سربست مصطفى رشيد اميدي
الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 22:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المقدمة:
كيف استطاعت دولة صغيرة مثل سنغافورة حصلت على استقلالها عام 1965 وهي تفتقر تقريبا إلى الموارد الطبيعية وتعاني محدودية الأرض والمياه والطاقة، أن تتحول خلال عقود قليلة إلى مركز عالمي للتجارة والمال والخدمات والصناعة والتكنولوجيا، بينما ظل العراق، رغم امتلاكه احتياطيات نفطية هائلة وموقعاً جغرافياً استراتيجياً ومياها وأراضي زراعية وثروة بشرية كبيرة، عاجزا عن تحويل هذه الإمكانات إلى تنمية مستدامة واقتصاد متنوع وخدمات عامة مستقرة.
المفارقة أن المشكلة العراقية لم تكن في ندرة الموارد، بل في طريقة إدارة الموارد والدولة، فالعراق ليس بلدا فقيرا بالمعنى الطبيعي، وإنما بلد غني بالموارد يعاني ضعف المؤسسات والحوكمة والقدرة على تحويل الثروة إلى إنتاج وتنمية. وفي المقابل اضطرت سنغافورة، بسبب افتقارها إلى الثروات الطبيعية، إلى التعامل مع الإنسان والمؤسسة والقانون والموقع الجغرافي باعتبارها مواردها الأساسية.
لذلك فإن المقارنة بين البلدين ليست مقارنة بين شعبين أو ثقافتين، ولا بين بلد غني وآخر فقير، وإنما بين نموذجين في إدارة الدولة والثروة، نموذج يحاول تحويل الموارد إلى استثمار وتنمية، ونموذج تتحول فيه الدولة نفسها إلى ساحة لتقاسم الموارد والمناصب والنفوذ. ومن هنا تظهر المحاصصة والفساد البنيوي بوصفهما جزءاً أساسياً من المشكلة العراقية، لا مجرد أعراض جانبية.
سنغافورة لم تنتصر على نقص الموارد بالصدفة
عندما حصلت سنغافورة على استقلالها كانت تواجه مشكلات حادة في الإسكان والصحة والتعليم والبطالة، إلى جانب سوق داخلية محدودة وافتقار شبه كامل إلى الموارد الطبيعية. وكان عليها أن تجيب سريعا عن سؤال وجودي، كيف يمكن لدولة صغيرة أن توفر العمل والدخل والخدمات لمواطنيها.
جاءت الإجابة عبر بناء المؤسسات، فبدلاً من البحث عن مورد طبيعي، ركزت الدولة على خلق بيئة تجذب رؤوس الأموال والشركات والتكنولوجيا، واستثمرت في التعليم والبنية التحتية والصحة والإدارة العامة، وحولت موقعها الجغرافي إلى مركز للتجارة والنقل والخدمات، ولم يكن التعليم مجرد خدمة اجتماعية، بل جزءا من استراتيجية اقتصادية طويلة المدى.
والأهم أن سنغافورة سعت منذ وقت مبكر إلى منع تحول الدولة إلى غنيمة سياسية وحزبية، فجعلت مكافحة الفساد أولوية، وطورت أجهزة التحقيق والرقابة ورفعت كلفة الفساد على المسؤولين والأفراد والشركات. لم تكن سنغافورة خالية من المشكلات السياسية والاجتماعية، لكنها بنت قواعد جعلت الإدارة العامة أكثر اعتماداً على الكفاءة والقانون والمؤسسة.
وهنا يكمن أحد الفوارق الأساسية، سنغافورة بنت دولة قادرة على إنتاج القيمة قبل أن تتحول إلى اقتصاد عالمي، بينما امتلك العراق اقتصاداً ريعيا ضخما من دون أن ينجح في بناء مؤسسات قادرة على إدارة هذا الريع بكفاءة.
العراق يمتلك النفط لكن لم يحوله إلى تنمية
يمتلك العراق واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم، إلا أن هذه الثروة لم تنعكس بما يتناسب مع حجمها على مستوى التنويع الاقتصادي والخدمات والتنمية المستدامة. فالمشكلة ليست في النفط نفسه، حيث يمكن أن يكون أداة هائلة لبناء الإنسان والبنية التحتية والصناعة والزراعة والخدمات والقطاع الخاص، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الدولة من منتج للسياسات والتنمية إلى موزع للريع.
فعندما ترتفع أسعار النفط ترتفع إيرادات الدولة وقدرتها على التوظيف والإنفاق، وعندما تنخفض الأسعار تظهر الأزمات المالية وتتراجع الاستثمارات. ومع الوقت تتشكل حلقة يصعب كسرها، الاعتماد على النفط يمول الوظائف والدعم الحكومي، والإنفاق العام الواسع يضعف الحافز لبناء اقتصاد خاص متنوع، وضعف القطاع الخاص يزيد اعتماد المواطنين على الدولة، وهذا الاعتماد يجعل الإصلاحات أكثر صعوبة.وهكذا يتحول النفط من فرصة لبناء اقتصاد حديث إلى وسيلة لإدامة نموذج اقتصادي ريعي.
المحاصصة الحزبية ليست مجرد توزيع للمناصب
إذا كان لا بد من تحديد أحد أكثر جوانب المشكلة العراقية حساسية بعد عام 2003، فلا يمكن تجاوز المحاصصة الحزبية، فالمشكلة لا تكمن فقط في أن وزارة تذهب إلى جهة سياسية أو أن منصبا يمنح على أساس الانتماء، وإنما في تحول المحاصصة إلى طريقة لإدارة مؤسسات الدولة وتوزيع مواردها.
فعندما يصبح الولاء الحزبي أهم من الكفاءة في اختيار المسؤول، تفقد المؤسسة العامة قدرتها على العمل وفق قواعد مهنية، وعندما تصبح الوظيفة الحكومية وسيلة لإرضاء الأحزاب والشبكات المالية لها، يتحول القطاع العام من جهاز لإنتاج الخدمات إلى شبكة لتوزيع المنافع. وعندما ترتبط العقود والمشاريع والامتيازات بالتوازنات السياسية، يصبح الفساد جزءاً من بنية النظام وليس مجرد مخالفات فردية.
لهذا لا تكفي حملات اعتقال الموظفين أو تغيير الوزراء أو إنشاء هيئات جديدة لمكافحة الفساد، ففي بقاء البيئة السياسية والإدارية التي تنتج الفساد على حالها، يمكن أن يتغير الأشخاص بينما يبقى النظام نفسه.
المفارقة أن المحاصصة قد تكون قد نشأت في الأصل بوصفها آلية لتحقيق التمثيل والاستقرار، لكنها تحولت إلى مشكلة اقتصادية وإدارية بتجاوزها المجال السياسي إلى التحكم في مؤسسات الدولة.
من الفساد الفردي إلى الفساد البنيوي
اختزال الفساد في موظف يتلقى رشوة أو مسؤول يختلس المال العام لا يفسر جوهر المشكلة، فالفساد البنيوي يظهر عندما تصبح المؤسسات نفسها معرضة بصورة متكررة للاستغلال السياسي والمالي، وعندما تتشابك السلطة السياسية مع المصالح الاقتصادية، ويصبح الحصول على وظيفة أو عقد أو ترخيص مرتبطا بالعلاقات والنفوذ والولاء الحزبي أكثر من ارتباطه بالكفاءة والمنافسة.
في هذه الحالة يعيد الفساد إنتاج نفسه، المسؤول يحتاج إلى شبكة تحميه، والشبكة تحتاج إلى الموارد لتعزيز نفوذها، والموارد تأتي من السيطرة على المؤسسات والعقود والتعيينات، ثم تستخدم هذه السيطرة في بناء شبكة جديدة من المصالح.
وتكمن خطورة هذا النوع من الفساد في أنه لا يسرق المال فقط، بل يسرق كفاءة الدولة، فاختيار شخص غير كفوء لإدارة مؤسسة يعني خسارة القرارات الجيدة والمشاريع الناجحة والوقت والثقة. ومنح مشروع على أساس النفوذ لا يعني خسارة قيمة العقد فحسب، وإنما قد يعني مشروعاً أقل جودة، وخدمات أضعف، وفرصا اقتصادية ضائعة.
لذلك فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون حملة موسمية، بل تتطلب تغيير الحوافز والقواعد التي تجعل الفساد مربحا وتجعل النزاهة مكلفة.
لماذا لم تنجح الثروة النفطية في بناء قطاع خاص قوي.
من أهم الفوارق بين العراق وسنغافورة موقع القطاع الخاص داخل الاقتصاد، سنغافورة احتاجت إلى الشركات والاستثمارات الأجنبية منذ البداية تقريباً، لأنها لم تكن تملك ريعا نفطيا تعتمد عليه، لذلك بنت الموانئ والاتصالات والخدمات اللوجستية وبيئة الأعمال، وربطت التعليم باحتياجات الاقتصاد، وفتحت أبوابها أمام الاستثمار والتجارة العالمية.
أما العراق فقد سمحت وفرة النفط للدولة بأن تلعب الدور الأكبر في الاقتصاد، ومع مرور الوقت أصبحت المناصب الوظيفة الحكومية أكثر جاذبية من فرص العمل في قطاع خاص محدود القدرة على التوسع.
وهكذا تشكلت حلقة أخرى، فالدولة توظف لأنها لا تستطيع توفير اقتصاد خاص واسع، والقطاع الخاص لا يتوسع بسبب ضخامة الدولة والبيروقراطية والفساد وعدم وضوح القوانين والاجراءات، ومع ضعف القطاع الخاص يستمر الضغط على الدولة للتوظيف.
كسر هذه الحلقة يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد، بحيث تنتقل الدولة تدريجيا من كونها أكبر مشغل إلى كونها واضعة للقواعد وحامية للمنافسة وممكّنة للإنتاج والاستثمار.
الكهرباء: مثال صغير على المشكلة الكبيرة
ربما لا يوجد قطاع يختصر المفارقة العراقية مثل الكهرباء، فبلد يمتلك موارد نفطية وغازية كبيرة وينفق مليارات الدولارات على الطاقة، ظل يعاني مشكلات مزمنة في الإنتاج والتوزيع والجباية وكفاءة الشبكات. فالقضية ليست تقنية فقط فالكهرباء تحتاج إلى استثمار طويل الأجل وإدارة مهنية وعقود شفافة وشبكات فعالة وآليات جباية وتخطيط ومحاسبة. وعندما تتداخل المحاصصة والفساد والقرارات السياسية في هذه الحلقات، يمكن إنفاق أموال كبيرة من دون تحقيق النتائج التي ينتظرها المواطن. لذلك فإن الكهرباء ليست مجرد ملف خدمي، وإنما اختبار لقدرة الدولة على تحويل المال العام إلى نتيجة عامة.
إقليم كوردستان جزء من المعادلة العراقية
لا يمكن التعامل مع إقليم كوردستان باعتباره اقتصاداً منفصلاً تماماً عن المشهد العراقي، فالإقليم جزء من الدولة العراقية، وتتداخل اقتصادات الإقليم والحكومة الاتحادية في النفط والموازنة والتجارة والطاقة والحدود والاستثمار والأسواق.
وقد شهد الإقليم في مراحل مختلفة نمواً عمرانياً واقتصادياً وجذباً للاستثمارات، لكنه واجه أيضا تحديات تتعلق بالاعتماد على النفط والأزمات المالية والخلافات حول الإيرادات والنفط والموازنة والعلاقة مع الحكومة الاتحادية، فضلاً عن تأثير التنافس السياسي في الإدارة والاقتصاد.
وتكشف هذه العلاقة عن مشكلة أوسع، عندما لا تكون قواعد توزيع الموارد والاختصاصات واضحة ومستقرة وقابلة للتطبيق، تتحول الثروة إلى موضوع دائم للتفاوض السياسي بدلاً من أن تكون أساساً للتنمية.
الحل لا يكمن في إلغاء خصوصية الإقليم أو التعامل معه ككيان منفصل، وإنما في بناء علاقة فدرلبية واضحة تقوم على الدستور والقانون والبيانات والمعايير الاقتصادية، لا على التسويات السياسية المتغيرة.
#سربست_مصطفى_رشيد_اميدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟