أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - أوزجان يشار - طائرة فلاي دبي إلى تبوك… ماذا حدث فعلًا فوق السماء؟















المزيد.....


طائرة فلاي دبي إلى تبوك… ماذا حدث فعلًا فوق السماء؟


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 15:40
المحور: الصحافة والاعلام
    


أحيانًا لا تكون أكثر القصص إثارة هي تلك التي نعرف تفاصيلها، بل تلك التي نعرف منها ما يكفي لطرح الأسئلة، ولا نعرف منها ما يكفي لإغلاقها.

وهذا تحديدًا ما يجعل حادثة طائرة فلاي دبي FZ1073، التي كانت في طريقها من دبي إلى تل أبيب قبل أن تهبط اضطراريًا في مطار تبوك السعودي، واحدة من أكثر الوقائع الجوية إثارة للتساؤلات في الأيام الأخيرة.

فنحن أمام طائرة بوينغ 737 ماكس 8، وعلى متنها 174 راكبًا وثمانية من أفراد الطاقم، أي 182 شخصًا في المجموع. وفجأة تتحول رحلة جوية عادية إلى حالة طوارئ استثنائية: اشتباك عنيف داخل قمرة القيادة، قائد طائرة هندي يُصاب بجروح خطيرة، ومساعد طيار عُماني يتعرض للاشتباه والتحقيق، والطائرة تفقد آلاف الأقدام خلال فترة وجيزة، وترسل رموز طوارئ متتالية، ثم تغير مسارها وتهبط بسلام في شمال غرب السعودية. (عكاظ)

لكننا أمام شيء آخر أيضًا.

نحن أمام روايات متعددة للحادث؛ بعضها أصبح مدعومًا بمعلومات رسمية، وبعضها جاء من شهادات الركاب والسلطات الإسرائيلية، وبعضها لا يزال بحاجة إلى أن تثبته التحقيقات الفنية بصورة نهائية.

وهنا تحديدًا تبدأ القصة الحقيقية.

فلاي دبي أكدت أن الرحلة FZ1073، التي غادرت دبي في 30 سبتمبر متجهة إلى مطار بن غوريون، واجهت حادثًا أثناء الرحلة، وأن الطائرة هبطت بسلام في مطار تبوك وأن جميع الركاب والطاقم كانوا سالمين ومحسوبين. وأعلنت الشركة أن فرقها تعمل مع السلطات المختصة، من دون أن تدخل في التفاصيل الأمنية لما حدث داخل قمرة القيادة. (Flydubai Newsroom)

أما المعلومات التي ظهرت لاحقًا من مصادر سعودية وإسرائيلية ودولية، فقد رسمت صورة أكثر تفصيلًا: اعتداء من مساعد الطيار على قائد الطائرة، إصابة القائد، فتح باب قمرة القيادة، تدخل ركاب لإخضاع المهاجم، ثم تولي طيارين آخرين كانا على متن الرحلة السيطرة على الطائرة وإنهاء الرحلة بالهبوط في تبوك. كما أكدت وزارة الداخلية السعودية أن التحقيق الأولي الذي شاركت فيه جهة أمنية إماراتية خلص إلى أن مساعد الطيار اعتدى على القائد، وأن كلا الطيارين تلقيا العلاج قبل نقلهما إلى أبوظبي. (AA Airlines)

لكن حتى مع هذه المعلومات، تبقى أسئلة مهمة بلا إجابات نهائية.

وهنا علينا أن نفرق بين ما نعرف أنه حدث، وما نعرفه من رواية طرف، وما لا يزال يحتاج إلى تحقيق.

أربعة ركاب… أم أربعة أبطال بأدوار مختلفة؟

أكثر ما أثار انتباهي في القصة هو الرقم «أربعة».

ففي الأول من أكتوبر أعلن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أنه سيوصي بمنح أربعة إسرائيليين كانوا على متن الرحلة «جائزة الرئيس للبطولة المدنية».

والتعبير هنا مهم.

لم يحصل الأربعة بعد على الجائزة بحسب الإعلان المنشور، وإنما أعلن هرتسوغ أنه سيوصي بمنحهم إياها. (The Times of Israel)

والأربعة هم: يانيف حايون، تسفيكا مانيس، أساف رجوان، والدكتور شوتا موساييف.

لكن المثير أن الرواية نفسها لا تقول إن الأربعة قاموا بالشيء نفسه.

يانيف حايون، الذي عُرّف بأنه سباك وصاحب شركة تعمل في مجال مضخات الصرف الصحي، قال إنه اندفع إلى قمرة القيادة عندما بدأت الطائرة في الهبوط الحاد، واشتبك مع المهاجم، ثم أمسك بمقبض التحكم وحاول رفع مقدمة الطائرة وتثبيتها. وقال إنه استعان بما كان يعرفه من مشاهدته برامج تتناول حوادث الطيران. (Reuters)

أما تسفيكا مانيس، وهو رجل أعمال في القطاع المصرفي بحسب التقارير، فقد شارك في مواجهة مساعد الطيار وتقييده.

وأساف رجوان، الذي كان عائدًا من عطلة في تايلاند، انضم كذلك إلى الركاب الذين دخلوا قمرة القيادة للمساعدة في إخضاع المهاجم.

أما الرابع، الدكتور شوتا موساييف، طبيب الأسنان، فكان دوره مختلفًا؛ فقد قدم الإسعافات الطبية لقائد الطائرة المصاب وساعد في تثبيت حالته حتى الهبوط. (The Times of Israel)

وهنا تظهر أول ملاحظة تستحق التأمل:

الأربعة لم يقودوا الطائرة.

ثلاثة منهم، وفق الروايات المنشورة، تدخلوا في مواجهة المهاجم، بينما كان دور الرابع طبيًا.

ثم تأتي معلومة أكثر أهمية: كان هناك طياران من طاقم فلاي دبي، ولكنهما كانا مسافرين على متن الرحلة خارج نوبة العمل، وتمكنا لاحقًا من المساعدة في السيطرة على الطائرة وإنزالها بسلام في تبوك. (Reuters)

إذن نحن لسنا أمام أربعة ركاب عاديين استولوا على طائرة ضخمة وأصبحوا طاقمها فجأة.

نحن أمام سلسلة مختلفة تمامًا:

ركاب تدخلوا في الاشتباك، وطبيب قدم الإسعافات، وقائد مصاب تمكن من فتح باب القمرة، ثم طيارون محترفون كانوا على متن الطائرة تولوا القيادة وأكملوا الهبوط.

وهذا فارق ليس بسيطًا.

ولكن كيف استطاع راكب غير طيار أن يعيد الطائرة إلى وضعها الطبيعي؟

هنا تظهر أكثر لحظات القصة غرابة.

يانيف حايون لم يكن طيارًا، ولم يدّع أنه طيار.

بحسب روايته، وجد نفسه أمام طائرة تهوي، ومهاجم داخل قمرة القيادة، وقائد مصاب، وحاجة فورية إلى منع الطائرة من الاستمرار في فقدان الارتفاع. فأمسك بمقبض التحكم وحاول رفع مقدمة الطائرة وتثبيتها إلى أن أصبح من الممكن استعادة السيطرة المهنية عليها. (Reuters)

قد يبدو الأمر لأول وهلة أقرب إلى مشهد سينمائي.

لكن علينا أن نكون منصفين.

الطائرة لم تعتمد عليه لكي تهبط في تبوك.

وهذا تصحيح مهم جدًا لبعض العناوين التي اختزلت القصة في أن «سباكًا قاد الطائرة وأنقذها».

الرواية المنشورة تقول شيئًا أكثر تواضعًا وأكثر قابلية للتصديق: أن حايون تدخل في لحظة حرجة جدًا وحاول تثبيت الطائرة، بينما كانت السيطرة النهائية ستنتقل إلى طيارين محترفين كانوا موجودين أصلًا على متنها. (Reuters)

والفرق بين الروايتين هائل.

فقيادة بوينغ 737 ماكس والهبوط بها ليست مهارة يمكن اكتسابها من مشاهدة برنامج تلفزيوني.

لكن محاولة منع طائرة خارجة عن السيطرة من الاستمرار في الغوص خلال ثوانٍ حرجة، إلى أن يصل طيار محترف، قصة مختلفة تمامًا.

ماذا حدث للطائرة في السماء؟

هنا تدخل البيانات التقنية في القصة.

وفق بيانات تتبع الرحلة المنشورة، أقلعت FZ1073 من دبي، وبلغت ارتفاع التحليق، ثم بدأت سلسلة من التغيرات الحادة في الارتفاع والمسار.

الأكثر إثارة أن الطائرة فقدت نحو 14 ألف قدم خلال أقل من نصف دقيقة في إحدى مراحل الحادث، وهي سرعة هبوط شديدة للغاية. كما ظهرت على جهاز الإرسال رموز طوارئ متعاقبة: 7700، ثم 7500، ثم عادت الطائرة لاحقًا إلى 7700 قبل الهبوط. (Al Jazeera)

والرمزان ليسا متشابهين.

7700 هو رمز الطوارئ العامة.

أما 7500 فهو الرمز الدولي المرتبط بالتدخل غير المشروع في الطائرة، وهو الرمز الذي يُستخدم في الحالات التي يكون فيها هناك تهديد أمني أو تدخل غير مشروع في سير الرحلة.

لكن ظهور 7500 لا يخبرنا وحده من قام بإدخاله، ولا ما الذي كان يحدث بالضبط في قمرة القيادة في تلك اللحظة.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

فالرمز يقدم معلومة عن الحالة التي أُبلغت بها المراقبة الجوية، لكنه لا يقدم بمفرده رواية كاملة عن سبب تلك الحالة أو الشخص الذي أدخله أو التسلسل الكامل للأحداث التي أدت إليه.

ولهذا فإن القول إن الطائرة «أرسلت استغاثة إلى إسرائيل» ليس التعبير الأدق.

إنها استخدمت رموزًا دولية للطوارئ، وتلقت سلطات المراقبة الجوية في المنطقة نداء طوارئ، ثم جرى توجيهها إلى تبوك. وتشير إعادة بناء الرحلة إلى أن الطائرة اتجهت غربًا، وعبرت لفترة قصيرة المجال الجوي الأردني، ثم عادت باتجاه السعودية. (Al Jazeera)

لماذا تبوك؟

ربما يكون هذا هو السؤال الذي يستحق اهتمامًا أكبر مما حصل عليه حتى الآن.

الطائرة كانت متجهة إلى تل أبيب.

ثم وقع الحادث.

ثم بدأت حالة الطوارئ.

ثم تغير المسار باتجاه السعودية.

وأخيرًا هبطت الطائرة في مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز الدولي في تبوك.

لماذا تبوك تحديدًا؟

هل كان ذلك بسبب قرب المطار وملاءمته لاستقبال طائرة في حالة طوارئ؟

هل كان قرارًا من الطيارين بعد استعادة السيطرة؟

هل لعبت تعليمات مراقبة الحركة الجوية دورًا في اختيار المطار؟

أم أن هناك عوامل أخرى تتعلق بالوقود أو حالة الطائرة أو الأضرار التي لحقت بها؟

لدينا حقيقة مؤكدة: السلطات السعودية منحت الطائرة تصريح الهبوط الاضطراري، وهبطت بسلام في تبوك عند الساعة 9:45 صباحًا بالتوقيت المحلي، وعلى متنها 174 راكبًا وثمانية من أفراد الطاقم. (عكاظ)

ولدينا حقيقة أخرى: المملكة قدمت للركاب والطاقم الرعاية والمساعدة اللازمة، ثم غادر الركاب لاحقًا على متن طائرة بديلة لمواصلة رحلتهم إلى إسرائيل. (AA Airlines)

أما لماذا كانت تبوك هي الخيار النهائي، فهذه مسألة تحتاج إلى تفاصيل إضافية من سجلات الاتصالات وقرارات الطاقم والمراقبة الجوية.

قائد الطائرة… الحلقة التي لا ينبغي أن تضيع وسط قصة الأبطال

في خضم الحديث عن الركاب الأربعة، هناك شخص آخر يستحق أن يكون في قلب القصة: الكابتن الهندي سميت ماتشّار (Smit Machchhar).

فالمعلومات التي ظهرت لاحقًا تشير إلى أنه، رغم إصابته الخطيرة، تمكن من فتح باب قمرة القيادة.

وهذه ليست تفصيلة ثانوية.

إذا صحت الرواية كما نقلها الطيار نفسه، فإن فتح الباب كان اللحظة التي سمحت للطاقم والركاب بالوصول إلى داخل القمرة والتدخل ضد المهاجم. وقد أكد ماتشّار في حديث لاحق مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أنه استطاع فتح الباب رغم إصابته. (Reuters)

وبذلك يصبح من الصعب اختزال الحادث في عبارة:

«أربعة ركاب أنقذوا الطائرة».

وربما ليس دقيقًا كذلك أن نقول:

«طيار واحد أنقذ الطائرة».

الأقرب إلى الحقيقة، حتى الآن، هو أننا أمام سلسلة من الأفعال المتتابعة:

قائد مصاب قاوم وحاول الحفاظ على الطائرة وفتح باب القمرة، ثم ركاب خاطروا بأنفسهم ودخلوا في مواجهة مع المهاجم، ثم شخص أمسك بأدوات التحكم في لحظة حرجة، وطبيب قدم العلاج للقائد المصاب، ثم طيارون محترفون كانوا على متن الطائرة تولوا القيادة وأكملوا الرحلة إلى تبوك.

هذه ليست بطولة فرد واحد.

إنها سلسلة نجاة.

وماذا عن مساعد الطيار؟

هنا ينبغي أن نبطئ أكثر.

السلطات السعودية قالت إن التحقيق الأولي أظهر أن مساعد الطيار اعتدى على القائد.

والروايات الإسرائيلية قالت إنه طعن القائد وحاول السيطرة على الطائرة.

لكن الدافع شيء آخر تمامًا. (AA Airlines)

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث عن «تلقين إسلامي متطرف»، وقال إن المعلومات الأولية تشير إلى أن مساعد الطيار خضع لتلقين متطرف وإنه كان انتحاريًا، بينما نقلت رويترز أن التقييم الإسرائيلي الأولي كان أنه ربما تصرف منفردًا، وأن التحقيقات كانت لا تزال مستمرة. (Reuters)

وهنا يجب ألا نخلط بين مستويين مختلفين من الحقيقة.

الاعتداء شيء، ودافعه شيء آخر.

الاعتداء أصبح مدعومًا الآن من أكثر من مصدر، بما في ذلك التحقيق الأولي السعودي.

أما لماذا حدث الاعتداء، وهل كان هدفه فعلًا إسقاط الطائرة، وهل كان فعلًا ذا دوافع إرهابية أو أيديولوجية، فهذه أسئلة يجب أن تبقى مرتبطة بنتائج التحقيق.

فالتحليل المسؤول لا يحول الاستنتاج الأولي إلى حقيقة نهائية.

قصة رمز 7500… ولماذا تستحق الحذر؟

ربما يكون أكثر ما غذى التكهنات حول الحادث هو ظهور رمز 7500.

الرمز معروف في عالم الطيران بأنه يشير إلى التدخل غير المشروع.

لكن من السهل جدًا أن يتحول هذا الرمز في وسائل الإعلام إلى كلمة واحدة: «اختطاف».

وهذا تبسيط زائد.

البيانات المنشورة تظهر أن الرحلة أرسلت 7700 أولًا، ثم 7500، ثم عادت لاحقًا إلى 7700 أثناء اقترابها من تبوك. كما تشير إعادة بناء الرحلة إلى أن مراقبي الحركة الجوية في تبوك تلقوا نداء طوارئ وجرى تجهيز المطار لاستقبال الطائرة. (Al Jazeera)

لكننا لا نملك حتى الآن، بصورة علنية مكتملة، تسجيلًا يشرح لنا من ضغط الزر أو كيف اتُخذ القرار في قمرة القيادة في كل لحظة.

وهذا هو الفارق بين المعلومة التقنية والقصة التي نبنيها حولها.

الرمز يقول شيئًا.

لكن لا ينبغي أن نجعله يقول أشياء لم يقلها.

أربعة رجال… لكن ماذا عن امرأة بدأت سلسلة الإنقاذ؟

ثمة تفصيل آخر كاد يختفي خلف قصة الرجال الأربعة.

تالي مانيس، زوجة تسفيكا مانيس، كانت من أوائل الأشخاص الذين لاحظوا أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث في قمرة القيادة.

كانت ترافق ابنتها الصغيرة إلى دورة المياه عندما سمعت أصواتًا غير مألوفة، ثم أدركت أن هناك اضطرابًا خلف باب القمرة وأبلغت أحد أفراد الطاقم. وبحسب روايتها، كان صراخها وتنبيهها للطاقم جزءًا من اللحظات التي سبقت دخول الآخرين إلى القمرة. (The Times of Israel)

وهذه التفصيلة تذكرنا بأن عمليات الإنقاذ في الكوارث لا تبدأ دائمًا بفعل بطولي واضح.

أحيانًا تبدأ بملاحظة.

ثم صرخة.

ثم شخص يصدق ما سمع.

ثم شخص يفتح بابًا.

ثم شخص يندفع إلى الداخل.

ثم آخر يمسك المعتدي.

ثم آخر يحاول تثبيت الطائرة.

ثم طبيب يوقف النزيف.

ثم طيارون يستعيدون السيطرة.

وهكذا تنجو حياة كاملة من سلسلة قرارات صغيرة اتخذها أشخاص مختلفون في ثوانٍ لا تسمح لأحد بالتفكير طويلًا.

ثم جاءت قصة التكريم

في الأول من أكتوبر أعلن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أنه سيوصي بمنح يانيف حايون، وتسفيكا مانيس، وأساف رجوان، والدكتور شوتا موساييف جائزة الرئيس للبطولة المدنية.

وهنا يجب أن نحافظ على الدقة: الحديث المنشور هو عن ترشيح أو توصية بالجائزة، وليس عن منح نهائي تم بالفعل. (The Times of Israel)

وقد وصف هرتسوغ أفعال الرجال الأربعة بأنها شجاعة استثنائية، مشيرًا إلى أن حايون ومانيس ورجوان دخلوا قمرة القيادة وساعدوا في إخضاع المهاجم، بينما قدم موساييف العلاج الطبي للطيار المصاب.

وإذا أثبت التحقيق أن هؤلاء الرجال خاطروا فعلًا بحياتهم لإنقاذ الآخرين، فإن تكريمهم بوصفهم مدنيين تدخلوا في حالة طوارئ قصوى ليس أمرًا مستغربًا.

لكن هنا أيضًا يجب أن يبقى خط فاصل بين تكريم البطولة وإثبات تفاصيل الحادث.

فالجائزة، مهما كانت قيمتها الرمزية، ليست تقريرًا فنيًا عن الحادث.

والتكريم السياسي لا يمكن أن يحل محل التحقيق الفني والأمني.

بين البطولة والرواية السياسية

ربما تكون هناك مفارقة إنسانية جميلة في هذه القصة.

فالرجال الأربعة الذين يجري ترشيحهم للتكريم لم يكونوا، بحسب رواياتهم، يستعدون لأن يصبحوا أبطالًا.

كانوا ركابًا.

وفجأة وجدوا أنفسهم في موقف لا يشبه أي شيء في حياتهم السابقة.

حايون لم يكن طيارًا.

مانيس لم يكن رجل أمن.

رجوان لم يكن من أفراد الطاقم.

وموساييف لم يكن في غرفة عمليات، بل على متن طائرة وجد فيها نفسه الطبيب الوحيد القادر على تقديم المساعدة لقائد ينزف.

ومع ذلك تحركوا.

وهنا تصبح القصة الإنسانية أعمق من السياسة.

فالإنسان في لحظة الخطر لا يفكر بالضرورة في جنسية الشخص الذي أمامه، ولا في الدولة التي ينتمي إليها، ولا في الخلافات السياسية المحيطة به.

إنه يرى إنسانًا ينزف.

ويرى طائرة تهوي.

ويرى عشرات الأشخاص أمام خطر الموت.

ثم يتحرك.

لكن بعد أن تنتهي اللحظة، تبدأ السياسة في إعادة صياغة الأحداث.

وهنا يصبح واجب الصحافة والتحليل أن يفرق بين البطولة الإنسانية وبين التفسير السياسي للبطولة.

وماذا نعرف الآن؟ وماذا لا نعرف؟

حتى هذه اللحظة يمكننا وضع خط فاصل أكثر وضوحًا بين المعلومات.

نعرف أن رحلة فلاي دبي FZ1073 غادرت دبي في طريقها إلى تل أبيب يوم 30 سبتمبر 2026.

ونعرف أن على متنها 174 راكبًا وثمانية من أفراد الطاقم.

ونعرف أن حادثًا وقع داخل قمرة القيادة.

ونعرف أن قائد الطائرة الهندي سميت ماتشّار أصيب بجروح خطيرة.

ونعرف أن السلطات السعودية أعلنت أن التحقيق الأولي أظهر اعتداء مساعد الطيار على القائد.

ونعرف أن الطائرة أرسلت رموز طوارئ شملت 7700 و7500 ثم عادت إلى 7700.

ونعرف أنها فقدت ارتفاعًا بصورة حادة في إحدى مراحل الحادث.

ونعرف أنها غيرت مسارها وهبطت اضطراريًا في مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز في تبوك.

ونعرف أن السعودية قدمت الرعاية للركاب والطاقم.

ونعرف أن طيارين إضافيين كانوا على متن الطائرة ساعدوا في تولي القيادة وإتمام الهبوط.

ونعرف أن ثلاثة ركاب إسرائيليين شاركوا في إخضاع المهاجم، وأن طبيب الأسنان شوتا موساييف قدم الإسعافات للقائد المصاب، وفق الروايات المنشورة.

ونعرف أن الرئيس الإسرائيلي أعلن ترشيح الأربعة لجائزة البطولة المدنية. (عكاظ)

لكننا لا نملك بعد صورة فنية منشورة بالكامل لكل ثانية من الحادث.

لا نعرف بصورة نهائية كل تفاصيل التسلسل داخل قمرة القيادة.

لا نعرف بصورة قاطعة من قام بكل حركة على أدوات التحكم وفي أي ثانية.

ولا نملك تفسيرًا نهائيًا معلنًا لدوافع مساعد الطيار.

ولا ينبغي أن نحول تصريحات سياسية عن «التلقين» أو «التطرف» إلى نتيجة تحقيق قبل انتهاء التحقيق.

ولا ينبغي كذلك أن نحول ظهور رمز 7500 إلى رواية مكتملة عن «اختطاف» بالمعنى التقليدي.

ولا ينبغي أن نفترض أن اختيار تبوك كان بالضرورة نتيجة سبب واحد، قبل أن تظهر تفاصيل الاتصالات والقرارات التي سبقت الهبوط.

الحقيقة ليست في رواية واحدة

ربما يكون أهم ما تكشفه هذه الحادثة أن الحقيقة في الأزمات الكبرى لا تأتي دائمًا جاهزة في رواية واحدة.

هناك رواية الطيار.

ورواية الركاب.

ورواية شركة الطيران.

ورواية السلطات السعودية.

ورواية السلطات الإسرائيلية.

وهناك بيانات الطائرة.

وهناك تسجيلات الاتصالات.

وهناك مسجل بيانات الرحلة.

وهناك مسجل أصوات قمرة القيادة.

وهناك الأدلة الطبية والجنائية.

وهناك التحقيقات الأمنية.

وكل واحدة من هذه الحلقات قد تضيف قطعة إلى الصورة.

ولهذا لا أريد أن أتهم إسرائيل بالكذب، ولا أن أبرئها من المبالغة.

ولا أريد أن أتهم السعودية بإخفاء شيء، ولا أن أعتبر الرواية الإماراتية وحدها الحقيقة النهائية.

بل أريد شيئًا أبسط من ذلك كله:

أن نعرف ماذا حدث فعلًا.

فحتى الآن هناك وقائع أصبحت واضحة بدرجة كبيرة، وهناك وقائع أخرى ما زالت في منطقة الرواية والاستنتاج.

وهذا لا يقلل من بطولة من خاطروا بأنفسهم.

بل ربما يجعلها أكثر صدقًا.

لأن البطولة لا تحتاج إلى أسطورة كي تكون بطولة.

وإذا ثبت أن حايون ومانيس ورجوان وموساييف تصرفوا كما روت المصادر، فإنهم لم يكونوا أبطالًا لأن رئيسًا قرر ترشيحهم لجائزة، وإنما لأنهم وجدوا أنفسهم في لحظة كان يمكن أن يختاروا فيها الابتعاد، لكنهم اختاروا الاقتراب.

وكذلك قائد الطائرة سميت ماتشّار، الذي وجد نفسه مصابًا داخل قمرة القيادة، ومع ذلك تمكن من فتح الباب ومواصلة مقاومة الخطر.

وكذلك الطيارون الآخرون الذين تولوا السيطرة وأوصلوا الطائرة إلى الأرض.

وكذلك أفراد الطاقم الذين تعاملوا مع الأزمة.

وربما حتى تالي مانيس التي التقطت أول إشارة إلى أن شيئًا غير طبيعي يحدث.

هذه هي الصورة الإنسانية للحادث.

أما الصورة الكاملة، فشيء آخر.

فالسؤال ليس فقط:

من أنقذ الطائرة؟

بل:

ماذا حدث داخلها بالضبط؟

ومن بدأ الاعتداء؟

ومتى فقدت الطائرة السيطرة على مسارها؟

من أدخل رموز الطوارئ؟

كيف استعيدت السيطرة؟

لماذا اتجهت الطائرة إلى تبوك؟

وما الذي ستقوله التحقيقات عن الدافع الحقيقي وراء كل ذلك؟

هذه ليست أسئلة تشكيك من أجل التشكيك.

إنها ببساطة الأسئلة التي يفترض أن يجيب عنها تحقيق طيران وأمن حقيقي.

لقد هبطت الطائرة.

ونجا الركاب.

وهناك رجال خاطروا بحياتهم، وربما استحقوا كل تكريم إذا أثبت التحقيق ما نُسب إليهم.

لكن الحقيقة الكاملة لم تهبط بعد في تبوك.

الحقيقة لم تصل بعد إلى آخر محطة… والتحقيق وحده هو الذي يستطيع أن يخبرنا ماذا حدث فعلًا فوق السماء.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعض البيوت لا تسكنها العائلات… بل تسكنها الحكايات
- أوروبا تستعد للأسوأ… هل ارتفعت مؤشرات خطر الحرب الكبرى؟
- 7 أكتوبر .. هل كان نتنياهو ينتظر هذه الكارثة؟ من التحذيرات إ ...
- جزيرتان، دولتان، وقلب واحد… حكاية الفن بين أليكيودي والبحرين
- 15 نباتًا ارتبطت في ثقافات العالم بالسكينة والبركة… رحلة بين ...
- حين ينتصر الضمير… ويصمت الامتنان
- الأبواب التي لا نغلقها تظل مفتوحة داخل رؤوسنا
- القرار الذي اتخذته قبل أن تفكر… هل تعيش حياتك أم يقودك الطيا ...
- المسافة التي تصنع الإنسان بين المشاعر والقرار
- كيف تدير اقتصاد انفعالاتك في هذا العالم العاصف من خلال 13 فك ...
- حين يصبح العقل أسيرًا للانفعال: المشاعر مرشدٌ لا قاضٍ
- كل غضب لا ينتهي بانتهاء الموقف… بل يترك أثرًا في دماغك
- هل الرفاهية قيدًا والراحة تكاسل… كيف نصنع سجوننا بإرادتنا؟
- 15 شيئًا يتخلص منه اليابانيون: كيف تعكس مقتنيات المنزل الياب ...
- النباتات الداخلية… ديتوكس المنازل وحلفاؤنا الخضر في مواجهة ا ...
- دروع العقل: كيف تبني شخصية مؤثرة وتحمي ذاتك من فخاخ الأفكار ...
- متلازمة “وهم القمة المعرفية”: حين يعتقد العقل وهمًا بأنه لا ...
- أسطورة الجلد والكبرياء: سيالكوت والنساء اللواتي صنعن مجد كأس ...
- الخوف من الرفض… السجن الخفي الذي يصنعه المجتمع داخل الإنسان
- حين تصبح حياة الآخرين مرآة تحطّمنا: لماذا نقارن أنفسنا بغيرن ...


المزيد.....




- احتجاجات الطلاب تتصاعد في فرنسا.. حرائق واشتباكات مع الشرطة ...
- كلب تشيواوا صغير الحجم ينضم إلى الحرس الوطني المكسيكي
- حصيلة ضحايا فيروس إيبولا في الكونغو الديمقراطية تتجاوز 4 آلا ...
- قرقاش يصف حادث -فلاي دبي- بـ-العمل الإرهابي الخطير-
- شرطة دبي تحبط ترويج أكثر من طنين من المخدرات وتقبض على 14 مت ...
- احتجاجات طلابية عنيفة في فرنسا.. أضرار بأكثر من 100 مدرسة وإ ...
- أذربيجان وتركيا تبحثان توسيع التعاون العسكري وترسيخ الشراكة ...
- السكر في أول عامين من الحياة.. دراسة ترصد تأثيرا يمتد إلى مر ...
- المحكمة العليا الإسرائيلية تسمح للقائمة المشتركة -وراعام- بخ ...
- -ميغ-17- الأسطورية أحدثت مذبحة حقيقية بطائرات -إف--105 و-إف- ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - أوزجان يشار - طائرة فلاي دبي إلى تبوك… ماذا حدث فعلًا فوق السماء؟