسوا أقل إحساسًا، بل أكثر قدرة على تأجيل الاستجابة. إنهم يشعرون بالغضب كما نشعر، ويخافون كما نخاف، ويحزنون كما نحزن، لكنهم لا يمنحون الشعور حق التوقيع على القرار النهائي.

تأمل أكثر المواقف التي ندمت عليها في حياتك. ربما كانت رسالة إلكترونية أرسلتها إلى رئيسك في لحظة انفعال، أو كلمة خرجت من فمك لأن كبرياءك كان أعلى صوتًا من حكمتك، أو قرارًا اتخذته لأن الخوف أقنعك بأن الانتظار هزيمة. وبعد أيام، وربما بعد سنوات، لم يكن يؤلمك الحدث نفسه بقدر ما كانت تؤلمك الطريقة التي استجبت بها له.

وهنا تكمن المفارقة التي لا ينتبه إليها كثيرون؛ فالأحداث لا تملك دائمًا سلطة تدميرنا، لكن ردود أفعالنا تجاهها قد تفعل.

ولهذا فإن الإنسان الناضج لا يسأل نفسه: ماذا أشعر الآن؟ بل يضيف سؤالًا آخر أكثر أهمية: ماذا يستحق هذا الشعور أن أفعل؟

فليس كل غضب يستحق مواجهة، ولا كل إساءة تستحق ردًا، ولا كل رأي مخالف يستحق معركة. إن جزءًا كبيرًا من السلام الداخلي لا يأتي من كسب النقاشات، بل من حسن اختيار النقاشات التي تستحق أن تُخاض أصلًا.

لقد أصبح العالم الحديث يدفع الإنسان إلى العكس تمامًا؛ يريد منه أن يرد بسرعة، وأن يحكم بسرعة، وأن يغضب بسرعة. فكلما اختفت لحظة التأمل، أصبح الإنسان أكثر قابلية للتوجيه. ولهذا أصبحت السرعة عدوًا للحكمة؛ فالقرار الذي يولد في ثانية قد يحتاج سنوات لإصلاح نتائجه.

ومن يتأمل سير القادة والعلماء والمصلحين يكتشف أن ما جمع بينهم لم يكن الذكاء وحده، بل امتلاك أعصاب هادئة في أكثر اللحظات اضطرابًا. لم يكونوا يملكون قدرة خارقة على توقع المستقبل، وإنما امتلكوا قدرة نادرة على ألا يسمحوا للحظة عابرة بأن تملي عليهم قرارًا دائمًا.

إن ضبط النفس ليس معركة مع المشاعر، بل هو حوار معها. فالغضب قد يكشف وجود ظلم، والخوف قد ينبه إلى خطر، والحزن قد يذكرنا بقيمة ما فقدناه، لكن هذه المشاعر لا تستطيع وحدها أن تحدد أفضل طريقة للتعامل مع الواقع. إنها تقدم المعلومات، أما القرار فينبغي أن يبقى من اختصاص العقل.

ولهذا أخطأ من ظن أن الحكمة تعني قتل العاطفة، كما أخطأ من ظن أن الصدق مع النفس يعني تنفيذ كل ما يشعر به. فالإنسان لا يصبح أكثر أصالة لأنه قال كل ما خطر في باله، ولا أكثر شجاعة لأنه استجاب لكل غضب اجتاحه. أحيانًا تكون الأصالة في الصمت، والشجاعة في ضبط اللسان، والقوة في مغادرة معركة قبل أن تبتلع كل ما هو أثمن منها.

ولعل أجمل ما يكتشفه الإنسان مع التقدم في العمر أن معظم المعارك التي استنزفته لم تكن تستحق كل ذلك القدر من الطاقة. أشخاص اختفوا من حياته، وآراء نسيها الجميع، وخلافات لم يعد أحد يتذكر سببها. أما الذي بقي، فهو أثر تلك الانفعالات على قلبه، وعلاقاته، وصحته.

إن الحياة أقصر من أن تُعاش بردود فعل متلاحقة. فالذي يقضي عمره منزعجًا من كل تعليق، وغاضبًا من كل اختلاف، وخائفًا من كل احتمال، لن يجد وقتًا كافيًا ليعيش الحياة نفسها. سيبقى مشغولًا بإطفاء حرائق أشعلتها انفعالاته قبل أن تشعلها الظروف.

ومن هنا تبدأ الحرية الحقيقية؛ أن يدرك الإنسان أن احترامه لنفسه لا يتوقف على انتصاره في كل جدال، وأن كرامته لا تحتاج إلى الدفاع عنها في كل مناسبة، وأن قيمته لا تتحدد بعدد الردود التي كتبها، بل بعدد المواقف التي تجاوزها لأنه رأى الصورة أكبر من لحظة الاستفزاز.

ليست البطولة أن تقول الكلمة الأخيرة، بل أن تعرف متى لا تحتاج إلى قولها. وليست القوة أن تنتصر على الآخرين، بل أن تمنع غضبك من الانتصار عليك. فكم من إنسان هزم خصومه، لكنه ظل أسيرًا لنفسه، وكم من إنسان بدا صامتًا في نظر الناس، بينما كان يخوض أعظم انتصار داخلي يمكن أن يحققه بشر.

يقول الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس: «لديك سلطة على عقلك، لا على الأحداث الخارجية؛ أدرك ذلك، وستجد القوة.»

وربما تختصر هذه الكلمات رحلة الإنسان كلها. فنحن لا نختار كثيرًا مما يحدث لنا، لكننا نختار دائمًا الشخص الذي سنكونه بعد أن يحدث.

وفي النهاية، لا يُقاس نضج الإنسان بعدد سنوات عمره، ولا بعدد شهاداته، ولا بحجم نجاحه، بل بمقدار المسافة التي استطاع أن يبنيها بين انفعاله وقراره. ففي تلك المسافة الصغيرة يولد التعقل، وتنمو الشخصية، وتُحفظ العلاقات، وتُصنع السمعة، ويكتشف الإنسان أن أعظم انتصار حققه في حياته لم يكن على أحد… بل على نفسه.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تدير اقتصاد انفعالاتك في هذا العالم العاصف من خلال 13 فك ...
- حين يصبح العقل أسيرًا للانفعال: المشاعر مرشدٌ لا قاضٍ
- كل غضب لا ينتهي بانتهاء الموقف… بل يترك أثرًا في دماغك
- هل الرفاهية قيدًا والراحة تكاسل… كيف نصنع سجوننا بإرادتنا؟
- 15 شيئًا يتخلص منه اليابانيون: كيف تعكس مقتنيات المنزل الياب ...
- النباتات الداخلية… ديتوكس المنازل وحلفاؤنا الخضر في مواجهة ا ...
- دروع العقل: كيف تبني شخصية مؤثرة وتحمي ذاتك من فخاخ الأفكار ...
- متلازمة “وهم القمة المعرفية”: حين يعتقد العقل وهمًا بأنه لا ...
- أسطورة الجلد والكبرياء: سيالكوت والنساء اللواتي صنعن مجد كأس ...
- الخوف من الرفض… السجن الخفي الذي يصنعه المجتمع داخل الإنسان
- حين تصبح حياة الآخرين مرآة تحطّمنا: لماذا نقارن أنفسنا بغيرن ...
- قراءة شاملة لكتاب “كن أنت” للكاتبة إيلين لامب
- فن التجاهل: عندما يصبح الصمت أقوى سلاح واللامبالاة أسمى درجا ...
- حين تُستدعى الحقيقة: العنف ليس دينًا، والعدالة لا تعرف الانت ...
- قراءة في كتاب -المجد الرئيسي- للكاتب ستيفن آر. كوفي
- من الدعم إلى الشراكة المشروطة: لماذا تغيّر موقف الخليج من إد ...
- حين يصنع التخطيط مصير الأمم: من إدارة الأزمات إلى هندسة المس ...
- بين القبول والنفور: جسور العلاقات البشرية
- حين تتحول السياسة إلى مقامرة… قراءة في إدارة المشهد السياسي ...
- مهارة إدارة المخاطر: بين حدس المغامر وانضباط المثابر


المزيد.....




- من قصر الرئاسة إلى قوائم الإعدام.. حكم غيابي بحق بشار الأسد ...
- تحليل.. إدارة ترامب تقول إن النفط يتدفق بشكل طبيعي من المنطق ...
- ترامب: طائرتي بعد التبديل السري في تركيا كانت في خطر أكبر
- كارثة بوقع أليم: -ارفع رأسك عاليا-!
- جدل في نيويورك حول سفر زوجة العمدة إلى سوريا ولبنان برفقة حر ...
- مقتل طفل ورجل وإصابة 8 آخرين في هجوم أوكراني بمسيرات على إقل ...
- واشنطن تشكر بوتين بعد العفو عن المواطن الأمريكي روبرت غيلمان ...
- الدفاع الروسية: منظومات الدفاع الجوي أسقطت 502 مسيرة أوكراني ...
- وزير التعليم العالي يشيد بجهود المكتب الإعلامي في توعية وإرش ...
- مباشر: مقتل 6 أشخاص في هجوم للحوثيين بمضيق باب المندب وواشنط ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - أوزجان يشار - المسافة التي تصنع الإنسان بين المشاعر والقرار