|
|
أوروبا تستعد للأسوأ… هل ارتفعت مؤشرات خطر الحرب الكبرى؟
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 00:13
المحور:
الصحافة والاعلام
ثمة أشياء كثيرة يمكن أن تقولها الحكومات عندما تريد طمأنة شعوبها، وثمة أشياء أخرى لا تحتاج إلى كثير من التصريحات، لأن مجرد تغيير خططها واستعداداتها يكفي لكي يلفت الانتباه.
في أوقات الاستقرار، تبدو خطط الإجلاء، وتأمين المستشفيات، وحماية البنية التحتية، ومراجعة مخزونات الغذاء والدواء، وتأمين شبكات الطاقة والاتصالات، وإعداد الجيوش للتعامل مع أعداد كبيرة من الجرحى، أمورًا روتينية يمكن تفسيرها في إطار الاحتياط والاستعداد. لكن عندما تتزامن هذه الإجراءات في عدد متزايد من الدول، وفي وقت تتحدث فيه قيادات سياسية وعسكرية واستخباراتية عن تغير طبيعة التهديدات، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام مجرد موجة جديدة من الاستعدادات الدفاعية، أم أن أوروبا بدأت بالفعل تتعامل مع احتمال وقوع أزمة أمنية واسعة النطاق؟
السؤال هنا لا ينبغي أن يتحول إلى نبوءة. فلا توجد، وفق المعطيات العلنية المتاحة، أدلة كافية للقول إن حربًا كبرى في أوروبا أصبحت وشيكة، ولا توجد معلومات علنية تثبت أن حربًا مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي قد تقرر وقوعها. لكن توجد في المقابل مؤشرات موثقة على أن الحكومات الأوروبية وحلف الناتو يتعاملون مع سيناريوهات كانت، حتى سنوات قليلة مضت، تبدو بعيدة عن الحياة اليومية للمواطن الأوروبي.
وهنا تكمن أهمية قراءة المشهد بعيدًا عن العناوين المثيرة: الخطر لا يقاس فقط بما تقوله الحكومات، وإنما أيضًا بما بدأت تستعد له.
سويسرا… الدولة المحايدة التي تعيد تعريف أمنها
ربما تكون سويسرا واحدة من أكثر الحالات دلالة، ليس لأنها تتوقع هجومًا وشيكًا، وإنما لأن الدولة التي حافظت تاريخيًا على سياسة الحياد أصبحت تتعامل مع البيئة الأمنية الأوروبية باعتبارها أكثر اضطرابًا وتعقيدًا.
في 18 سبتمبر/أيلول 2026، أقر المجلس الفيدرالي السويسري استراتيجية الأمن لعام 2026، مشيرًا إلى أن الحرب الروسية في أوكرانيا والتهديدات الهجينة والاعتماد على البنى الحيوية والتنافس بين القوى الكبرى جعلت البيئة الأمنية الدولية أكثر عدم استقرار وتقلبًا.
الاستراتيجية حددت ثلاثة اتجاهات رئيسية: تعزيز قدرة الدولة والمجتمع والاقتصاد على الصمود، وتحسين قدرات الحماية والمقاومة، وتعزيز القدرات الدفاعية. وتضمنت الاستراتيجية عشرة أهداف و46 إجراءً بدأت السلطات بالفعل في تنفيذها. (Federal Commission on Migration)
لكن من المهم هنا عدم المبالغة في قراءة الخطوة السويسرية. فالوثيقة نفسها لا تقول إن هجومًا على سويسرا بات وشيكًا؛ بل تشير إلى أن الهجوم المسلح المباشر على البلاد ما يزال غير مرجح في المستقبل المنظور، مع تنبيهها في الوقت نفسه إلى مخاطر أخرى، بينها الهجمات بعيدة المدى والتهديدات السيبرانية والهجينة.
وهذا التفصيل مهم للغاية، لأنه يوضح الفارق بين الاستعداد للحرب وبين التنبؤ بوقوع الحرب.
بولندا… القلق الأقرب إلى خط التماس
إذا كانت سويسرا تقرأ الخطر من مسافة جغرافية وسياسية، فإن بولندا تتعامل معه من موقع مختلف تمامًا.
في 13 سبتمبر/أيلول، وبعد حادث وقع بالقرب من الحدود البولندية الأوكرانية، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إن الأسابيع والأشهر المقبلة قد تشهد تكثيفًا كبيرًا للتحركات الروسية، وإن بولندا لا تستطيع استبعاد احتمال أن تمتد آثار التصعيد إلى أراضيها. كما أعلنت الحكومة تعزيز عمل الأجهزة المختصة والاستعداد لاحتمال الحاجة إلى استجابة منسقة مع الحلفاء. (Gov.pl)
هذه الكلمات لا تعني أن وارسو أعلنت توقع حرب روسية بولندية. لكنها تكشف شيئًا آخر أكثر واقعية: أن الدولة الواقعة على الجناح الشرقي للناتو باتت تعتبر انتقال آثار الحرب أو التصعيد إلى أراضيها احتمالًا ينبغي التخطيط له، لا مجرد سيناريو نظري.
والفارق بين الأمرين كبير.
الناتو لا يتحدث فقط عن الجيوش… بل عن المجتمع كله
ربما يكون التطور الأكثر أهمية قد جاء من الناتو نفسه.
ففي 15 سبتمبر/أيلول 2026 نشر الحلف متطلبات جديدة لما سماه متطلبات المرونة الأساسية لعام 2026. وهذه الوثيقة لا تتحدث عن الأسلحة والقوات وحدها، بل عن قدرة المجتمعات والدول على الاستمرار في العمل خلال الأزمات والحروب.
وتشمل المتطلبات استمرارية عمل الحكومات، وتأمين الطاقة والمياه والغذاء، وحماية الاتصالات، وتأمين النقل، والتعامل مع التدفقات الكبيرة للسكان، ووضع خطط لإجلاء المدنيين من مناطق الأزمات والنزاعات، إلى جانب الاستعداد للتعامل مع الإصابات الجماعية والأزمات الصحية وتعزيز مخزونات الأدوية والمستلزمات الطبية. (ناتو)
هذه ليست وثيقة تقول إن الحرب ستقع غدًا.
بل يمكن النظر إليها على أنها محاولة لتقليل احتمال أن يؤدي أي صراع أو أزمة كبيرة إلى انهيار داخلي في الدول الأعضاء.
ومع ذلك، فإن مجرد إدخال سيناريوهات مثل الإجلاء الجماعي، والإصابات الجماعية، وتعطل الطاقة والاتصالات، وتحرك المدنيين والعسكريين في الوقت نفسه، إلى صلب التخطيط الأمني للناتو، يعكس تغيرًا واضحًا في مفهوم الأمن الأوروبي.
فالحرب الحديثة لم تعد تبدأ بالضرورة بالدبابات التي تعبر الحدود. قد تبدأ بهجوم سيبراني، أو بتخريب محطة كهرباء، أو بتعطيل شبكة اتصالات، أو بهجمات بطائرات مسيرة، ثم تتطور الأحداث بطريقة يصعب السيطرة عليها.
ولهذا أصبحت مرونة المجتمع نفسه جزءًا من الدفاع العسكري.
ألمانيا تعيد التفكير في زمن الحرب
في ألمانيا تظهر الصورة بصورة أكثر وضوحًا.
في الأول من يوليو/تموز 2026، أقرت الحكومة الألمانية نقاطًا أساسية لتحديث قوانين الاستعداد وتأمين الإمدادات في حالات الطوارئ والأزمات. وأوضحت الحكومة أن القوانين القديمة، التي يعود جزء كبير منها إلى حقبة الحرب الباردة، لم تعد تعكس بصورة كاملة طبيعة التهديدات الحالية والتطورات التكنولوجية.
والهدف هو تحسين التنسيق بين الدفاع المدني والعسكري، وضمان استمرار عمل الدولة على المستوى الاتحادي والمحلي، وتأمين احتياجات السكان والقوات الألمانية وقوات الحلفاء في الأزمات الكبرى وصولًا إلى حالة الدفاع. (Bundesregierung)
لكن الأكثر إثارة للاهتمام هو الجانب الطبي.
ففي مايو/أيار 2026، ناقشت قيادات من القوات المسلحة الألمانية وقطاع الصحة كيفية ضمان الرعاية الطبية في حالات الأزمة والدفاع، مع استخدام تقدير تخطيطي يصل إلى نحو ألف جريح أو مصاب يوميًا في حالة الصراع ضمن إطار الناتو. وأجرت القوات الألمانية خلال العام تدريبات واسعة لاختبار نقل الجرحى من الجناح الشرقي إلى ألمانيا وربط الخدمات الطبية العسكرية بالمستشفيات المدنية. (Bundeswehr)
هذا الرقم لا يعني أن ألمانيا تتوقع استقبال ألف جريح يوميًا غدًا، وإنما هو افتراض تخطيطي يستخدم لاختبار قدرة النظام الصحي على التعامل مع أسوأ السيناريوهات.
وهنا تظهر واحدة من أهم علامات التغير الأوروبي: لم يعد السؤال فقط «كم دبابة نملك؟»، وإنما أيضًا «كم جريحًا نستطيع علاجهم إذا اندلعت حرب؟».
فرنسا ترفع مستوى اليقظة
في فرنسا، جاءت الإشارات من أعلى مستوى سياسي.
في 18 سبتمبر/أيلول، اجتمع الرئيس إيمانويل ماكرون مع قادة الأحزاب الممثلة في البرلمان لمناقشة تداعيات الوضع الدولي على الأمن والحياة اليومية. وشارك في الإحاطة مسؤولون من أجهزة الاستخبارات والأمن والدفاع الفرنسية، بينهم DGSI وDGSE وDRM وSGDSN، لعرض الوضع المتعلق بالحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط.
وقال قصر الإليزيه إن فرنسا عززت مستوى اليقظة لحماية البنية التحتية الحيوية والمواقع الحساسة من مخاطر الهجمات السيبرانية والطائرات المسيرة والتدخلات الأجنبية. كما أعلن ماكرون أن الحكومة تستعد لخطة لحماية البنية التحتية والمواقع الحساسة في القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية من هجمات الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية. (elysee.fr)
والأهم أن ماكرون تحدث عن تغير طبيعة التهديدات الروسية في أوروبا، مشيرًا إلى حوادث قال إن الأجهزة الأوروبية نسبت بعضها إلى جهات روسية، وإلى ما وصفه بتزايد الهجمات الهجينة والأعمال العدائية.
هذه التصريحات ينبغي قراءتها باعتبارها تقييمًا سياسيًا وأمنيًا فرنسيًا، لا باعتبارها دليلًا مستقلًا على قرب حرب شاملة.
لكنها تصبح أكثر أهمية عندما نضعها بجوار بقية الإجراءات الأوروبية.
من الإجلاء إلى استقبال النازحين
ومن أكثر المؤشرات التي تستحق الانتباه ما يجري في منطقة البلطيق.
في الفترة بين 7 و9 سبتمبر/أيلول، عقد ممثلون من ليتوانيا ولاتفيا زيارة عمل في بولندا لبحث حماية المدنيين والمرونة والاستعداد للإجلاء الجماعي، ضمن مشروع مشترك يحمل اسم «MassMovement».
المناقشات لم تكن عن إجلاء ليتوانيا بالكامل إلى بولندا كما قد توحي بعض الصياغات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما عن الاستعداد لعمليات إجلاء جماعي وعابرة للحدود، بما في ذلك طرق استقبال الأشخاص الذين يتم إجلاؤهم وإيواؤهم وتسجيلهم، وتنسيق مسارات الحركة بين الدول. كما كانت الزيارة جزءًا من التحضير لتدريب ليتواني يتعلق بالإجلاء الجماعي عبر الحدود. (Gov.pl)
وهذا فرق جوهري.
فالدول لا تعلن هنا أن الحرب ستقع، وإنما تختبر سؤالًا شديد الحساسية: ماذا نفعل إذا اضطر آلاف أو ملايين المدنيين إلى التحرك بصورة مفاجئة؟
وماذا عن الولايات المتحدة؟
على الجانب الآخر من الأطلسي، تجري واشنطن مراجعة لدورها العسكري في أوروبا.
بحسب تقرير رويترز في 17 سبتمبر/أيلول، بدأت وزارة الدفاع الأمريكية مراجعة وجود القوات الأمريكية في أوروبا منذ يونيو/حزيران، ومن المتوقع أن تستمر حتى نهاية العام. ومن بين الخيارات التي أوردها التقرير احتمال سحب ما يصل إلى 25 ألف جندي أمريكي من أوروبا، في إطار توجه الإدارة الأمريكية نحو دفع الحلفاء الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية أكبر عن دفاع القارة. (Reuters)
لكن هنا يجب الحذر من رقم «25 ألفًا».
إنه خيار قيد الدراسة، وليس قرارًا أمريكيًا معلنًا بسحب 25 ألف جندي.
كما لا توجد في المصادر التي راجعتها أدلة كافية للقول إن الهدف من هذا الخيار هو تجنب مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا. لذلك فإن ربط الرقم بهذا الدافع سيكون استنتاجًا يتجاوز ما تثبته المعلومات المتاحة.
بل إن مراجعة الوجود الأمريكي نفسها جاءت في سياق أوسع يتعلق بإعادة توزيع الأعباء داخل الناتو، وليس باعتبارها إعلانًا عن الانسحاب من أوروبا.
وهذه نقطة مهمة، لأن مجرد الحديث عن احتمال خفض القوات الأمريكية لا يعني تلقائيًا أن واشنطن قررت التخلي عن أمن أوروبا.
غرينلاند… ملف آخر في الصورة
وفي الشمال، برز تطور أمريكي دنماركي يتعلق بغرينلاند.
في 18 سبتمبر/أيلول أفادت رويترز بأن الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند توصلت إلى اتفاق يوسع الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة ويضع قيودًا على إقامة خصوم الولايات المتحدة قواعد عسكرية أو تنفيذ استثمارات حساسة فيها. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة حقوقًا مستمرة للعمل في الجزيرة لأغراض الأمن القومي، بينما أكدت كوبنهاغن ونوك أن الملف يرتبط بأمن شمال الأطلسي والقطب الشمالي. (Reuters)
لكن غرينلاند لا ينبغي أن تُقدم باعتبارها دليلًا مباشرًا على قرب حرب أوروبية.
إنها جزء من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي في القطب الشمالي وشمال الأطلسي، حيث تتداخل المنافسة بين القوى الكبرى مع قضايا الممرات البحرية والموارد والبنية العسكرية.
هل الخطر روسي فقط؟
هنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في قراءة المشهد.
في 18 و19 سبتمبر/أيلول، اجتمعت اللجنة العسكرية العليا للناتو في كوبنهاغن، بحضور رؤساء أركان دفاع الدول الأعضاء وقادة العمليات الاستراتيجيين. وقال رئيس اللجنة العسكرية، الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، إن الحلف شهد خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة انتهاكات للمجال الجوي وحوادث مرتبطة بالطائرات المسيرة وأنشطة هجينة ومحاولات لاختبار تماسك الحلف ورد فعله. وأكد أن الناتو في حالة يقظة واستعداد للدفاع عن أراضيه. (ناتو)
هذه التصريحات لا تعني أن قيادة الناتو أعلنت أن حربًا كبرى ستندلع قريبًا.
لكنها تعني أن الحلف يتعامل مع سلوك روسي متزايد الخطورة في المجال الهجين، وأن مسألة اختبار رد الفعل الغربي أصبحت جزءًا من الحسابات الأمنية.
وفي الوقت نفسه، ظهرت خلال الأيام الأخيرة تقارير صحفية عن تباين في تقديرات أجهزة استخبارات أوروبية بشأن توقيت أو طبيعة الخطر المحتمل، بين من يرى احتمال وقوع استفزاز أو حادث كبير خلال فترة قريبة، وبين مسؤولين في دول البلطيق يحذرون من المبالغة في تفسير المؤشرات ويرون أن القدرات الروسية والظروف الميدانية لا تعني بالضرورة استعدادًا لهجوم وشيك.
وهذا التباين نفسه مهم.
لأنه يقول لنا إن الخطر موجود، لكن تقدير توقيته وحجمه وطبيعته ليس موحدًا.
ماذا عن ذلك السياسي الفرنسي الذي قال إنه شعر بـ«الدوار»؟
بعد اجتماع ماكرون في 18 سبتمبر/أيلول، كتب غيوم لاكروا، رئيس الحزب الراديكالي اليساري، أنه نادرًا ما شعر بهذا القدر من «الدوار» بسبب خطورة الوضع في الشرق الأوسط وأوكرانيا وما وصفه بالمسار الذي قد يقود العالم إلى الفوضى. (Le Monde.fr)
لكن من الخطأ تحويل هذه العبارة إلى معلومة استخباراتية.
لاكروا سياسي شارك في اجتماع، وهو يعبّر عن انطباعه الشخصي بعد الاطلاع على الإحاطات التي تلقاها المشاركون. لذلك فإن أهمية تصريحه ليست في كونه دليلًا على حرب قادمة، وإنما في أنه يعكس مستوى القلق الذي خرج به بعض المشاركين من اجتماع أمني رفيع المستوى.
والصحافة الجادة يجب أن تعرف الفرق بين المعلومة والانطباع.
إذن… هل ارتفعت مؤشرات الحرب؟
الإجابة الأكثر دقة هي: نعم، ارتفعت مؤشرات الاستعداد لمواجهة أزمات أمنية كبرى، لكن هذا لا يساوي القول إن الحرب الكبرى أصبحت وشيكة.
وهناك فرق بين الجملتين.
ما يمكن إثباته اليوم هو أن أوروبا تعيد بناء منظومة واسعة من الاستعداد المدني والعسكري. سويسرا تحدث استراتيجيتها الأمنية. ألمانيا تعيد تحديث قوانين الطوارئ والدفاع وتضع سيناريوهات للتعامل مع أعداد كبيرة من الجرحى. فرنسا ترفع مستوى حماية البنية التحتية من الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية. دول البلطيق وبولندا تطور خطط الإجلاء الجماعي عبر الحدود. والناتو يفرض متطلبات جديدة للمرونة تتعلق باستمرارية الحكومة والطاقة والغذاء والمياه والاتصالات والنقل والإجلاء والإصابات الجماعية.
وفي الوقت نفسه، يتحدث مسؤولون عسكريون وسياسيون أوروبيون عن نشاط روسي هجين أكثر عدوانية، بينما تراجع الولايات المتحدة حجم وانتشار قواتها في أوروبا وتبحث في خيارات تتعلق بمستقبل وجودها العسكري هناك.
كل هذه الأشياء حقيقية وموثقة.
لكن الاستنتاج الذي يجب الحذر منه هو أن هذه الإجراءات تعني أن أوروبا «تعرف» أن الحرب ستندلع.
فالدول تستعد للحرب أيضًا حتى لا تقع الحرب.
الاستعداد العسكري قد يكون جزءًا من الردع. وخطط الإجلاء قد تكون وسيلة لتقليل الخسائر إذا وقعت أزمة. وتأمين المستشفيات قد يكون إجراءً احترازيًا. وتعزيز الدفاعات السيبرانية قد يكون استجابة لهجمات قائمة بالفعل وليس تمهيدًا لحرب شاملة.
بل إن منطق الردع نفسه يقوم على أن إظهار القدرة على الصمود والدفاع يمكن أن يقلل من إغراء اختبار الخصم.
الأخطر ربما ليس الحرب… وإنما سوء الحسابات
هناك جانب آخر لا ينبغي أن يغيب عن المشهد.
الخطر في أوروبا اليوم لا يأتي بالضرورة من قرار واعٍ لدى دولة ما بإشعال حرب عالمية.
قد يبدأ بحادث جوي، أو طائرة مسيرة، أو صاروخ يسقط في المكان الخطأ، أو هجوم سيبراني يُفسر على أنه عمل عسكري، أو عملية تخريبية تؤدي إلى رد فعل مبالغ فيه، أو سلسلة من الإجراءات والردود المتبادلة التي تتجاوز في النهاية ما أراده الطرف الأول.
وفي بيئة تزداد فيها التوترات في أوكرانيا والشرق الأوسط، وتتقاطع فيها المصالح الأمريكية والأوروبية والروسية والصينية، تصبح مساحة الخطأ في الحسابات أخطر من ذي قبل.
ولهذا فإن الحديث عن الحرب الكبرى لا ينبغي أن ينحصر في السؤال: «هل تريد روسيا الحرب؟» أو «هل تريد أوروبا الحرب؟».
السؤال الأهم ربما هو: هل أصبحت البيئة الدولية أكثر قابلية لأن تنتج حربًا لا يريدها أحد، ولكن تقود إليها سلسلة من الحسابات الخاطئة؟
وهنا تكمن أهمية كل هذه الاستعدادات.
أوروبا لا تقول إن الحرب قادمة… لكنها تتصرف وكأن احتمال الأزمة الكبيرة لم يعد بعيدًا
إذا جمعنا الصورة دون تهويل، سنجد أن أوروبا لا تعلن حالة حرب، ولا توجد أمامنا أدلة علنية كافية تثبت أن حربًا روسية–أطلسية وشيكة.
لكننا نجد شيئًا آخر أكثر وضوحًا: تغيرًا في طريقة التفكير الأمني الأوروبي.
لقد عادت كلمات مثل «الدفاع المدني»، و«المرونة الوطنية»، و«الإجلاء الجماعي»، و«المستشفيات في زمن الحرب»، و«أمن سلاسل الإمداد»، و«حماية البنية التحتية»، و«التهديدات الهجينة»، إلى قلب النقاش السياسي والعسكري.
وهذه ليست مصادفة واحدة في دولة واحدة.
إنها ظاهرة تمتد من سويسرا إلى بولندا، ومن ألمانيا إلى فرنسا، ومن دول البلطيق إلى مؤسسات الناتو.
لكن الحقيقة الأخرى لا تقل أهمية: الاستعداد لا يعني التنبؤ.
قد تكون أوروبا تستعد للأسوأ كي تمنع الأسوأ.
وقد يكون ارتفاع مستوى الجاهزية جزءًا من عملية ردع طويلة، وليس مقدمة لحرب قادمة.
ومع ذلك، فإن تجاهل هذه المؤشرات سيكون خطأ أيضًا.
فالتاريخ لا يبدأ دائمًا عندما تطلق المدافع أولى قذائفها. أحيانًا يبدأ التغير الحقيقي قبل ذلك بسنوات، عندما تتغير لغة الحكومات، وتُعاد كتابة خطط الطوارئ، وتُعاد هيكلة الجيوش، وتُحصّن البنية التحتية، وتبدأ المستشفيات في التفكير في أعداد من الجرحى لم تكن تتصورها في زمن السلم.
لهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا ليس: «هل ستندلع الحرب الكبرى؟»
بل ربما يكون السؤال الأكثر واقعية:
«إلى أي مدى تغيرت حسابات أوروبا حتى أصبحت تستعد لاحتمال كان يبدو، قبل سنوات قليلة، بعيدًا إلى هذا الحد؟»
وهنا، حتى الآن، تقول الوقائع شيئًا واضحًا: أوروبا لم تدخل الحرب، لكنها لم تعد تتعامل مع احتمال الأزمة الكبرى باعتباره سيناريو مستبعدًا يمكن تجاهله.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
7 أكتوبر .. هل كان نتنياهو ينتظر هذه الكارثة؟ من التحذيرات إ
...
-
جزيرتان، دولتان، وقلب واحد… حكاية الفن بين أليكيودي والبحرين
-
15 نباتًا ارتبطت في ثقافات العالم بالسكينة والبركة… رحلة بين
...
-
حين ينتصر الضمير… ويصمت الامتنان
-
الأبواب التي لا نغلقها تظل مفتوحة داخل رؤوسنا
-
القرار الذي اتخذته قبل أن تفكر… هل تعيش حياتك أم يقودك الطيا
...
-
المسافة التي تصنع الإنسان بين المشاعر والقرار
-
كيف تدير اقتصاد انفعالاتك في هذا العالم العاصف من خلال 13 فك
...
-
حين يصبح العقل أسيرًا للانفعال: المشاعر مرشدٌ لا قاضٍ
-
كل غضب لا ينتهي بانتهاء الموقف… بل يترك أثرًا في دماغك
-
هل الرفاهية قيدًا والراحة تكاسل… كيف نصنع سجوننا بإرادتنا؟
-
15 شيئًا يتخلص منه اليابانيون: كيف تعكس مقتنيات المنزل الياب
...
-
النباتات الداخلية… ديتوكس المنازل وحلفاؤنا الخضر في مواجهة ا
...
-
دروع العقل: كيف تبني شخصية مؤثرة وتحمي ذاتك من فخاخ الأفكار
...
-
متلازمة “وهم القمة المعرفية”: حين يعتقد العقل وهمًا بأنه لا
...
-
أسطورة الجلد والكبرياء: سيالكوت والنساء اللواتي صنعن مجد كأس
...
-
الخوف من الرفض… السجن الخفي الذي يصنعه المجتمع داخل الإنسان
-
حين تصبح حياة الآخرين مرآة تحطّمنا: لماذا نقارن أنفسنا بغيرن
...
-
قراءة شاملة لكتاب “كن أنت” للكاتبة إيلين لامب
-
فن التجاهل: عندما يصبح الصمت أقوى سلاح واللامبالاة أسمى درجا
...
المزيد.....
-
أصيب في ظهره.. فيديو يوثق ما بعد إطلاق النار على سائق فنزويل
...
-
مايلي سايرس تتحدث عن محادثتها الأخيرة مع عرّابتها دولي بارتو
...
-
غدًا.. ترامب يشارك في مراسم توقيع اتفاق يحدد مصير غرينلاند
-
السفير الأمريكي لدى تركيا: منظومات -إس-400- الروسية قيد البح
...
-
تحت وطأة العقوبات.. واشنطن تقول إن شركات الطيران الإيرانية س
...
-
المالديف توافق على استثمار إماراتي بـ20 مليار دولار لبناء مد
...
-
أسرة الناشطة المصرية شيماء الصباغ تتسلّم تعويضاً بعد 11 عاما
...
-
بسبب الخلاف مع كندا.. ترامب يلوح بصفقة -ضخمة- لاستيراد البوت
...
-
بعد مكاسبهم في اليمن.. هل يصبح الحوثيون القوة الأبرز في المن
...
-
مصادر: ترامب تراجع في اللحظة الأخيرة عن توجيه ضربات للحوثيين
...
المزيد.....
-
مكونات الاتصال والتحول الرقمي
/ الدكتور سلطان عدوان
-
السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي
/ كرم نعمة
-
سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية
/ كرم نعمة
-
مجلة سماء الأمير
/ أسماء محمد مصطفى
-
إنتخابات الكنيست 25
/ محمد السهلي
-
المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع.
/ غادة محمود عبد الحميد
-
داخل الكليبتوقراطية العراقية
/ يونس الخشاب
-
تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية
/ حسني رفعت حسني
-
فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل
...
/ عصام بن الشيخ
-
/ زياد بوزيان
المزيد.....
|