أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أوزجان يشار - حين ينتصر الضمير… ويصمت الامتنان















المزيد.....


حين ينتصر الضمير… ويصمت الامتنان


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 20:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ثمة أحداث تمر في حياتنا ثم تنتهي بانتهاء لحظتها، وثمة أحداث أخرى تنتهي في الواقع لكنها تظل مفتوحة في داخلنا؛ نعيد مشاهدها، ونراجع تفاصيلها، ونبحث في وجوه من كانوا فيها عن إجابات لم نحصل عليها في وقتها. وبعض هذه الأحداث لا يختبر شجاعتنا وحدها، بل يختبر الصورة التي نحملها عن أنفسنا وعن الآخرين، وعن معنى الخير، والامتنان، والتحيز، وما يمكن للإنسان أن يفعله حين لا يملك رفاهية التفكير الطويل ولا الوقت الكافي ليحسب الربح والخسارة.

والقصة التي أرويها هنا واحدة من تلك القصص.

لي صديق أمريكي مسلم من أصول عربية سأشير إليه اختصارًا بالحرفين «م.غ». رجل عصامي شق طريقه المهني بالجد والعمل حتى وصل إلى مستويات متقدمة في مجال اختصاصه. متزوج من سيدة أمريكية وله منها أطفال، وقد أراد قبل أن يبدأ مسؤوليات عمل جديد أن يصطحب أسرته في عطلة قصيرة إلى منتجع في دولة قريبة من الولايات المتحدة. كانت الفكرة بسيطة وجميلة: أيام قليلة يمنحها لعائلته قبل العودة إلى زحام العمل والتزاماته، في محاولة لتحقيق ذلك التوازن الصعب بين النجاح المهني والوجود الحقيقي مع الأسرة.

سارت العطلة كما ينبغي حتى ذلك اليوم. كان م.غ قد انتهى مع أسرته من استخدام حمام السباحة، وبدأوا يسيرون مبتعدين عنه، حين لاحظ طفلة صغيرة ربما لم تتجاوز الثانية من عمرها تمشي خلفهم. لم يكن في المشهد ما يدعو إلى القلق؛ افترض بصورة تلقائية أن والديها خلفها أو قريبان منها، كما يحدث كل يوم في الفنادق والمنتجعات. وبعد خطوات قليلة، ولسبب ربما لا يستطيع هو نفسه تفسيره، التفت إلى الخلف.

لم تعد الطفلة تمشي.

كانت في الماء، بجسد صغير بالكاد تعلم كيف يمشي، يصارع الآن شيئًا أكبر منه ولا يعرف كيف يقاومه. لم يكن هناك وقت للسؤال عن أهلها أو استدعاء أحد أو دراسة الطريقة المثلى للتصرف. ألقى م.غ هاتفه أرضًا واندفع نحو المسبح. كانت الأرضية مبتلة فانزلقت قدمه وسقط وأصاب ركبته. كان الألم في ظرف طبيعي كافيًا لأن يجعله يتوقف ليتفقد إصابته، لكن الظرف لم يكن طبيعيًا. نهض وأكمل، ثم انزلق مرة أخرى، وهذه المرة سقط على ظهره وكان الألم أقسى. ومع ذلك نهض ثانية؛ لأن شيئًا في داخله كان أعلى صوتًا من الألم: هناك طفلة تغرق، وكل ثانية تمر قد تكون هي الفارق بين حياة كاملة ونهاية لم تبدأ بعد.

لم يسأل م.غ عن اسمها أو دينها، ولم يسأل عن لون والديها أو أصولهما، ولم يخطر له أن يسأل كيف سينظران إليه أو هل سيشكرانه إذا نجح في إنقاذها. ففي اللحظات الأخلاقية الكبرى تسقط أحيانًا جميع الأسئلة الصغيرة. وصل إليها وأخرجها من الماء، وانتهت في تلك اللحظة إمكانية موت طفلة، وبدأت من جديد إمكانية حياة كاملة: مدرسة وجامعة وأصدقاء وأحلام وسفر وحب وعمل، وربما أطفال وأحفاد بعد عقود. سلسلة من المستقبل كانت معلقة لثوانٍ بين سطح الماء وقاع المسبح، ثم امتدت مرة أخرى لأن إنسانًا غريبًا قرر، من دون أن يعقد اجتماعًا مع نفسه، أن سلامته في تلك اللحظة أقل أهمية من حياتها.

حمل م.غ الطفلة وخرج بها، وهنا انتهت قصة النجاة وبدأت قصة أخرى أكثر التباسًا.

ظهر والدا الصغيرة، وكانا هما أيضًا من الولايات المتحدة، لكنهما يختلفان عنه في الخلفية العرقية. سلم م.غ الطفلة إلى أمها. أخذتها منه من دون أن تقول شيئًا، وبحسب ما رواه لي لم يجد في ملامحها حتى تلك النظرة العابرة التي يتوقعها الإنسان ممن استعاد طفلته قبل لحظات من موت محقق. أما الأب فتمتم بكلمة «شكرًا»، لكنها بدت لم.غ باردة ومقتضبة، تكاد لا تحمل من معنى الكلمة سوى حروفها.

كان من الممكن عند هذه النقطة أن نجد تفسيرًا مريحًا: الصدمة. فالإنسان حين يقترب فجأة من احتمال فقدان طفله لا يتصرف بالضرورة بالطريقة التي نتوقعها منه. بعض الناس يصرخون، وبعضهم يبكون، وبعضهم يحتضنون من ساعدهم، وآخرون يدخلون في نوع من الجمود الانفعالي يبدو للناظر برودًا بينما تكون النفس من الداخل في حالة اضطراب عاصف. وربما كان هناك أيضًا شعور بالذنب؛ فالوالدان أدركا في اللحظة نفسها أن طفلتهما كانت تمشي وحدها، ثم سقطت في الماء بعيدًا عن انتباههما. ولهذا لم يكن من العدل بناء حكم كامل على دقائق قليلة من الفوضى.

لكن القصة لم تتوقف عند حافة المسبح.

في مساء اليوم نفسه التقت الأسرتان مرة أخرى في مطعم المنتجع أثناء العشاء. لم يعد هناك ماء، ولا صراخ، ولا خطر مباشر، ولا تلك الثواني المضطربة التي يمكن أن تفسر الجمود. مرت ساعات كان يمكن فيها استيعاب ما وقع. ومع ذلك بقي البرود هو اللغة السائدة، ولم تصدر من والدي الطفلة مبادرة حقيقية نحو الرجل الذي أعاد إليهما ابنتهما. ثم جاء صباح اليوم التالي، والتقوا مرة أخرى أثناء الإفطار، وكان التجاهل حاضرًا مرة أخرى؛ وكأن الرجل الذي خاطر بنفسه في اليوم السابق أصبح شخصًا ينبغي ألا يُرى.

وهنا يتغير السؤال.

فما يمكن تفسيره بالصدمة في الدقيقة الأولى يصبح أكثر صعوبة في التفسير بالصدمة وحدها بعد ساعات، ثم في صباح اليوم التالي. وهذا لا يمنحنا الحق في القفز إلى اتهام قاطع بالعنصرية؛ لأننا لا نستطيع الدخول إلى عقول الآخرين ولا نعرف تاريخهم ولا أفكارهم ولا دوافعهم الداخلية. لكنه يسمح لنا بالقول إننا لم نعد أمام استجابة انفعالية عابرة فقط، بل أمام نمط سلوكي يحتاج إلى تفسير أعمق.

حين يصبح المنقذ مرآة لا يريد الآخر النظر إليها

من الاحتمالات النفسية المهمة هنا أن م.غ ربما تحول، من دون أن يقصد، إلى مرآة تذكر الوالدين بما حدث وبما كان يمكن أن يحدث. فالإنسان لا يتجنب دائمًا من أساء إليه؛ أحيانًا يتجنب من يذكره بخطئه. وإذا كان ظهور م.غ أمامهما يعني استدعاء اللحظة التي أدركا فيها أن طفلتهما كادت تفقد حياتها أثناء غفلتهما عنها، فقد يصبح وجوده ثقيلًا نفسيًا، ليس لأنه مذنب بل لأنه شاهد حي على واقعة يفضلان عدم مواجهتها.

للعار والذنب طرق ملتوية في الدفاع عن النفس. قد يدفعان الإنسان إلى الاعتذار والامتنان وتحمل المسؤولية، وقد يدفعانه في حالات أخرى إلى التجنب. فبدل أن نقترب من الشخص الذي يذكرنا بتقصيرنا، نبتعد عنه؛ وبدل أن نواجه الصورة المؤلمة عن أنفسنا، نحاول إبعاد المرآة. وفي هذه الحالة قد يكون م.غ قد أصبح بالنسبة إليهما، بغير قصد منه، تذكيرًا بحقيقة يصعب احتمالها: أن رجلًا غريبًا لاحظ الخطر الذي لم يلحظاه، وأنه تحمل ألم السقوط مرتين ليصل إلى طفلتهما قبل فوات الأوان.

لكن هذا ليس الاحتمال الوحيد. فثمة احتمال آخر لا يمكن تجاهله، وإن كان لا يمكن إثباته من هذه الحادثة وحدها، وهو وجود تحيز سابق متعلق بهوية م.غ العربية أو الإسلامية أو بمظهره أو بالخلفية التي ينتمي إليها. وإذا كان شيء من ذلك موجودًا بالفعل، فإن ما وقع عند المسبح لم يكن مجرد إنقاذ لطفلة، بل كان أيضًا اصطدامًا عنيفًا بين صورة مسبقة وبين حقيقة يصعب إدخالها في تلك الصورة.

هنا يصبح مفهوم «التنافر المعرفي» الذي ارتبط بعالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر بالغ الأهمية. فالإنسان يشعر بالتوتر عندما يصطدم اعتقاد راسخ لديه بحقيقة تناقضه. إذا كنت تحمل صورة سلبية عن جماعة معينة، ثم يخاطر فرد منها بسلامته من أجل إنقاذ أعز ما لديك، تصبح أمام مشكلة داخلية: إما أن تسمح للحقيقة الجديدة بتعديل الاعتقاد القديم، أو تبحث عن طريقة تحمي بها الاعتقاد من الحقيقة.

يمكن للإنسان أن يقول: «ربما كنت مخطئًا»، وهذه بداية تغير حقيقي، لكنها ليست سهلة؛ لأن الاعتراف بخطأ فكرة واحدة قد يفتح بابًا لمراجعة عشرات الأحكام التي بنيت عليها. ويمكنه بدلًا من ذلك أن يقول لنفسه: «هذا الشخص استثناء»، وبذلك يحافظ على الصورة القديمة ويخرج الفرد الذي ناقضها من القاعدة. ويمكنه أيضًا التقليل من قيمة العمل: «أي شخص كان سيفعل ذلك»، أو «لم يكن الوضع خطيرًا إلى هذه الدرجة». وقد يكون التجاهل نفسه إحدى الطرق الدفاعية؛ فإذا كان الاعتراف بالمنقذ يفرض عليك إعادة النظر في صورتك عنه، فمن الأسهل أحيانًا ألا تنظر إليه أصلًا.

لا نستطيع أن نقول إن هذا هو ما حدث في حالة الوالدين، لكن تكرار البرود في العشاء ثم الإفطار يجعل هذا الاحتمال أكثر جدية مما كان سيكون عليه لو انتهت القصة عند المسبح. فالزمن هنا مهم. الصدمة تفسر أشياء كثيرة في الدقائق الأولى، أما السلوك الذي يستمر بعد عودة الحياة إلى إيقاعها الطبيعي فيحتاج إلى عدسة أخرى.

وفي الوقت نفسه، تقدم لنا دراسات علم النفس الاجتماعي سببًا لعدم اليأس من أثر الحادثة. فقد ارتبط اسم عالم النفس غوردون ألبورت بما يعرف بـ«فرضية الاتصال»، وهي الفكرة التي ترى أن الاحتكاك المباشر بين أفراد ينتمون إلى جماعات مختلفة يمكن، في ظروف مناسبة، أن يخفف الصور النمطية والتحيزات. وقد وجدت مراجعات بحثية واسعة لاحقًا أن الاتصال بين الجماعات يرتبط عمومًا بانخفاض التحيز. وليس معنى ذلك أن لقاءً واحدًا يحول الإنسان فورًا إلى شخص مختلف، لكن التجارب التي يصعب إنكارها قد تزرع سؤالًا يبقى في الذاكرة طويلًا.

والحادثة هنا ليست مصافحة عابرة ولا حوارًا عابرًا في مطعم. م.غ أصبح جزءًا من واحدة من أكثر الذكريات العاطفية شدة في حياة تلك الأسرة. ربما يمكن للإنسان أن ينسى موظف استقبال أو سائحًا جلس بجانبه في الطائرة، لكن من الصعب أن يختفي تمامًا من الذاكرة وجه الرجل الذي أخرج ابنتك من الماء.

قد لا يكون التغيير قد ظهر أمام م.غ. ربما لا يظهر بعد أسبوع أو سنة. لكن من الممكن، إذا كانت هناك بالفعل أحكام مسبقة، أن تأتي لحظة في المستقبل يسمع فيها الأب أو الأم كلامًا عدائيًا عن المسلمين أو العرب، فتظهر صورة ذلك الرجل فجأة. وقد لا يتحول أحدهما إلى مدافع عن جماعة كاملة، لكن ربما يتردد قبل الموافقة على التعميم، أو يقول للمرة الأولى: «لا يمكنك أن تحكم عليهم جميعًا بهذه الطريقة». هذه التحولات الصغيرة لا تصلح عادة لنهايات الأفلام، لكنها في الواقع هي الطريقة التي تتصدع بها كثير من الأحكام الراسخة.

وقد يحدث العكس تمامًا. فبعض الناس قادرون على حماية تحيزاتهم حتى من الحقائق التي تقف أمامهم. يقولون عن الفرد الجيد إنه «مختلف عن البقية»، وبذلك يتحول الاستثناء إلى وسيلة لإنقاذ القاعدة بدل هدمها. فالتحيز ليس دائمًا معلومة خاطئة يمكن تصحيحها بمعلومة صحيحة؛ أحيانًا يكون مرتبطًا بالهوية والعائلة والأصدقاء والإعلام والمحيط الاجتماعي، ولذلك يصبح التخلي عنه مكلفًا نفسيًا. الاعتراف بأنك كنت مخطئًا تجاه جماعة كاملة قد يعني الاعتراف بأنك ظلمت أشخاصًا لم تعرفهم أصلًا، وليس كل إنسان مستعدًا لمثل هذه المحاسبة.

ما كشفته اللحظة عن م.غ… وما كشفه الصمت عن الآخرين

هناك جانب آخر في هذه القصة يستحق التأمل بعيدًا عن الوالدين تمامًا. فمن أشهر موضوعات علم النفس الاجتماعي ما يسمى «تأثير المتفرج»، حيث قد يتردد الناس أحيانًا في التدخل في حالات الطوارئ عندما يكون آخرون موجودين، فتتوزع المسؤولية بينهم ويظن كل واحد أن شخصًا آخر سيتدخل. ما فعله م.غ كان نقيض ذلك. لم يبحث أولًا عن موظف الفندق، ولم يسأل أين المنقذ المكلف بالمسبح، ولم ينتظر والدي الطفلة. كانت معادلته الأخلاقية أسرع وأبسط: أنا أرى الخطر، إذن أصبحت مسؤولًا عن الفعل الذي أستطيع القيام به الآن.

هذه اللحظة تكشف شيئًا مهمًا عن الشخصية. ففي الظروف العادية نستطيع جميعًا أن نتحدث طويلًا عن الرحمة والشجاعة والمبادئ، لكن الأزمات لا تمنحنا وقتًا كافيًا لبناء الصورة التي نحب أن نعرضها عن أنفسنا. وحين رأى م.غ الطفلة لم يكن لديه وقت ليسأل كيف سيبدو بطلاً. استجاب فقط. ولهذا ربما تكون بعض المواقف الكبرى أقل قدرة على صناعة شخصيتنا من قدرتها على كشف ما كان موجودًا فيها أصلًا.

حتى سقوطه مرتين يحمل معنى يتجاوز الألم الجسدي. فالجسد في الظروف الطارئة يستطيع مؤقتًا أن يعيد ترتيب الأولويات، لكن ما يهم هنا أن الضمير سبق الحساب. لو توقف بعد السقوط الأول ليفكر في إصابته، أو بعد الثاني ليتساءل عن احتمال تعرضه لضرر أشد، ربما كانت الثواني التالية ستكتب نهاية أخرى. الفضيلة أحيانًا ليست في امتلاك إجابة فلسفية معقدة، بل في اختصار المسافة بين رؤية الواجب والقيام به.

ومن هنا نفهم أيضًا لماذا أصاب رد الفعل البارد م.غ بهذه القوة. لم يكن ينتظر مكافأة مالية ولا احتفالًا ولا لقبًا، وإنما كان يتوقع اعترافًا إنسانيًا يتناسب مع حجم الحدث. الإنسان يميل إلى توقع الآخرين من خلال نفسه؛ نتخيل ما كنا سنفعله لو كنا في مكانهم، ثم نشعر بالدهشة عندما نكتشف أنهم لا يتصرفون وفق القاعدة التي نعيش نحن بها. وم.غ يعرف أنه لو أن غريبًا خاطر بجسده لينقذ أحد أطفاله، فلن تكون كلمة مقتضبة نهاية الأمر بالنسبة إليه. ولذلك فإن صدمته لا تكشف فقط عن سلوك الآخرين، بل تكشف عن معيار الامتنان الذي يحمله هو.

وهذا ليس عيبًا. فالامتنان ليس زينة اجتماعية، بل عنصر مهم في العلاقات البشرية؛ الاعتراف بالجميل يعيد تأكيد أن أفعالنا تجاه بعضنا بعضًا ذات معنى، ويقوي الثقة والرغبة في التعاون والمساعدة. ولهذا فإن الشعور بالخيبة عندما يغيب الامتنان شعور طبيعي. غير أن المشكلة تبدأ حين نربط قيمة الفعل الأخلاقي برد فعل الطرف الآخر. فإذا أصبح الخير قيمًا فقط عندما يصفق له الناس، فقد منحناهم سلطة تقرير معنى أخلاقنا.

م.غ مسؤول عن أخلاقه، والوالدان مسؤولان عن أخلاقهما. هو مسؤول عن قراره حين رأى طفلة تغرق، وليس عن الكلمات التي سيقولها أبوها بعد ذلك. مسؤول عن شجاعته، لا عن امتنان الآخرين. مسؤول عن أن يبقى وفيًا للقيم التي جعلته ينهض بعد سقوطه، لا عن أن يجبر الآخرين على تبني القيم نفسها.

وهذا ربما هو أصعب درس في القصة بالنسبة إليه: ألا يسمح لرد فعل مؤلم من الآخرين بأن يسرق منه جمال ما فعله. فأسوأ نهاية ممكنة ليست أن الوالدين لم يقدرا فعله كما ينبغي، بل أن يقول هو بعد ذلك: «لن أتدخل مرة أخرى». عندها يكون البرود قد انتصر مرتين؛ مرة حين حرمه من التقدير، ومرة حين استطاع تغيير الجزء النبيل فيه.

ولهذا فإن تجاوز ما حدث لا يعني أن يقنع نفسه بأن الأمر لم يؤلمه، ولا أن يتظاهر بأن الشكر غير مهم. يمكنه أن يقول بصدق: «لقد آلمني رد الفعل، وكان التجاهل في العشاء ثم في الإفطار أكثر إيلامًا من الصمت الأول، لأنني لم أعد أستطيع تفسيره كله بصدمة اللحظة». ثم يأتي السؤال الأهم: هل يريد أن تصبح هذه الحادثة في ذاكرته «قصة الأسرة التي لم تشكرني»، أم «قصة الطفلة التي بقيت على قيد الحياة»؟

الحدثان حقيقيان، لكنهما ليسا متساويين.

إذا استولى غياب الامتنان على القصة كلها، فإن سلوك الوالدين يصبح هو الذي يكتب خاتمتها. أما إذا أعاد م.غ وضع المعنى في مكانه، فستصبح الحقيقة الكبرى أن طفلة كانت على وشك الموت ثم خرجت من الماء حية بين ذراعيه. قد تبقى خيبة الأمل، لكنها لن تبتلع معنى الفعل.

الحياة التي استمرت… أكبر من الكلمة التي غابت

ربما أجمل ما في هذه القصة أننا نستطيع النظر إلى الطفلة نفسها بعيدًا عن جميع الصراعات النفسية للكبار. ماذا لو كبرت يومًا وعرفت ما حدث؟ ماذا لو أخبروها أنها في عامها الثاني تقريبًا سقطت في مسبح، وأن رجلًا غريبًا رآها، وركض نحوها، وسقط فأصاب ركبته، ثم نهض، وسقط مرة أخرى على ظهره، ونهض مرة ثانية حتى وصل إليها وأخرجها؟

ربما ستسأل السؤال البسيط الذي يحتوي القصة كلها: لماذا فعل ذلك من أجلي وهو لا يعرفني؟

وأجمل جواب يمكن أن تتلقاه هو: لأنك كنت إنسانة تحتاج إلى إنسان.

لن يكون مهمًا حينها إلى أي عرق كان ينتمي، ولا ما كان دينه، ولا ما كانت لهجته أو مهنته. وسيكون أكثر جمالًا لو عرفت أيضًا أنه لم يسأل عن أي من هذه الأشياء قبل أن يقفز نحوها. فقد يكون أعظم ما يمكن أن تتعلمه من قصة نجاتها أن حياتها استمرت بسبب إنسان رأى إنسانيتها قبل أن يرى هويتها.

إن إنقاذ حياة لا يعني إنقاذ جسد في لحظة واحدة فقط. نحن ننقذ كل الأشياء التي لم تحدث بعد: الصباحات المقبلة، وأيام المدرسة، والصداقات، والأحلام، والحب، والسفر، والعمل، والأعياد، وربما الأبناء والأحفاد. لا نعرف حجم الموجة التي يصنعها فعل واحد في بحر الزمن. وربما تنقذ هذه الطفلة يومًا شخصًا آخر، أو تساعد إنسانًا مختلفًا عنها، أو تعلم أطفالها أن رجلاً غريبًا منحها مستقبلًا لأنه لم يسأل أولًا إلى أي جماعة تنتمي.

عندها يكون الخير قد انتقل من شخص إلى آخر ومن جيل إلى جيل من دون أن يعرف صاحبه.

وهنا تصبح قضية الامتنان أوسع من كلمة «شكرًا». فالامتنان في أفضل صوره ليس دائمًا إعادة الجميل إلى الشخص نفسه؛ أحيانًا يكون تمرير الجميل إلى شخص ثالث. أن يصلك الخير ثم لا تحتفظ به لنفسك، بل تدفعه إلى الأمام.

أما العنصرية أو التحيز، إن كانا حاضرين بالفعل في خلفية المشهد، فهما في النهاية جزء من قضية أكبر. فالإنسان يصنع طوال حياته تصنيفات للآخرين: شعوب، أديان، أعراق، مهاجرون، طبقات اجتماعية، أغنياء وفقراء، متعلمون وغير متعلمين. تساعدنا التصنيفات على تبسيط عالم معقد، لكنها تصبح خطرة عندما نعامل الإنسان الحقيقي بوصفه نسخة من الصورة الموجودة في أذهاننا.

وتأتي الحياة أحيانًا بمشهد يهدم تلك الراحة. الشخص الذي وضعتَه في خانة «الآخر» قد يكون هو من ينقذ ابنتك. الشخص الذي بنيت عنه أحكامًا من بعيد قد يكون أول من يركض إليك عندما تحتاجه. وفي تلك اللحظة يصبح أمامك خيار لا يتعلق به وحده بل بك أنت: إما أن توسع فكرتك حتى تتسع للحقيقة، أو تصغّر الحقيقة حتى تستطيع المحافظة على فكرتك القديمة.

لن نعرف على وجه اليقين لماذا كان والدا الطفلة باردين عند المسبح، ثم لماذا استمر تجاهلهما في العشاء وفي إفطار اليوم التالي. وربما يكون من الخطأ أن نجعل معرفة دوافعهما الشرط الضروري لفهم القصة. يمكن أن يكون هناك شعور بالعار والذنب، ويمكن أن يكون هناك نمط شخصي غريب في التعبير، ويمكن أن تكون هناك أحكام مسبقة، وربما اجتمعت عدة أسباب معًا. وما نملكه في النهاية هو السلوك الذي ظهر، لا النوايا التي بقيت مخفية.

لكننا نعرف شيئًا آخر على وجه اليقين: ماذا فعل م.غ عندما أصبح القرار في يده.

رأى طفلة تغرق، فركض.

سقط، فنهض.

سقط مرة أخرى، فنهض مرة أخرى.

وصل إليها وأخرجها من الماء.

وكل ما حدث بعد ذلك، مهما كان مؤلمًا، لا يستطيع أن يغير هذه الحقيقة.

فالإنسان لا يملك السيطرة على قلوب الآخرين، لكنه يملك أن يقرر أي قلب سيحمله هو. لا يستطيع أن يفرض الامتنان، لكنه يستطيع ألا يسمح للجحود بأن يفسد استعداده للخير. ولا يستطيع أن يمحو جميع الأحكام المسبقة من العالم، لكنه يستطيع في لحظة واحدة أن يقدم دليلًا حيًا على بطلانها.

وقد يكون الدرس الأكبر لم.غ نفسه أن الأخلاق ليست عقدًا بين طرفين يقول: سأكون خيرًا إذا كنت ممتنًا. الأخلاق الحقيقية تظهر عندما نفعل الصواب لأننا نراه صوابًا، حتى عندما لا يرانا أحد، وحتى عندما لا يأتينا المقابل الذي توقعناه، وحتى عندما يكون الشخص المستفيد مختلفًا عنا في كل شيء.

الامتنان جميل، والاعتراف بالجميل فضيلة، والشكر حق معنوي لا ينبغي الاستهانة به. لكن الخير الذي يعتمد على التصفيق يظل هشًا، أما الخير الذي يستمد قيمته من ذاته ومن الضمير الذي أنتجه فهو الذي يستطيع البقاء.

وربما يأتي يوم يعرف فيه م.غ شيئًا عن تلك الطفلة. ربما يسمع أنها أصبحت شابة، أو دخلت الجامعة، أو أصبحت أمًا. وربما لن يعرف عنها شيئًا أبدًا. لكن عدم معرفته لا يغير الحقيقة. في مكان ما من هذا العالم هناك حياة تستمر لأن قرارًا اتخذه في ثوانٍ لم يسمح للماء بأن يوقفها.

وعندها ربما تصبح كلمة «شكرًا» التي لم يسمعها أقل أهمية مما كانت عليه في ذلك اليوم.

لأن الجواب الأكبر بقي حيًا أمام الزمن:

لقد بقيت هي.

وقد تكون الحياة نفسها، في بعض المواقف، هي فقط أكبر كلمة شكر يمكن أن يتلقاها الإنسان.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأبواب التي لا نغلقها تظل مفتوحة داخل رؤوسنا
- القرار الذي اتخذته قبل أن تفكر… هل تعيش حياتك أم يقودك الطيا ...
- المسافة التي تصنع الإنسان بين المشاعر والقرار
- كيف تدير اقتصاد انفعالاتك في هذا العالم العاصف من خلال 13 فك ...
- حين يصبح العقل أسيرًا للانفعال: المشاعر مرشدٌ لا قاضٍ
- كل غضب لا ينتهي بانتهاء الموقف… بل يترك أثرًا في دماغك
- هل الرفاهية قيدًا والراحة تكاسل… كيف نصنع سجوننا بإرادتنا؟
- 15 شيئًا يتخلص منه اليابانيون: كيف تعكس مقتنيات المنزل الياب ...
- النباتات الداخلية… ديتوكس المنازل وحلفاؤنا الخضر في مواجهة ا ...
- دروع العقل: كيف تبني شخصية مؤثرة وتحمي ذاتك من فخاخ الأفكار ...
- متلازمة “وهم القمة المعرفية”: حين يعتقد العقل وهمًا بأنه لا ...
- أسطورة الجلد والكبرياء: سيالكوت والنساء اللواتي صنعن مجد كأس ...
- الخوف من الرفض… السجن الخفي الذي يصنعه المجتمع داخل الإنسان
- حين تصبح حياة الآخرين مرآة تحطّمنا: لماذا نقارن أنفسنا بغيرن ...
- قراءة شاملة لكتاب “كن أنت” للكاتبة إيلين لامب
- فن التجاهل: عندما يصبح الصمت أقوى سلاح واللامبالاة أسمى درجا ...
- حين تُستدعى الحقيقة: العنف ليس دينًا، والعدالة لا تعرف الانت ...
- قراءة في كتاب -المجد الرئيسي- للكاتب ستيفن آر. كوفي
- من الدعم إلى الشراكة المشروطة: لماذا تغيّر موقف الخليج من إد ...
- حين يصنع التخطيط مصير الأمم: من إدارة الأزمات إلى هندسة المس ...


المزيد.....




- شاهد رد فعل فريق إنقاذ عثر على امرأتين وطفل فقدوا لثلاثة أيا ...
- -محبطون- بسبب الحرب.. المستهلكون الأمريكيون يقلصون إنفاقهم
- المستوطنون يواصلون حصار العائلات الفلسطينية في بلدة قصرة جنو ...
- أول موقع لوجستي للقوات الدولية شرق رفح
- مصر.. بيان من النيابة بسبب فضيحة الهاتف المحمول
- بولندا تكثف عمليات ترحيل الأجانب والأوكرانيون في الصدارة
- سوريا.. إطلاق أولى الرحلات الجوية بين كولن الألمانية ودير ال ...
- بيروت.. الانسحاب والمناطق التجريبية
- حرب أوكرانيا: غارة جوية روسية على كراماتورسك تخلف قتيلا و17 ...
- من مخلفات الحرب السوفيتية.. العثور على قنبلة تزن 500 كيلوغرا ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أوزجان يشار - حين ينتصر الضمير… ويصمت الامتنان