|
|
الهويات الفرعية وعلاقتها بالهوية الوطنية وأثرهما في المشاركة السياسية والانتخابات، القسم الثالث والاخير
سربست مصطفى رشيد اميدي
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 20:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إدارة الانتخابات وتعزيز الثقة السياسية لا يتوقف أثر الانتخابات على النظام الانتخابي وحده، بل يرتبط كذلك بطريقة إدارتها، ففي المجتمعات متعددة الهويات تبرز أهمية استقلال الإدارة الانتخابية وحيادها، لأن ثقة المواطنين في الجهة المشرفة تمثل عنصرا أساسيا في قبول النتائج. ويتمثل النموذج المقترح في هيئة انتخابية وطنية مستقلة تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلال المالي والإداري، وتتولى التخطيط للعملية الانتخابية وإدارة سجل الناخبين واعتماد المرشحين والأحزاب وتنظيم الحملات والإشراف على الاقتراع والفرز وإعلان النتائج، مع اختيار أعضائها وفق معايير الكفاءة والنزاهة والاستقلال، وضمان تمثيل التنوع المجتمعي دون تحويل الهيئة إلى محاصصة سياسية. وفي الوقت ذاته يتم اعتماد إدارة تنفيذية محلية لا مركزية من خلال مكاتب انتخابية في المحافظات والأقضية والبلديات، تعمل وفق قواعد وطنية موحدة مع مراعاة الخصوصية المحلية واللغوية والثقافية، بما يسهل وصول المواطنين إلى الخدمات الانتخابية ويزيد الثقة بالعملية. ولا يفضل أن تكون الإدارة الانتخابية حكومية بصورة مباشرة، لما قد يثيره ذلك من مخاوف بشأن حياد السلطة التنفيذية، كما لا يفضل ترك العملية بالكامل للإدارات المحلية لما قد ينتج عنه من تفاوت في تطبيق القانون وزيادة تأثير القوى المحلية والعشائرية واختلاف معايير النزاهة. وبذلك يحقق النموذج القائم على هيئة وطنية مستقلة وإدارة تنفيذية لا مركزية توازنا بين وحدة النظام الانتخابي واحترام التنوع المحلي، ويضمن تطبيق القواعد بصورة موحدة، ويحد من تدخل السلطة التنفيذية، ويعزز ثقة المواطنين في نزاهة الانتخابات. -الانتخابات وتعزيز الهوية الوطنية والمشاركة في صنع القرار في العراق تمثل الانتخابات إحدى أهم وسائل مشاركة المواطن في صنع القرار، ولذلك فإن تنظيمها وإدارتها يؤثران في علاقة المواطن بالدولة ومستوى الثقة بالمؤسسات. وفي العراق يمكن للانتخابات أن تؤدي وظيفة مزدوجة، تمثيل التنوع من جهة، وترسيخ المواطنة من جهة أخرى. ويقتضي ذلك أن يكون المواطن هو أساس الحقوق السياسية، لا انتماؤه الديني أو القومي أو المذهبي أو العشائري أو المناطقي، وأن تضمن القوانين الانتخابية تكافؤ الفرص وتمثيل المكونات دون تحويل هذا التمثيل إلى محاصصة دائمة. كما ينبغي تشجيع الأحزاب الوطنية العابرة للهويات الفرعية، التي تقدم برامج تتعلق بالاقتصاد والخدمات والتعليم والصحة والتنمية والإصلاح السياسي، مع ضمان المشاركة السياسية لجميع المكونات. ويمكن للامركزية أن توفر مجالًا للتعبير عن الاحتياجات المحلية من خلال مجالس منتخبة، مع بقائها ضمن إطار الدولة الواحدة. ويظل احترام التنوع الثقافي واللغوي عنصرا اساسيا في بناء الهوية الوطنية، لأن المواطن الذي يشعر بأن لغته وثقافته وخصوصيته محترمة يكون أكثر استعدادا للاندماج في الإطار الوطني. كما أن استقلال القضاء وتوفير وسائل فعالة للطعن في النتائج، ومعالجة النزاعات الانتخابية يمثلان ضمانات أساسية لحماية الحقوق السياسية. ولا يكتمل ذلك دون تحقيق التنمية المتوازنة، لأن الفوارق التنموية والمناطقية يمكن أن تعزز الشعور بالتهميش وتزيد الاعتماد على الهويات الفرعية، ومن هنا تصبح التنمية جزءا من مشروع بناء الهوية الوطنية، إلى جانب التعليم والإعلام والقانون والمؤسسات السياسية والمجتمع المدني. الخاتمة يتضح مما سبق بأن الهويات الفرعية لا تمثل في ذاتها تهديدا للهوية الوطنية أو لوحدة الدولة، وإنما يتحدد أثرها وفق الإطار الدستوري والقانوني والسياسي والاجتماعي الذي ينظمها. فالتنوع الديني والقومي والمذهبي واللغوي والعشائري والمناطقي يمكن أن يكون مصدرا للثراء والمشاركة إذا قام على المساواة والاعتراف المتبادل وسيادة القانون، لكنه قد يتحول إلى عامل انقسام عندما تستخدم هذه الهويات للإقصاء أو التمييز أو الاستقطاب السياسي. وتظل الهوية الوطنية الإطار الجامع القادر على استيعاب هذه الاختلافات دون إلغائها، وهو ما يتطلب ترسيخ المواطنة باعتبارها أساس الحقوق والواجبات، وضمان المساواة وسيادة القانون وعدم التمييز. فكلما شعر المواطن بأن الدولة تحمي حقوقه وتعامل المواطنين على قدم المساواة، تعزز انتماؤه الوطني، بينما يؤدي التهميش والتمييز إلى تقوية الولاءات الفرعية باعتبارها مصادر بديلة للحماية. وفي المجال السياسي يمكن للهويات الفرعية أن تسهم في توسيع المشاركة وتمثيل المصالح المشروعة للمكونات، إلا أن الخطر يظهر عندما تصبح أساسا وحيدا للاختيار السياسي. وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب في تجاوز الانتماءات الضيقة وتقديم برامج وطنية، كما يبرز دور النظام الانتخابي والإدارة الانتخابية في خلق الحوافز المناسبة للتنافس على أساس البرامج والكفاءة. وفي العراق لا يتمثل التحدي الأساسي في إلغاء التنوع، وإنما في بناء نظام قادر على إدارته بصورة عادلة، بحيث تتحول الهويات الفرعية إلى روافد للهوية الوطنية، ويصبح التمثيل السياسي وسيلة للمشاركة والمواطنة بدل أن يتحول إلى محاصصة حزبية دائمية مقيتة. كما أن نجاح هذا المسار لا يتوقف على الانتخابات وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التعليم والإعلام والتنمية والمؤسسات السياسية والقضائية والمجتمع المدني والاحزاب السياسية والنقابات. الاستنتاجات 1-إن الهويات الفرعية ليست نقيضا للهوية الوطنية، وإنما يتحدد أثرها وفق الإطار الدستوري والقانوني والسياسي الذي ينظمها، بحيث يمكن أن تكون روافد للتنوع والاندماج أو عوامل للانقسام والإقصاء. 2-تمثل المواطنة المتساوية والمساواة وسيادة القانون الأسس الرئيسة للهوية الوطنية، إذ إن العدالة وعدم التمييز يعززان ثقة المواطنين بالدولة، في حين يؤدي التهميش والتمييز إلى تقوية الولاءات الفرعية على حساب الانتماء الوطني. 3-تؤثر الهويات الدينية والقومية والمذهبية والعشائرية والمناطقية في السلوك والمشاركة السياسية والانتخابية في العراق، ويمكن أن يكون هذا التأثير إيجابيا عندما يعزز المشاركة والتعبير عن الحقوق، وسلبيا عندما يتحول إلى أساس للإقصاء والاستقطاب. 4-تلعب الأحزاب السياسية والنظام الانتخابي دورا محوريا في تنظيم العلاقة بين الهويات الفرعية والهوية الوطنية، فالأحزاب العابرة للهويات تعزز الاندماج، بينما قد تسهم الأحزاب القائمة على الهويات الضيقة في زيادة الانقسام، كما يؤثر النظام الانتخابي في مستوى تمثيل المكونات واستقرار النظام السياسي. 5-يوفر النظام الانتخابي المختلط حلًا أفضل في العراق، حيث إن نظام التمثيل النسبي يوفر فرصا أوسع لتمثيل المكونات الصغيرة، في حين يساعد نظام الأغلبية على تشكيل قوى سياسية أكثر استقرارا، بينما يمكن للنظام المختلط أن يحقق توازنا بين التمثيل المحلي والنسبي، بما يجمع بين حماية التنوع وتشجيع القوى الوطنية. 6-يتمثل التحدي الرئيس في العراق في كيفية إدارة التنوع وليس في وجوده، إذ يتطلب تعزيز الهوية الوطنية الانتقال من منطق تمثيل الجماعات إلى المواطنة المتساوية، مع ضمان مشاركة جميع المكونات دون تكريس المحاصصة الحزبية. 7-لا يقتصر تعزيز الهوية الوطنية على المجال الانتخابي والسياسي، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التعليم والإعلام والقانون والتنمية والمؤسسات السياسية والمجتمع المدني، بما يعزز القيم المشتركة ويحافظ على التنوع. التوصيات 1-تعزيز مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون وضمان المساواة في الحقوق والواجبات والمشاركة السياسية، ومنع جميع أشكال التمييز على أساس ديني أو قومي أو مذهبي أو عشائري أو مناطقي. 2-تشجيع الأحزاب والقوى السياسية العابرة للهويات الفرعية على تبني البرامج والسياسات العامة والكفاءة أساسًا للمنافسة السياسية، مع ضمان تمثيل مختلف مكونات المجتمع داخلها. 3-اعتماد نظام انتخابي مختلط يوازن بين التمثيل والاستقرار السياسي، بحيث يجمع بين التمثيل النسبي وأحد نظم الأغلبية، كنظام الصوت الواحد غير المتحول، بما يتلاءم مع طبيعة المجتمع العراقي. 4-تنظيم الخطاب السياسي والانتخابي القائم على الهويات الدينية والقومية والعشائرية والمناطقية بما يمنع التحريض والكراهية والتمييز، مع تعزيز الثقافة السياسية والانتخابية وتشجيع اختيار المرشحين على أساس الكفاءة والبرامج. 5-إعادة النظر في نظام كوتا المكونات، وقصرها على المكونات القومية والدينية التي يتعذر عليها تحقيق التمثيل النيابي بأصوات ناخبيها، مع وضع الضوابط التشريعية والفنية الكفيلة بمنع الأحزاب السياسية الكبيرة من الاستحواذ على مقاعد الكوتا، وضمان تخصيصها لممثلي المكونات بصورة حقيقية ومستقلة. 6-تطوير التعليم والإعلام ودور المجتمع المدني لترسيخ قيم المواطنة والهوية الوطنية والتاريخ المشترك واحترام التنوع، وتعزيز الحوار والتسامح والتواصل بين مكونات المجتمع العراقي. 7-تحقيق التنمية المتوازنة وتعزيز المشاركة السياسية العادلة لجميع المكونات، مع الحد من التهميش والفوارق المناطقية، وتجنب تحويل تمثيل المكونات إلى محاصصة سياسية دائمة. 8-تعزيز استقلال القضاء وترسيخ اللامركزية والنظام الفدرالي في العراق، ضمن إطار الدستور والقانون بما يضمن حماية الحقوق السياسية، ويسمح للمجتمعات المحلية بالمشاركة في إدارة شؤونها، مع الحفاظ على وحدة الدولة والهوية الوطنية. في ضوء ذلك فإن بناء هوية وطنية عراقية قوية لا يتطلب القضاء على الهويات الفرعية أو الحد من التنوع، وإنما يتطلب إقامة نظام سياسي وقانوني قادر على إدارة هذا التنوع بعدالة، بحيث يشعر جميع المواطنين بأنهم شركاء متساوون في الوطن، وأن اختلافاتهم الثقافية والدينية والقومية والاجتماعية مصانة في إطار القانون. وبذلك يمكن أن تتحول الهويات الفرعية من أدوات للتنافس والانقسام إلى روافد للهوية الوطنية، وأن يتحول التنوع من تحد سياسي واجتماعي إلى مصدر قوة، وتصبح الانتخابات وسيلة لترسيخ المواطنة والشراكة وصنع القرار، بما يعزز وحدة الدولة واستقرارها ويحافظ في الوقت ذاته على التعددية التي تشكل إحدى السمات الأساسية للمجتمع العراقي.
#سربست_مصطفى_رشيد_اميدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الهويات الفرعية وعلاقتها بالهوية الوطنية وأثرهما في المشاركة
...
-
الهويات الفرعية وعلاقتها بالهوية الوطنية وأثرهما في المشاركة
...
-
حين تتحول الدولة إلى غنيمة، العراق في مقارنة سريعة مع تجربة
...
-
حين تتحول الدولة إلى غنيمة، العراق في مقارنة سريعة مع تجربة
...
-
إشكالية الانتقال من استخدام البطاقة البايومترية إلى البطاقة
...
-
المعالجة الدستورية والتشريعية للتعدد الديني والقومي واللغوي
...
-
المعالجة الدستورية والتشريعية للتعدد الديني والقومي واللغوي
...
-
الإسلام السياسي في العراق، إشكالية الانتقال من سلطة الجماعة
...
-
جريمة إبادة الإيزيديين في العراق وقواعد العدالة الانتقالية
-
التدخل الارجنتيني والاوكراني في العراق!
-
العلاقة بين خطاب الكراهية والفساد في العراق بعد 2003
-
التحقيق في قضايا الفساد في العراق، هل هو بداية الاصلاح ام اع
...
-
العشيرة والفساد في العراق
-
الاهداف التي تكمن وراء التحقيق في قضايا الفساد في العراق
-
الشعبوية في الانتخابات العراقية
-
التستر بالدين والمذهب كغطاء للفساد في العراق
-
العشيرة والانتخابات العراقية
-
نتائج الانتخابات النيابية في ارمينيا الانتخابات، مؤشر لاستمر
...
-
الدائرة المغلقة للفساد في العراق
-
الحكومة العراقية الجديدة،، بين المحاصصة ووجوب الاصلاح الحقيق
...
المزيد.....
-
جيليان أندرسون تواجه معجبات شتتن انتباهها خلال عرض مسرحي
-
روسيا تدين محاولة الاعتداء الإرهابي على طائرة -فلاي دبي-
-
جنرال لبناني متقاعد: إسرائيل تسعى لعزل جنوب لبنان عن قواعد
...
-
هل تعاني من الانحناء والألم؟ خمسة تمارين لحماية رقبتك
-
قوات الحكومة اليمنية: سيطرنا على المخا
-
الحوثيون: لا تقدم لقوات الحكومة في ذوباب
-
طهران: نيران حرب جديدة ستطال الجميع
-
رشاد عبدالغني: كلمة الرئيس السيسي في ذكرى أكتوبر تؤكد قوة ال
...
-
خطأ فادح من مصطفى شوبير يمنح جنوب إفريقيا التقدم أمام مصر
-
خلال اجتماع لجنة الصناعة.. النائب مصطفى البهي: نستهدف معالجة
...
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|