سربست مصطفى رشيد اميدي
الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 21:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يعتبر الدين منظومة من المعتقدات والقيم والعبادات التي تحدد علاقة الإنسان بالله أو بالمقدس، وتقدم تعاليم أخلاقية وتنظم جوانب من الحياة الفردية والاجتماعية. تختلف الأديان في عقائدها وطقوسها،، وقد لعب دورا مهما عبر مراحل التاريخ. تؤثر القيم الدينية في كثير من جوانب حياة الانسان اليومية، مثل المناسبات الدينية، والعلاقات الأسرية، وبعض الأعراف الاجتماعية. وللدين دور بارز في الحياة السياسية العراقية، إذ تشارك أحزاب ذات مرجعيات دينية في الحكم، كما تؤثر المؤسسات والقيادات الدينية بدرجات متفاوتة في بعض القرارات السياسية. ويعد الدين عنصرًا مهمًا في المجتمع العراقي، وله تأثيرات إيجابية وسلبية بحسب طريقة ممارسته وتوظيفه في المجتمع والسياسة، حيث من المهم التمييز بين التعاليم الدينية نفسها وبين استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية، فقد كان الدين في العراق يوفر الأمن والهوية عندما كانت الدولة ضعيفة، أكثر من كونه علاقة روحانية بين الإنسان وربه. ان التستر بظلال الدين كبديل عن مؤسسات الدولة، أو استخدامه في التنافس السياسي، يبطئ بناء دولة حديثة قائمة على المواطنة وسيادة القانون والكفاءة. فالدين بوصفه منظومة أخلاقية وروحية، لا يمثل سببًا للفساد، بل يدعو إلى الأمانة والعدل وصيانة المال العام. غير أن المشكلة تظهر عندما تتحول الهوية الدينية أو المذهبية إلى أداة للصراع السياسي أو إلى وسيلة لحماية شبكات النفوذ وإضعاف المؤسسات الرقابية والمحاسبة. وفي الحالة العراقية، أسهم تداخل الدين بالسياسة، إلى جانب المحاصصة وضعف المؤسسات والاقتصاد الريعي، في توفير بيئة سمحت باستمرار أنماط الفساد وإطالة عمرها. إن وجود دولة قوية وفعالة يمكن أن يحافظ على الدور الروحي للدين دون أن يكون ذلك على حساب التنمية أو بناء المؤسسات.
وقبل التطرق إلى موضوع استخدام الدين كغطاء من قبل بعض الزعامات والأحزاب للتستر على الفساد المنظم وإهدار أموال الدولة، بما يضمن الإفلات من المحاسبة القانونية والاستمرار في استنزاف موارد الدولة العراقية. لا بد من الإشارة إلى الإطار الدستوري المنظم لمكانة الدين في العراق، فقد نصت الفقرة الأولى من المادة الثانية من الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، بينما أكدت الفقرة الثانية حماية الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، مع ضمان الحقوق الدينية وحرية العقيدة وممارسة الشعائر لجميع المكونات الدينية، كالمسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين. كما نصت المادة العاشرة على صيانة وحرمة العتبات المقدسة والمقامات الدينية وضمان حرية ممارسة الشعائر فيها، في حين أكدت المادة (42) أن لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة، بما يشمل مختلف الأديان والمذاهب والمدارس الفكرية.
أن الدين في جوهره لا يدعو إلى الفساد، بل تحرم جميع الأديان السماوية الرشوة والسرقة واستغلال المال العام، لذلك فإن المشكلة لا تكمن في الدين أو المذهب، وإنما في استغلال الخطاب الديني والهوية المذهبية لتحقيق أهداف سياسية أو لحماية مصالح أشخاص أو أحزاب أو شبكات نفوذ. ومن هذا المنطلق فإن الحديث عن التستر بالدين لا يعني اتهام الدين نفسه، وإنما نشير إلى توظيف القداسة الدينية لإضعاف المساءلة القانونية والسياسية، بحيث تصبح الرموز والشعارات الدينية وسيلة لحماية الفاسدين من النقد أو المحاسبة.
كيف يتم استخدام الدين كغطاء للفساد؟
في الحالة العراقية فان العديد من الآليات او الطرق قد ساهمت في استخدام الدين أو الهوية المذهبية كوسيلة لإضعاف مكافحة الفساد، ومن اهمها:
1-إضفاء الشرعية السياسية على أساس ديني أو مذهبي، بحيث ينظر إلى بعض الأحزاب أو الزعامات بوصفها ممثلة للدين أو للطائفة، مما يجعل انتقادها أو مساءلتها يفسر أحيانًا من قبل الكثيرين بانه استهداف للدين نفسه.
2-تحويل قضية الفساد إلى قضية هوية، إذ يتحول النقاش من مساءلة المسؤول عن هدر المال العام إلى الدفاع عن المذهب أو الطائفة، وهو ما يخفف الضغوط على المسؤولين المتهمين بالفساد.
3-ترسيخ نظام المحاصصة الحزبية الذي انشأ بعد عام 2003، أدى إلى توزيع النفوذ والمؤسسات بين القوى الحزبية وفق اعتبارات طائفية وقومية، الأمر الذي جعل المحاسبة المتبادلة بين الأطراف المشاركة في السلطة، بالغة الصعوبة والتعقيد.
4-استخدام الرموز والشعارات الدينية في الحملات الانتخابية لتعزيز الثقة الشعبية والحصول على اصوات الناخبين، دون أن يقترن ذلك بالضرورة بإدارة رشيدة أو شفافية في إدارة المال العام.
5-التردد في فتح ملفات الفساد الكبرى خشية أن تفسر إجراءات المساءلة على أنها استهداف لمكون ديني أو مذهبي معين، مما يؤدي إلى تعطيل تطبيق القانون.
ورغم أهمية العامل الديني والمذهب فإن تفسير الفساد في العراق لا يمكن اختزاله في الدين أو المذهب وحدهما، بل هو نتاج تفاعل مجموعة من العوامل، من نظام المحاصصة الحزبية، وانتشار الزبائنية السياسية وشبكات تبادل المصالح. وضعف الشفافية والإدارة العامة، والاقتصاد العراقي الريعي المعتمد على النفط، مع ضعف المؤسسات الرقابية والقضائية، ومن ثم فإن استغلال الدين يعد أحد العوامل التي قد تسهم في حماية الفساد أو إطالة عمره، لكنه ليس السبب الوحيد لوجوده.
تأثير التستر بالدين على الدولة والمجتمع
عندما تصبح الهوية الدينية أساسًا للعمل السياسي، تتحول الأولوية من خدمة الدولة إلى حماية الجماعة السياسية، وفي هذه الحالة ينظر إلى النقد بوصفه استهدافًا للطائفة، وتتراجع المساءلة القانونية أمام اعتبارات التوازنات السياسية، وتستخدم المؤسسات العامة لتوزيع المناصب والمكاسب على شبكات الولاء. وهذه الظاهرة لا ترتبط بمذهب معين، بل يمكن أن تظهر في أي مجتمع تبنى فيه السياسة على الولاءات الدينية أو القبلية أو القومية.
وعلى الرغم من أي من المذهبين السني أو الشيعي لا يجيز الفساد أو الاعتداء على المال العام، لكن المشكلة تظهر عندما يمتزج النفوذ الديني بالنفوذ السياسي، فتُستخدم المكانة الدينية لحماية شخصيات سياسية أو لتقديم الولاء للرموز على حساب تقييم الأداء الحكومي.
ومن الناحية الاجتماعية فللاسف ان الفساد وانتشاره وصل لدرجة لم يعد عيبا اخلاقيا ليكون مقترفها مذموما اجتماعيا، بحيث ان هذا النمط ادى الى انتشار شبكات المحسوبية القائمة على الانتماء الحزبي أو المذهبي أو العشائري، وإضعاف مفهوم المواطنة لصالح الولاءات الفرعية، كالحزب والدين والمذهب والعشيرة، ومن ثم الدفاع عن المسؤول المنتمي إلى الجماعة نفسها رغم وجود شبهات فساد.
وينعكس استمرار الفساد المحمي بالهويات السياسية والدينية على المجتمع من خلال تراجع ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها، وزيادة الشعور بالإحباط والعزوف عن المشاركة السياسية، وهجرة الكفاءات العلمية والمهنية. والتاثير الاخطر هو انتقال آثار الفساد إلى الأجيال القادمة لانه اصبح بمثابة (ثقافة) رائجة، وذلك من خلال ضعف المؤسسات والبنية التحتية والتعليم وفرص العمل، وبذلك لا يحرم الجيل القادم من ثروات وموارد العراق فحسب، بل يرث أيضًا مؤسسات أقل كفاءة وقدرة على إدارة تلك الموارد.
التستر بالدين والمذهب وأثره في السلوك الانتخابي.
ان السلوك الانتخابي للناخب العراقي يعتمد على الانتماء الحزبي، والعشائري، وايضا على الدين والهوية المذهبية، اللذان يمثلان أحد العوامل المؤثرة في اختيار الناخب العراقي، على ان يكون كل هذا مقترنا بمقدرة مالية ضخمة. وتظهر صور تأثير الدين والمذهب في الحملات الدعائية الانتخابية لبعض الاحزاب والمرشحين من خلال استخدام الخطاب الديني في الدعاية الانتخابية، وتصوير الانتخابات باعتبارها منافسة بين المكونات الاجتماعية، والاستفادة من شبكات رجال الدين والعشائر والوجهاء المحليين، وتقديم الخدمات والمساعدات الاجتماعية بما يعزز الولاء السياسي.
ومع ذلك فإن نتائج الانتخابات لا تتحدد بالدين وحده، بل تتأثر أيضًا بالأداء الحكومي، والظروف الاقتصادية، ونسبة المشاركة، والنظام الانتخابي المطبق، وحجم الدائرة الانتخابية، والتحالفات السياسية، وظهور قوى حزبية جديدة، وهو ما ظهر بوضوح في الانتخابات الأخيرة. وقبل كل ذلك استخدام موارد الدولة والمال المنهوب من قبل بعض المسؤلين الحكوميين الفاسدين، كما تنشرها الان وسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حول اعترافات وكيل وزير النفط المعتقل لتمويله للحملات الانتخابية لعدد من اعضاء مجلس النواب الحالي في انتخابات مجلس النواب 2025، والذي تم اعتقال عدد منهم صبيحة هذا اليوم.
لذلك فإن معالجة هذه الظاهرة لا تتحقق من خلال إقصاء الدين من الفضاء العام، وإنما عبر ترسيخ دولة المواطنة وسيادة القانون، وضمان استقلال القضاء، وتعزيز الشفافية، وفصل القداسة الدينية عن المسؤولية السياسية. فكلما أصبحت الكفاءة والنزاهة والقانون هي الأساس في إدارة الدولة ومحاسبة المسؤولين، كلما تراجعت قدرة أي جهة على الاحتماء بالدين أو الهوية لتبرير الفساد أو الإفلات من العقاب، وبذلك يصبح الدين والمذهب عاملًا داعمًا للإصلاح الأخلاقي، لا غطاءً لاستمرار الفساد.
#سربست_مصطفى_رشيد_اميدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟