|
|
جريمة إبادة الإيزيديين في العراق وقواعد العدالة الانتقالية
سربست مصطفى رشيد اميدي
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 20:01
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
المقدمة تعد جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش بحق أبناء الديانة الإيزيدية في قضاء سنجار خلال شهر آب 2014 من أخطر الجرائم الدولية التي شهدها العراق والمنطقة في العصر الحديث. فقد استهدف التنظيم، الإيزيديين على أساس هويتهم الدينية، ونفذ بحقهم عمليات قتل جماعي، واستعباد جنسي للنساء والفتيات، واختطاف الأطفال، والتهجير القسري، وتدمير القرى والمزارات الدينية، في إطار سياسة منظمة بهدف القضاء على الإيزيدية بوصفها جماعة دينية مستقلة. هذه الجريمة لا يمكن النظر إليها دون أن يتم ربطها بالمحاولات الحثيثة للدول والقوى التي تقتسم كردستان لإنهاء وجود الشعب الكردستاني وإبادة تاريخه ومصادرته، واغتصاب أرضه ومحو ثقافته وتراثه، والقضاء على لغته، وقبل كل ذلك القضاء على دياناته الأصيلة التي كافحت الزمن والجغرافية وجور الحكام، وانتهازية الأوروبيين الذين يدعون إيمانهم بحرية الشعوب واحترام حقوق الانسان، وفي مقدمة هذه الأديان الإيزيدية، والكاكائية (اليارسانية)، والزرادشتية، والعلوية في تركيا، وغيرها. كالفرمانات ضد ابناء الدين الابزيدي، ومجازر ديرسم وزيلان وآكري، وجرائم رضا شاه ضد العشائر الكردية، وحملة إعدامات الخلخالي، وجريمة حلبجة، والأنفال، والبارزانيين، وغيرهم، واعدامات الكرد الفيلية وترحيلهم القسري، والمفقودين في تركيا، وجرائم عفرين وسرى كاني وغيرها. لكن الفارق يكمن في أن هذه الجريمة تمت امام مرأى ومسمع الجميع شرقا وغربا، وفي وقت يدعي الجميع وقوفهم ضد جرائم الإبادة الجماعية والإرهاب. وعلى الرغم من اعتراف الأمم المتحدة، والبرلمان الأوروبي، وعدد من البرلمانات الوطنية، بأن ما تعرض له الإيزيديون ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية وفق أحكام القانون الدولي، إلا أن مجلس النواب العراقي حتى الآن لم يعترف بهذه الجريمة بقرار خاص كجريمة إبادة جماعية بحق معتنقي دين يعترف بهم الدستور العراقي بشكل صريح. على الرغم من تشريع قانون الناجيات من جرائم داعش الذي يقر هذه الجريمة جرائم ابادة جماعية وجريمة ضد الانسانية، الأمر الذي جعل القضية الإيزيدية نموذجاً مهماً لدراسة العلاقة بين الجرائم الدولية والعدالة الانتقالية وحماية الأقليات الدينية في العراق. - أسباب الإبادة الجماعية للإيزيديين سنة 2014. لم تكن جريمة الإبادة الجماعية نتيجة عامل واحد، وإنما جاءت نتيجة تداخل عوامل دينية وسياسية وأمنية وجغرافية، وأهمها: 1- العامل الديني: كان العامل الديني المحرك الرئيس لجرائم تنظيم داعش، إذ تبنى التنظيم نهجا تكفيرياً اعتبر الإيزيديون جماعة خارجة عن الإسلام، الأمر الذي استخِدم لتبرير القتل والاسترقاق والسبي والتهجير القسري. ولذلك كان الاستهداف موجهاً إلى وجودهم الديني والثقافي أكثر بشكل خاص. 2- العامل السياسي والأمني: ساهم ضعف مؤسسات الدولة العراقية سنة 2014، والانهيار الأمني الذي رافق سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة من العراق، في تمكين التنظيم من السيطرة على سنجار وارتكاب جرائمه، كما أثارت تلك الأحداث نقاشاً واسعاً حول مسؤولية الجهات الأمنية والسياسية التي كانت موجودة في المنطقة قبل الهجوم. 3- العامل الجغرافي: تمثل سنجار موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، إذ تقع غرب محافظة نينوى بالقرب من الحدود العراقية السورية، وتشكل عقدة اتصال بين سوريا وتركيا وإقليم كوردستان وباقي مناطق العراق. وقد منح هذا الموقع التنظيم أهمية استراتيجية للسيطرة عليها، كما جعلها بعد التحرير ساحة تنافس سياسي وأمني بين قوى متعددة، الأمر الذي انعكس سلباً على جهود إعادة الإعمار والاستقرار. 4- الهوية القومية للإيزيديين: يتحدث إيزيديو سنجار اللغة الكردية (الكرمانجية)، ويعدون تاريخيا وجغرافيا جزءا من الشعب الكردستاني، إلا أن المجتمع الإيزيدي نفسه يضم اتجاهات مختلفة بشأن تعريف الهوية، فبعضهم يؤكد انتماءه الكردي، بينما يعتبر آخرون أنفسهم أولاً بوصفهم إيزيديون فقط، في حين يطرح فريق ثالث هوية إيزيدية مستقلة، وقد تعززت هذه النقاشات بعد أحداث سنة 2014 نتيجة الشعور بخذلان مختلف القوى السياسية. -الإبادة الجماعية وذاكرة (الفرمانات) التاريخية. لفهم التأثير الذي خلفته جرائم سنة 2014، لا بد من ربطها بما يعرف في الذاكرة الجماعية الإيزيدية بـ(الفرمانات)، التي يقصد بها حملات الاضطهاد والقتل الجماعي التي تعرض لها الإيزيديون عبر قرون طويلة، منذ انتشار الإسلام، وعبر العهود مختلفة وخاصة خلال الحكم العثماني. ويختلف الباحثون حول العدد الدقيق لهذه الحملات، إلا أن السردية المتداولة داخل المجتمع الإيزيدي تشير إلى عشرات الفرمانات، وينظر إلى أحداث سنة 2014 بوصفها (الفرمان الرابع والسبعين). إن بعض هذه الحملات كان ذا طابع سياسي أو عسكري، بينما اتخذ بعضها الآخر طابعاً دينياً واضحاً، الأمر الذي أسهم في تكوين ذاكرة جماعية قائمة على الخوف من الإبادة والاقتلاع. وقد انعكس ذلك في عدة مظاهر، أهمها الشعور باستمرارية الاضطهاد التاريخي، إذ لا تفسر أحداث سنة 2014 بوصفها حادثة منفصلة، وإنما باعتبارها امتداداً لمسار طويل من الاستهداف، وادت ذلك الى: 1-تعميق الصدمة النفسية الجماعية نتيجة استحضار المآسي التاريخية السابقة. 2-تعزيز الهوية الدينية والقومية لدى كثير من الإيزيديين باعتبار أن البقاء أصبح جزءاً من الهوية. 3-تنامي الشعور بغياب الحماية نتيجة تكرار الاضطهاد عبر التاريخ. 4-تحول ذاكرة الفرمانات إلى عنصر رئيس في الخطاب السياسي والثقافي الإيزيدي للمطالبة بالعدالة والاعتراف الدولي. -آثار الإبادة الجماعية. الآثار السياسية: أدت الإبادة الجماعية إلى (تدويل) القضية الإيزيدية وتحويلها من قضية محلية إلى قضية دولية ترتبط بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، كما برزت شخصيات إيزيدية في المحافل الدولية، تطالب بتوفير الحماية الدولية لهم. كما عززت الأحداث مطالب الإيزيديين بالحماية السياسية والإدارية، وازدادت الدعوات إلى توفير ضمانات دستورية وأمنية وإدارة محلية في سنجار تحول دون تكرار المأساة. كذلك أصبحت سنجار ساحة للتنافس السياسي والأمني بين أطراف داخلية وإقليمية متعددة. الآثار الاجتماعية: خلفت الإبادة آثاراً اجتماعية عميقة تمثلت في مقتل آلاف الأشخاص واختطاف الآلاف، الأمر الذي أدى إلى تفكك عدد كبير من الأسر، ولا تزال عائلات كثيرة تبحث عن مصير المفقودين حتى اليوم. كما نزح معظم سكان سنجار إلى محافظات أخرى خاصة دهوك، أو هاجروا إلى دول أوروبية، مما أحدث تغيراً ديموغرافياً واضحاً داخل المجتمع الإيزيدي، فضلاً عن انتشار اضطرابات ما بعد الصدمة، ولا سيما بين النساء الناجيات والأطفال الذين تعرضوا للأسر والتجنيد. في المقابل عززت المحنة مستويات التضامن والتكافل الاجتماعي للحفاظ على الهوية الجماعية. الآثار الثقافية والدينية: استهدف تنظيم داعش الهوية الدينية والثقافية للإيزيديين، ولم يقتصر الأمر على السيطرة العسكرية، بل شمل تدمير المزارات الدينية والمواقع التراثية، بما يمثل اعتداءا على الذاكرة الجماعية للمجتمع الإيزيدي. كما دفعت الإبادة إلى توثيق التراث الديني والشفهي بصورة أوسع خشية ضياعه، وأثارت نقاشات داخل المجتمع الإيزيدي بشأن أوضاع الناجيات والأطفال المولودين خلال فترة الأسر. الآثار الاقتصادية: تسببت الإبادة في تدمير واسع للبنية الاقتصادية في سنجار، إذ دمرت القرى والمزارع والممتلكات الخاصة، وفقدان آلاف السكان لمصادر رزقهم المعتمدة على الزراعة وتربية المواشي. كما أدى النزوح الطويل إلى ارتفاع معدلات الفقر واعتماد عدد كبير من الأسر على المساعدات الإنسانية، فضلاً عن هجرة أعداد كبيرة من الشباب والكفاءات، الأمر الذي أثر في فرص التنمية المستقبلية للمجتمع الإيزيدي. العدالة الانتقالية في مواجهة الإبادة الجماعية. إن الاعتراف بالجريمة رغم أهميته، يمثل بداية الطريق فقط، إذ تحتاج المجتمعات الخارجة من النزاعات الكبرى إلى مسار شامل للعدالة الانتقالية يعالج آثار الجرائم ويعيد بناء الثقة بين الدولة والضحايا. وتعتمد العدالة الانتقالية على أربعة عناصر أساسية مترابطة: 1.كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات. 2.المساءلة القضائية ومحاسبة مرتكبي الجرائم. 3.جبر الضرر وتعويض الضحايا وإعادة تأهيلهم. 4.ضمان عدم تكرار الانتهاكات من خلال إصلاح المؤسسات وتعزيز الحماية. أولاً: كشف الحقيقة وتوثيق جريمة الإبادة. يمثل كشف الحقيقة حجر الأساس في أي عملية عدالة انتقالية، لأن الضحايا لا يبحثون فقط عن العقوبة، بل عن الاعتراف بما تعرضوا له وحفظ الذاكرة الجماعية للجريمة. وفي العراق بدأت جهود مهمة لتوثيق الجرائم من خلال فتح المقابر الجماعية في سنجار والمناطق المحيطة بها، واستخراج رفات الضحايا والتعرف على هوياتهم، إضافة إلى جمع الأدلة والشهادات من الناجين. وقد تعاونت الحكومة العراقية إلى حد ما مع (فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش (UNITAD))، الذي عمل على جمع الأدلة وتحليلها وفق المعايير الدولية، بهدف دعم الملاحقات القضائية المتعلقة بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. ومثل عمل (UNITAD) خطوة مهمة في مسار العدالة، لأنه نقل قضية الإيزيديين من مستوى الشهادات الشخصية إلى مستوى الأدلة القانونية القابلة للاستخدام أمام المحاكم. لكن تم إنهاء عمل اليونيتاد بقرار من الحكومة العراقية السابقة برئاسة محمد شياع السوداني في 17 ايلول سنة 2024 بعد أن مدد عملها بقرار من مجلس الأمن لسنة واحدة بشرط أن تنهيَ عملها، وهذا ما حدث. على الرغم من عدم إتمامها لأعمالها بشكل كامل، وتم تسليم ملف التحقيقات للحكومة العراقية، حيث لم تنشأ محكمة عراقية أو دولية مختصة بجرائم داعش، لأنه يفترض بالقضاء العراقي أن يتابع ويكمل عمل اليونيتاد، وتبدأ المحاكمات لهؤلاء المجرمين ومن ساعدهم ووالاهم وتستر عليهم. لكننا نعتقد أن هذه المحاكمات ستفتح المجال لاحتمال تورط شخصيات سياسية وأمنية واجتماعية ساعدت في صعود داعش وسيطرتها على ثلاث محافظات عراقية، أو على الاقل كانت قاصرة في مهامها، وأدت إلى تمكن داعش من اقتراف الجرائم التي يندى لها جبين الانسانية. لذلك يبقى ملف المفقودين أحد أكبر التحديات، إذ لا تزال عائلات كثيرة تنتظر معرفة مصير أبنائها الذين اختطفهم داعش. اما في اقليم كوردستان فان برلمان كوردستان قد اصدر قراره رقم 11 في 3/8/2019 باعتبار جرائم داعش بحق الايزيدببن جريمة ابدة جماعية (جينوسايد) وجريمة حرب وجريمة ضد الانسانية، واعتبار يوم 3 اب من كل عام يوماً لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بحق الإيزيديين. في حين سبق وان أصدر مجلس الوزراء العراقي القرار رقم (92) لسنة 2014 الذي اعتبر ما تعرض له الإيزيديون والتركمان والمسيحيون والشبك وغيرهم على يد تنظيم داعش جريمة إبادة جماعية. ثانياً: إنقاذ المختطفات الإيزيديات ودور إقليم كوردستان. كان ملف النساء والفتيات الإيزيديات المختطفات من أكثر الملفات الإنسانية إلحاحاً بعد سقوط سنجار، فقد استخدم تنظيم داعش الاستعباد الجنسي كوسيلة ممنهجة لإذلال المجتمع الإيزيدي وتدمير نسيجه الاجتماعي. وفي مواجهة هذه الجريمة، أنشأت رئاسة إقليم كوردستان مكتباً خاصاً لمتابعة ملف المختطفين الإيزيديين، عمل على البحث عن المختطفين والتواصل مع الجهات المحلية والدولية، وتمكن من المساهمة في تحرير وإنقاذ أكثر من ثلاثة آلاف فتاة وامرأة إيزيدية من قبضة تنظيم داعش، أو من الأشخاص الذين قاموا بشرائهن ضمن شبكات الاستعباد والاتجار التي أنشأها التنظيم. لم يكن هذا العمل مجرد إجراء إنساني، بل شكل جزءاً من مفهوم جبر الضرر، إذ ساعدت عمليات الإنقاذ على إعادة الناجيات إلى عائلاتهن ومجتمعهن، ووفرت لهن فرصة البدء بمراحل العلاج النفسي والاجتماعي وإعادة الاندماج. كما لعبت مؤسسات إقليم كوردستان وشعب كوردستان، بالإضافة إلى وكالات الأمم المتحدة، وعدد من المنظمات الدولية، والمنظمات غير الحكومية، دوراً مهماً في استقبال النازحين الإيزيديين، وتوفير مراكز الإيواء والخدمات الصحية والتعليمية، إضافة إلى دعم برامج رعاية الناجيات. ثالثاً: المساءلة القضائية، بين العقوبة والاعتراف القانوني بالجريمة. تمثل محاسبة مرتكبي الجرائم أحد أهم أركان العدالة الانتقالية، إلا أن التجربة العراقية في هذا المجال ما زالت تواجه انتقادات من جانب الضحايا والمنظمات الحقوقية. فقد تمت محاكمة عدد من عناصر داعش وفق قانون مكافحة الإرهاب. لكن هنالك شكوك كبيرة في استخدام الأدلة التي جمعها فريق اليونيتاد، ولا نعتقد أنها ادمجت ضمن الإجراءات القضائية الوطنية. وقد كانت نتيجة القضايا المرفوعة امام القضاء العراقي معاقبة العديد من مجرمي داعش، لكن نظرا لإن القانون العراقي لا يتضمن حتى الآن نصوصًا خاصة تجرم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب بصورة مماثلة للقانون الدولي، فقد حوكم عدد من عناصر داعش بموجب قوانين مكافحة الإرهاب بدلاً من محاكمتهم على جرائم الإبادة الجماعية نفسها. وبعد تسليم حوالي خمسة آلافٍ من عناصر داعش الذين كانوا مسجونين لدى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى الحكومة العراقية من قبل القوات الأمريكية تبرز أهمية تطوير الإطار القانوني العراقي بما يسمح بمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وفق توصيفها الصحيح في القانون الدولي. فالعدالة الانتقالية لا تهدف فقط إلى معاقبة الجاني، وإنما أيضاً إلى الاعتراف القانوني والسياسي بأن الضحايا تعرضوا لجريمة تستهدف وجودهم وهويتهم. رابعاً: جبر الضرر وقانون الناجيات الإيزيديات. شكل إقرار العراق قانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021 خطوة جيدة في مجال جبر الضرر، باعتباره أول قانون عراقي مخصص لمعالجة آثار جريمة الاستعباد والعنف الجنسي الذي تعرضت له النساء الإيزيديات وغيرهن من المكونات التي استهدفها داعش. وتضمن القانون عدداً من الحقوق، منها التعويض المالي للناجيات، وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية، مع دعم التعليم والعمل، والعمل على إعادة التأهيل والاندماج المجتمعي، ومن ثم يعتبر هذا بمثابة الاعتراف الرسمي بالانتهاكات التي تعرضن لها. وبالتالي يمثل هذا القانون انتقالاً من مرحلة التعاطف الإنساني مع الضحايا إلى مرحلة الاعتراف القانوني بحقوقهم، لكن التطبيق العملي للقانون يواجه تحديات تتعلق بالإجراءات الإدارية، وتأخر صرف المستحقات، وصعوبة الوصول إلى جميع الضحايا، خصوصاً أولئك الذين ما زالوا يعيشون في ظروف النزوح. خامساً: ضمان عدم التكرار وإصلاح الواقع في سنجار. يعد ضمان عدم تكرار الجرائم الهدف الأهم للعدالة الانتقالية، وهو يرتبط بإصلاح المؤسسات الأمنية والسياسية وتحقيق الاستقرار. وفي حالة سنجار، ما زالت سنجار تعاني من تعدد القوى المسلحة وتداخل النفوذ بين الحكومة الاتحادية، وقوى محلية، وفصائل مسلحة، وتأثيرات إقليمية. هذا التعدد يضعف وجود سلطة أمنية موحدة ويجعل البيئة الأمنية هشة. وانه لا يزال لم يطبق الاتفاقات الخاصة لإدارة سنجار. حيث لا تزال هناك جروح عميقة وانعدام ثقة بين بعض المجتمعات المحلية نتيجة أحداث 2014، إضافة إلى استمرار نزوح عدد كبير من السكان، في مخبمات محافظة دهوك، ما يجعل المصالحة عملية طويلة ومعقدة، أدى كل ذلك إلى تأخير إعادة الإعمار وعودة النازحين. فالعدالة بالنسبة للإيزيديين لا تكتمل بمجرد إنقاذ المختطفين أو تعويض الضحايا، بل تحتاج إلى توفير بيئة آمنة تضمن بقاءهم في أرضهم التاريخية، وتحمي حقوقهم الدينية والثقافية. ثالثاً- أوجه القصور في العدالة الانتقالية. على الرغم من هذه الجهود، فإن العدالة الانتقالية ما زالت تعاني من أوجه قصور متعددة، أهمها: 1-غياب محاكمات تستند إلى جريمة الإبادة الجماعية، إذ اعتمدت المحاكمات على قوانين مكافحة الإرهاب دون توصيف الجرائم باعتبارها إبادة جماعية. 2-بطء إعادة إعمار سنجار واستمرار الدمار وضعف الخدمات وقلة فرص العمل. 3-استمرار التداخل الأمني وتعدد القوى المسلحة، وعدم تنفيذ اتفاقية سنجار بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كوردستان لاستتباب الأمن فيها، خاصة وأن قضاء سنجار ضمن المناطق المتنازع عليها حسب احكام المادة 140 من الدستور العراقي، وللأسف فان الحكومات العراقية المتعاقبة بعد سنة 2003 تصر على المماطلة والتعنت في عدم تنفيذ بنودها، مما حال دون توفير بيئة آمنة ومستقرة لعودة السكان. 4-استمرار النزوح وصعوبة العودة الطوعية والآمنة. 5-بطء تنفيذ برامج التعويض وجبر الضرر. 6-على الرغم من ان الدستور العراقي قد كقل الحماية الدستورية لحرية الدين والعقيدة وممارسة الشعائر الدينية لجميع المكونات، ونص على حماية التنوع الديني والثقافي، وهو ما يفرض على الدولة التزاماً دستورياً بحماية الأقليات الدينية، ومن بينها الإيزيديون. إلا أن أحداث سنة 2014 كشفت عن وجود فجوة واضحة بين النصوص الدستورية والواقع العملي، إذ لم تتمكن الدولة من حماية الإيزيديين من جريمة منظمة استهدفت وجودهم الديني، كما أن استكمال عناصر العدالة الانتقالية ما يزال يواجه تحديات قانونية وسياسية وأمنية. الخاتمة. تكشف إبادة الإيزيديين سنة 2014 عن واحدة من أبشع الجرائم الدولية في التاريخ العراقي المعاصر، إذ لم تستهدف أفراداً فحسب، وإنما استهدفت وجود جماعة دينية وثقافية بكاملها. كما أعادت إحياء ذاكرة الفرمانات التاريخية ورسخت الشعور باستمرارية الاضطهاد داخل الوجدان الإيزيدي. ورغم ما اتخذته الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان من خطوات مهمة في مجال الاعتراف بالضحايا، والتعاون الدولي، وإصدار قانون الناجيات الإيزيديات، وفتح المقابر الجماعية، فإن هذه الإجراءات لا تزال دون مستوى متطلبات العدالة الانتقالية الشاملة، ولا سيما فيما يتعلق بالمساءلة القانونية على أساس جريمة الإبادة الجماعية، وإعادة إعمار سنجار، وضمان الأمن المستدام، وكشف الحقيقة بصورة كاملة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع الإيزيدي. ومن ثم فإن تحقيق العدالة الانتقالية الحقيقية لا يقتصر على التعويضات أو إصدار القوانين، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تضمن الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم، لكن الطريق ما زال طويلاً لتحقيق عدالة مكتملة، إذ لا تزال هناك حاجة إلى محاسبة الجناة بوصفهم مرتكبي جريمة إبادة جماعية، وتسريع إعادة إعمار سنجار، وضمان عودة النازحين، وإجراء إصلاحات مؤسسية تمنع تكرار المأساة.
#سربست_مصطفى_رشيد_اميدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التدخل الارجنتيني والاوكراني في العراق!
-
العلاقة بين خطاب الكراهية والفساد في العراق بعد 2003
-
التحقيق في قضايا الفساد في العراق، هل هو بداية الاصلاح ام اع
...
-
العشيرة والفساد في العراق
-
الاهداف التي تكمن وراء التحقيق في قضايا الفساد في العراق
-
الشعبوية في الانتخابات العراقية
-
التستر بالدين والمذهب كغطاء للفساد في العراق
-
العشيرة والانتخابات العراقية
-
نتائج الانتخابات النيابية في ارمينيا الانتخابات، مؤشر لاستمر
...
-
الدائرة المغلقة للفساد في العراق
-
الحكومة العراقية الجديدة،، بين المحاصصة ووجوب الاصلاح الحقيق
...
-
المعارضة تسجل فوزا ساحقا في الانتخابات النيابية في هنكاريا
-
الانتخابات النيابية في بنغلاديش 2026.
-
الاتفاق بين قسد ودمشق، هل هي خطوة نحو الحل السياسي أم إعادة
...
-
قلعة شيخ مقصود بين الطورانية التركية والتكفيريين العرب
-
الفساد وحقوق الانسان في العراق
-
تأثير الفساد على الانتخابات في العراق
-
تشكيل الحكومة العراقية بين الاطر الدستورية، والواقع السياسي
...
-
إنهاء بعثة الأمم المتحدة في العراق، هل هي خطوة نحو الاستقرار
...
-
ورقة حول انتخابات مجلس النواب 2025، والاصلاح الانتخابي.القسم
...
المزيد.....
-
السعودية.. الداخلية تعلن إعدام 3 أشخاص وتكشف ما أُدينوا به
-
تدفق قياسي للمهاجرين على مدينة سبتة.. ما القصة؟
-
متطرفون يرفعون التحية النازية أثناء الاحتجاج أمام سفارة المغ
...
-
حرية التنقل حق لا امتياز: مأساة المهاجرين/ات في الحدود مع سب
...
-
شاهد.. لحظات مرافقة قوات الأمن المهاجرين إلى الحدود في جيب -
...
-
فيديو متداول لـ-لحظة فتح حارس حدود مغربي بوابة للمهاجرين نحو
...
-
حملة دهم واسعة في الضفة: اعتقالات واحتجاز العشرات في مراكز ت
...
-
تدابير أمنية مشددة على الحدود مع إسبانيا في إيطاليا وفرنسا ب
...
-
ارتفاع عدد قتلى أزمة سبتة وكل المهاجرين تقريبا عادوا إلى الم
...
-
بعد سبتة.. مئات المهاجرين يحاولون العبور إلى جيب مليلية الإس
...
المزيد.....
-
الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق
/ رابطة المرأة العراقية
-
التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من
...
/ هيثم الفقى
-
محاضرات في الترجمة القانونية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة
...
/ سعيد زيوش
-
قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية
...
/ محمد أوبالاك
-
الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات
...
/ محمد أوبالاك
-
أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف
...
/ نجم الدين فارس
-
قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه
/ القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
-
المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي
/ اكرم زاده الكوردي
-
المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي
/ أكرم زاده الكوردي
المزيد.....
|