أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب تقديم الدكتور محمد ميموني















المزيد.....



استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب تقديم الدكتور محمد ميموني


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 10:01
المحور: الادب والفن
    


الدعوة
السلام عليكم
الأستاذ الدكتور طه عبد الرحمن، حفظكم الله وأدام عطاءكم،
تحية تليق بمقام الفكر حين يكون مسؤولية، وبالكلمة حين تتجاوز حدود القول لتصبح سؤالًا في الإنسان والمعنى.
يسرني، باسمي وباسم أسرة منتدى شعاع وأعضائه، أن أتوجه إليكم بهذه الدعوة الكريمة للمشاركة ضيفًا في برنامج «لقاء الأسبوع»، وذلك يوم الجمعة 2 أكتوبر 2026، في تمام الساعة السابعة مساءً بتوقيت الأردن.
إن حضوركم بيننا لن يكون مجرد لقاء عابر، بل سيكون مساحة للحوار والتأمل، نستمع فيها إلى تجربة فكرية جعلت من الإنسان والأخلاق والعقل أسئلة مفتوحة على الدوام.
وسيسعدنا أن يكون اللقاء حوارًا مفتوحًا حول موضوع تختارونه أنتم، أو حول أحد القضايا التي ترون أنها جديرة بأن تُطرح أمام جمهور المنتدى، إيمانًا منا بأن الحوار الحقيقي لا يكتفي بتقديم الأجوبة، بل يعرف كيف يصنع أسئلة جديدة.
دكتورنا الفاضل، إن منتدى شعاع يفتح لكم أبوابه بكل محبة وتقدير، وأعضاءه يتطلعون إلى هذا اللقاء باعتباره فرصة للإنصات إلى فكرٍ لا يكتفي بتفسير العالم، بل يحاول أن يعيد مساءلة علاقتنا به.
يشرفنا حضوركم، ونرجو أن تتفضلوا بقبول دعوتنا، مع خالص التقدير والاحترام.
الدكتور محمد ميموني
عن أسرة وأعضاء منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب
************************
شكر على الاستضافة
الأستاذ الدكتور محمد ميموني، حفظه الله ورعاه
والسادة الأفاضل القائمين على منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، أدام الله توفيقهم. ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر إلى عميد منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، الدكتور محمد أبو خروب العبادي على رعايته.
أما بعد
فما أضيق العبارة حين تُستدعى لتؤدي حقًّا عظيمًا، وما أعجز الحروف حين تقف بين يدي كرمٍ صادق، وضيافةٍ تنبض نبلًا، واحتفاءٍ يليق بأهل الفكر والكلمة. وإنّي لأجدني، بعد هذه الاستضافة الكريمة في برنامج «لقاء الأسبوع»، مدينًا لكم بالشكر في أسمى معانيه، وبالامتنان في أصدق صوره؛ شكرًا لا تفيه الكلمات مهما ازدان لفظها، ولا تحيط به العبارات مهما بلغت من البلاغة والبيان.
لقد لمست في لقائكم من جميل الخُلق، وحسن الوفادة، ورقيّ الحوار، وصدق العناية، ما جعل الاستضافة تتجاوز حدود المجاملة إلى معنى أعمق: معنى التلاقي على المحبة، والاجتماع على قيمة الكلمة، والإيمان بأن الفكر حين يصدر عن مسؤوليةٍ وضمير، يصبح نورًا يهدي ولا يُقصي، ويبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرّق.
وما كان برنامج «لقاء الأسبوع» مجرد مساحةٍ للحديث، بل كان مجلسًا من مجالس الأدب والفكر، تُصان فيه الكلمة، ويُحسن فيه الإصغاء، ويُفسح فيه للعقل أن يتأمل، وللروح أن تُصغي، وللحوار أن يرتقي فوق العابر والمألوف. وقد رأيت في منتدى شعاع من حسن القصد وجمال الرسالة ما يجعله بحق منبرًا يضيء في زمنٍ أحوج ما يكون إلى الكلمة الصادقة، والثقافة الرصينة، والوعي الذي يفتح أبواب الأمل.
وإنني أخصّ الأستاذ الدكتور محمد ميموني بجزيل الشكر وعظيم التقدير، على هذه الدعوة الكريمة، وعلى ما أحاطني به من لطفٍ أصيل، وذوقٍ رفيع، وتقديرٍ كريم. كما أتوجه بوافر الامتنان إلى كل من أسهم في إعداد هذا اللقاء وتنظيمه وإنجاحه، من إدارة المنتدى وأعضائه وروّاده، فلكم جميعًا من القلب دعاءٌ صادق، ومن الوجدان تقديرٌ لا ينفد.
شكرًا لكم؛ لأنكم جعلتم من الضيافة قيمةً، ومن الحوار رسالةً، ومن الكلمة جسرًا بين العقول والقلوب. شكرًا لكم؛ لأنكم منحتموني من دفء الاستقبال ما يبقى أثره، ومن رقيّ المعاملة ما يستقر في الذاكرة، ومن صدق المحبة ما يظل محفوظًا في القلب.
أسأل الله أن يبارك في جهودكم، وأن يمدّكم بمزيدٍ من التوفيق والسداد، وأن يحفظ منتدى شعاع منارةً متوهجةً للمعرفة والأدب والفكر العربي، وأن يديم بينكم هذا الودّ الجميل، وهذا العطاء النبيل، وهذا الإيمان العميق برسالة الثقافة في تهذيب الإنسان وإضاءة الحياة.
لكم مني خالص الشكر، وعظيم الامتنان، وأسمى آيات التقدير والاحترام.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
2/10/2026
************************
منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب
أستاذنا الكريم الدكتور طه عبد الرحمن دخل الله،
ربما لا تكمن قيمة الكتابة في أن تقول كل شيء، بل في أن تفتح في ذهن القارئ نافذةً على شيءٍ لم يكن قد انتبه إليه من قبل. ومن هنا حاولنا في هذا اللقاء أن ننتقل من سؤال الكلمة إلى سؤال الإنسان، ومن أخلاق الكتابة إلى علاقتنا باللغة، ومن أسئلة النقد إلى مستقبل القراءة والتلقي، لنكتشف أن السؤال الجيد قد يكون أحياناً أعمق من الإجابة نفسها.
لقد كان هذا اللقاء مساحةً للحوار الفكري، وفرصةً للإنصات إلى تجربة نقدية وأدبية، والاقتراب من رؤية تجعل من القراءة أكثر من مجرد فهمٍ للنص، ومن النقد أكثر من مجرد إصدارٍ للأحكام؛ فالغاية ليست أن نغلق أبواب المعنى، بل أن نفتح أمامه نوافذ جديدة.
وبهذه المناسبة، يسعدنا أن نتقدم إليكم بخالص التهنئة بمناسبة منحكم شهادة الدكتوراه الفخرية من منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، عرفاناً وتقديراً لعطائكم الفكري والأدبي والنقدي، وتعبيراً عن اعتزاز أسرة المنتدى بما تقدمونه في خدمة الكلمة والمعرفة.
إن هذا التكريم ليس مجرد شهادة تُضاف إلى المسيرة، بل هو رسالة تقدير من أسرة المنتدى، وإقرار بقيمة العطاء حين يجد من يراه ويحتفي به. فالمبدع لا يحتاج دائماً إلى شهادة تثبت ما هو عليه، بقدر ما يحتاج إلى فضاءٍ يقدّر جهده ويحترم تجربته.
ولا يفوتنا أن نتقدم بالشكر إلى عميد منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، الدكتور محمد أبو خروب العبادي، على رعايته لهذه المبادرات الثقافية التي تجمع أهل الفكر والأدب، كما نشكر جميع أعضاء المنتدى على حضورهم وتفاعلهم وإسهامهم في إنجاح هذا اللقاء؛ فبكم تصبح المنصة فضاءً حياً للحوار، وتتحول الكلمات من حروف مكتوبة إلى جسور تجمع العقول والقلوب.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به:
حين تفقد الكلمة إنسانيتها تصبح مجرد علامة، وحين تحمل سؤال الإنسان تتحول إلى أثر.
أما نحن، فلا نريد للكلمة أن تكون أثراً ينتهي عند آخر سطر، بل نريدها أن تترك في القارئ شيئاً من القلق الجميل، وسؤالاً يرافقه حتى بعد انتهاء اللقاء.
فربما كانت قيمة الحوار الحقيقية ليست فيما قلناه، بل فيما جعلنا الآخرين يفكرون فيه.
شكراً لكم جميعاً، وألف مبارك للدكتور طه عبد الرحمن دخل الله هذا التكريم، مع أطيب الأمنيات بمزيد من العطاء والإبداع.
وإلى لقاء آخر...
نترك فيه للكلمة أن تبدأ من حيث انتهى الكلام.
الدكتور محمد ميموني.
‏‎Saloua Filaly
أستاذنا الكريم، القامة الأدبية والناقد العالمي الدكتور طه عبد الرحمن دخل الله،
من القلب ألف شكرٍ وامتنان لتفضلكم بقبول دعوة برنامج «لقاء الأسبوع»، وتشريفكم هذا المنبر بحضوركم، وما أضفتموه إليه من عمقٍ فكري ورقيٍّ نقدي جعل الحوار يتجاوز حدود الأسئلة والأجوبة إلى فضاءٍ أرحب من التأمل والمعرفة.
شكراً لسعة صدركم، ولرحابة فكركم، ولأنكم لم تتعاملوا مع أسئلتنا بوصفها مجرد أسئلة تنتظر إجابات، بل فتحتم لكل سؤالٍ بابًا، ولكل فكرةٍ أفقًا، وتركتُم لنا بعد كل إجابةٍ سؤالًا أجمل وأعمق.
لقد كان حضوركم إضافةً ثمينةً للبرنامج، وكانت إجاباتكم شهادةً على أن الناقد الحقيقي لا يكتفي بقراءة النص، بل يوقظ في القارئ شهوةَ التفكير، ويمنح الكلمةَ قدرها، والسؤالَ حرمته، والحوارَ جماله.
كل الامتنان لكم أستاذنا القدير، على هذا الكرم الفكري النبيل، وعلى الوقت الذي منحتموه لنا، وعلى هذا الحضور الذي سيبقى أثره في «لقاء الأسبوع» طويلًا بعد أن ينتهي اللقاء.
دام قلمكم منارةً للفكر، وبقيت كلمتكم جديرةً بأن تُصغى إليها
سلوى الفيلالي





منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب
Mustafa Muhammad Kor Sheikh ·
الكاتب والناقد الفلسطيني طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)، الذي يمثل صوتاً نقدياً وأدبياً عريقاً ينبض بحب الوطن والارتباط الجذري بالهوية والثقافة:
1. الجذور والنشأة والوعي المبكر بالمأساة
الامتداد المكاني: ينحدر أبو مراد من أرض الجليل الأعلى بفلسطين الأبيّة، وتحديداً من قرية "البعنة"، بينما تعود جذور عائلته الأصلية إلى قرية "شعب" التاريخية التي هُجّر أهلها قسراً إبان نكبة عام 1948.
ابن التهجير والذاكرة: هذه البداية المحفورة بوجع النكبة والتهجير زرعت في وجدانه وعياً مبكراً بأهمية حفظ الذاكرة والدفاع عن الهوية الثقافية والوطنية في مواجهة محاولات الطمس والمحو.
2. التكوين العصامي ومحراب البيان
جامعة الحياة: يُعد طه دخل الله عبد الرحمن نموذجاً للكاتب العصامي الذي لم يعتمد فقط على الأطر الأكاديمية التقليدية، بل نهل من "جامعة الحياة"، واعتمد على مكابدة المعرفة، والمطالعة الواسعة، والاشتباك الحي مع عيون التراث والثقافة العربية.
صنعة القلم: صقل أدواته حتى أصبح مالكاً لناصية البيان العربي، ومتفرداً بأسلوب يجمع بين متانة التراكيب اللغوية وعمق الرؤية النقدية، مما جعل قلمه علامة بارزة في فن المقالة الأدبية والثقافية.
3. الملامح النقدية والمنهج الأسلوبي
تفكيك النصوص: عُرف بدقته وحرافته النقدية في مقاربة النصوص الأدبية (كالشعر والقصة والسرد)، حيث لا يتوقف عند السطح الدلالي، بل يغوص في البنى الأسلوبية والتأويلية لاكتشاف جماليات النص وخباياها.
الاشتباك الثقافي: تتسم كتاباته بالعمق الفكري والقدرة على قراءة التحولات النصية والثقافية، ممّا جعل مقالاته وقراءاته النقدية محط اهتمام ومتابعة في العديد من المنصات والدوريات الثقافية العربية الوازنة (مثل منصة الحوار المتمدن وغيرها).
4. قضايا الهوية والرسالة الفكرية
حراسة الذاكرة: تشكل القضية الفلسطينية، وهموم الهوية، والدفاع عن الذاكرة الجمعية محاور الجاذبية الأساسية في مشروعه الكتابي؛ فالكلمة لديه ليست مجرد إبداع جمالي عابر، بل هي أداة مقاومة وثبات وجودي.
الوفاء للتراث واللغة: يظهر في نصوصه شغف كبير باللغة العربية باعتبارها الحصن الأخير للهوية، مع اشتغال دائم على ربط الماضي بالحاضر، واستنطاق التراث بروح نقدية معاصرة ترفض الانكفاء وتتطلع إلى الإضاءة والشهادة على العصر.
خلاصة:
يمثل طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد) نمط المثقف الملتزم بقضايا شعبه وأمته، الذي اتخذ من الكلمة الصادقة والمقالة الرصينة خندقاً للدفاع عن البقاء الجميل والذاكرة التي لا تموت، طامحاً دوماً إلى إعلاء شأن النص الأدبي والنقدي في وجه التهميش والنسيان.
ثائر ضهد الاسدي
بذكر الله وبحمده تباركت جمعتكم طيبة عاطرة ودعوات بإذن الله تعالىٰ مقبولة مجابة.
حين نقف أمام قامة أدبية ومعرفية سامية يشار لها ببنان الإعجاب والإعتزاز والفخارممثلة بشخص الأستاذ الدكتور الجليل الموقر (طه دخل الله عبدالرحمن) فأننا نجد أنفسنا نقف أمام مدرسة شمولية مميزة بالأدب والثقافة ومكارم الأخلاق ورمز الإبداع الذي يجدر بنا أن نرفع لحق قدره الكريم الكبير قبعة التحية والسلام بأدب عال وإكرام تحية من القلب مقرونة بعظيم الود والاحترام لهذه الشخصية المثقفة الراقية ودعوات خالصات مخلصات بتمام العافية والسعادة والهناء بوركتم بما تقدمون وبما تنفعون أساتذتنا الفضلاء الأكارم.
Saloua Filaly
ثائر ضهد الاسدي
Saloua Filaly
ثائر ضهد الاسدي
الأستاذ الأديب ثائر ضهد الأسدي،
حين يكتب أهل الوفاء عن أهل الفكر، لا تكون الكلمات مجرّد ثناء، بل تصبح شهادةً من قلبٍ عرف قدر الكلمة وأهلها. وقد جاءت تحيتكم للدكتور طه محمّلةً بذلك الصفاء الذي يرفع التقدير من مجرّد مجاملة إلى عرفانٍ يليق بالمقام.
أجمل ما في كلماتكم أنها لم تكتفِ بالإشادة بقامته الأدبية والمعرفية، بل قرأت ما وراء الحرف: أدبه، وأخلاقه، وإنسانيته، وما يتركه حضوره من أثرٍ طيب في مجالس الفكر والثقافة.
هكذا يكون الوفاء حين يصدر عن قلمٍ نبيل؛ يُكرم القامة دون أن يثقلها بالمديح، ويمنح الكلمة حقّها دون أن يفقدها صدقها.
بورك هذا الحسّ الرفيع، وهذه الروح التي تعرف كيف تضع التحية في موضعها، وكيف تجعل من الدعاء أصدق خاتمةٍ للثناء.
كل التقدير لك، أستاذ ثائر، ولقلمٍ يجمع بين جزالة العبارة ونبل الشعور
ثائر ضهد الاسدي
Saloua Filaly
تتقزم منتقاة معاني الثناء والعرفان بأدب عال وإكرام واحترام أمام مقامك السامي الكريم اديبتنا أيقونة الادب والثقافة ومحاسن الأخلاق الأستاذة الدكتورة سلوىٰ فيلالي..شكرا لسطورك الجميلة بما حملت من فن الكلمات الأجمل رعاك الله بعافية وسعادة وهناء وبعلو سان عظيم كنجمة مبدعة تعلوا بسماء المبدعين والإبداع حفظك الله باوفىٰ دعاء.
Mohammed Mimouni
ثائر ضهد الاسدي أسعدتني كلماتكم عن أستاذنا الدكتور طه عبد الرحمن، وهي كلمات لا تزيد قامته بقدر ما تكشف عن ذائقة صاحبها في تقدير أهل العلم والفكر. فالقامات الحقيقية لا تحتاج إلى من يرفعها، وإنما تحتاج إلى من يقرأ أثرها بعيدًا عن ضجيج الألقاب.
وفي زمنٍ أصبح فيه كثير من الكلام يرفع الصوت أكثر مما يرفع المعنى، يبقى احترام الفكر والعلم والأخلاق موقفًا في حد ذاته. ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله أمام الكلمة الكبيرة أن نمنحها آذانًا صاغية وعقولًا يقظة، لا مجرد تصفيق عابر.
شكرًا لهذا النبض الجميل، وشكرًا لهذه الروح التي تعرف كيف تجعل من التحية موقفًا ومن الدعاء محبة. أسأل الله أن يجعل جمعتكم نورًا وسكينة، وأن يبارك في أعماركم وأقلامكم، وأن يجمعنا دائمًا على ما يرفع قدر الكلمة والإنسان.
جمعة طيبة عطرة عليكم، وعلى كل من يجعل من المعرفة طريقًا للخير، ومن الأدب خلقًا قبل أن يكون كلامًا.
طه عبد الرحمن
ثائر ضهد الاسدي الأستاذ الكريم ثائر ضهد الأسدي،
تباركت كلماتكم كما تباركت جمعتكم، وجزاكم الله عن طيب الدعاء، وصدق الوفاء، وجميل الثناء خيرَ الجزاء. لقد جاءت عباراتكم نديّةً كالغيث، ساميةً كالدعاء، تحمل من نقاء السريرة ما يسبق الحروف إلى القلب، ومن رقيّ الخُلُق ما يجعل الشكر واجباً والامتنان شرفاً.
إن ما تفضّلتم به من ثناءٍ كريمٍ ليس إلا دليلاً على أصالة معدنكم، وسموّ ذائقتكم، وحسن ظنكم الذي أرجو أن أكون عنده دائماً. فالكلمة الطيبة صدقة، وأنتم أجدتموها قولاً، وألبستمُوها من المحبة والدعاء أجمل حللها، فكان لها في النفس وقعُ البلسم، وفي القلب مقامُ التقدير.
لكم مني خالص الشكر، وصادق الدعاء: أن يفيض الله عليكم صحةً وعافيةً، وسكينةً وهناءً، وأن يبارك في أعماركم وأهلكم وأقلامكم، ويجعل أيامكم عامرةً بالنور والخير والرضا. دمتم أخاً كريماً، وصوتاً نبيلاً، وقلباً يزرع الودّ حيثما حلّ.
Mohammed Mimouni
ثائر ضهد الاسدي أستاذنا الكريم، وأصدقائي الأعزاء،
هذه الأسئلة دفعتني، وأنا أقرأها، إلى سؤال واحد يكاد يختبئ خلفها جميعًا: ماذا يبقى من إنسانية الأدب حين تتكاثر حوله الوصايات؛ أيديولوجية كانت أم رقمية أم سوقية، وحين تدخل الآلة نفسها إلى غرفة الكتابة؟
في الأدب الملتزم والمقاومة، لا أرى المشكلة في الالتزام؛ فالكاتب ليس مطالبًا بأن يتخلى عن ذاكرته أو قضيته حتى يصبح أدبه «محايدًا». لكنني أخشى اللحظة التي تتحول فيها القضية إلى قفص، فيصبح مطلوبًا من الشخصية أن تكون بطلة دائمًا، ومن النص أن يهتف دائمًا. فالإنسان الحقيقي أكثر تعقيدًا من شعار، والمقاومة نفسها تفقد شيئًا من إنسانيتها حين نحول أصحابها إلى أبطال من ورق لا يخطئون ولا يخافون ولا يترددون.
وفي الذكاء الاصطناعي، ربما لا يكون السؤال: هل تستطيع الآلة أن تكتب؟ بل: هل تستطيع أن تعيش ما تكتب عنه؟ قد تصف الخوارزمية الحنين، لكنها لا تحنّ؛ وقد تبني نصًا عن الفقد، لكنها لا تفقد. وهنا تكمن قيمة التجربة البشرية، لا في اللغة وحدها، بل في ذلك الشيء الذي لا يُنسخ بسهولة: أن يكون وراء الكلمة إنسان دفع ثمنها من حياته.
أما سوداوية الأدب، فلا أعتقد أن الكاتب مطالب بأن يوزع الأمل على القراء توزيعًا مجانيًا. أحيانًا يكون كشف الجرح نوعًا من الأمل، لأن إنكار الألم ليس تفاؤلًا. لكنني أيضًا لا أطمئن إلى أدب يجعل من اليأس بطولة جمالية؛ فالظلام إذا أصبح غاية، فقد يتحول هو الآخر إلى قفص.
وأما الجمهور الرقمي، فهنا المفارقة أكثر دهاءً: كان الكاتب يخشى أن تمنعه السلطة من الكلام، فأصبح أحيانًا يخشى أن يغضب الجمهور. والأسوأ أن الكاتب قد يبدأ بمراقبة نفسه قبل أن يراقبه أحد. وربما كان أخطر أنواع الرقابة تلك التي تدخل إلى رأس الكاتب وتجلس هناك متخفية في هيئة «إعجاب الجمهور».
وفي مسألة الكتابة بعين المترجم والجوائز، لا أرى عيبًا في أن يصل الأدب العربي إلى العالم؛ العيب أن يبدأ الكاتب في صناعة نصه وفق الصورة التي يتوقع أن يحبها الآخر. العالمية لا تعني أن نمحو خصوصيتنا، بل ربما العكس تمامًا: أن نذهب إلى العالم بما نحن عليه، لا بما يريد منا أن نكون.
لهذا أميل إلى أن السؤال الأكبر ليس: كيف ينتصر الأدب على الآلة أو السوق أو الجمهور أو الأيديولوجيا؟
بل: كيف ينتصر الكاتب على إغراء أن يصبح نسخةً مما يريد الآخرون منه أن يكون؟
وهنا أترك السؤال مفتوحًا لأستاذنا أبي مراد وللأصدقاء؛ لأنني أخشى أن أجد نفسي، وأنا أبحث عن جواب، قد ارتكبت خطيئة إغلاق السؤال الذي جئنا أصلًا لنفتحه.
فضيل حاج بن عدة
والان اسمح لنا يا دكتور طه عبد الرحمن دخل الله استاذنا ومعلمنا الرائع المتميز جدا بطريقة نقده وفلسفته العميقة جدا ان نخوض هذا الحوار الادبي على منتدى شعاع للادباء والشعراء العرب في هذا البرنامج الذي اعده الدكتور محمد ميموني وبرعاية عميد منتدى شعاع للادباء والشعراء العرب الدكتور محمد ابو خروب العبادي وبتاطير الطاقم الاداري من طرف الدكتور مصطفى محمد كور شيخ و الدكتور فوزي ابراهيم العدوي والدكتورة والاديبة المتالقة سلوى فيلالي ان نضع بين ايديكم هذه الاسالة راجين منكم الاجابة عليها حتى نتمكن من تفجير حوار ادبي يليق بمنتدى شعاع للادباء والشعراء العرب اما بعد؛
برنامج لقاء الأسبوع -
تقديم: الدكتور محمد ميموني
برعاية: عميد منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب الدكتور محمد أبو خروب العبادي - رئيس مجلس الإدارة
السائل: البروفيسور فضيل حاج بن عدة - صاحب نظرية القراءة فوق القراءات
الضيف: الناقد والمحلل الأسطوري الدكتور طه عبد الرحمن دخل الله
الأسئلة العشرون - من العهد الذهبي
1. سؤال الأبجدية الأولى:
يا دكتور طه، إذا كانت الأبجدية العربية خُلقت قبل أن يُخلق النحو، فهل كان الحرف الأول الذي نطق به آدم حرفاً عربياً يحمل سر الائتمان؟
2. سؤال اللوح والقلم:
أنت محلل النصوص، فهل النص الذي كُتب في اللوح المحفوظ يحتاج إلى ناقد، أم أن الناقد هو من يحتاج أن يُقرأ هناك؟
3. سؤال البركان الأول:
في العهد الذهبي كان الشاعر إذا غضب انفجر بركاناً.. فهل مات البركان في الشاعر الحديث، أم أن الشاعر هو من مات داخل البركان؟
4. سؤال الميزان الذهبي:
إذا وضعنا كلمة "الحق" في ميزان الذهب يوم كان الذهب لا يُوزن إلا بالحق، فكم وزنها عندك اليوم في زمن صار الحق يُوزن بالذهب؟
5. سؤال صمت الكعبة:
المعلقات عُلقت على الكعبة لأن الكعبة كانت تسمع.. فإذا كانت كعبة اليوم هي قلب الإنسان، فهل لا يزال القلب يسمع المعلقات؟
6. سؤال الجرح المقدس:
هل الجرح الذي لا ينزف دماً بل ينزف حروفاً، هو جرح شاعر أم جرح نبي أضاع قومه الطريق؟
7. سؤال قراءة فوق القراءة:
إذا قرأنا الآية قراءة، وقرأنا قراءتنا لها قراءة ثانية، فمن يقرأ قراءتنا حين نكون نحن النص؟
8. سؤال حكم فوق حكم:
إذا كان لكل حكم حاكم، فمن يحكم على الحاكم حين يكون الحكم هو البركان نفسه؟
9. سؤال العرش والكرسي:
أنت قلت: نحن لا نبدأ المعارك.. فهل عرش الفيلسوف الحقيقي هو كرسيه الذي يجلس عليه، أم صبره الذي يجلس فوقه؟
10. سؤال الزيتون والدم:
شجرة الزيتون في القدس عمرها ألف عام.. هل هي شجرة تثمر زيتوناً، أم شجرة تثمر شهداء؟
11. سؤال الطفل والحجر:
الطفل يحمل حجراً صغيراً في وجه دبابة.. في ميزان العهد الذهبي، من الأثقل: الحجر أم الدبابة؟
12. سؤال المروءة:
قلنا: نتجاوز ما دام التجاوز مروءة.. فهل المروءة اليوم ضعف يُفسر خوفاً، أم قوة لا يفهمها إلا صاحب البركان؟
13. سؤال القناع:
في العهد الذهبي كان الرجل يُعرف بوجهه.. واليوم يُعرف بقناعه.. فهل مهمة الناقد أن يسقط القناع، أم أن يثبت أن القناع نفسه هو الوجه؟
14. سؤال الكلمة التي لا تموت:
إذا مات كل الشعراء وبقيت كلمة واحدة حية لا تموت، فهل ستكون كلمة "لا" التي قالها الأحرار، أم كلمة "نعم" التي قالها الأنبياء؟
15. سؤال الوعد:
وعد الله حق.. ووعد الشاعر حلم.. فكيف نجعل حلم الشاعر يصل إلى مرتبة وعد الله؟
16. سؤال الفناء:
إذا فني كل شيء وبقيت قصيدة واحدة معلقة في الفراغ، فهل ستكون قصيدة حب، أم قصيدة حرب، أم قصيدة صبر؟
17. سؤال السر الأكبر:
ما هو السر الذي عرفته بعد أربعين عاماً من التحليل والنقد، ولو عرفته في أول عام لغيرت كل مسيرتك؟
18. سؤال المرآة:
أنت تحلل النصوص منذ العهد الذهبي.. فهل رأيت وجهك يوماً في مرآة نص حللته، فخفت من نفسك؟
19. سؤال البركان الكوني الأخير:
أنا أقول: البركان الكوني إذا ثار صهر كل القوانين.. فهل آن للبركان الكوني العربي أن يثور ليصهر قانون الخوف الذي زرعوه فينا؟
20. سؤال الخلود - سؤال من قال للكون كن فيكون:
يا دكتور طه، لو وقفت الآن أمام من قال للكون كن فيكون، وسألك: ماذا تركت للعرب من بعدك كلمة لا تمحوها الريح.. ماذا ستقول؟
طه عبد الرحمن
فضيل حاج بن عدة
Mustafa Muhammad Kor Sheikh Fawzy Ibrahim د.محمد ابو خروب العبادي زهرة البيلسان حسن سماح ياقوت درويش Jiries Eid Azza Kamel هيثم الهجري فؤاد محمود دودين Rajae Filaly Mohammed Mimouni Haidar Ali Otoom ابو بكر البطوش Naceur Nouira Casandra Sahli Youssef Boulaabi الملكه سبأ نسمة الفجر Saloua Filaly الإعـلامي ولــيد شيـخ أحــمد ليلى الجوهري الشاعر رضا بوقفة عماد حسو Ahmed Bayou Mahmoud Ajloni طه عبد الرحمن توفيق عبدالله حسانين Kazem A Ahmad د. حمزة جميل جانم على احمد المصرى إبراهيم النمر ثائر ضهد الاسدي منى السيد حمود
Kazem A Ahmad
فضيل حاج بن عدة إنه لموعد ننتظره كانتظار اكتمال البدر في ليلة صافية نقية... نستمد الجمال و البهاء
من درر نوره.. ومن حروف هذه القامة التي تفرض
للمتلقي أن يقيم لها نزلا مسرورا و حضورا ميسورا
برحيق الضاد و المعاني و نبض الإحساس و حس الأمانة و وزرها على الكاهل.
لكم التحية الكبرى والتقدير و الإحترام ولضيفكم وضيفة كل الهناء والتحية والتقدير و الإحترام
وتمام التوفيق بعون الله..
Haidar Ali Otoom
فضيل حاج بن عدة السؤال الثاني الذي كتب اللوح المحفوظ يعرض على ناقد وانا اجيب وهل الذي كتب في اللوح المحفوظ انسان ام ملائكة والجواب الملائكة مامورين بالكتابة
Fawzy Ibrahim
فضيل حاج بن عدة
أخي البروفيسور فضيل، إن سر الائتمان بدأ منذ الأزل، وحين علم الله آدم الأسماء كلها، كانت الأبجدية العربية هي وعاء البيان الأكمل. في ضوء الكتاب والسنة، يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، والاسم لا يكون إلا بحرف يحمل سر الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض. الحرف العربي الأول كان نطقاً بالتوحيد والائتمان، وحمل باطن السيرة الإنسانية قبل أن يأتي النحو ليضبط ظاهرها.
Mohammed Mimouni
Fawzy Ibrahim أخي الدكتور فوزي لعل أجمل ما في حديثك أنك نقلت الحرف من كونه أداةً للكتابة إلى كونه سؤالًا عن أصل المعنى.
لكنني أحب أن أشاكس الفكرة قليلًا: إذا كان الله قد علّم آدم الأسماء، فربما لم تكن المسألة في الحرف وحده، بل في القدرة الإنسانية على أن يمنح الأشياء أسماءها، وأن يحوّل العالم من مجرد وجودٍ صامت إلى عالمٍ قابل للفهم والتأويل.
أما الحرف، فربما كان الوعاء، لكن السر الحقيقي قد يكون في المعنى الذي نحمّله له، وفي الأمانة التي تجعل الكلمة مسؤولية لا مجرد صوت.
ولهذا أرى أن اللغة لا تبدأ حين ننطق الحرف، بل حين ندرك أن ما نقوله يمكن أن يغيّر شيئًا في الإنسان.
وربما هنا يلتقي الإيمان بالفلسفة: الكلمة ليست مجرد ما نقوله، بل ما نتحمل مسؤوليته بعد أن نقوله.
دمت مشاكسًا للمعنى، أخي فوزي
Fawzy Ibrahim
Mohammed Mimouni
أخي الحبيب ومشرفنا القدير الدكتور محمد ميموني،
طاب مساؤك وكل أوقاتك بنور الوعي وبصيرة المعرفة. مشاكساتك دائماً تأتي في مقام الإضاءة التي تفتح للنص آفاقاً أرحب، وهي ما يجعل لقاءنا الليلة هِرماً فكرياً نعتز به.
ودعني أشاكس إشراقتك الذكية بفيض من أنوار التنزيل؛ فحين نقف أمام قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، يتبدّى لنا في عمق التفسير والتدبر أن المقصود بالأسماء هنا لم يكن مجرد الألفاظ والمسميات الجامدة، بل هو كل ما هو قابل للتعلم والتأويل وإدراك حقائق الأشياء وأسرار الوجود التي أودعها الله في الفطرة الإنسانية.
هذا التعليم الإلهي هو الذي منح الإنسان أهلية "سر الائتمان"، وحوّل الوجود الصامت إلى عالمٍ ناطق بالمعنى وقابل للفهم. ولكن، لكي نظل في دائرة التواضع المعرفي الذي علّمتنا إياه هذه الآيات العظيمة، فإن العقل البشري—مهما أوتي من قدرة على التأويل وتحميل الوعاء بالحرف—يبقى عاجزاً وقاصراً أمام العلم الإلهي المحيط، مصداقاً لقوله جل وعلا: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
ولذلك، عندما عجزت الملائكة الأطهار أمام هذا السر، كان لسان حالهم وحال كل ذي بصيرة هو الإقرار والاعتراف: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
إذن، يا دكتور محمد، اللغة والأسماء هي طاقة العلم والتعلم التي وهبها الله لآدم، والمسؤولية الحقيقية ليست في نطق الحرف، بل في صون هذه الأمانة التعليمية والمعرفية لكي تغيّر في الإنسان وتنهض بوعيه، دون أن ننفصل عن منبعها الإلهي الأول.
أشكرك لأنك جعلتَ الحوار الليلة يلامس شغاف التدبر الروحي والفكري السامق
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Fawzy Ibrahim
فضيل حاج بن عدة
النص المكتوب في اللوح المحفوظ هو نص إلهي متعالٍ، مُنزّه عن مشرط الناقد البشري؛ فالقرآن واللوح هما البصيرة الهادية التي تَقْرأ الإنسان ولا تُقْرأ به. الناقد العضوي هو من يجثو على ركبتيه أمام اللوح طلباً للنور، فالنص الإلهي يحلل هشاشتنا ويكشف عورات نفوسنا، والناقد الحقيقي هو من يرجو أن يُكتب هناك في صحائف المقبولين
Fawzy Ibrahim
فضيل حاج بن عدة
في هذا العهد الحديث، لم يمت البركان ولم يمت الشاعر داخل البركان، بل ما مات هو "صدق الثورة". الشاعر الحديث انشغل ببريق المنصات وزينة اللفظ، فخمد الجمر وتحول إلى رماد. الشاعر الحقيقي—ابن الخندق—هو الذي يظل بركاناً يغلي بالحق، ولا يبرد أبداً ما دام يرى وطنه يُسلب وهويته تُحاصر.
في زمن تضخم المادة، صار الحق يُوزن بالذهب في أسواق البشر؛ أما في ميزان السماء وفي وعي الأدب الملتزم، فالذهب كله تراب إذا قُورن بكلمة حق عند سلطان جائر، كما علّمنا المصطفى ﷺ. وزن كلمة "الحق" اليوم هو أثقل من رواسي الأرض، لأنها الكلمة التي ندفع ثمنها من دمنا وحريتنا في خنادق الصمود.
نعم، لا يزال قلب الإنسان يسمع المعلقات ويسمع ما هو أعظم منها؛ فالقلب هو موضع الإيمان والتدبر ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾. إذا كانت الكعبة الظاهرة قبلة الأجساد، فالقلب الطاهر هو كعبة المعاني؛ وحين يكون القلب حياً، يظل يسمع تراتيل الصمود ويستقبل قوافي الأحرار ويشعر بوجع الذاكرة
Fawzy Ibrahim
فضيل حاج بن عدة
الجرح الذي ينزف حروفاً هو جرح المثقف الملتزم بقضية شعبه، وهو امتداد لرسالات الأنبياء الذين أوذوا في سبيل الكلمة. الأدب ليس نبوة، ولكنه يحمل قبساً من مشكاتها حين يرفض الظلم؛ فالشاعر الذي ينزف حرفاً صادقاً هو الذي يحرس الوعي كي لا يضل قومه الطريق في عتمة التزييف والتطبيع.
حين نتحول نحن إلى "النص"، فإن من يقرأنا هو التاريخ، وتلقي الأجيال، وقبل ذلك عين الله التي لا تنام ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. القراءة فوق القراءة تجعلنا نراقب ضمائرنا؛ فحين يُقرأ أثرنا، تنكشف نوايانا، ويصبح القارئ هو الشاهد على صدق انتمائنا للأرض والهوية.
عندما يكون الحكم هو البركان نفسه—أي الثورة الصادقة على القبح والزيف—فإن الحاكم عليه هو "الحق المطلق" وضمير الأمة الجمعي. لا حاكم على البركان إلا الله الذي أوقد جذوته في صدور الأحرار، والنقد هنا يتنحى ليصبح صدىً لهذا الانفجار الوجداني الذي يصهر القوانين الجائرة.
لقد قلتُ ونكرر: نحن لا نبدأ المعارك.. وعرش المفكر والناقد ليس كرسياً من خشب أو منصة عابرة، بل هو "صبره الجميل" فوق جمر الابتلاء والمحو. الصبر هو المقاومة الصامتة التي تسبق العاصفة، والمثقف العضوي يجلس على صبره في أرض الجليل كأنه يجلس على عرش الخلود.
زيتون القدس وفلسطين ليس شجراً نباتياً مجرداً؛ إنه شجرٌ روى بالدم أصله فثبتت جذوره. هي شجرة مباركة بنص القرآن ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾، تثمر زيتاً يضيء العتمة، وتثمر شهداءً يفتدون الأرض بأرواحهم. كل غصن زيتون في أرضنا هو قصة شهيد كتب بدمه وثيقة التجذر والوجود.
Fawzy Ibrahim
فضيل حاج بن عدة
في ميزان العهد الذهبي وميزان الحق الإلهي، الحجر الصغير في يد الطفل أثقل وأعتى من كل الدبابات؛ لأن الحجر محمولٌ بقوة العقيدة والإيمان بالحق، بينما الدبابة محمولة بالباطل والخوف المقنع. الحجر يمثل إرادة البقاء، والدبابة تمثل آلية الفناء؛ والإرادة دائماً تهزم الآلة.
التجاوز والعفو عند المقدرة هو ذروة المروءة والنبل الإسلامي والعربي؛ لكن التجاوز لا يكون ضعفاً إلا إذا كان عن عجز. المروءة اليوم في زمن الانكسار هي قوة كافّة كظومة، لا يفهمها إلا صاحب البركان الذي يعرف متى يصمت إجلالاً، ومتى ينفجر حقاً ليدك عروش الزيف والظلم.
في زمن العولمة والرقمية، كثرت الأقنعة وزُيفت الوجوه؛ ومهمة الناقد الأسلوبي التفكيكي ليست مجرد إسقاط القناع، بل إثبات أن هذا القناع خاوٍ ولا وجه تحته. الناقد يعيد الإنسان إلى فطرته الأولى التي خلقه الله عليها، وينتزع مساحيق التجميل الفكرية ليبقى الوجه العربي الصادق ناصعاً.
الكلمة التي ستبقى حية في الفراغ هي مزيجٌ بين الكلمتين:
هي كلمة "لا" التي يقولها الأحرار في وجه الطغيان والمحو، وهي ذاتها كلمة "نعم" التي قالها الأنبياء طاعةً لله وللحق. إن "لا" بوجه الباطل هي الوجه الآخر لـ "نعم" بوجه الحق والائتمان، وبينهما يقوم صرح الحرية.
وعد الله مفعول ومحقق، ووعد الشاعر حلم يرتجيه؛ ولكي يصل حلم الشاعر إلى أفق الوعد الإلهي، لا بد أن يتطهر الحرف من الأنانية والزيف ويصبح صدىً للحق. حين يكتب الشاعر بدمه من أجل كرامة الإنسان وعدالة قضيته، يتحول حلمه إلى نبوءة فنية تقترب من حتمية النصر الموعود.
إذا فني كل شيء وبقيت قصيدة واحدة في الكون، فستكون «قصيدة الصبر»؛ لأن الصبر هو الحبل الممتد بين الأرض والسماء، وهو الوعاء الذي يحفظ الحب من الابتذال، ويحمي الحرب من الهمجية. الصبر هو الذي أبقانا في أرض الجليل، وهو الذي سيُعيدنا إلى قرية "شعب" التاريخية.
السر الأكبر الذي عرفته بعد أربعين عاماً هو: أن النص الأدبي ليس بنية لغوية مغلقة، بل هو كائن روحي وأخلاقي حركي. لو عرفت هذا في أول مسيرتي، لما أضعت يوماً واحداً في المناهج الغربية الجافة، ولجعلت كل نقدي نابعاً من إبستمولوجيا القرآن والبيان العربي الأصيل
نعم، رأيت وجهي وخفت؛ فكلما حللت نصاً صادقاً يقطر وجعاً وهوية، كنت أرى في مرآته تقصيري وعجزي أمام تضحيات شعبي. النص الحقيقي مرآة مرعبة، تعري الناقد وتواجهه بمسؤوليته الوجودية، وتسأله: ماذا قدمت بحبرك لمن يقدمون دماءهم في خنادق الثبات والوجود؟
لقد آن لهذا البركان أن يثور، وثورته الحقيقية تبدأ من «ثورة الوعي والضمير»؛ صهر قانون الخوف لا يكون بالضجيج العابر، بل بالعودة إلى ينابيع العزة في كتاب الله وسنة نبيه، واستعادة الثقة بالأبجدية والهوية العربية، وحين ينصهر الخوف في الأنفس، ينصهر في الواقع تلقائياً.
لو وقفت بين يدي من قال للكون كن فيكون، وسألني ماذا تركت للعرب من بعدك، سأقول بقلب خاشع ولسان موحد: يا رب، لقد تركت لهم كلماتٍ حثثتهم فيها على حفظ الأمانة، والتمسك بحصن اللغة العربية، وحراسة الذاكرة من المحو، والجهاد بالحرف والبيان الصادق ضد كل زيف، لعلها تكون شاهداً لي لا عليّ
Mohammed Mimouni
المحور الأول: أخلاق الكتابة
مسؤولية الكلمة مقابل حرية الإبداع
السؤال الأول:
أستاذنا الكريم طه، ننطلق من سؤال الجوهر والبوصلة؛ فالأديب حين يكتب يريد أن يكون حرًا، لكن الكلمة التي يطلقها لا تبقى دائمًا ملكًا لصاحبها، إذ تدخل حياة الآخرين وتترك أثرها فيهم.
فأين تنتهي حرية المبدع، وأين تبدأ مسؤوليته؟ وهل يستطيع أن يكون حرًا في الكتابة دون أن تتحول الحرية نفسها إلى ذريعة للعبث أو إلى انفصال عن إنسانية الإنسان؟
طه عبد الرحمن
Mohammed Mimouni حريةُ المبدع تبدأ من حقّه في أن يرى بعينيه، وأن يشعر بقلبه، وأن يقول ما يراه ويشعر به من غير وصايةٍ تُصادر خياله أو تُملي عليه شكل الحقيقة. فالأدب لا يُولد في هواء الممنوع، ولا يزدهر حين يُطلب من الكاتب أن يكون صدىً لغيره؛ لأن القلم الذي لا يملك شجاعة السؤال لا يستطيع أن يمنح الناس بصيرة الجواب. لكن الحرية، في جوهرها، ليست أن يقول الإنسان كل ما يقدر على قوله، وإنما أن يعرف لماذا يقوله، ولمن يقوله، وماذا يترك قوله في الأرواح بعد أن يغادره.
تنتهي حرية المبدع، في تقديري، عند الحدّ الذي تتحول فيه الكلمة من كشفٍ للحقيقة إلى اعتداءٍ على كرامة الإنسان، ومن مساءلةٍ شجاعة إلى تشهيرٍ رخيص، ومن هدمٍ ضروري للأوهام إلى هدمٍ متعمّد لما يحفظ للناس إنسانيتهم. فليس كل ما يمكن كتابته يستحق أن يُكتب، وليس كل ما يثير الضجيج يستحق أن يُسمّى إبداعًا. هناك فرقٌ بين أن تفضح القبح كي تقاومه، وبين أن تجمّله أو تنشره بحجة الجرأة؛ وفرقٌ بين أن تنزل إلى جراح المجتمع لتكشف أسبابها، وبين أن تعبث بها لتزيدها نزفًا.
المسؤولية لا تأتي إلى المبدع من خارج حريته كقيدٍ شرطيّ أو رقيبٍ يجلس على كتفه، بل ينبغي أن تنبع من داخل ضميره. إنها ليست شرطًا يقتل الفن، بل هي ما يمنح الفن قيمته الإنسانية. فالكلمة التي لا تحمل في أعماقها قدرًا من الرحمة والصدق تصبح، مهما ازدانت بالبلاغة، بناءً جميلًا بلا سكان؛ أما الكلمة التي تعرف وجع الناس وتخاطب عقولهم بلا استعلاء، فهي التي تعيش وتبقى، لأنها لا تطلب إعجابًا عابرًا، بل تؤسس أثرًا في الوعي والذائقة.
والمبدع ليس واعظًا مطلوبًا منه أن يوزع الأحكام، ولا موظفًا لدى السلطة أو المجتمع، ولا ملزمًا بأن يقدّم دائمًا حلولًا جاهزة. وظيفته الأعمق أن يفتح النوافذ المغلقة، وأن يوقظ الأسئلة النائمة، وأن يضع الإنسان أمام صورته بما فيها من نورٍ وعتمة. لكنه حين يفعل ذلك لا يملك أن يتنصل من أثر صورته؛ فالمرآة الصادقة لا تُهين من يقف أمامها، بل تكشفه كي تمنحه فرصةً لأن يرى نفسه ويغيّر ما يستطيع تغييره.
إن الحرية التي تنفصل عن الإنسان تتحول إلى فوضى باردة، والمسؤولية التي تنفصل عن الحرية تتحول إلى رقابة عمياء. وبين الفوضى والرقابة يقف الأدب الحقيقي، حرًّا في رؤيته، أمينًا في لغته، شجاعًا في نقده، رحيمًا في مقصده. فالمبدع لا يُسأل فقط عمّا كتبه، بل عن الأفق الذي فتحه بكلماته: هل أضاف إلى العالم وعيًا أم ضبابًا؟ هل جعل الإنسان أقدر على الفهم، أم أشدّ قسوةً على أخيه؟ هل حرّر الروح من خوفها، أم حرّر الغرائز من كل حدٍّ أخلاقي؟
لذلك أرى أن الحرية ليست رخصةً للعبث، كما أن المسؤولية ليست دعوةً إلى الخوف. الحرية هي أن تملك شجاعة التعبير، والمسؤولية هي أن تملك شجاعة المحاسبة الذاتية قبل أن يحاسبك الآخرون. وحين يجتمع في الكاتب قلبٌ حرّ وضميرٌ يقظ، تصبح الكلمة فعلَ جمالٍ ومقاومةٍ وبناء؛ لا سيفًا على الإنسان، بل ضوءًا يرافقه في عتمة الطريق.
Mohammed Mimouni
طه عبد الرحمن أستاذنا الكريم، لعل أجمل ما في طرحكم أنكم لم تضعوا الحرية والمسؤولية في طرفي نقيض، بل جعلتم المسؤولية نابعة من صميم الحرية نفسها.
وأضيف من زاوية أخرى: إن المبدع لا يتحرر فقط حين يتخلص من الوصاية، بل حين يتحرر أيضًا من إغراء التصفيق. فهناك وصاية ظاهرة تمنع القلم من الكلام، ووصاية خفية تدفعه إلى أن يقول ما يرضي الآخرين. وفي الحالتين يفقد المبدع شيئًا من صدقه.
لقد قلت ذات مرة: «الفنان في رأيي هو من عجز عن قطع علاقته بطفولته». وربما كانت هذه الطفولة هي آخر منطقة فينا لم تتعلم بعدُ كيف تكذب إرضاءً لأحد. لذلك أرى أن مسؤولية المبدع الأولى هي أن يبقى وفيًّا لذلك الجزء الصادق فيه، ثم يسأل نفسه قبل أن يسأل الآخرين: هل أكتب لأنني أريد أن أقول شيئًا، أم لأنني أريد أن أُرى؟
فالحرية التي لا تحرسها الأمانة قد تتحول إلى استعراض، والمسؤولية التي لا تحميها الحرية قد تتحول إلى رقابة. وبينهما يولد الأدب حين تصبح الكلمة أكثر من موقف؛ تصبح شهادةً على الإنسان، وعلى زمنه، وعلى ما استطاع أن يراه ولم يستطع الآخرون رؤيته.
وهنا ربما تكمن مشاكسة المعنى: ليست المسألة أين تنتهي حرية المبدع، بل كيف يستطيع أن يجعل حريته جديرة بالثقة.
Mohammed Mimouni
طه عبد الرحمن السؤال الثاني أستاذنا الكريم طه: في ظل الهيمنة المتزايدة للنزعات الاستهلاكية والفردية المطلقة، ألا ترون أن تخلّي الكاتب عن مسؤوليته الأخلاقية يساهم بطريقة أو بأخرى في تفكيك الروابط الروحية والوجدانية للمجتمع؟
Saloua Filaly
طه عبد الرحمن
دكتور طه، ما أعمق هذا التوازن الذي أقمتُم عليه فلسفةَ الإبداع: حريةٌ لا تُصادر، ومسؤوليةٌ لا تُحوِّل الأدب إلى قفص. لقد وضعتم الكلمة في موضعها الأجمل؛ حرّةً في رؤيتها، يقظةً في ضميرها، رحيمةً في أثرها.
وحين قلتم إن المبدع لا يُسأل فقط عمّا كتب، بل عن الأفق الذي فتحته كلماته، كنتم تضعون يدكم على جوهر المسألة: فالكلمة العظيمة لا تكتفي بأن تُسمَع، بل تجعل الإنسان يرى نفسه والعالم بوعيٍ أعمق.
قراءةٌ تليق بناقدٍ يعرف أن أرفع أشكال الحرية ليست غياب الحدود، بل امتلاك الضمير الذي يجعل الكلمة جديرةً بحريتها
Mohammed Mimouni
Saloua Filaly الكاتب الحقيقي لا ينظر إلى الحرية الإبداعية باعتبارها انفلاتًا من كل قيد، وإنما باعتبارها وعيًا بما تستطيع الكلمة أن تفعله في الإنسان. فالكلمة قد تفتح أفقًا، وقد تجرح، وقد تبني وعيًا أو تهدمه.
ولهذا لا أرى تعارضًا ضروريًا بين الحرية والأخلاق؛ فالحرية التي تصدر عن وعي ليست عبثًا، وإنما مسؤولية أعمق. والمبدع لا يفقد حريته حين يشعر بأثر كلمته، بل ربما تبدأ حريته الحقيقية من هذا الشعور بالمسؤولية.
المحور الثاني: اللغة العربية والمعنى
ابتكار المعاصرة دون فقدان الأصالة
طه عبد الرحمن
Mohammed Mimouni أستاذنا الكريم الدكتور محمد،
أرى أن الكاتب لا يملك ترف التخلّي عن مسؤوليته الأخلاقية، لا لأن الأدب منبرٌ للوعظ أو محكمةٌ لتوزيع الفضائل، بل لأن الكلمة حين تدخل وجدان الناس تصبح جزءًا من المناخ الذي يتنفّسونه. فالكاتب لا يكتب في فراغ؛ إنه يكتب داخل مجتمعٍ له ذاكرةٌ وجراحٌ وأحلامٌ وهشاشات، وكل نصٍّ يقدّمه إمّا أن يرمّم في الإنسان شيئًا من إنسانيته، أو يضيف شقًّا جديدًا إلى تصدّعه.
في زمنٍ تتضخّم فيه النزعة الاستهلاكية حتى يُقاس الإنسان بما يملك لا بما يكون، وتتقدّم الفردية المطلقة حتى يغدو الآخر عبئًا لا شريكًا، تصبح مسؤولية الكاتب أشدّ إلحاحًا. ذلك أن الأدب، في جوهره، فنّ إعادة الإنسان إلى الإنسان: أن يجعلنا نرى في الغريب وجهًا قريبًا، وفي الألم الخاص ألمًا قابلًا للمشاركة، وفي المصير الفردي خيطًا من نسيج المصير الجماعي. فإذا تخلّى الكاتب عن هذا الوعي، أو حوّل الحرية الإبداعية إلى ذريعة للعدمية واللامبالاة، فقد يسهم—ولو من غير قصد—في تطبيع القسوة، وتجميل الأنانية، وتفكيك ما تبقّى من الروابط الوجدانية والروحية بين الناس.
لكن المسؤولية الأخلاقية لا تعني أن يكتب الكاتب نصًّا مؤدّبًا ومباشرًا، ولا أن يفرض على القارئ خاتمةً جاهزة أو وصايةً فكرية. إنها، في تقديري، مسؤولية أعمق وأدق: أن يكون صادقًا في كشف الزيف، عادلًا في تمثيل الإنسان، رحيمًا في مقاربة ضعفه، وشجاعًا في مواجهة ما يُراد لنا أن نعتاده من قبحٍ وعزلةٍ واستهلاك. فالكاتب الحقيقي لا يبيع القيم في سوق الشعارات، لكنه يوقظها في القارئ عبر صورةٍ صادقة، وشخصيةٍ نابضة، وسؤالٍ يقلق القلب ولا يتركه كما كان.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الأدب ليس أن يصف الانهيار، بل أن يجعل الانهيار مألوفًا ومقبولًا بلا مساءلة. وأجمل ما يستطيع أن يفعله ليس أن يدّعي إنقاذ المجتمع، بل أن يحفظ فيه القدرة على التعاطف، والدهشة، والخجل من الظلم، والحنين إلى معنى أوسع من المنفعة العاجلة. لذلك أؤمن أن الكاتب مسؤول، لا بوصفه واعظًا فوق الناس، بل بوصفه إنسانًا بينهم؛ يحمل مصباحًا صغيرًا في عتمةٍ واسعة، وقد لا يبدّد الليل، لكنه يمنع الروح من أن تتعوّد الظلام.
Fawzy Ibrahim
طه عبد الرحمن
أستاذنا الغالي وقامتنا النقدية الكبيرة، الأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)،
أحييك تحية طيبة تليق بهذه الإجابة الرائعة والعميقة، التي لم تكن مجرد رد عابر، بل كانت درساً حقيقياً في "أخلاق الكتابة". لقد نجحت ببراعة في توضيح العلاقة بين الحرية والمسؤولية، وأثبتَّ أن ضمير الكاتب الحي هو الرقيب الحقيقي والوحيد على قلمه.
حين قلتَ: "إن الحرية التي تنفصل عن الإنسان تتحول إلى فوضى باردة"، وأن الأدب "لا يطلب إعجاباً عابراً، بل يترك أثراً في الوعي"؛ فإنك تفتح عيوننا نحن الشعراء والكتاب على الرسالة الحقيقية للكلمة.
ومن وحي كلامك القريب من القلب والعقل، أطرح عليك سؤالين نود الاستماع لرأيك فيهما:
• أولاً: الجرأة الحقيقية مقابل الابتذال:
لقد فرّقتَ بذكاء بين "كشف القبح لمحاربته" وبين "تجميله بحجة الجرأة". اليوم، نرى الكثير من الروايات والأشعار العربية تتعمد صدمة القارئ بكلمات وأفكار فجة بدعوى "الحرية"؛ فكيف يستطيع الناقد والأديب اليوم أن يحدد الخيط الفاصل الذي يحمي النص من الانزلاق إلى الابتذال والعبث بكرامة الإنسان، ودون أن يسقط—في الوقت نفسه—في فخ الخوف والرقابة؟
• ثانياً: توازن الكتابة بين جمال الفن ووجع القضية:
وصفتَ الكلمة بأنها "فعل جمال ومقاومة وبناء". ومن واقع جرحك وجذورك في أرض الجليل الأبيّ (شعب والبعنة)؛ كيف يستطيع المبدع الفلسطيني أن يدافع عن قضية شعبه ويحمي الذاكرة من النسيان، دون أن يتحول نصّه الأدبي إلى مجرد شعار سياسي جاف؟ وكيف يحافظ على جمالية الحرف والروح الفنية مع بقائه مخلصاً لوطن يكتوي بناره؟
المنصة تتشرف بوجودك أبا مراد، ونحن في كامل الإنصات لفيض قلمك وفكرك
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Fawzy Ibrahim
طه عبد الرحمن
أستاذنا الحبيب طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)،
سلمت يداك وفكرك على هذا الرد الذي يفيض إنسانية ووعياً. لقد أعجبتني جداً صورتك البليغة التي وصفت فيها الكاتب بأنه "يحمل مصباحاً صغيراً في عتمة واسعة، قد لا يبدد الليل، لكنه يمنع الروح من أن تتعود الظلام".
هذا هو بالضبط جوهر رسالتنا، أن نحمي أرواح الناس من الاعتياد على القبح أو القسوة.
وكما تفضلتَ، فإن الإبداع الحقيقي لا يبيع شعارات جاهزة، بل يعيد "الإنسان إلى الإنسان" ويوقظ فيه القدرة على التعاطف والدهشة.
ومن وحي هذا المصباح الصغير الذي تحمله، دعنا ننتقل معاً ومع أسرة منتدى شعاع إلى المحور الثاني من لقاء الأسبوع لنقترب أكثر من جراح هذا المصباح وجغرافيته:
• سؤال الذاكرة والجغرافيا:
أستاذنا الغالي، أنت ابن الجليل الأعلى، وجذورك ممتدة في قرية "شعب" التاريخية التي هُجّرت في النكبة، وتعيش في قرية "البعنة". كيف استطاعت هذه الجغرافيا المشحونة بالوجع أن تتحول في كتاباتك ونقدك الأسلوبي من مجرد "ذاكرة مأساة حزينة" إلى "طاقة مقاومة وبناء"؟ وكيف يرى الناقد الفلسطيني اليوم واجبه في حراسة الذاكرة الجمعية ضد محاولات الطمس والمحو؟
المنصة تفتح ذراعيها لحديثك الشيق، ونحن في شوق لإنصات تام.
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Mohammed Mimouni
طه عبد الرحمن أستاذنا الكريم، قرأت مداخلتكم بتمعّن، وشعرت أنكم لم تضعوا الكاتب أمام محكمة الأخلاق، بل أمام مرآة الضمير.
وأظن أن المسألة تبدأ من هنا: الكاتب لا يُسأل فقط عمّا قاله، بل عمّا يتركه قوله في الإنسان. فالكلمة قد تكون نافذةً نطل منها على أنفسنا، وقد تكون جدارًا آخر نضيفه إلى عزلتنا.
لكنني أتحفظ قليلًا على فكرة أن الأدب مطالب دائمًا بأن «يرمّم» الإنسان؛ فربما تكون مهمة الأدب أحيانًا أن يقلق هذا الإنسان، وأن يضع يده على الجرح دون أن يملك له دواءً جاهزًا. أنا أؤمن أن النص الذي يوقظ سؤالًا صادقًا فينا قد يكون أكثر أخلاقية من نصٍّ يقدّم لنا إجابة جميلة ومطمئنة.
لهذا أرى أن مسؤولية الكاتب لا تبدأ من الوعظ، بل من صدقه مع الكلمة، ومع نفسه، ومع هشاشة الإنسان الذي يكتب عنه. وحين يكتب بحرية دون أن يفقد ضميره، ودون أن يتحول إلى وصيّ على القارئ، يصبح الأدب مساحةً نادرة نلتقي فيها بالحقيقة دون أن تُفرض علينا.
وربما لهذا أقول دائمًا: ليست قيمة الكلمة في أنها تُخبرنا كيف نعيش، بل أحيانًا في أنها تمنعنا من أن نعيش دون أن نسأل: لماذا نعيش هكذا؟
شكرًا لهذه القراءة التي لم تغلق السؤال، بل فتحته على
سؤالٍ أوسع
أستاذنا الكريم طه: كيف يمكننا التمييز نقدياً بين "الأخلاق الفوقية أو الرقابة المسبقة" التي تقيد الإبداع، وبين "المسؤولية الأخلاقية الذاتية" التي يتبناها الأديب عن قناعة ووعي جمالي؟
طه عبد الرحمن
Mohammed Mimouni أستاذنا الكريم الدكتور محمد ميموني،
إنّ الفارق بين الأخلاق الفوقية والمسؤولية الأخلاقية الذاتية ليس فارقًا في مقدار القيود المفروضة على الكاتب فحسب، بل هو فارقٌ في مصدر القيمة، وفي طبيعة العلاقة بين المبدع والحرية، وفي الأثر الذي يتركه ذلك في جسد النص وروحه.
فالأخلاق الفوقية، أو الرقابة المسبقة، تأتي إلى النص من خارجه: من سلطةٍ تخاف السؤال، أو من عرفٍ يريد أن يجعل الأدب نسخةً مطابقةً من يقيناته، أو من مؤسسةٍ تمنح نفسها حقّ تحديد ما يجوز للخيال أن يراه وأن يقوله. وهي لذلك تبدأ بالمنع قبل الفهم، وبالاشتباه قبل القراءة، وبمحاكمة النية قبل تأمل العمل. لا تسأل: كيف صاغ الكاتب تجربته؟ ولا ماذا يكشف هذا القبح عن واقع الإنسان؟ بل تسأل على عجل: هل وافق النصّ ما نريد له أن يقول؟ ومن هنا تتحول الأخلاق إلى شرطةٍ على بوابة اللغة، ويصبح الخوف محرّرًا خفيًا للنص، يحذف منه ما يزعج، ويُبقي منه ما يطمئن.
أما المسؤولية الأخلاقية الذاتية، فهي لا تُفرَض على الكاتب من خارج ضميره، بل تنمو في داخله بوصفها وعيًا بأثر الكلمة وحرمة الإنسان وتعقيد التجربة. إنها لا تقصّ جناحي الخيال، وإنما تسأله: إلى أين تحلّق؟ وبأي عين ترى الإنسان؟ وهل تجعل من ألمه مادةً للفرجة، ومن ضعفه سلعةً، ومن كرامته تفصيلًا ثانويًا؟ إنها أخلاق لا تخاف من تسمية العنف والعتمة والانحراف، لكنها ترفض أن تتحول الكتابة إلى احتفال بها أو تبرير لها. فالفرق جوهري بين أن يصوّر الكاتب القبح كي يفضحه ويفهم أسبابه، وبين أن يصوّره كي يروّض حسّنا على قبوله أو يجعل منه لعبةً جمالية بلا ضمير.
ومن منظور نقدي، يمكن تلمّس هذا الفرق في أسئلة واضحة:
هل يترك النص للقارئ حق التفكير والتأويل، أم يلقّنه نتيجةً جاهزة تحت ضغط سلطةٍ خارجية
هل تنبع اختياراته اللغوية والسردية من ضرورة فنية وتجربة إنسانية، أم من خوفٍ ظاهر أو مجاملةٍ معيارية؟
هل يعامل شخصياته بوصفها كائناتٍ إنسانية معقّدة، أم يحوّلها إلى أدوات لإثبات فضيلة أو إدانة رذيلة؟
وهل يواجه الواقع في تناقضه، أم يلمّعه ليوافق صورةً أخلاقية مسبقة؟
إن الرقابة الفوقية تخاف النص الحي لأنه غير قابل للترويض الكامل؛ أما المسؤولية الذاتية فتحرس حياته لأنها ترفض أن يكون الإبداع عبثًا مؤذيًا أو خطابًا يستهين بكرامة البشر. الأولى تُنتج نصوصًا حذرة، ملساء، تعرف حدود المسموح لكنها غالبًا لا تعرف مغامرة الاكتشاف؛ والثانية تُنتج نصوصًا حرةً، قد تكون صادمة أحيانًا، لكنها لا تكون عدوانيةً على الإنسان ولا متاجرةً بضعفه.
لذلك لا أرى أن الأخلاق عدوًّا للإبداع، كما لا أرى الحرية نقيضًا للمسؤولية. العدو الحقيقي للإبداع هو الخوف حين يتنكّر في هيئة فضيلة، والعدو الحقيقي للأخلاق هو الوصاية حين تدّعي حماية المجتمع. أمّا الكاتب الواعي، فيحمل حريته كما يحمل المصباح: لا ليحرق العيون، ولا ليطفئ الظلام بالتظاهر، بل ليكشف الطريق ويترك للناس حقّ أن يروا وأن يختاروا.
Mohammed Mimouni
طه عبد الرحمن أستاذنا الكريم، الدكتور طه عبدالرحمان وكأنك لم تضع فاصلاً بين الأخلاق والحرية، بل نقلت السؤال إلى مكانه الأعمق: من أين تأتي الأخلاق التي نطالب بها الكاتب؟
وهنا أجدني أميل إلى القول إن المشكلة ليست في أن يكون للكاتب ضمير، بل في أن يتحول ضمير الآخرين إلى وصيّ على قلمه. فحين تأتي الأخلاق من الخارج بوصفها أمرًا جاهزًا، يصبح النص مطالبًا قبل أن يولد بأن يثبت براءته. أما حين تنبع المسؤولية من داخل الكاتب، فإنها لا تسأله: ماذا يُسمح لك أن تقول؟ بل تسأله سؤالًا أكثر إزعاجًا: لماذا تقول ما تقول، وماذا تفعل كلمتك بالإنسان؟
ولعل هذا هو الفارق الذي يغيب أحيانًا في النقاش حول حرية الإبداع. فالكاتب ليس مطالبًا بأن يجعل العالم جميلًا في نصه، ولا أن يخفي قبحه حتى لا يزعج أحدًا. قد يكتب عن الخوف والعنف والانكسار والضعف، لكن القيمة ليست في وجود القبح داخل النص، بل في الطريقة التي ننظر بها إليه. هناك مسافة دقيقة بين أن تكشف الجرح وأن تتاجر به، وبين أن تفهم الشر وأن تمنحه شرعية جمالية.
وأظن أن النص الحقيقي لا يحتاج إلى شرطي يقف على بابه، لكنه يحتاج إلى كاتب يعرف أن الحرية نفسها امتحان. فالحرية التي لا يرافقها وعي قد تتحول إلى فوضى، والأخلاق التي لا يرافقها وعي قد تتحول إلى وصاية.
لذلك ربما يكون السؤال الأجدى في النقد ليس: هل هذا النص أخلاقي أم غير أخلاقي؟ بل: ماذا فعل النص بالإنسان؟ هل وسّع قدرتنا على الفهم، أم ضيّقها؟ هل جعلنا نرى ما كنا نعجز عن رؤيته، أم اكتفى بأن يلقّننا ما ينبغي أن نراه؟
وهنا، في رأيي، تبدأ مسؤولية الكاتب الحقيقية: أن يحرس حريته من الخوف، وأن يحرس أخلاقه من الوصاية. وبين الحارسين يولد النص الذي لا يخاف من السؤال، ولا يخون الإنسان.

Mohammed Mimouni
Naceur Nouira
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم
إلى مَنْ يَحملُونَ الوطنَ في حَنايا الأفئدةِ، ويَحْرُسُونَ الذاكِرَةَ بِسِنانِ القَلَمِ وَبَيانِ اللُّغة؛
يَسُرُّني ويُشرّفُني، بصفتي خادماً للكلمةِ الطيّبةِ وسفيراً للسلام، أنْ أتقدّمَ بأسمى آياتِ التبجيلِ والإجلال، وأجلِّ عباراتِ الشكرِ والامتنانِ والتقديرِ الفائق، إلى الأديبِ العريقِ والناقدِ الفلسطينيِّ القدير:
الاستاذ والكاتب الناقد/ طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)
هذا الصَّوتُ النَّقديُّ الجَلِيلُ الذي ينبِضُ بِعِشْقِ فِلَسْطِين الأبِيَّة، وَيَمْتَدُّ عِرْقُهُ الضّارِبُ في أَعْماقِ التّارِيخِ مِنْ قَرْيَةِ "شَعْب" المُنَاضِلَةِ إلَى ثَرَى "البَعْنَةِ" فِي الجَلِيلِ الأَعْلَى. إنَّنا إِذْ نَحْتَفِي بِهَذَا القَلَمِ المُنَاضِلِ، فَإِنَّما نَحْتَفِي بِـ "جَامِعَةِ الحَيَاةِ" التِي صَقَلَتْ فِيهِ المَلَكَةَ العصامِيَّة، وَبِالحِسِّ النَّقْدِيِّ الرَّفِيعِ الَّذِي يُفكِّكُ النصَّ وَيَغُوصُ فِي جَمَالِيّاتِهِ، جَاعِلاً مِنَ المقَالَةِ الثَّقَافِيَّةِ خَنْدَقاً لِلمُقَاوَمَةِ، وَمِنَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ حِصْناً حَصِيناً لِلهُوِيَّةِ وَالذّاكِرَةِ الجَمْعِيَّة.
تَقَبَّلُوا مِنّا هَذِهِ الكَلِماتِ الشّاهِدَةَ عَلَى طِيبِ الأَثَرِ وَعَظِيمِ العَطاء.
ثانياً: قصيدة "حَارِسُ الذَّاكِرَةِ وَعَرَابُ البَيَان"
(شعر عمودي موزون على بحر البسيط، ببيانٍ عذب وقافية جليلة)
صَوْتُ التَّجَلِّي وَنَبْضٌ بالثَّباتِ سَرَى
يَصُونُ حَقّاً وَتَاريخاً ومُسْتَطَرَا
لِلّهِ دَرُّكَ يَا "طَهَ" الأَكِينِ وَمَنْ
أَحْيَا المَفَاخِرَ فِي "أَبْنَائِهِ" سُوَرَا
أَبَا "مُرَادٍ" وَيَا نَبْعَ البَيَانِ إِذَا
جَفَّتْ عُيُونٌ وَقَلَّ الصَّدْقُ وَاثَّغَرَا
مِنْ شَعْبِ أَصْلِكَ وَالْتَهْجِيرُ يَكْتُبُهُ
جُرْحٌ أَلِيمٌ لِ "بَعْنَةَ" الجَلِيلِ زَرَى
لَمْ تُثْنِكَ الرِّيحُ بَلْ أَنْشَأْتَ ذَاكِرَةً
تَحْمِي الهُوِيَّةَ أَنْ تُطْمَسْ وَتَنْعَفِرَا
صَغْتَ العِصَامِيَّ مِنْ "جَادِ الحَيَاةِ" فَلَمْ
تَرْكَنْ لِغَيْرِ عُيُونِ الفِكْرِ حِينَ سَرَى
تُفَكِّكُ النصَّ فِي غَوْصٍ وَمَقْدِرَةٍ
تُبْدِي المَعَانِيَ والأَسْرَارَ وَالضُّوَرَا
نَقْدٌ رَصِينٌ وَفِكْرٌ سَاطِعٌ أَلَقاً
يَهْدِي العُقُولَ وَيَجْلُو الهَمَّ وَالخَطَرَا
فَاقْبَلْ وِفَاضِي وشُكْرِي كُلَّما بَزَغَتْ
شَمْسُ السَّلامِ، وَعَاطِرَ الشَّذَى انْتَشَرَا
سَتَلْثِمُ الأَرْضُ يَوْماً كَفَّ صَانِعِهَا
وَيَرْجِعُ الحَقُّ والأَحْرَارُ كَالْقَمَرَا
الدكتور و سفير السلام ناصر بن محمد نويرة
Saloua Filaly
Naceur Nouira
الدكتور الفاضل، وسفير السلام ناصر بن محمد نويرة،
ما كتبتموه للدكتور طه لم يكن مجرّد كلمة تكريم، بل كان مرافعةً للوفاء، وشهادةً للذاكرة، ووشاحًا من البيان ألبستم به قامةً نقديةً تستحق التقدير.
في نصكم التقت حرارة الانتماء بجلال اللغة، واجتمع المقال والقصيدة على غايةٍ واحدة: أن تُمنح الكلمة لمن جعل من الكلمة ذاكرةً لا تُمحى، ومن النقد وعيًا لا ينطفئ. وقد كان جميلًا أن تستحضروا «شَعْب» و«البَعْنة» لا كأسماءٍ على خارطة، بل كجذورٍ تسكن الوجدان، وتحمل في صمتها تاريخًا من الصبر والثبات.
أما قصيدتكم «حارس الذاكرة وعرّاب البيان»، فقد جاءت امتدادًا طبيعيًا لهذا الوفاء؛ فحين يكتب سفير السلام عن حارس الذاكرة، تتصافح رسالة السلام مع رسالة القلم، ويصبح الشعر جسرًا يصل الإنسان بتاريخه دون أن يفقده أفقه نحو المستقبل.
بورك قلمكم الذي يعرف كيف يكرّم القامة دون أن يرهقها بالمديح، وكيف يجعل من الثناء أثرًا أدبيًا قائمًا بذاته.
كل التقدير لكم دكتور ناصر؛ فقد منحتم هذه المناسبة من الوفاء ما يليق بها، ومن البيان ما يجعل التحية نفسها نصًا يُقرأ ويُحتفى به
Saloua Filaly
Naceur Nouira
طه عبد الرحمن
Naceur Nouira الأستاذ الدكتور وسفير السلام ناصر بن محمد نويرة،
ما أبهى ما خطّه قلمكم، وما أزكى ما فاض به وجدانكم؛ فقد جعلتم من الثناء تاجاً من نور، ومن الوفاء نهراً من سرور، ومن الكلمة الطيبة روضاً يفوح بالشذى والعطور. وصلني حديثكم لا كحروفٍ تُقرأ، بل كنبضٍ يُحسّ، ولا كمديحٍ عابر، بل كوسامٍ كريمٍ تضعه المروءة على صدر المحبة والتقدير.
لقد أكرمتموني بما فاض عن الاستحقاق، ورفعتموني بسموّ ظنكم إلى مقامٍ أسأل الله أن يعينني على أن أكون أهلاً له. وإنّ ما أودعتموه في كلماتكم من وفاءٍ لفلسطين، وإجلالٍ للذاكرة، واحتفاءٍ بالكلمة المقاومة، لهو دليلُ قلبٍ عربيٍّ أصيل، يؤمن بأن القلم إذا صدق كان سراجاً، وأن اللغة إذا اعتصمت بجذورها كانت حصناً، وأن السلام الحقّ لا يزهر إلا في أرضٍ يصونها العدل ويظلّلها الحق.
أما قصيدتكم الغرّاء، «حارس الذاكرة وعرّاب البيان»، فقد جاءت وشاحاً من فخر، وسفراً من ودّ، تضوعت أبياتها بإخلاص الشعور وصدق الانتماء. فيها من عذوبة البيان ما يطرب السمع، ومن حرارة الموقف ما يوقظ الوجدان، ومن جمال الوفاء ما يجعل الشكر أقلّ من أن يفيها حقها. لقد جعلتم من الشعر مرآةً للتاريخ، ومن القافية سفينةً للهوية، ومن الحرف رسالةً تعانق شعباً وبعنةً والجليل وفلسطين كلّها.
فلكم، يا أستاذ ناصر، خالص الامتنان وأصدق الدعاء: أن يبارك الله في علمكم وقلمكم، ويزيدكم رفعةً ونوراً، ويجعل حروفكم جسوراً للمحبة، ودعواتكم بشائرَ للسلام، ومسيرتكم مناراً لمن يؤمن بأن الأدب موقف، وأن الوفاء خُلُق، وأن الكلمة الصادقة لا تموت. دمتم سفيراً للنبل قبل السلام، وحارساً لجمال العربية، ونخيلاً باسقاً يظلّل القلوب بفيض عطائه.
Mohammed Mimouni
Naceur Nouira أخي العزيز الدكتور ناصر بن محمد نويرة، سفير السلام وخادم الكلمة الطيبة،
وقفت أمام كلماتكم طويلًا، لا لأنني أبحث عن عبارة تليق بالرد، بل لأن بعض الكلام حين يأتي بهذا الصدق يجعل الرد عليه نوعًا من العجز الجميل.
ما كتبتموه عن الأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن «أبو مراد» تجاوز حدود الترحيب والتقديم؛ لقد منحتموه من محبتكم ما يجعل الكلمة مسؤولية، وجعلتم من القصيدة جسرًا بين الأدب والذاكرة والإنسان.
أما ما خصصتموني به من كريم الثناء، فأستقبله بتواضع وامتنان، وأردّه إلى منبع أجمل: إلى الكلمة حين تكون وفيةً للإنسان، وإلى الأدب حين لا يكتفي بالزينة، بل يحمل ذاكرةً وهويةً وسؤالًا.
وقد توقفت كثيرًا عند عنوان قصيدتكم: «حارس الذاكرة وعرّاب البيان»؛ ففيه تختصرون معنى يتجاوز الأشخاص إلى وظيفة الكلمة نفسها. فالذاكرة التي لا تجد من يحرسها قد تتحول إلى حكاية باهتة، والبيان الذي لا يحمل قضية الإنسان قد يصبح مجرد زخرف.
والأجمل أنكم لم تكتفوا بالقول، بل أضفتم إلى الاحتفاء قصيدةً عموديةً تحمل حرارة المحبة وصدق الانتماء. وهذا في حد ذاته تكريم لا يُقاس بكثرة العبارات، بل بما يتركه في القلب من أثر.
أخي ناصر، شكرًا لك على هذا الوفاء النبيل، وعلى هذه التحية التي جاءت محمّلة بالسلام والمحبة. وأرجو أن تظل أقلامنا جميعًا، مهما اختلفت طرائقها، في صف الإنسان والحق والجمال؛ فالكلمة حين تفقد إنسانيتها لا ينقذها جمال البيان.
لك مني خالص التقدير والمحبة، ولروحك الشاعرة كل الامتنان.
ودامت فلسطين في الذاكرة، ودامت الكلمة جسرًا للسلام، لا جدارًا بين القلوب.
Mohammed Mimouni
Kazem A Ahmad
سؤالي :
الإعتبارات التي تشدّك لقراءة النصوص من تميّزها وصدق كاتبها وحمل رسالتها و أسلوبها الأدبي.
أين نحن اليوم من أدب الواقع الذي يعانيه الإنسان
في فلسطين و معظم البلدان العربية.. ؟
هل ارتقى الأدب العربي للمرحلة القاسية التي عاشها؟
و ماهي حواجز وصول الأدب الملتزم بصورة شفيفة
للشاشة الزرقاء... التي غزت الوسط الثقافي في هذا الزمان في فترة غياب الكتاب و موانع انتشاره؟.
لكم التحية الكبرى وشكرا عميقاً من القلب.
Saloua Filaly
Kazem A Ahmad
ألف شكر للدكتور كاظم على هذا السؤال الراقي، الذي لم يقف عند حدود الأدب بوصفه جمالًا لغويًا، بل فتح نافذةً على علاقته بالإنسان والواقع والوجع العربي. سؤالٌ يجمع بين صدق النص، ومسؤولية المبدع، ودور الأدب الملتزم في زمنٍ تغيّرت فيه منصات التلقي وتبدّلت طرق وصول الكلمة إلى القارئ.
كل التقدير لهذا العمق، ولهذا الحسّ الثقافي الذي يجعل السؤال نفسه عتبةً لحوارٍ ثريّ يستحق الإصغاء
Kazem A Ahmad
Saloua Filaly بوركت أستاذتنا الدكتورة الأديبة القديرة و جهودك العطرة وصرحكم الثقافي السامق و دمتم منارة الأجيال ومحطّ الأنظار ملء الكون و وسع المجرّة...
طه عبد الرحمن
Kazem A Ahmad أظنّ أن أدب الواقع لا يُقاس فقط بقدرته على وصف الألم، بل بقدرته على إنسانته: أن يحوّل الخبر العابر، والرقم البارد، وصورة الخراب، إلى تجربةٍ نشعر فيها بأنّ ما يحدث للآخر يحدث لنا. وفي فلسطين خاصةً، ليست القضية ندرةَ المأساة كي يكتب عنها الأدب، بل صعوبةَ أن يظلّ الكاتب أميناً للحقيقة من دون أن يحوّلها إلى شعار، أو أن يستهلك وجع الناس في خطابٍ عاطفي سريع.
لقد ارتقى الأدب العربي في نماذج كثيرة إلى مستوى المرحلة القاسية: في الرواية والشعر واليوميات والشهادة، حين كتب عن الاحتلال والمنفى والسجن والفقر والحروب والاقتلاع بلغةٍ تحفظ كرامة الإنسان ولا تختزله في دور الضحية. لكن الصورة ليست مكتملة؛ فما يزال جزء من الأدب أسيرَ الزخرفة، أو الحياد المريح، أو التماهي مع سوقٍ يفضّل النص السهل القابل للاستهلاك على النص الذي يزعج الضمير ويطرح الأسئلة الصعبة.
أما «الشاشة الزرقاء» فليست خصماً للأدب في ذاتها، بل هي ساحةٌ جديدة له. المشكلة أن منطقها يقوم غالباً على السرعة والاختصار والتفاعل اللحظي، بينما الأدب الحقيقي يحتاج إلى تأمل وصبر وتراكم وقراءة متأنية. لهذا قد ينتشر منشورٌ عاطفي في ساعات، فيما يبقى نصٌّ عميق بلا وصول لأنه لا يرضخ لمنطق الترند أو الاستقطاب أو التسويق.
حواجز وصول الأدب الملتزم اليوم كثيرة، منها:
ضعف النشر والتوزيع وارتفاع أسعار الكتب وتراجع مكتبات القراءة العامة.
الرقابة المباشرة والرقابة الذاتية، حين يخاف الكاتب من السلطة أو الجماعة أو حملات التشهير الرقمية.
هيمنة المحتوى السريع الذي يمنح الانفعال الفوري أكثر مما يمنح الفكرة وقتها.
خلط الالتزام بالدعاية؛ فالأدب لا يفقد قيمته لأنه منحاز للإنسان، بل حين يتنازل عن فنيته وتعقيده وصدقه ليصبح بياناً سياسياً.
تشتت القارئ العربي بين الأزمات اليومية، وما يرافقها من إرهاق نفسي واقتصادي يجعل القراءة العميقة ترفاً عند كثيرين.
والأمل أن الأدب لا يحتاج دائماً إلى مؤسسة ضخمة كي يعيش؛ أحياناً تنقذه قصيدة صادقة، أو شهادة مكتوبة بوعي، أو رواية تعطي المهمَّش اسمه وصوته وحقّه في أن يُرى. الأدب الملتزم الأكثر شفافية هو الذي لا يعلو فوق الناس ليخطب فيهم، بل يجلس بينهم، يصغي إلى تفاصيلهم، ويكتبهم بوصفهم بشراً كاملين: يخافون ويحبون ويحلمون ويقاومون، لا مجرد رموزٍ في قضية.
Kazem A Ahmad
طه عبد الرحمن حياك الله أستاذنا الدكتور والأديب القدير الغالي دمتم منارة الحرف ورسالته شكراً عميقاً من القلب لحضوركم العنبر وفيض عطائكم الوارف
بوركتم وجهودكم العطرة من القلب.
Saloua Filaly
طه عبد الرحمن
دكتور طه، هنا لا يعود الحديث عن الأدب بوصفه وصفًا للواقع، بل عن الأدب حين يرتقي بالواقع إلى معناه الإنساني. وهذا من أعمق ما في إجابتكم: أن تكتب المأساة دون أن تستنزفها، وأن تنحاز للإنسان دون أن تحوّل ألمه إلى شعار.
وأكثر ما استوقفني قولكم إن الأدب الملتزم لا ينبغي أن يعلو فوق الناس ليخطب فيهم، بل يجلس بينهم ويصغي إلى تفاصيلهم؛ ففي هذه العبارة وحدها تختصرون فلسفةً كاملة في الكتابة: أن يبقى الإنسان إنسانًا قبل أن يصبح قضية، وأن يبقى الأدب أدبًا وهو يحمل أثقل القضايا.
أما «الشاشة الزرقاء»، فقد أحسنتم النظر إليها كساحة جديدة لا كخصم؛ فالمشكلة ليست في الوسيلة، بل في أن تُجبر السرعةُ الأدبَ على التخلي عن عمقه.
تحية لقلمٍ لا يكتفي بطرح الأفكار، بل يمنحها أفقًا آخر للتفكير
Saloua Filaly
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أستاذي الدكتور طه عبد الرحمن…
حين يكون اللقاء مع قامةٍ فكرية مثلكم، لا يكون من السهل أن نتحدث عنكم في كلماتٍ عابرة؛ لأن الفكر الذي حملتموه لم يكن يومًا مجرد أفكارٍ تُقال، بل كان مشروعًا في النظر، ومسؤوليةً في الكلمة، وحرصًا على أن يبقى الإنسان في قلب السؤال، لا على هامشه.
وما يلفتني في الدكتور طه ليس المفكر والفيلسوف والناقد فحسب، وإنما الإنسان الذي يقف خلف هذا العمق؛ ذلك الإنسان الذي يمنح للكلمة وزنها، وللسؤال حرمته، وللقيمة مكانتها، ويجعل من الحوار سبيلًا إلى الارتقاء لا إلى الانتصار.
لقد عرفنا فيكم عقلًا لا يكتفي بأن يفتح الأبواب، بل يدلّنا على الأبواب التي لم ننتبه إليها أصلًا؛ وقلمًا لا يزاحم الآخرين على ضوءٍ عابر، بل يصنع في الفكر مصابيحَ تمتدّ آثارها أبعد من لحظة الكلام.
ولعل أجمل ما في حضوركم أنكم لا تمنحوننا أجوبةً جاهزة بقدر ما تمنحوننا شرفَ السؤال؛ تجعلوننا نغادر الفكرة ونحن أكثر انتباهًا إلى ذواتنا، وإلى الإنسان، وإلى المعنى، وإلى مسؤولية القيم في بناء الحياة.
أما على المستوى الإنساني، فلي في الحديث عنكم مساحةٌ أخرى لا تسعها لغة النقد ولا مصطلحات الفلسفة؛ مساحة الصديق الذي نعتز بحضوره، ونطمئن إلى صفاء معدنه، ونرى في أخلاقه امتدادًا طبيعيًا لما يكتب ويقول.
لذلك، وأنا أشارك اليوم في هذا اللقاء، لا أريد أن أضيف مديحًا إلى مديح، وإنما أقول كلمة وفاء: بعض الأشخاص لا تُقاس مكانتهم بكثرة ما يُقال عنهم، بل بما يتركونه في نفوس من عرفوهم؛ وأنتم من أولئك الذين يتركون في الذاكرة أثرًا، وفي العقل سؤالًا، وفي الروح تقديرًا لا يحتاج إلى كثير بيان.
كل التقدير للدكتور محمد الميموني على هذا اللقاء الذي أتاح لنا أن نقترب من قامة فكرية وإنسانية نعتز بها، وكل التحية للدكتور طه عبد الرحمن، الصديق العزيز، والمفكر الذي جعل من السؤال طريقًا إلى المعرفة، ومن الفكر مسؤولية، ومن الكلمة أمانة.
فمرحبًا بك دكتور طه… في لقاءٍ يليق بفكرٍ لا يكتفي بأن يُسمَع، بل يدعو إلى أن يُتَأمَّل
ومرحبًا بك مرة أخرى … فحين يحضر ناقدٌ بهذا الوزن، لا يكون اللقاء مجرد حديثٍ عن الفكر، بل يصبح الفكر نفسه ضيفًا بيننا
طه عبد الرحمن
Saloua Filaly الدكتورة الأديبة سلوى الفيلالي، يا صاحبةَ الكلمة التي لا تمرّ على القلب مرورَ العابر، بل تدخل إليه في هدوءٍ كضياء الفجر، وتترك فيه من دفء المعنى ما يجعل الشكر أقلَّ من أن يفي، والامتنان أوسعَ من أن تحيط به العبارة؛ لقد قرأتُ كلماتكِ الكريمة أكثر من مرة، لا لأفتش فيها عن صورةٍ لي، بل لأتأمل فيها نقاءَ روحكِ، وجمالَ وفائكِ، وسموَّ نظرتكِ إلى الفكر والإنسان والكلمة.
لقد أكرمتِني، دكتورتنا الفاضلة، بما فاض به قلمكِ من تقدير، وألبستِ اسمي من حسن الظن ثوبًا أجلّ من أن أدّعي استحقاقه. وما ذكرته عن الفكر، والسؤال، والقلم، والمسؤولية، ليس في حقيقته وصفًا لشخصي بقدر ما هو وصفٌ للمقام الذي ينبغي أن نرتقي إليه جميعًا؛ مقامُ الكاتب الذي يخاف على الكلمة من أن تفقد شرفها، والناقد الذي يخاف على النص من أن يُساء إليه باسم النقد، والمثقف الذي يدرك أن الإنسان هو الغاية قبل أن يكون موضوعًا للبحث أو مادةً للخطاب.
إن أجمل ما وهبتِه لي في كلماتكِ ليس الثناء، وإنما المعنى الذي جعلتِه أمانةً في عنقي. فعندما تقولين إن القلم يصنع مصابيح في الفكر، وإن السؤال طريقٌ إلى المعرفة، فإنكِ تذكريننا بأن الكتابة ليست وجاهةً لغوية ولا سباقًا إلى الحضور، بل هي عهدٌ بين الكاتب وضميره؛ أن يقول ما يضيء لا ما يضلّل، وأن يسأل ليحرّر لا ليتعالى، وأن ينقد ليبني لا ليكسر، وأن يجعل من الحوار جسرًا يعبر عليه المختلفون إلى رحابة الفهم بدل أن يحوّلوه إلى ساحة انتصارٍ عابر.
وما أصدق قولكِ إن الإنسان ينبغي أن يبقى في قلب السؤال لا على هامشه؛ فالفكر الذي يفقد إنسانيته، مهما علا في التجريد، يتحوّل إلى بناءٍ بارد لا دفءَ فيه، والكلمة التي لا تُصغي إلى نبض الناس، مهما أبهرتنا بصياغتها، تبقى ناقصةً عن رسالتها. إن قيمة المعرفة ليست في كثرة المصطلحات التي نحملها، بل في مقدار الرحمة والوعي والعدل الذي تضيفه إلى علاقتنا بالإنسان وبالعالم.
أما حديثكِ عن الصداقة، فهو موضع شكرٍ خاص؛ لأن الصداقة الصادقة ليست عبارةً جميلة تُقال في المناسبات، بل معرفةٌ متبادلة تحفظ للإنسان جوهره، وتراه بعيدًا عن ألقاب الحضور وضجيج المنابر. وإن كان فيَّ ما يستحق تقديرًا، فهو ثمرةُ ما تعلّمتُه من حياةٍ علّمتني أن التواضع هو زينة المعرفة، وأن أخلاق المرء هي النص الذي لا تستطيع البلاغة أن تزيفه طويلًا، وأن أجمل ما يتركه الإنسان في الآخرين ليس صدى صوته، بل طمأنينة حضوره.
أيتها الصديقة الكريمة، إنكِ حين كتبتِ عن السؤال لم تكتبي عن سؤالٍ ذهنيٍّ مجرد، بل عن نافذةٍ نطلّ منها على أنفسنا، وعلى مسؤوليتنا، وعلى ما يمكن أن نصنعه بالكلمة حين نحسن حملها. فللسؤال حرمته حقًا؛ لأنه لا يوقظ العقل وحده، بل يوقظ الضمير، ويمنحنا شجاعة الاعتراف بأن المعرفة ليست ملكًا مكتملًا، وإنما سفرٌ طويل نتعلّم فيه كلما ازددنا تواضعًا أمام الحقيقة.
Saloua Filaly
طه عبد الرحمن
دكتور طه، أعجزُ أمام هذا الفيض عن أن أختار للكلمة مقامًا يوازي كرمكم؛ فقد رددتم الثناء إلى معناه، والاحتفاء إلى أهله، حتى بدا الشكر أمام هذا النبل أقلَّ من أن يفي.
ما كتبتموه ليس مجرد ردٍّ كريم، بل شهادةٌ أعتز بها من قامةٍ نقديةٍ أعرف أن للكلمة عندها وزنًا، وللمعنى حرمةً، وللإنسان مكانه في قلب الفكر.
شكرًا لكم على هذا السمو الذي يجعل الحوار بيننا أعمق من المجاملة، وأبقى من اللحظة؛ وشكرًا لأنكم جعلتم من كلماتكم جسرًا آخر من جسور الود والمعرفة.
دام قلمكم ميزانًا للمعنى، وظلّ حضوركم إثراءً لكل حوارٍ تلامسه الكلمة
Fawzy Ibrahim
Saloua Filaly
الأخت الفاضلة والقامة الثقافية السامقة، الدكتورة سلوى الفيلالي،
طاب مساؤكِ بكل خير ومحبة، وعطّر الله أوقاتكِ بنور المعرفة وعبير الحرف الراقي.
لقد قرأتُ مداخلتكِ الباذخة بشغف كبير، ولم أجد نفسي أمام مجرد كلمات ترحيبية عابرة، بل أمام قراءة نقدية وإنسانية شديدة العمق. لقد صغتِ بماء الذهب كلماتٍ كشفت عن جوهر ضيفنا الكريم، وأحسنتِ الوصف والبيان حين قلتِ إن حضور الأستاذ طه يجعل "الفكر نفسه ضيفاً بيننا"، وأنه يمنحنا "شرف السؤال" لا الأجوبة الجاهزة.
هذا الحفر المعرفي، والتقاط النور الكامن وراء الكلمات، لا تقودنا إليه إلا عين ناقدة واعية وحس أدبي رفيع كحسكِ الذي نعتز به دائماً في منتدى شعاع. حضوركِ ومتابعتكِ الدقيقة وتحليلاتكِ لكل شاردة وواردة في هذا اللقاء هو الثراء الحقيقي والوقود الذي يضيء قناديل حواراتنا.
سلمت يمينكِ وفكركِ، ودمتِ لنا دائماً نبراساً للقراءة الواعية والداعمة، وعيناً تلتقط الجمال أينما حلّ.
أخوكِ، الشاعر الدكتور فوزي إبراهيم العدوي
Saloua Filaly
Fawzy Ibrahim
ألف شكر لك أيها الأديب المؤدب والخلوق، دكتور فوزي، على هذا الكلام الذي أعتز به كثيرًا، وعلى قراءتك الكريمة التي لامست المعنى قبل العبارة. كلماتكم شهادة أقدّرها، لأنها صادرة عن قلمٍ يعرف للحرف قدره ولأهله مقامهم.
دمتَ بهذا النبل الذي يسبق الحرف، وبهذا الحضور الذي يضيف إلى كل لقاءٍ جمالًا وإثراءً. كل التقدير والامتنان لشخصكم الكريم
Fawzy Ibrahim
Saloua Filaly
أنا فقط وصفت أما الكلمات فهى واقع لا ينكرها إلا جاحد دمتى منارة للحرف والنبل وطيبة القلب وصفاء الروح
سماح ياقوت درويش ·
في محراب الكلمة.. حين يُزهرُ النَّصُّ وفاءً وذاكرة
بقلم الكاتبة: د. سماح ياقوت فهمي درويش
تظلُّ الكلمةُ هي الحصنُ المنيعُ الذي نلوذُ به، والقبسُ الذي يُضيءُ عتمةَ التَّهميشِ والنسيان. فالأدبُ الصَّادِقُ ليس مجردَ نسيجٍ لغويٍّ تُزخرفُهُ البلاغةُ، بل هو وثيقةُ وجودٍ تُحرّكُ ساكنَ الوجدان، وتربطُ حاضرَنا الأليمَ بجذورِنا الممتدّةِ في عمقِ التاريخِ والأرض.
وحين يرتقي الفكرُ النقديُّ ليكونَ حارساً للهويةِ وراعياً للجمال، تتحولُ المقالةُ الأدبيةُ إلى خندقِ دفاعٍ ومحرابِ بيان. إنّ مكابدةَ المعرفةِ والوفاءَ للسانِ الضَّادِ هما السِّلاحُ الأبقى في مواجهةِ محاولاتِ طمسِ الذاكرةِ الجمعية؛ فالنَّصُّ الحيُّ هو الذي يتجاوزُ السَّطحَ الدَّلاليَّ ليعتصرَ الجمالَ، ويستنطقَ التراثَ بروحٍ معاصرةٍ تنبضُ بالكبرياءِ والشموخ.
سيبقى القلمُ الملتزمُ بقضايا الوطنِ والأمّةِ صوتاً لا يخبو، وأثراً يترددُ صداهُ في وجدانِ الأجيال، يُعيدهُم دوماً إلى النَّبعةِ الأولى: أنَّ الكلمةَ الطيبةَ أصلُها ثابتٌ، وأنَّ الذاكرةَ الحيّةَ هي التي تُحقّقُ للبقاءِ معناهُ الجميل.
طه عبد الرحمن
سماح ياقوت درويش ما أبهى ما نسجتِه دكتورة سماح؛ فليس هذا نصّاً يُقرأ فحسب، بل هو موقفٌ من النسيان، ووفاءٌ للكلمة حين تكون شاهدةً على الذاكرة وحارسةً لملامح الوطن. لقد جعلتِ من القلم محراباً للجمال، ومن البلاغة جسراً بين جذرٍ أصيل وواقعٍ مثقلٍ بالأسئلة.
إنّ الكلمة الصادقة، كما تفضلتِ، لا تُقيم في زينة الحروف وحدها، بل في قدرتها على أن تحفظ للإنسان صوته، وللوطن حكايته، وللتاريخ حقَّه في ألا يُمحى. دمتِ تكتبين بوعي المثقف، وحرارة المنتمية، وبهاء اللغة التي تعرف أن الأدب حين يخلص لقضيته يصبح أثراً لا يزول.
Mohammed Mimouni
سماح ياقوت درويش د. سماح ياقوت فهمي درويش
حين قرأتُ نصكِ، شعرتُ أن الكلمة هنا لا تجلس على الورق، بل تقف في وجه النسيان. وهذه، في رأيي، إحدى أخطر وظائف الأدب: أن يمنح ما نوشك أن نفقده فرصةً أخرى للحياة.
لكنني أُشاكس النص قليلًا: هل تكفي الكلمة وحدها لحراسة الذاكرة؟ ربما لا… فالذاكرة التي لا تجد من يعيشها تتحول مع الوقت إلى متحف، والكلمة التي لا تُقلق وعينا قد تصبح مجرد زخرفة جميلة على جدار النسيان.
لذلك أظن أن قيمة النص ليست في أن يحفظ الماضي فقط، بل في أن يجعل الماضي قادرًا على مساءلة الحاضر. فحين يستنطق الكاتب التراث، لا ينبغي أن يكون التراث هو الذي يتكلم وحده، بل نحن أيضًا نعيد اكتشاف أنفسنا من خلاله.
أعجبني في نصكِ هذا التزاوج بين محراب الكلمة وخندق الدفاع؛ فالكلمة قد تكون صلاةً حين تحفظ المعنى، وقد تكون مقاومةً حين ترفض أن تترك الذاكرة وحيدة.
وكما أقول دائمًا: ليست الكتابة أن نُبقي الأشياء كما كانت، بل أن نمنحها حياةً جديدة في وعينا.
نصٌّ يذكّرنا بأن بعض الكلمات لا تُكتب بالحبر… بل تُكتب كي لا تموت.
سماح ياقوت درويش ·
سماح ياقوت درويش د. سماح ياقوت فهمي درويش
حين قرأتُ نصكِ، شعرتُ أن الكلمة هنا لا تجلس على الورق، بل تقف في وجه النسيان. وهذه، في رأيي، إحدى أخطر وظائف الأدب: أن يمنح ما نوشك أن نفقده فرصةً أخرى للحياة.
لكنني أُشاكس النص قليلًا: هل تكفي الكلمة وحدها لحراسة الذاكرة؟ ربما لا… فالذاكرة التي لا تجد من يعيشها تتحول مع الوقت إلى متحف، والكلمة التي لا تُقلق وعينا قد تصبح مجرد زخرفة جميلة على جدار النسيان.
لذلك أظن أن قيمة النص ليست في أن يحفظ الماضي فقط، بل في أن يجعل الماضي قادرًا على مساءلة الحاضر. فحين يستنطق الكاتب التراث، لا ينبغي أن يكون التراث هو الذي يتكلم وحده، بل نحن أيضًا نعيد اكتشاف أنفسنا من خلاله.
أعجبني في نصكِ هذا التزاوج بين محراب الكلمة وخندق الدفاع؛ فالكلمة قد تكون صلاةً حين تحفظ المعنى، وقد تكون مقاومةً حين ترفض أن تترك الذاكرة وحيدة.
وكما أقول دائمًا: ليست الكتابة أن نُبقي الأشياء كما كانت، بل أن نمنحها حياةً جديدة في وعينا.
نصٌّ يذكّرنا بأن بعض الكلمات لا تُكتب بالحبر… بل تُكتب كي لا تموت.
Saloua Filaly
سماح ياقوت درويش
الدكتورة الراقية سماح ياقوت،
ما كتبتِه ليس مقالًا يمرّ على الكلمة مرورًا، بل وقفةٌ في محرابها؛ حيث تتعانق الذاكرة مع الوفاء، ويصبح الأدب شاهدًا على ما لا ينبغي للزمن أن يمحوه.
أخذتِ القارئ من جمال العبارة إلى قداسة المعنى، ومن النص بوصفه بناءً لغويًا إلى كونه ذاكرةً تحفظ الهوية وتصون الأثر. وأجمل ما في قلمكِ أنه لا يستعرض اللغة، بل يجعلها تحمل رسالةً ووجدانًا وانتماءً، حتى تبدو الكلمة عندكِ كأنها جذعٌ ضاربٌ في تربة التاريخ، وأغصانُه تمتدّ نحو الحاضر والمستقبل.
نصٌّ أنيق في لغته، عميق في رؤيته، وفيٌّ للضاد وللذاكرة ولرسالة الأدب.
تحية لقلمٍ يعرف أن الكلمة حين تُكتب بصدق، لا تُنير السطر وحده، بل تحفظ للروح ما تخشى عليه من النسيان.
كل التقدير لكِ، دكتورة سماح، ولهذا الحضور الأدبي الذي يزداد بهاءً كلما اقترب من جوهر الكلمة
Fawzy Ibrahim
أَهْلاً بِطَهَ وَمَنْ فِي حَرْفِهِ النُّورُ
أَهْلاً بِمَنْ هُوَ فِي الـمِحْرَابِ دُسْتُورُ
يَا ابْنَ الـجَلِيلِ وَأَرْضِ الـمَجْدِ مَنْبِتُكُمْ
شَعْبٌ وَبَعْنَةُ فِيكُمْ نَبْضُهَا نُورُ
أَرْضُ النِّضَالِ وَمَهْدُ الصَّبْرِ جَارَتُنَا
فِيهَا الكِفَاحُ بِـمَدِّ الدَّهْرِ مَـحْفُورُ
جِئْتُمْ إلَى شُعَلِ الآدَابِ تَرْفَعُهَا
نَقْداً رَصِيناً بِهِ التَّأْوِيلُ مَـسْطُورُ
فَالـحَرْفُ خَنْدَقُكُمْ فِي وَجْهِ غَاصِبِنَا
وَالفِكْرُ حِصْنٌ بِحُبِّ الأَرْضِ مَعْمُورُ
«فَوْزِي» بِحُضُورِي زَادَنِي شَرَفاً
وَ«عَدْوِيٌّ» فِيهِ العِزُّ مَشْهُورُ
لِقَاءُ هَرَمٍ أَضَاءَ النُّورَ فِي دَمِنَا
أَوْقَدْتَ شُعْلَتَنَا وَالقَلْبُ مَسْرُورُ
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
طه عبد الرحمن
Fawzy Ibrahim يا شاعرَ الحرفِ، يا من في قصيدتِه
نورُ المحبّةِ والإجلالِ موفورُ
أهديتَ طهَ سلامَ القلبِ من ولهٍ
فأورقَ الشعرُ، وازدانَتْ بهِ السُّورُ
ما كان مدحُك لفظاً عابراً نَضَباً
لكنّهُ عهدُ صدقٍ نبضُهُ يَفورُ
جعلتَ من حرفِكَ السامي منارةَ من
فيها الكرامةُ، والإيمانُ، والنورُ
يا فوزيَ الخيرِ، يا نبعَ البيانِ، لقد
أحييتَ فينا من الآمالِ ما يَسُرُّ
تبقى قصائدُكَ الغرّاءُ شاهدةً
أنّ الأدبَ إذا أخلصتَ مَشهورُ
دمتَ للقلمِ تاجاً لا يزولُ سناهُ،
وللعروبةِ صوتاً مجدُهُ مسطورُ.
Saloua Filaly
Fawzy Ibrahim
الدكتور الشاعر فوزي إبراهيم العدوي،
حين يصوغ الشاعرُ ترحيبه بالقصيدة، لا يعود الترحيب كلماتٍ تُقال، بل يصبح احتفاءً يُكتب على إيقاع الوفاء. وقد جئتَ للدكتور طه بقصيدةٍ جمعت بين حرارة الترحيب، ووهج الأرض، ومهابة الفكر، فجعلتَ من الحرف رايةً ومن القصيدة فضاءً يلتقي فيه الأدب بالذاكرة والانتماء.
أعجبني كيف أقمتَ للنص مقامه؛ فطه عندك ليس مجرد ضيفٍ يُستقبل، بل قامةٌ فكرية تحمل رسالة الكلمة، وجليلٌ له في الحرف موضعٌ وفي النقد أثر. كما أن استحضارك للجليل وبعنة والأرض والنضال منح القصيدة جذورها، فلم تكن تحيةً عابرة، بل سلامًا شعريًا يحمل ذاكرة المكان إلى رحاب الكلمة.
أما حضورك أنت في هذا المشهد، فقد أضاف للقاء شاعرًا يعرف كيف يجعل القافية تحمل المعنى، وكيف تتحول التحية حين تسكنها القصيدة إلى أثرٍ يبقى بعد انفضاض المجلس.
تحية تليق بك أيها الشاعر النبيل، ولقلمٍ إذا رحّب، أكرم؛ وإذا مدح، أنصف؛ وإذا قال الشعر، ترك في الروح شيئًا من عبق المكان
Fawzy Ibrahim
Saloua Filaly
الأخت الغالية والقامة السامقة، الدكتورة سلوى الفيلالي،
طاب مساؤكِ بنور المعرفة والفضل. كلماتكِ الطيبة وِسامٌ أضعه على صدري وبهاءٌ يزدان به حرفي وقصيدي.
لقد أصبتِ كبد الحقيقة؛ فـ "إنزال الناس منازلهم" هو منبع الأدب الذي نستلهمه جميعاً في هذا الصرح، وما قصيدتي وترحيبي بالأستاذ طه إلّا بعضٌ ممّا يستحقه حراس الذاكرة والوطن.
إن كان لقلمي حضور في المقدمة، فلأن قراءتكِ الحصيفة ومتابعتكِ الواعية هي التي تمنح الحرف قيمته وتوقد فينا جذوة الاستمرار.
دعمكِ الدائم وثناؤكِ الراقي هو الحصن الذي يجمع قلوبنا وعقولنا في منتدى شعاع على حب البيان النبيل.
دمتِ لنا عيناً ناقدة، ونبراساً يضيء دروب الكلمة الملتزمة
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
على احمد المصرى
طه عبد الرحمن Saloua FilalyMustafa Muhammad Kor SheikhMohammed Mimouni
Fawzy Ibrahim
في حضرة الأدب الملتزم، وعلى تخوم الجليل الأعلى حيث تتعانق الذاكرة مع جغرافيا الصمود، يُطلّ علينا القلم الحرّ للكاتب والناقد الفلسطيني طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)؛ نموذجاً ساطعاً للمثقف العضوي الذي جعل من الكلمة خندقاً، ومن البيان الفصيح درعاً لحماية الهوية من التبدد والنسيان.
من رحم المأساة الممتدة بين ظلال "شعب" المهجرة قسراً وأزقة "البعنة" الشاهدة على التجذر، تشكّل هذا الوعي المبكر بضرورة حراسة الذاكرة الجمعية. لم تكن مسيرته مجرد نتاج للتحصيل الأكاديمي التقليدي، بل كانت مكابدة عصامية فريدة في "جامعة الحياة"؛ نهل فيها من عيون التراث العربي، وصقل أدواته النقدية بحرافة الصائغ الذي لا يكتفي بملامسة السطح الدلالي للنص، بل يغوص في بنيته الأسلوبية لتفكيك شفراته واستنطاق خباياه.
إن تجربة "أبو مراد" ليست مجرد اشتغال أدبي عابر، بل هي شهادة وجودية واشتباكٌ خلاق مع قضايا النثر، وشواغل السرد، وفلسفة الخيال وعلاقته بالأخلاق والرقابة. وتأكيداً على ثقل هذه التجربة الإبداعية وعمقها الفكري، نلج محراب فكره عبر حزمة من الأسئلة النقدية لتسبر أغوار الذاكرة، والتعددية السردية، ومصير النص العربي في مواجهة تحولات العصر:
الأخلاقيات، الرقابة، ومحاكمة الخيال
محاكمة النوايا الورقية: هل يحق للمجتمع أو السلطة محاكمة الكاتب على "جريمة" أو "خطيئة" ارتكبها بطل روايته؟ وأين ينتهي حق الخيال الأدبي لتنطلق المسؤولية الأخلاقية والقانونية؟
طغيان الرقابة الذاتية: إذا كانت الرقابة الخارجية أو المؤسسية تقصّ أجنحة النص، فهل "الرقابة الذاتية" التي يزرعها الكاتب في عقله الباطن خوفاً من المجتمع تقتل النص قبل أن يولد؟ أيهما أشد فتكاً بصدق الإبداع؟
جماليات القبح: هل الجمال الفني واللغوي يغفر القبح الأخلاقي؟ بمعنى آخر، هل يمكننا تمجيد عمل أدبي يروج لأفكار عدمية أو فاشية لمجرد أن بناءه الفني مبهر، أم أن الأخلاق شرط مسبق لجماليات الفن؟
خيانة الشخصيات: هل يرتكب الكاتب "خيانة أخلاقية" بحق شخصياته حينما يقودها قسراً نحو نهاية تخدم أجندته الأيديولوجية أو الفلسفية، حارماً إياها من التطور الطبيعي لسماتها النفسية؟
قضايا النثر وتطور الشكل الأدبي
توحش الرواية: هل تحولت "الرواية" إلى ثقب أسود ابتلع باقي فنون النثر (كالقصة القصيرة، والمقال، وأدب الرسائل) تلبيةً لـ "شهوة السرد" الاستهلاكية لدى القارئ المعاصر؟ وهل يُعد هذا تراجعاً في التنوع الأدبي أم تطوراً طبيعياً؟
مأزق التحديث النثري: هل التحرر من القيود الكلاسيكية في "قصيدة النثر" أو "النص المفتوح" خلق إيقاعاً داخلياً أعمق يعبر عن تشظي الإنسان الحديث، أم أنه أصبح ملاذاً آمناً لمن لا يمتلكون أدوات اللغة لإنتاج نصوص مجانية وهشة؟
الاستلاب اللغوي والترجمة: في عصر العولمة، هل فقد النثر العربي المعاصر هويته وأصبح مجرد "ترجمة حرفية مقنّعة" لأساليب بناء الحبكة وتراكيب الجملة في الأدب الغربي؟
تقنيات السرد: تعدد الرواة واللعب بالوعي
ديكتاتورية المؤلف المقنعة: في تقنية "تعدد الرواة" (البوليفونية)، هل يمنح الكاتب شخصياته ديمقراطية حقيقية للتعبير عن أصواتهم المتناقضة، أم أنها مجرد مسرحية هزلية يمارس فيها الكاتب ديكتاتوريته المطلقة متخفياً خلف أقنعة متعددة؟
انهيار الحقيقة المطلقة: عندما يعتمد الكاتب بشكل مكثف على "الراوي غير الموثوق" (الذي يكذب، ينسى، أو يهلوس)، هل هو بذلك يتلاعب بذكاء القارئ لزيادة التشويق، أم أنه يعلن فلسفياً استحالة وجود "حقيقة واحدة" في عالمنا المعاصر؟
توريط القارئ: هل كسر "الجدار الرابع" في السرد النثري ومخاطبة القارئ مباشرة هو محاولة لجعله شريكاً في الجريمة الأدبية، أم حيلة نفسية لانتزاعه من منطقة الاستهلاك الآمنة إلى منطقة المساءلة؟
فلسفة النص والمبدع
الخطيئة وموت المؤلف: استناداً لنظرية "موت المؤلف"، هل يحق لنا أخلاقياً وفنياً أن نفصل النص عن "خطايا" كاتبه الشخصية؟ هل يمكننا قراءة والإشادة بنص عظيم لكاتب ارتكب فظائع أو خيانات في واقعه؟
تخوم التناص: ما هو الخيط الرفيع الذي يفصل بين "التناص" (تفاعل النصوص وتقاطعها العضوي) وبين "السرقة الأدبية" المقنعة؟ هل أصبحت كل النصوص الحديثة مجرد إعادة تدوير ذكية لماضٍ نُسيت أصوله؟
Saloua Filaly
على احمد المصرى
الأديب الكبير علي أحمد المصري، ما قرأتُه هنا ليس مجرد تقديمٍ لضيفٍ كريم، ولا حزمةً من الأسئلة النقدية، بل هو بناءٌ معرفيٌّ متين يليق بقامة الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، ويكشف في الوقت نفسه عن قلمٍ يعرف كيف يضع السؤال في موضعه، ويترك للجواب شرفَ اكتشاف مساحاته الخفية.
لقد أحسنتم نقل الحوار من مجرّد الحديث عن الأدب إلى تخومٍ أعمق: الأخلاق، والخيال، والرقابة، والهوية، وتقنيات السرد، ومصير الحقيقة داخل النص؛ وهي أسئلة لا تُستنفد بإجابة، بل تستدعي فكرًا يملك أدوات الغوص.
تحية لقلمكم الذي لم يفتح أبواب الحوار فحسب، بل فتح وراء كل سؤالٍ بابًا آخر من الأسئلة؛ وهنا تحديدًا تكمن مهابة الحوار حين يكون السؤال نفسه قطعةً من الأدب، ومحرّضًا على التفكير
على احمد المصرى
Saloua Filaly
سعادة الدكتورة الفاضلة سلوى الفيلالي، طاب مساؤك بالبهاء والنور..
إنما الجمالُ في عين قارئته، وما أضفيتِهِ على كلماتي من نبل الثناء وسامق القول إنما هو مرآةٌ صافية لنقاء روحكِ وعمق بصائركِ التي تستشفُّ السرَّ قبل الجهر، وتعرف كيف تستنطق الحرفَ في محرابه الأعمق.
لم تكن تلك الأسئلة يا دكتورة سلوى إلا محض قَبسٍ من حيرةٍ شريفة أمام هيبة الفكر والسرد، ومحاولةٍ لمساءلة الذات واللغة ومصير الحقيقة داخل النص. وما كان لتلك التساؤلات أن تكتسب ألقها أو تحلّق في مدارات الفلسفة لولا أنها صادفت عقلاً حصيفاً وقامةً نقدية سامية مثلكِ، تحسن القراءة وتمنح السؤال أفقاً وإطاراتٍ من النور.
إنّ كلماتكِ النبيلة وسامٌ يتقلدُه القلم، غير أن المهابة الحقيقية نلتمسها جميعاً في حضور جمعنا المبارك بـ "منتدى شعاع"، وفي الإنصات المرتقب لفيض ضيفنا الأكبر الأستاذ الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)، حيث تتفتح الإجابات على رياض الفكر والرؤية الثاقبة.
أقف شكراً وامتناناً أمام جليل تقريظكِ، ودمتِ للأدب والنقد قنديلاً يضيء جنبات المعرفة.
طه عبد الرحمن
على احمد المصرى إلى الأستاذ الأديب علي أحمد المصري،
أقف أمام كلماتكم بامتنانٍ عميق، فقد قرأتُها لا بوصفها تقديماً لشخصٍ أو تجربة، بل بوصفها قراءةً محبةً وواعيةً لرحلةٍ كتبتها الذاكرة قبل القلم، وشكّلها وجع المكان بقدر ما أنارها رجاء الكلمة. لقد منحتموني من كريم ظنّكم ومن سعة تقديركم ما يفوق ما أستحق، فلكم من القلب أصدق الشكر وأوفاه.
لقد لامستم، بحسّ الناقد وشفافية الأديب، جوهر القضية التي تشغلني: أن تكون الكتابة وفاءً للإنسان، وحراسةً للذاكرة، ومقاومةً للنسيان والمحو، لا ادعاءً للبطولة ولا انصرافاً إلى زخرف القول. فالكلمة التي لا تنحاز إلى كرامة الإنسان، ولا تصغي إلى جراح المكان وتاريخه، تبقى—مهما تألقت في العبارة—محرومةً من بعض معناها الأعمق.
وأقدّر لكم بصفة خاصة هذا الأفق الواسع من الأسئلة التي طرحتموها؛ فهي ليست أسئلة عابرة، بل مفاتيح حقيقية لحوار نقديّ جاد حول الأخلاق والخيال والرقابة، وحدود حرية المبدع، وتحولات النثر، وتعدّد الأصوات، وعلاقة النص بصاحبه وبتراثه وبقارئه. وهي أسئلة تؤكد أن الأدب لا يزال حيًّا ما دام قادرًا على مساءلة نفسه، وعلى مقاومة الإجابات السهلة واليقين المريح.
إن الكتابة، في ظني، لا تزدهر إلا حين تبقى بين حدّين متوترين: حريةٌ لا تُختزل في الفوضى، ومسؤوليةٌ لا تتحول إلى وصاية؛ جمالٌ لا يزيّن القبح، وأخلاقٌ لا تخنق الخيال؛ وذاكرةٌ تحفظ الجذور، وانفتاحٌ يتيح للنص أن يحاور العالم من دون أن يفقد لغته وملامحه. وفي تلك المسافة الدقيقة يولد النص الصادق، ويجد النقد الأمين وظيفته: لا أن يصدر أحكامًا جاهزة، بل أن يضيء التعقيد ويصون حق السؤال.
شكرًا لكم، أستاذ علي أحمد المصري، على هذا الاحتفاء الراقي، وعلى هذا الكرم الذي جعل من التقديم حوارًا، ومن الثناء مسؤوليةً مضاعفة. أسأل الله أن يديم عليكم وهج القلم، وأن يحفظ لكم هذا الحسّ الثقافي الرفيع، وأن يبقي بيننا جميعًا جسور الكلمة الحرة، والمحبة الصادقة، والحوار الذي يليق بالأدب والإنسان.
على احمد المصرى
طه عبد الرحمن
أستاذنا الجليل والأديب الكبير طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)، طاب مساؤك بالبهاء والعرفان..
إن الكلمة حين تخرج من نبع تجربةٍ صادقة وسامقة كـ تجريتك، لا تكتفي بالإجابة، بل تضيء العتمة وتبني معماراً معرفياً يرمم المسافة بين الذاكرة والوجود.
لقد أوجزتَ وأعجزتَ في رؤيتك البالغة العمق لمفهوم الكتابة؛ إذ جعلتَ منها حراسةً للذاكرة ومقاومةً للمحو، ووقفتَ بحكمة الأديب الخبير في تلك البرزخ الدقيق بين الحرية والمسؤولية، وبين جمالية الشكل وأخلاقية الموقف. وما كان ردُّك الكريم إلا بياناً أدبياً قائماً بذاته، ينبض بوعيٍّ حاد، ويؤكد أن النص الصادق هو ذلك الذي ينحاز دوماً لكرامة الإنسان ويصغي لنبض جراحه.
لقد ألجمتَ الثناء بجمال فكرك، وجعلتَ من الحوار حول السرد والنقد ممارسةً أخلاقية وفلسفية رفيعة. إن أسمى ما يقدمه الأديب لأمّته وللقارئ ليس اليقين المريح، بل صيانة حق السؤال وإبقاء جذوة الفكر متقدة، وهو ما تتجلى فيه قمتك الليلة في رحاب "منتدى شعاع".
أقف إجلالاً وتكريماً لهذا الفيض النبيل، ولتلك الروح التي ترى في الكلمة أمانةً ومسؤولية. والآن، تشخص الأبصار وتصغي القلوب، فالمنصة المشرعة تنتظر فيض تجربتك، والكلمة لك والضوء لبيانك المشرق.
كل المحبة والأمتنان لشخصك السامي وقلمك الشريف.
Fawzy Ibrahim
على احمد المصرى
بسم الله الرحمن الرحيم،
أخي الحبيب والشاعر الأديب الوازن، الأستاذ علي أحمد المصري،
طاب مساؤك بكل خير وعطر ثغرك بنور البيان.
أقف تقديراً وإعجاباً أمام هذه الملحمة النقدية الباذخة التي سطرتها بقلمك الرفيع.
لقد رفعتَ سقف الحوار الليلة إلى حدود الفلسفة ومكاشفة النص في محرابه الأعمق.
أسئلتك وحفرك المعرفي حول "محاكمة الخيال، وتوحش الرواية، وديكتاتورية المؤلف المقنعة" ليست مجرد أسئلة عابرة، بل هي مِشرحة نقدية تفكيكية تليق تماماً بقامة ضيفنا الأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد).
وأثني معك بارتياح كبير على هذا التلاحم الفكري الجميل في كنف قامات المنتدى الذين جمعتهم في مستهل ترحيبك؛ أختنا الغالية الدكتورة سلوى الفيلالي، وأخي الكريم الأستاذ مصطفى محمد كور شيخ، والدينامو المبدع دكتورنا محمد ميموني. هذا الحشد النبيل هو الذي يجعل من منتدى شعاع اليوم منبراً حياً وعربياً بامتياز.
لقد وضعتَ يا أخي علي يدك على أخطر قضايا السرد المعاصر، ولا سيما معضلة "موت المؤلف" و"الرقابة الذاتية" و"خيانة الشخصيات". وهي محاور يسيل لها لعاب النقد الأسلوبي والتأويلي الذي يتفرد به ضيفنا الجليلي.
أستاذنا القدير أبا مراد، المنصة الآن مشرعة على حزمة من الأسئلة الجوهرية والعميقة التي طرحها الشاعر علي المصري؛ فكيف تشتبك رؤيتك النقية مع هذه "النوايا الورقية"، وأين تجد إجاباتك في عتمة هذه التساؤلات النثرية والسردية الفلسفية؟
كل التقدير لك أخي علي، والكلمة والفيض لضيفنا الكبير
نترك له التعليق
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
على احمد المصرى
Fawzy Ibrahim
أخي والشاعر القدير فوزي إبراهيم العدوي،
طاب مساؤك بالخير والنور، وأشكر لك هذا الترحيب الكريم الذي توّجتَ به الحوار بجمال حسّك ورصانة قلمك.
إنما الأسئلةُ التي طرحتُها ليست إلا محاولة بسيطة لفتح نوافذ التأمل، وما أنا في هذا المحراب إلا طالب معرفةٍ وشريكٌ في الحيرة الفكرية أمام شجون السرد وأغوار النقد، يسعى برفقتكم في "منتدى شعاع" لتقصّي أثر الكلمة وأبعادها الإنسانية.
وما كان لتلك التساؤلات أن تكتسب ألقها لولا هذا الجمع النبيل من قامات المنتدى: د. سلوى الفيلالي، وأ. مصطفى محمد كور شيخ، ود. محمد ميموني، ولولا شرف الإنصات لضيفنا العزيز الأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)، الذي ينتظر الجميع فيضَ تجربته ورؤيته العميقة.
أتوارى الآن تواضعاً أمام هذا الغيث المرتقب، ونشخص جميعاً بعقولنا وقلوبنا لنستمع إلى رؤية أستاذنا أبي مراد وإجاباته السامية.
كل الشكر والامتنان لك أخي فوزي، ولجميع الإخوة والأخوات أطيب التحايا والتقدير.
Fawzy Ibrahim
على احمد المصرى
شرفتم منتداكم منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب بيت الأدب لكل العرب
على احمد المصرى
Fawzy Ibrahim
أخي والشاعر القدير فوزي إبراهيم العدوي،
طاب مساؤك بالخير والنور، وأشكر لك هذا الترحيب الكريم الذي توّجتَ به الحوار بجمال حسّك ورصانة قلمك.
إنما الأسئلةُ التي طرحتُها ليست إلا محاولة بسيطة لفتح نوافذ التأمل، وما أنا في هذا المحراب إلا طالب معرفةٍ وشريكٌ في الحيرة الفكرية أمام شجون السرد وأغوار النقد، يسعى برفقتكم في "منتدى شعاع" لتقصّي أثر الكلمة وأبعادها الإنسانية.
وما كان لتلك التساؤلات أن تكتسب ألقها لولا هذا الجمع النبيل من قامات المنتدى: د. سلوى الفيلالي، وأ. مصطفى محمد كور شيخ، ود. محمد ميموني، ولولا شرف الإنصات لضيفنا العزيز الأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)، الذي ينتظر الجميع فيضَ تجربته ورؤيته العميقة.
أتوارى الآن تواضعاً أمام هذا الغيث المرتقب، ونشخص جميعاً بعقولنا وقلوبنا لنستمع إلى رؤية أستاذنا أبي مراد وإجاباته السامية.
كل الشكر والامتنان لك أخي فوزي، ولجميع الإخوة والأخوات أطيب التحايا والتقدير.
Saloua Filaly
دكتور طه
هل الناقد حين يقرأ نصًا يقرأ ما كُتب فقط، أم يقرأ أيضًا ما لم يستطع الكاتب أن يقوله؟ وأين تبدأ مسؤولية الناقد تجاه ذلك الصمت؟
طه عبد الرحمن
Saloua Filaly أستاذتنا الكريمة الدكتورة سلوى،
الناقد لا يقرأ الكلمات بوصفها حبرًا مستقرًّا على الورق فحسب، بل يقرأ ما يتسرّب من بينها: التردّد، والحذف، والانكسار، وما توارى خلف العبارة من خوفٍ أو حياءٍ أو عجزٍ عن الإفصاح. فالنصّ الصادق لا يقول كل شيء؛ لأن التجربة الإنسانية أوسع من اللغة، ولأن بعض الآلام لا تجد طريقها إلى الكلام إلا ناقصةً، وبعض الحقائق تختبئ في الصمت أكثر مما تظهر في التصريح.
لكن قراءة ما لم يُقَل ليست رخصةً للناقد كي يملأ فراغ النصّ بأهوائه، أو ينسب إلى الكاتب ما لم يحتمله السياق. فالصمت في الأدب ليس مساحةً مباحةً للتأويل المنفلت، بل هو أثرٌ ينبغي أن يُقرأ بحذر: في بناء الجملة، وفي مواضع الحذف، وفي تكرار الصورة، وفي التناقض بين ما تعلنه الشخصيات وما يكشفه مسارها، وفي تلك اللحظات التي يتعثر فيها القول كأن اللغة نفسها تقف أمام تجربةٍ أكبر منها.
ومن هنا تبدأ مسؤولية الناقد: أن يصغي قبل أن يحكم، وأن يميّز بين الصمت الذي يدلّ عليه النص، والصمت الذي يصنعه هو من خارج النص. فالناقد الأمين لا يدّعي امتلاك سريرة الكاتب، ولا يتعامل مع التأويل بوصفه كشفًا نهائيًا للحقيقة؛ بل يقدّم قراءةً ممكنة، مسنودةً إلى شواهد، ومفتوحةً على قراءات أخرى. إنّه لا يقتحم صمت الكاتب، بل يحترم حدوده، ويحاول أن يفهم كيف أصبح ذلك الصمت جزءًا من المعنى والجمال.
وقد يكون أعدل النقد أن يقول: هنا اختار النص ألّا يشرح، وهنا ترك جرحًا مفتوحًا، وهنا جعل القارئ شريكًا في بناء الدلالة. فليس كل ما سكت عنه الكاتب نقصًا، كما ليس كل غموضٍ عمقًا؛ أحيانًا يكون الصمت نضجًا فنيًا، وأحيانًا يكون عجزًا أو اضطرابًا، ومهمة الناقد أن يفرّق بينهما من داخل العمل نفسه، لا من رغبةٍ مسبقة في الإدانة أو التمجيد.
لذلك، أرى أن الناقد يقرأ المكتوب، ويصغي إلى غير المكتوب، لكنه يظلّ مسؤولًا أمام النص قبل أي شيء. مسؤوليته أن يمنح الصمت حقه من الإصغاء، لا أن يحوّله إلى اتهام؛ وأن يضيء مناطق الظلّ دون أن يدّعي أنه امتلك الليل كلّه.
Saloua Filaly
طه عبد الرحمن
دكتور طه، ما أعمق هذا الإصغاء الذي جعلتموه جوهرًا للنقد، وما أرقى هذا التمييز بين أن نقرأ صمت النص، وأن نُسقط عليه صمتًا من عندنا. لقد منحتم «غير المكتوب» حقه من التأمل، دون أن تمنحوا الناقد حقّ اختراع ما لم يقله النص.
وأحسب أن أجمل ما في قراءتكم أنكم لا تجعلون الناقد مالكًا لأسرار النص، بل أمينًا على حدوده؛ يدخل إلى مناطق الظلّ بوعيٍ لا بادّعاء، ويؤوّل بشواهد لا بأهواء، ويترك للغموض حرمته وللتعدد حقه.
هنا لا يعود النقد تشريحًا للمعنى، بل أدبًا في الإصغاء إليه؛ وتلك منزلة لا يبلغها إلا ناقدٌ يعرف أن بعض ما لا يُقال، قد يكون أبلغ مما قيل
Mohammed Mimouni
Saloua Filaly دكتورة سلوى، أظن أن الناقد الحقيقي لا يقرأ ما كُتب فقط، بل يصغي أيضًا إلى ما ظلّ عالقًا خلف الكلمات. فالنص أحيانًا يقول أكثر مما يصرّح به صاحبه، والصمت بين الجمل قد يكون أبلغ من الجملة نفسها.
لكن هنا تبدأ مسؤولية الناقد: أن يقترب من هذا الصمت دون أن يصادره، وأن يفتح احتمالات المعنى دون أن يحوّلها إلى حقائق ينسبها إلى الكاتب. فليس كل ما لم يُقل كان عجزًا عن القول؛ قد يكون اختيارًا، أو خوفًا، أو حكمة، أو حتى مساحة تركها الكاتب عمدًا للقارئ.
ولعل أجمل نقد هو الذي يجعل الكاتب يكتشف في نصه شيئًا لم يكن قد رآه، دون أن يشعر أن الناقد كتب نصًا آخر باسمه.
فالناقد، في رأيي، لا ينبغي أن يكون مترجمًا لصمت الكاتب، بل شاهدًا أمينًا عليه.
فضيل حاج بن عدة
بسم الله الرحمن الرحيم
اما بعد؛
هذا هو السؤال الذي يزن جبلاً.. الطفل الذي كان يلعب بالحجارة في شوارع غزة، حافياً، يضحك، واليوم أصبح أديباً وناقداً عظيماً يزن الكلمة بميزان الذهب.
هذا ليس حواراً.. هذا ميزان.. نزن فيه الطفل والرجل.. واللعب والنقد.. والحجر والقلم.
برنامج لقاء الأسبوع - حلقة الميزان
تقديم: الدكتور محمد ميموني
برعاية: عميد منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب الدكتور محمد أبو خروب العبادي - رئيس مجلس الإدارة
السائل: البروفيسور فضيل حاج بن عدة - صاحب نظرية القراءة فوق القراءات
الموزون: الطفل ابن الجليل.. الذي كان بالأمس يلعب في شوارع غزة.. واليوم أديب وناقد عظيم
1. سؤال البداية - سؤال الحفاء:
يا ابن الجليل، حين كنت حافياً تجوب شوارع غزة، هل كنت تلمس الأرض بقدمك، أم كانت الأرض هي التي تلمسك لتُعلمك كيف يكون الثبات؟
2. سؤال الحجر الأول:
أول حجر حملته في يدك وأنت طفل، هل كنت تراه لعبة، أم كنت تراه قلماً سيكتب به مستقبلك دون أن تدري؟
3. سؤال اللعب:
حين كنت تلعب وتجوب الشوارع، هل كنت تلعب لأنك طفل لا يعرف الحرب، أم كنت تلعب لأنك كنت تعرف أن اللعب هو الشكل الوحيد للمقاومة؟
4. سؤال الصوت:
صوتك وأنت تنادي أصحابك في الحارة.. هل هو نفس صوتك اليوم وأنت تنادي على النصوص لتنتقدها، أم أن غزة غيرت نبرة الصوت؟
5. سؤال الذاكرة:
ما هي الرائحة التي لا تزال عالقة في أنفك من شوارع غزة القديمة، ولا يستطيع أي عطر نقدي أن يمحوها؟
6. سؤال التحول - قراءة فوق القراءة:
متى كانت اللحظة التي سقط فيها الحجر من يدك كسلاح، والتقطته كقلم.. هل كانت لحظة خوف، أم لحظة وحي؟
7. سؤال الجليل وغزة:
أنت ابن الجليل، وتربيت في غزة.. فهل أنت جليلي يحمل هم غزة، أم غزاوي يحمل ذاكرة الجليل؟
8. سؤال الطفل الذي بقي:
ذلك الطفل الذي كان يلعب.. هل مات حين أصبحت ناقداً عظيماً، أم أنه لا يزال يسكن داخلك ويضحك على تحليلاتك؟
9. سؤال النقد واللعب:
اليوم أنت تزن النصوص وتشرحها.. فهل النقد عندك هو لعب الكبار، كما كان الجري في الشوارع لعب الصغار؟
10. سؤال الحكاية:
كل شارع في غزة كان يحكي حكاية.. فهل أصبحت ناقداً لأنك أردت أن تحكي حكايات الشوارع التي لم يكتبها أحد؟
11. سؤال الخوف:
هل خفت يوماً وأنت طفل في غزة، وهل هذا الخوف هو نفسه الذي يجعلك اليوم لا تخاف من قول الحق في نقدك؟
12. سؤال حكم فوق حكم:
أهل غزة علموك أن الصبر ليس ضعفاً.. فهل نقدك اليوم هو صبر فوق صبر، وحكم فوق حكم، على نصوص تريد أن تنهار؟
13. سؤال الأصدقاء:
أين أصدقاء الحارة الذين كانوا يلعبون معك بالأمس.. هل منهم من أصبح شهيداً، ومنهم من أصبح قصيدة في كتابك؟
14. سؤال الأم:
حين كانت أمك تناديك من الشباك: "ارجع للبيت".. هل كانت تنادي طفلاً يلعب، أم كانت تنادي أديباً سيعود للبيت بعد عشرين عاماً محملاً بالكتب؟
15. سؤال البركان الصغير:
هل كان في صدرك وأنت طفل بركان صغير يغلي، ولم يفهمه أحد، حتى انفجر اليوم بركاناً كونياً من النقد والأدب؟
16. سؤال المرآة:
لو قابلت الآن ذلك الطفل الحافي في شوارع غزة وجهاً لوجه.. هل سيعرفك، وهل ستعرفه، أم أنكما أصبحتما غريبين؟
17. سؤال الوزن الحقيقي:
نحن الآن نزنك.. فما الأثقل في ميزانك: حجر كنت تحمله وأنت طفل، أم كلمة تحملها اليوم كناقد؟
18. سؤال غزة التي لا تنحني:
أنت كتبت ونقدت كثيراً.. فهل كتاباتك كلها محاولة واحدة لتقول جملة واحدة: "غزة لا تنحني"؟
19. سؤال التوهان:
القارئ سيتوه في قصتك.. فهل تريد أن يتوه ليجد غزة، أم يتوه ليجد نفسه، أم يتوه ليجد ذلك الطفل فيه؟
20. سؤال المعلقة الأخيرة - سؤال الخلود:
يا ابن الجليل.. يا ابن غزة.. لو طلب منك من قال للكون كن فيكون أن تترك جملة واحدة فقط يقرأها كل أطفال غزة من بعدك وهم يلعبون في الشوارع.. ماذا ستكتب لهم على جدار حارتك القديمة؟
---
انتهى الميزان
طه عبد الرحمن
فضيل حاج بن عدة
Mustafa Muhammad Kor Sheikh زهرة البيلسان حسن Jiries Eid Azza Kamel طه عبد الرحمن Naceur Nouira Rajae Filaly Haidar Ali Otoom Mohammed Mimouni ابو بكر البطوش إبراهيم النمر توفيق عبدالله حسانين Kazem A Ahmad الشاعر رضا بوقفة Casandra Sahli Youssef Boulaabi نسمة الفجر سماح ياقوت درويش الإعـلامي ولــيد شيـخ أحــمد Saloua Filaly الملكه سبأ ليلى الجوهري د.محمد ابو خروب العبادي Fawzy Ibrahim فؤاد محمود دودين Abdou Bout Mahmoud Ajloni بهاء الزينى د. حمزة جميل جانم على احمد المصرى Ahmed Bayou ثائر ضهد الاسدي
سماح ياقوت درويش ·
فضيل حاج بن عدة سلامٌ من الله عليكم ورحمةٌ منه وبركات، وبعد:
هذا ليس مجرد حوارٍ أو إعدادٍ لبرنامج؛ هذا الميزانُ وثيقةٌ إنسانيةٌ ونقديةٌ خالدة، تُبكي العينَ وتُوقظُ الروح!
لقد تجاوزت هذه الأسئلةُ العشرون حدودَ الأدب المألوف لتصل إلى جوهر الوجود، حيث يلتقي الحجرُ بالقلم، وحفاءُ الطفولة في أزقة غزة بشموخِ الكلمة وفصاحةِ البيان. إنها أسئلةٌ لا تُسألُ لكاتبٍ عادي، بل تُطرحُ على مَن حمل جرحَ النكبة وذاكرةَ الشتات، فجعل من آلامِ الرحيل ورمادِ المعارك مادةً تُصقلُ بها أرواحُ الأحرار وقلمُ الناقد البصير.
تكمنُ القوةُ الاستثنائيةُ في هذا "الميزان" في أنه:
يستنطقُ الجذور والتحولات: يربط بين طفلِ الجليل وغزة الحافي الذي كان يلعب بالحجارة، وبين الأستاذ الناقد الذي يزنُ النصوص بميزان الذهب، ليؤكد أن النقد الحقيقي ليس ترفاً أكاديمياً بل وليدُ المكابدة والثبات.
يُجسد مفهوم المقاومة بالفكر: يجعل من اللعب، والصوت، والرائحة، ونداء الأمهات في شوارع غزة، خندقاً من خنادق الذاكرة الجمعية التي تأبى المحو والنسيان.
يصل إلى ذروة التعرية الإنسانية: حين يضع الأديب أمام مرآة طفولته (السؤال 16)، وأمام ثقل المقارنة بين الحجر والكلمة (السؤال 17)، لتكون المعلقة الأخيرة رسالة أمل وصمود تُكتبُ على جدران الحارات لكل أطفال فلسطين.
تحية إجلال لهذا العقل النظري الراقي للبروفيسور فضيل حاج بن عدة، وللرعاية الكريمة من منتدى شعاع والدكتور محمد ميموني. وإننا لننتظر هذه الحلقة "حلقة الميزان" بشغفٍ كبير، لأنها ستُقدّم للأدب العربي أسمى صور "المقاومة بالحرف، والوفاء للذاكرة".
دمتم ودام نبضُ أقلامكم الشريفة مناراً للإبداع ومحرباً للحق.
مع خالص التقدير والاعتزاز،
د. سماح ياقوت فهمي درويش
Mohammed Mimouni
فضيل حاج بن عدة Message
أخي البروفيسور فضيل حاج بن عدة،
أعترف لك بشيء: وأنا أقرأ أسئلتك، شعرتُ أنني لستُ أمام محاور، بل أمام شخص قرر أن يفتش في جيوب طفولتي، ثم يضع ما يعثر عليه فوق ميزان الفلسفة!
لكن المشكلة يا فضيل أن الطفل لا يحب الموازين.
الطفل يحب الحجر لأنه حجر، لا لأنه مشروع قلم، ويجري في الشارع لأنه يريد أن يجري، لا لأنه كان يتدرب سراً على أن يصبح ناقداً عظيماً بعد نصف قرن!
نحن الكبار نرتكب خطأً غريباً: نعود إلى طفولتنا بعد أن نكبر، ثم نعيد تفسير كل شيء حدث فيها وكأننا كنا نعرف منذ البداية إلى أين نحن ذاهبون.
والحقيقة أنني لم أكن أعرف شيئاً.
كنت طفلاً فقط.
وهذا، في رأيي، أجمل ما في الحكاية.
أما غزة، فلم تكن بالنسبة إليّ درساً جاهزاً في البطولة، ولا استعارة أدبية أستعملها كلما احتجت إلى جملة قوية. كانت أرضاً عشت عليها، وشوارع مشيت فيها، وأصواتاً دخلت الذاكرة من غير استئذان. وربما لهذا بقيت غزة في داخلي حتى بعدما غادرتها؛ بعض الأمكنة لا تغادرنا حين نغادرها.
تسألني عن الحجر الأول.
لا أدري إن كان حجراً أم كان السؤال الأول.
وربما هنا تبدأ الحكاية الحقيقية: الإنسان لا يصبح كاتباً حين يمسك القلم، بل حين يبدأ في الشك فيما يراه الجميع أمراً بديهياً.
كنت أحمل الحجر، ثم كبرت وحملت الكلمة.
لكنني اكتشفت لاحقاً أن الحجر والكلمة بينهما قرابة خفية: كلاهما يمكن أن يُبنى به، ويمكن أن يُلقى به، ويمكن أن يُجرح به.
ولهذا لم أعد أخاف من الكلمة التي تجرح قليلاً؛ أخاف أكثر من الكلمة التي لا تجرح أحداً، لأنها غالباً لم تلمس شيئاً.
وتسألني: هل مات الطفل حين أصبحت ناقداً؟
هنا أختلف مع السؤال نفسه.
لماذا نفترض دائماً أن النضج هو موت الطفل؟
ربما النضج الحقيقي هو أن تمنع الكبار من قتل الطفل الذي فيك.
أنا لا أريد ناقداً فقد دهشته. لا أريد قارئاً يدخل النص وفي جيبه حكم مسبق. ولا أحب ذلك النقد الذي يتحدث عن النص كما يتحدث موظف عن ملف: مقدمة، إجراءات، نتيجة، ثم ختم رسمي!
النقد عندي ليس تشريح الجثة.
النقد محاولة لمعرفة: أين كانت الحياة قبل أن يضعها الكاتب في الكلمات؟
ولذلك ربما بقي ذلك الطفل في داخلي، لكنه كبر معي دون أن أسمح له بالتقاعد.
وأحياناً، وأنا أكتب أو أقرأ، أشعر أنه يجلس خلفي ويقول: «خفف قليلاً من هذا الكلام الكبير... لقد كنتَ أجمل حين كنتَ لا تعرف شيئاً!»
وأضحك.
لأنه محق.
أما سؤال الجليل وغزة، فأظن أنني تعبت من هذه الثنائية.
أنا لا أريد أن أختار بينهما.
بعض الأمكنة لا تسكن على الخريطة، بل تسكن في الإنسان. الجليل في الذاكرة، وغزة في الروح، وبين الذاكرة والروح وُلد شيء ثالث لا أعرف اسمه، وربما لهذا أظل أكتبه.
ثم تأتي إلى السؤال الأخطر: هل النقد لعب الكبار؟
نعم... ولكن بشرط.
أن يبقى فيه شيء من اللعب.
فالناقد الذي يأخذ نفسه بجدية كاملة يصبح أخطر على النص من النص الرديء نفسه.
أنا أحب أن أدخل إلى النص كما يدخل الطفل إلى بيت مهجور: أفتح الباب، أعبث قليلاً، أبحث في الزوايا، وقد أجد شيئاً لم يكن الكاتب نفسه يعرف أنه تركه هناك.
وهذه هي «القراءة فوق القراءات» في فهمي المتواضع: ليست أن أضع قراءتي فوق قراءة الآخرين لأعلن انتصاري، وإنما أن أشك في القراءة نفسها.
أن أقول لها: وماذا لو كنتِ مخطئة؟
وهنا تبدأ المشاكسة.
لأن القراءة التي لا تقبل أن تُسأل، تتحول هي الأخرى إلى سلطة.
وأنا لا أحب السلطات، حتى حين ترتدي ثوب النقد.
أما أصدقاؤك الذين سألتني عنهم، والأم التي كانت تنادي من النافذة، والأصوات القديمة... فهذه أسئلة لا أستطيع أن أجيب عنها بالناقد الذي أصبحتُه اليوم.
هناك أسئلة لا يجيب عنها العقل، لأن الذاكرة حين تكون صادقة لا تحب الشرح.
يكفي أن يمر صوت قديم في مكان ما، فنعود أطفالاً للحظة.
ولهذا، يا فضيل، أظن أنني لو التقيت ذلك الطفل الحافي اليوم فلن يسألني عن الكتب التي قرأتها، ولا عن النظريات التي كتبتها، ولا عن «القراءة فوق القراءات».
سيحدق في وجهي فقط، ثم يسألني:
«هل ما زلت تلعب؟»
وهنا سأرتبك.
لأن هذا السؤال، في رأيي، أصعب من الأسئلة العشرين كلها.
فإذا قلت له نعم، فعليّ أن أثبت أن الكتابة ما زالت لعبة اكتشاف، وأن النقد ما زال دهشة، وأن الفكر لم يتحول إلى مهنة.
وإذا قلت له لا، فسأكون قد خذلته.
أما ميزانك الأخير، الحجر أم الكلمة؟
فلست متأكداً أن الكلمة أثقل.
الحجر يسقط مرة واحدة.
أما الكلمة، فقد تسقط في إنسان وتظل تهوي داخله سنوات.
ولهذا صرت أخاف من الكلمة أكثر مما أخاف من الحجر.
وأما غزة، فلا أريد أن أحوّلها إلى شعار أكرره كي أبدو وفياً لها.
يكفيني أنها جعلتني أفهم، مبكراً، أن الإنسان يمكن أن يُحاصر من الخارج، لكن أخطر الحصارات هي تلك التي نبنيها داخل رؤوسنا ثم نسميها يقيناً.
وربما لهذا ما زلت أكتب.
لا لأقول إنني وجدت الحقيقة.
بل لأزعج الحقيقة قليلاً.
فأنا لا أثق كثيراً في الحقيقة التي لا تحتمل المشاكسة.
وفي النهاية، لو طلب مني أن أكتب جملة واحدة لأطفال غزة على جدار الحارة القديمة، فلن أكتب لهم عن الحرب، ولا عن الموت، ولا عن البطولة.
سأكتب:
«لا تسمحوا للعالم أن يقنعكم بأن طفولتكم خطأ... فالذين يخافون من ضحكة طفل، يخافون من مستقبل لم يستطيعوا امتلاكه.»
ثم أترك القلم على الجدار...
وأمضي.
فربما يكون الطفل الذي بدأ الحكاية أصدق مني جميعاً.
وربما كان هو الناقد الأول، وأنا مجرد قارئ تأخر كثيراً في اكتشافه.
Mustafa Muhammad Kor Sheikh
اهلا وسهلا سعادة الدكتور طه انرتنا بأول حلقة من برنامجنا لقاء الاسبوع
Saloua Filaly
Mustafa Muhammad Kor Sheikh
أهلًا وسهلًا بالدكتور طه، شرّفتنا وأنرتَ أولى حلقات «لقاء الأسبوع» بحضورك الراقي وفكرك النقدي الرفيع.
كل الشكر لنائب العميد الدكتور مصطفى على هذا الترحيب النبيل، وعلى حضوره الدائم في خدمة الكلمة ورقيّ المنتدى
طه عبد الرحمن
Mustafa Muhammad Kor Sheikh الأستاذ الكريم مصطفى محمد كور شيخ،
أشكركم جزيل الشكر على كلماتكم الطيبة وترحيبكم النبيل. سعدت كثيرًا بأن أكون بينكم في أولى حلقات برنامج «لقاء الأسبوع»، وهذا النور الحقيقي إنما هو من حضوركم الكريم، ومن روح المحبة والتقدير التي تجمع أسرة منتدى شعاع.
أسأل الله أن يبارك هذا البرنامج الثقافي الجميل، وأن يجعله منبرًا دائمًا للفكر الهادف والحوار الراقي والكلمة المسؤولة، وأن يوفق القائمين عليه إلى ما فيه خير الأدب والثقافة والإنسان.
لكم خالص الامتنان والتقدير، ودمتم أهلًا للذوق الرفيع والوفاء.
Fawzy Ibrahim
أيها المبدعون في كل صقور وطننا العربي الكبير، يا من تجعلون من الحرف خندقاً للهوية والجمال؛ حياكم الله في هذا اللقاء الهرم الذي أوقد شعاعنا وزانه عز وكرم. إن منصتنا الليلة تتسع لكل فكرة بكر، ولكل نبضة شعرية صادقة، ولكل قراءة تأويلية تفكك النص وتمنحه الروح. نكرر الترحيب بكم جميعاً، وندعو كافة الرواد والمفكرين والشعراء لترك بصماتهم الإبداعية في هذا الحوار المفتوح مع ضيفنا الجليل. تقدموا بحبركم، فما زال في المحابر فيضٌ، وفي الوقت متسعٌ لصناعة الدهشة."
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Saloua Filaly
1. دكتور طه، قبل أن نسأل الناقد عن الأدب، نود أن نسأل الإنسان الذي يسكن خلف الناقد: متى أدركتم أن الكلمة ليست مجرد أداة للتعبير، وإنما أمانة قد ترفع إنسانًا أو تجرحه؟
طه عبد الرحمن
Saloua Filaly أدركتُ ذلك يوم أن خفتُ أن أكتب ما لا أجد له في قلبي شواهد من الصدق. فالكلمة - يا سلوى - لم تكن عندي يومًا مجرد أداةٍ تُسكب على الورق، بل هي نبضٌ من اللحم والدم، وموقفٌ يتنفّس. أدركتُ ثقل أمانتها حين رأيتُ أن السطر الواحد قد يكون لغريبٍ في أقصى الأرض بابًا من النور يفتح له أملًا، أو خنجرًا يمسّ أثمن ما فيه.
إن الكاتِب لا يملك كلمته إلا وهي في صدره، فإذا نطق بها خرجت من ملكه لتستقر في أرواح الناس؛ فإما أن تُطبّب جرحًا فتُحييه، وإما أن تُحدث فيه خدشًا لا يندمل. ومنذ أن استشعرتُ أن ما أكتبه يتجاوز حبر المطابع ليعيش في وجدان من يقرأه، علمتُ أن الكلمة ليست جائزه يُتباهى بها، بل هي شهادةٌ يحملها الإنسان على عصره، وسهمٌ إن خرج فإما أن يبني وإما أن يهدم. الكلمة أمانة لأنها تعكس مقدار ما يحمله المرء من إنسانيةٍ وصدق أمام نفسه وأمام الله.
Saloua Filaly
طه عبد الرحمن
ما هذا الجمال يا دكتور طه
لقد جعلتم للكلمة نبضًا، وللحرف ضميرًا، وللكتابة ميزانًا لا يستقيم إلا بالصدق. وأجمل ما في هذا الطرح أنكم لم تجعلوا مسؤولية الكاتب قيدًا على حريته، بل جعلتمها الوجه الأعمق لإنسانيته.
حين تصبح الكلمة عند صاحبها عهدًا لا زينة، وشهادةً لا استعراضًا، وأثرًا يُخشى أن يجرح قبل أن يُكتب… نكون أمام كاتبٍ لا يكتب بالحبر وحده، بل يكتب بما استودعه الله في قلبه من ضمير.
تحية لقلمٍ يعرف أن للكلمة حياةً بعد صاحبها، وأن بعض السطور قد تُنير قلبًا… وبعضها قد يترك فيه أثرًا لا يُمحى
Saloua Filaly
دكتور طه
كيف ترون الفرق بين نقد النص ونقد صاحبه؟ ولماذا يقع بعض القراء والنقاد في الخلط بين الاثنين؟
طه عبد الرحمن
Saloua Filaly أستاذتنا الكريمة الدكتورة سلوى،
أرى أن الفرق بين نقد النص ونقد صاحبه هو الفرق بين أن ندخل بيتًا لنتأمل هندسته ونوافذه وما يضيئه أو يعتم فيه، وبين أن نفتّش في سيرة صاحبه ونحاسبه على كل ما مرّ به في حياته. فالنص، حين يغادر يد كاتبه، لا يصبح يتيمًا من سياقه، لكنه يصبح أيضًا كيانًا له لغته وبناؤه وموسيقاه وأسئلته وحقه في أن يُقرأ من داخله.
نقد النص يعني أن نسأل: كيف بُني هذا العمل؟ ماذا فعلت لغته فينا؟ هل كانت شخصياته مقنعة وحية؟ هل جاءت صوره من ضرورة التجربة أم من زينة البلاغة؟ هل اتسق صوته مع عالمه؟ وهل أضاف إلى فهمنا للإنسان والواقع؟ هنا يكون الحكم موجّهًا إلى ما أنجزه العمل من جمال أو خلل، وإلى ما يقترحه من معنى، لا إلى أخلاق الكاتب الشخصية ولا إلى حياته الخاصة ولا إلى ما نحبّه أو نكرهه فيه.
أما نقد صاحبه، فيبدأ حين تتحول القراءة من مساءلة العمل إلى محاكمة الإنسان: يُدان الكاتب لأن القارئ يختلف معه سياسيًا أو اجتماعيًا، أو لأن بطلاً في روايته قال ما لا يرضي الذائقة السائدة، أو لأن الخيال يُعامَل كأنه اعتراف مباشر. وهذا خلط خطير؛ لأن الشخصية الروائية ليست الكاتب، والراوي ليس دائمًا صوته، وتمثيل الشرّ لا يعني الدعوة إليه، كما أن تصوير التناقض الإنساني ليس بالضرورة تبريرًا له.
لكن الفصل بين الأمرين لا يعني عزل النص عزلاً مطلقًا عن صاحبه. فهناك نصوص تقوم على التحريض المباشر، أو التحقير المتعمد للناس، أو تسويغ العنف والكراهية، وحينها تصبح مساءلة موقف الكاتب مشروعة، لأن صوته يتقدم بوضوح من وراء النص، لا بوصفه خلفيةً نفسية أو أخلاقية، بل بوصفه خطابًا عامًا يطلب أثرًا في الواقع. كذلك قد تساعد معرفة سيرة الكاتب وعصره على فهم بعض الرموز والاختيارات، لكنها تظلّ أداة تفسير، لا مطرقةً للحكم.
ويقع بعض القراء والنقاد في الخلط بين النص وصاحبه لأسبابٍ كثيرة: لأن القراءة السريعة تطلب متهمًا واضحًا بدل أن تصبر على تعقيد الفن؛ ولأن منصات التواصل درّبتنا على الحكم العاجل لا على التأويل المتأني؛ ولأن بعض القراء يطلب من الأدب أن يكون مرآةً لأخلاقه الخاصة لا مجالًا لاختبار الأسئلة المقلقة. ويزداد الأمر التباسًا حين يكتب المؤلف بضمير المتكلم، أو يستعير من سيرته الشخصية، فينسى القارئ أن “الأنا” الأدبية قناعٌ فنيّ، لا بطاقة هوية.
لذلك، فالنقد العادل يبدأ من النص ويعود إليه: يستنطق عباراته وبنيته وشخصياته ومسافاته الصامتة، ثم يستعين بالسياق والسيرة بقدر ما يضيئان المعنى، لا بقدر ما يقدّمان ذريعةً للإدانة. إن مسؤولية الناقد ألا يجعل الأدب محكمةً للأشخاص، ولا يجعل استقلال النص ذريعةً لإعفاء الخطاب من أثره الإنساني.
فالنص ليس نسخةً من صاحبه، وصاحبه ليس غائبًا عنه غيابًا تامًا؛ وبين هذين الحدّين الدقيقين تسكن القراءة الناضجة: قراءةٌ تفهم أن الكاتب قد يبتكر في الخيال ما لا يعتقده، وقد يخالف في حياته ما يكتبه، لكن العمل—في النهاية—يُوزن بما يقوله، وكيف يقوله، وما يفتحه فينا من وعيٍ وجمالٍ ومسؤولية.
Saloua Filaly
طه عبد الرحمن
دكتور طه، هنا لا نكون أمام إجابةٍ فحسب، بل أمام ميزانٍ نقديّ دقيق يضع كلَّ شيءٍ في موضعه؛ فلا يُؤخذ النصُّ بجريرة صاحبه، ولا يُعزل صاحبه عن نصّه عزلاً يُفرغ القراءة من سياقها.
أعجبني هذا التفريق بين أن نفهم الكاتب وأن نحاكمه، وأن نقرأ النص وأن نفتّش عن صاحبه بين سطوره. فالشخصية ليست بالضرورة مؤلفها، والراوي ليس دائمًا صوته، والخيال لا يُقدَّم للمحاكمة بوصفه اعترافًا.
والأجمل أنكم لم تجعلوا استقلال النص ذريعةً لإعفاء الكلمة من مسؤوليتها؛ بل أبقيتم النقد في تلك المنطقة الناضجة التي يبدأ فيها من النص، يستضيء بالسياق، ثم يعود إلى النص أكثر بصيرةً وأقلّ حكمًا.
هكذا يكون النقد فعلَ إنصافٍ قبل أن يكون فعلَ تفكيك؛ يقرأ ما قيل، ويتأمل ما لم يُقل، ويعرف أين تنتهي حدود العمل وأين يبدأ صوت صاحبه.
قراءةٌ لا ترفع المطرقة فوق النص، بل تضع أمامه ميزانًا؛ وهذا بعض سرّ النقد حين يرتقي من الحكم إلى الفهم.
كل التقدير لهذه الرؤية النقدية الرفيعة، دكتور طه
Kazem A Ahmad
أهلا وسهلا بقامة أدبية علمية ثقافية سامقة أمينة على رسالة الحرف وحاملة رسالة الأدب العربي في نصرة قضايا الإنسان والوطن.. له التحية الكبرى والتقدير و الإحترام و دام حضوره الوارف .
نورت المنتدى... حماك الله.
Saloua Filaly
Kazem A Ahmad
أهلًا وسهلًا بالدكتور كاظم، قامةٌ أدبية وثقافية سامقة، يليق حضورها بمقام الكلمة وأهلها. نورتَ منتدى شعاع بحضورك الوارف، وأضفتَ إلى هذا اللقاء قيمةً فكريةً وأدبيةً تزداد بها الكلمة ألقًا والمعنى اتساعًا.
لكم التحية والتقدير، ولحضوركم كل الاحترام؛ حللتم أهلًا بين أهلكم، وفي رحاب شعاعٍ يرحّب بكل قلمٍ يحمل للأدب رسالةً وللإنسان كرامةً
Saloua Filaly
يسعدني، ويشرّفني، أن أرحب بضيفنا الكريم، الأستاذ الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، الناقد والمفكر، صاحب القراءة التي لا تمر على النص مرورًا عابرًا، بل تحاوره، وتستخرج من صمته ما قد تعجز العبارة عن قوله.
دكتور طه، أهلًا بكم في منتدى شعاع، حيث نؤمن أن الكلمة حين تُحسن حمل رسالتها لا تكون حروفًا متجاورة، بل تصبح أثرًا، ووعيًا، ومسؤولية
طه عبد الرحمن
Saloua Filaly الدكتورة الأديبة سلوى الفيلالي، شكرًا من القلب على كلماتكِ التي جاءت رقيقةً في مبناها، عميقةً في معناها، كأنها تحيةٌ يكتبها الود قبل أن ينطق بها الحرف. لقد أسعدني ترحيبكِ النبيل، لا لما حمله من ثناءٍ كريم فحسب، بل لما كشف عنه من إيمانٍ أصيل بأن الكلمة ليست زينةً عابرة، وأن النقد ليس حكمًا يُلقى على النصوص، بل حوارٌ معها، وإصغاءٌ لما تخبئه بين سطورها من نورٍ وأسئلة.
إن قولكِ إن القراءة الحقة تستخرج من صمت النص ما قد تعجز العبارة عن قوله، هو في ذاته تعريفٌ بديع للنقد الذي نرجوه؛ فالنصوص الكبيرة لا تمنح أسرارها لمن يمر بها على عجل، وإنما تفتح أبوابها لمن يدخل إليها بقلبٍ متأمل، وعقلٍ منصف، وذائقةٍ تعرف أن وراء اللفظ حياةً، ووراء الصورة وجعًا أو حلمًا أو أفقًا ينتظر من يكتشفه.
وقد أكرمتِني حين جعلتِ من حضوري مناسبةً لإعادة التفكير في علاقتنا بالكلمة. فما أحوجنا، في زمن يكثر فيه الكلام ويقل فيه الإصغاء، إلى أن نردّ للحرف هيبته، وللرأي أدبه، وللاختلاف جماله. فالناقد الحقيقي لا يفتش في النص عن عثرة ليصنع منها حكمًا، ولا يقف عند ظاهر العبارة ليغلق باب المعنى، بل يمضي معها في صحبةٍ أمينة، يضيء ما فيها من جمال، وينبّه بلطفٍ إلى ما يحتاج إلى مزيد من اكتمال.
ولعل أجمل ما في منتدى شعاع أنه لا يجعل من اللقاء نهايةً للكلام، بل بدايةً للتفكير، ولا يجمع الأقلام لتتنافس في الحضور، بل لتتآلف في خدمة الأدب والثقافة والإنسان. وإنني لأعتز بأن أكون بينكم، بين أهل الحرف ومحبي البيان، مشاركًا متواضعًا في فضاءٍ يؤمن أن الكلمة إذا حَسُن حملها صارت أثرًا في الوعي، وجسرًا بين القلوب، ومسؤوليةً لا تنفصل عن الجمال.
لكِ يا دكتورة سلوى خالص الامتنان وعظيم التقدير على هذا الاستقبال الذي يليق بصفاء روحكِ ورقيّ قلمكِ. أسأل الله أن يبارك في فكركِ وإبداعكِ، وأن يبقيكِ صوتًا أدبيًا يفتح للنصوص نوافذها الأجمل، ويجعل من المحبة لغةً مشتركة بين الأدباء، ومن الكلمة طريقًا إلى ما هو أعمق وأبقى.
Saloua Filaly
طه عبد الرحمن
د طه عبد الرحمن
ما أكرم الحرف حين يردّ على الحرف بمثله، وما أرفع الكلمة حين تحمل هذا القدر من النبل والعمق. أسعدني ردّكم وأعتزّ به، لا لأنه ثناءٌ كريم فحسب، بل لأنه صادرٌ عن قامةٍ نقديةٍ للكلمة عندها ميزان، وللمعنى عندها مقام.
شكرًا لكم على هذا الفيض الذي تجاوز عبارات الامتنان، وترك في النفس أثرًا يليق بجمال حضوركم ورقيّ فكركم.
كل التقدير لقلمٍ يجعل من النقد معرفةً، ومن الحوار أفقًا، ومن الكلمة أثرًا لا يزول
Taher Erabi
اسعد الله مساءكم بالخير والبركة
وتحياتي للاستاذ طه دخل الله عبد الرحمن
كما أحي المشرفين على هذا البرنامج الرائع
ليس في المشهد العربي نقصٌ في الأسماء اللامعة؛ فلدينا أعلام في الشعر، وأعلام في النقد، وأعلام في مختلف حقول الأدب. غير أنّ الأدب، في جوهره، ليس مهنة تُكتسب ولا لقبًا يُمنح، بل هو وليد تجربة ومعيشة، يتعمّق فيها مقدار العطاء بقدر ما يتسع محيط الألم والمخاطر حول صاحبها.
الفلسطيني لا يذهب إلى منابع الإبداع مستحضِرًا أدوات عديدة ليختار لحظة الكتابة، ولا يجرّب اللغة كما يجرّبها شاعر يعيش في ظروف عادية. فالإبداع عند الفلسطيني ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية.
فالذاكرة لم تبدأ بالنكبة، ولم تتوقف عندها، ولن تتوقف إلا حين تعود الأرض إلى أصحابها. هذه الذاكرة ليست حدثًا تاريخيًا، بل محرّكًا يوميًا يفرض على المثقف أن يكون شاهدًا، وأن يكون صوتًا، وأن يكون موقفًا.
المثقف الفلسطيني لا يملك ترف الحياد؛ الجرح النازف يحتاج إلى كلمة تُسرّع في ردمه، وإلى موقف يخفّف من اتساعه. لذلك لم يكن الأدب الفلسطيني يومًا أدبًا للزينة أو للترف، بل كان أدبًا للمقاومة، ولحراسة المعنى، ولإبقاء الذاكرة حيّة.
والقصيدة الفلسطينية لم تكن مجرد نصّ، بل كانت الشرارة الأولى التي أوجدت الناقد الفلسطيني.
فالناقد لم يأتِ ليهدم أو ليبحث عن مجد شخصي، بل جاء ليصحّح مسار الشاعر، لا بحثًا عن طريق جديد، بل وفاءً لأصالة التقييم الذي يصبّ في قضية عالقة في حياتنا، قضية تتجاوز حدود الفن لتصبح حسًّا سادسًا يوجّه كل الحواس.
ويؤسفني أن أقول إنّ اطلاعي على الساحة الأدبية ليس واسعًا كما ينبغي؛ فالأفق العربي ممتدّ، والأسماء كثيرة، والذاكرة الأدبية أكبر من أن تُحاط بجيل واحد. ولأنني متغرّب منذ خمسين عامًا، أخجل أنني سهوت عن أسماء لا تُنسى، وعن أصوات كان لها أثرها في تشكيل الوعي الفلسطيني والعربي.
ومع ذلك، دعوني أشارك ولو بالقليل من الكلمات؛ فالكلمة مهما صغرت تبقى جزءًا من هذا النهر الكبير الذي يصنع أدبنا، ويحفظ وجداننا، ويُبقي الحكاية حيّة.
بهذا المعنى، يصبح الأدب الفلسطيني مشروعًا جماعيًا، لا ينفصل فيه الشاعر عن الناقد، ولا ينفصل فيه النص عن الأرض، ولا تنفصل فيه الذاكرة عن المستقبل.
إنه أدبٌ يكتب نفسه من جديد كل يوم، لأن الجرح لم يُغلق، ولأن الحكاية لم تنتهِ، ولأن العودة ليست حلمًا بل وعدًا مؤجّلًا.
Mohammed Mimouni
Taher Erabi مساؤكم نور وبركة، وأحييكم جميعًا، وأخص بالتحية الأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن، كما أحيي القائمين على هذا اللقاء الجميل.
قرأت مداخلتكم، فوجدت فيها شيئًا يتجاوز الحديث عن الأدب الفلسطيني إلى الحديث عن معنى الكتابة حين تصبح جزءًا من الوجود نفسه.
وأحسب أن أجمل ما فيها هو هذا الربط بين الشاعر والناقد والذاكرة والأرض؛ لأن النص الفلسطيني لم يُكتب دائمًا من خلف مكتب هادئ، بل كثيرًا ما خرج من قلب التجربة، من مكان يصبح فيه الصمت موقفًا، وتصبح الكلمة شكلًا من أشكال الشهادة.
لكنني هنا أحب أن أشاكس الفكرة قليلًا: هل الأدب الفلسطيني مقاومة لأنه فلسطيني، أم أن المقاومة جعلت من الأدب الفلسطيني حالة استثنائية في الوعي العربي؟
ربما لا نحتاج إلى الفصل بين السؤالين. فحين يصبح الجرح جزءًا من الذاكرة، تصبح الكتابة محاولة لإنقاذ الإنسان من أن يتحول إلى مجرد رقم في سجل التاريخ.
وأتفق معكم في أن الناقد الحقيقي لا يأتي ليقف فوق النص، بل ليقف إلى جواره؛ يضيء عتماته، ويكشف ما تخفيه اللغة، ويسأل الكاتب عن المسافة بين ما أراد قوله وما قاله فعلًا.
أما حديثكم عن الغربة الطويلة، فأراه في حد ذاته شهادة أخرى؛ فهناك أوطان نغادرها بأجسادنا، لكنها لا تغادرنا بالضرورة. وربما لهذا تظل الذاكرة أقوى من الجغرافيا أحيانًا.
وفي النهاية، أظن أن الأدب الذي يستحق البقاء هو الذي لا يكتفي بحفظ الحكاية، بل يجعلها قابلة لأن تُروى من جديد دون أن تفقد وجعها ومعناها.
شكرًا لهذه المداخلة التي فتحت لنا أكثر من باب للسؤال، وأتمنى أن يكون هذا اللقاء بداية لحوار لا ينتهي عند حدود الإجابات، بل يذهب بنا إلى المنطقة التي يبدأ فيها السؤال الحقيقي.
Mohammed Mimouni
أستاذنا الكريم، وأصدقائي الأعزاء،
هذه الأسئلة دفعتني، وأنا أقرأها، إلى سؤال واحد يكاد يختبئ خلفها جميعًا: ماذا يبقى من إنسانية الأدب حين تتكاثر حوله الوصايات؛ أيديولوجية كانت أم رقمية أم سوقية، وحين تدخل الآلة نفسها إلى غرفة الكتابة؟
في الأدب الملتزم والمقاومة، لا أرى المشكلة في الالتزام؛ فالكاتب ليس مطالبًا بأن يتخلى عن ذاكرته أو قضيته حتى يصبح أدبه «محايدًا». لكنني أخشى اللحظة التي تتحول فيها القضية إلى قفص، فيصبح مطلوبًا من الشخصية أن تكون بطلة دائمًا، ومن النص أن يهتف دائمًا. فالإنسان الحقيقي أكثر تعقيدًا من شعار، والمقاومة نفسها تفقد شيئًا من إنسانيتها حين نحول أصحابها إلى أبطال من ورق لا يخطئون ولا يخافون ولا يترددون.
وفي الذكاء الاصطناعي، ربما لا يكون السؤال: هل تستطيع الآلة أن تكتب؟ بل: هل تستطيع أن تعيش ما تكتب عنه؟ قد تصف الخوارزمية الحنين، لكنها لا تحنّ؛ وقد تبني نصًا عن الفقد، لكنها لا تفقد. وهنا تكمن قيمة التجربة البشرية، لا في اللغة وحدها، بل في ذلك الشيء الذي لا يُنسخ بسهولة: أن يكون وراء الكلمة إنسان دفع ثمنها من حياته.
أما سوداوية الأدب، فلا أعتقد أن الكاتب مطالب بأن يوزع الأمل على القراء توزيعًا مجانيًا. أحيانًا يكون كشف الجرح نوعًا من الأمل، لأن إنكار الألم ليس تفاؤلًا. لكنني أيضًا لا أطمئن إلى أدب يجعل من اليأس بطولة جمالية؛ فالظلام إذا أصبح غاية، فقد يتحول هو الآخر إلى قفص.
وأما الجمهور الرقمي، فهنا المفارقة أكثر دهاءً: كان الكاتب يخشى أن تمنعه السلطة من الكلام، فأصبح أحيانًا يخشى أن يغضب الجمهور. والأسوأ أن الكاتب قد يبدأ بمراقبة نفسه قبل أن يراقبه أحد. وربما كان أخطر أنواع الرقابة تلك التي تدخل إلى رأس الكاتب وتجلس هناك متخفية في هيئة «إعجاب الجمهور».
وفي مسألة الكتابة بعين المترجم والجوائز، لا أرى عيبًا في أن يصل الأدب العربي إلى العالم؛ العيب أن يبدأ الكاتب في صناعة نصه وفق الصورة التي يتوقع أن يحبها الآخر. العالمية لا تعني أن نمحو خصوصيتنا، بل ربما العكس تمامًا: أن نذهب إلى العالم بما نحن عليه، لا بما يريد منا أن نكون.
لهذا أميل إلى أن السؤال الأكبر ليس: كيف ينتصر الأدب على الآلة أو السوق أو الجمهور أو الأيديولوجيا؟
بل: كيف ينتصر الكاتب على إغراء أن يصبح نسخةً مما يريد الآخرون منه أن يكون؟
وهنا أترك السؤال مفتوحًا لأستاذنا أبي مراد وللأصدقاء؛ لأنني أخشى أن أجد نفسي، وأنا أبحث عن جواب، قد ارتكبت خطيئة إغلاق السؤال الذي جئنا أصلًا لنفتحه.
طه عبد الرحمن
Mohammed Mimouni أحسنتَ يا دكتور محمد؛ فقد وضعت يدك لا على أسئلة الأدب المعاصر فحسب، بل على موضع ارتجافه الأشد: ذلك الموضع الذي تتنازع فيه الكلمةُ ذاكرتَها وحريتها، ضميرَها وجمهورَها، خصوصيتَها وإغراءَ العبور إلى العالم. وما أجمل أن ينتهي كلامك بسؤالٍ لا يطلب من الأدب أن يغلق أبوابه بإجابةٍ نهائية، بل يدعوه إلى أن يبقى يقظًا أمام أبواب نفسه.
ولعلّ الجواب عن سؤالك الكبير: كيف ينتصر الكاتب على إغراء أن يصبح نسخة مما يريد الآخرون منه أن يكون؟ هو أن يتذكّر، كلما كتب، أن مهمته ليست أن يرضي الصورة التي يرسمها له الآخرون، بل أن يعرّي الصورة نفسها؛ ليست مهمته أن يكون صدىً لما يُنتظر، بل أن يكون صوتًا لما لم يجد بعدُ من ينطق به.
الرد المقترح
أستاذنا الكريم، والأصدقاء الأعزاء،
ما تفضل به الدكتور محمد ليس تعليقًا عابرًا على أسئلة الأدب، بل هو نصٌّ يضع الأدب أمام مرآته الأكثر قسوة: مرآةُ الحرية حين تُحاصرها الأقفاص التي لا تبدو أقفاصًا؛ قفصُ القضية حين تتحول إلى أمرٍ بالتبجيل، وقفصُ السوق حين يُلبس الذوق العام ثوبَ الحكم، وقفصُ التقنية حين توهمنا أن وفرة الكلام تعني وفرة التجربة، وقفصُ الجمهور حين يتحول الإعجاب إلى سلطةٍ ناعمة لا تقل خطرًا عن المنع الصريح.
لقد أصبتَ، يا دكتور، حين فرّقتَ بين الالتزام بوصفه ضميرًا، والالتزام بوصفه وصاية. فالكاتب لا يُطلب منه أن يخلع جلده الوطني والإنساني عند عتبة النص كي يُقال إنه “موضوعي” أو “محايد”. ذلك الحياد الذي يتبرأ من الألم ليس دائمًا فضيلة، وقد يكون أحيانًا مجرد اسمٍ مهذبٍ للانسحاب من الحقيقة. غير أن القضية، مهما كانت عادلة ومضيئة، تفقد بهاءها الفني والإنساني حين تفرض على الشخصيات أن تمشي في صفوفٍ مستقيمة، وحين تمنعها من الخوف والشك والضعف والتردد.
فالبطل الذي لا يرتجف لا يشبهنا، والشهيد الذي لا يعرف لحظةً من التعلّق بالحياة لا يمسّنا، والمناضل الذي لا يخطئ يتحول في النص إلى تمثال. والتماثيل، مهما علت في الساحات، لا تتكلم بلغة القلب. إن الأدب لا يخون القضية حين يعترف بإنسانية أصحابها؛ بل لعلّه لا ينقذها من التحول إلى شعارٍ أجوف إلا بهذا الاعتراف. فالمقاومة ليست أقل شرفًا لأن المقاوم يتعب، وليس الوطن أقل قداسة لأن أبناءه يخافون، وليس الحق أقل حقًّا لأن السائرين إليه يتعثرون.
الآلة وتجربة الإنسان
أما في شأن الذكاء الاصطناعي، فالسؤال بالفعل أعمق بكثير من اختبار القدرة التقنية على سبك الجمل أو تقليد الأنماط أو ترتيب الصور. فالآلة قد تُحسن المحاكاة، وقد تفاجئنا بتركيبٍ لغوي بديع، لكنها لا تدخل إلى اللغة من باب الجرح. إنها تستطيع أن تجمع آثار الحنين في الكلام، لكنها لا تعرف تلك اللحظة التي يختلط فيها اسم الأم برائحة البيت البعيد؛ تستطيع أن تصوغ مرثية، لكنها لا تقف بعد الدفن في فراغٍ لا تملؤه الكلمات؛ تستطيع أن تصف المنفى، لكنها لا تحمل جواز سفرٍ يثقل في الجيب كأنه دليل اقتلاع.
وهذا لا يعني أن نحتقر الآلة أو ننفي إمكان الإفادة منها. يمكن أن تكون أداةً للمراجعة، والتوليد، والبحث، واقتراح الاحتمالات، وربما حتى لمباغتة الكاتب بما لم يخطر له. لكنها لا ينبغي أن تكون بديلًا عن تلك المنطقة التي لا تُمنح جاهزة: منطقة المعايشة، والمكابدة، والاختيار الأخلاقي، ودفع الثمن.
فالكتابة ليست كلماتٍ مرتبة فقط، بل هي مسؤولية عن الكلمات. والفرق كبير بين نصٍّ يعرف كيف يقول: “أنا أتألم”، ونصٍّ خرج من إنسانٍ دفع من عمره، أو من ذاكرته، أو من وحدته، ثمنَ هذه الجملة. إن قيمة الكاتب ليست في امتلاكه اللغة وحدها، بل في كونه شاهدًا عليها؛ شاهدًا لا بمعنى من رأى فحسب، بل بمعنى من تحمّل أن يرى، ثم تحمّل أن يقول.
بين كشف الجرح وصناعة اليأس
وأوافقك الرأي في أن الأدب ليس مؤسسةً لتوزيع الطمأنينة المعلبة. ليس من واجب الرواية أن تُنهي كل مأساة بنورٍ مصطنع، ولا من واجب القصيدة أن تسلّم القارئ مفتاح الخلاص في السطر الأخير. فثمة آلام لا يليق بها إلا أن تُقال كما هي، وثمة ظلمات لا يجوز تبسيطها بدافع التهدئة. إن تسمية الجرح هي، في ذاتها، بدايةٌ من بدايات مقاومته؛ لأن ما لا يُسمّى يبقى قادرًا على افتراسنا في العتمة.
لكن الأدب، في المقابل، يخسر روحه حين يحوّل اليأس إلى زينة، أو يجعل العدمية علامةً على العمق، أو يقدّم الانكسار بوصفه ذروة الحكمة. فالكاتب ليس مطالبًا بأن يمنحنا أملًا سهلاً، لكنه مطالب ألا يسرق منا إمكان الأمل. هناك فرق بين نصٍّ ينزل إلى القاع كي يكشفه، ونصٍّ يقيم في القاع لأنه أعجبته أناقته السوداء. الأول معرفة، والثاني افتتان بالعتمة.
ص 1 يتبع
طه عبد الرحمن
لعل الأمل الأدبي الحقيقي ليس أن نرى نهايةً سعيدة دائمًا، بل أن يبقى في النص منفذٌ صغير يدل على أن الإنسان لم يُختزل تمامًا إلى هزيمته؛ أن يبقى فيه سؤال، أو رحمة، أو مقاومة خافتة، أو قدرة على تسمية القبح دون أن نصير جزءًا من منطقه.
الرقابة التي تأتي مبتسمة
وأما ما قلته عن الجمهور الرقمي، فهو من أدقّ ما في هذا الطرح. لقد انتقلت الرقابة في كثير من الأحيان من يد السلطة الظاهرة إلى يدٍ أكثر خفاءً: يدُ التوقع الجماعي، وسرعة الحكم، وتضخم رد الفعل، وإغراء الأرقام. صار الكاتب، أحيانًا، يقف قبل الكتابة أمام محكمةٍ متخيَّلة: كم إعجابًا سيحصد هذا؟ من سيسوءه هذا؟ هل ستُقتطع الجملة من سياقها؟ هل يُفهم الصمت تواطؤًا؟ وهل يُفهم التعقيد مراوغة؟
وهنا تصبح الرقابة أخطر؛ لأنها لا تحتاج إلى رقيبٍ على الباب. يكفي أن يستبطن الكاتب رقيبًا صغيرًا في داخله، يهمس له: “اكتب ما يُصفق له الناس”، أو “لا تذهب أبعد مما يحتملون”، أو “خفف حدّة الحقيقة كي لا تخسر جمهورك”. وحينئذ لا يعود الكاتب ممنوعًا من الكلام، بل يصبح هو بنفسه من يمنع كلمته من الولادة.
ولا يعني هذا أن يحتقر الكاتب قارئه، أو أن يتعالى على الجمهور باسم النخبوية. فالقارئ شريكٌ في اكتمال المعنى، ولا أدب بلا أفقٍ إنساني يتجه إليه. لكن الشراكة غير التبعية، والإنصات غير الاستسلام، ومراعاة القارئ غير كتابة النص وفق مزاج اللحظة. الكاتب الأمين لا يكتب ضد جمهوره، ولا يكتب تحت أمره؛ يكتب معه ومن أجله أحيانًا، لكنه لا يسلّم له مفاتيح ضميره.
كيف لا يصير الكاتب نسخة؟
ينتصر الكاتب على إغراء التشبه بما يريده الآخرون حين يحرس في داخله منطقةً لا تدخلها السوق ولا الأيديولوجيا ولا التصفيق ولا الخوف. وهذه ليست بطولة رومانسية سهلة، بل ممارسة يومية شاقة، يمكن تلخيصها في معانٍ عدة:
• أن يكتب ما يراه حقًا، لا ما يضمن له القبول السريع.
• أن يفرّق بين صوته الحقيقي وبين الصوت الذي تعلّمه كي ينجو أو ينجح أو يُرضي.
• أن يسمح لشخصياته بأن تخالفه، لأن النص الذي لا يحتمل اختلاف شخصياته مع مؤلفه ليس عالمًا أدبيًا، بل بيانًا مغلقًا.
• أن يقاوم تحويل ألمه إلى سلعة، وقضيته إلى علامة تجارية، وخصوصيته إلى عرضٍ مطلوب في سوق الجوائز أو الترجمات.
• أن يعترف بأن العالمية لا تُنال بمحو اللهجة الداخلية للنص، بل بتكثيف صدقه الإنساني حتى يجد الآخرون أنفسهم فيه، ولو جاؤوا من أبعد اللغات والثقافات.
• أن يقبل الخسارة أحيانًا: خسارة الإعجاب العابر، أو الشهرة السهلة، أو الانتماء المريح إلى قطيعٍ فكري أو جمالي.
فالكاتب لا يصبح حرًا حين لا يحتاج إلى الآخرين؛ فهذا وهم. إنه يصبح حرًا حين لا يجعل حاجته إليهم ثمنًا لخيانة ما يعرفه في أعماقه. وقد يحتاج إلى قارئ، وإلى ناشر، وإلى مترجم، وإلى اعتراف، وإلى جائزة؛ لكنه يخسر نفسه حين تتحول هذه الوسائط من جسورٍ تعبر بالنص إلى العالم، إلى سادةٍ يملون عليه شكل النص قبل أن يولد.
إن أخطر ما يواجه الكاتب اليوم ليس أن تُسلب منه القدرة على الكلام فقط، بل أن يُقنع بأن الكلام المقبول هو الكلام الوحيد الممكن. ومن هنا تبدأ مقاومته: أن يظل قادرًا على مفاجأة نفسه قبل أن يفاجئ الآخرين، وأن يظل وفيًا لذلك السؤال الذي لا يملك له جوابًا جاهزًا.
فالأدب العظيم لا ينتصر لأنه يهزم الآلة أو السوق أو الجمهور أو الأيديولوجيا هزيمةً نهائية؛ إذ إن هذه القوى ستبقى وتتبدل وتعود بأقنعة جديدة. لكنه ينتصر كلما بقيت في النص بقيةٌ لا تُشترى، ولا تُبرمج، ولا تُلقَّن: بقية الإنسان وهو يصارع كي لا يتحول إلى نسخة.
ولهذا، لعل أجمل ما نختم به ليس جوابًا يقفل السؤال، بل يقظةٌ تحرسه:
أن يكتب الكاتب كما لو أن في العالم قارئًا واحدًا لا يريد منه أن يتزين، بل أن يصدق؛ وكما لو أن الكلمة، قبل أن تكون طريقًا إلى التصفيق، هي عهدٌ بينه وبين ضميره.
ص 2 انتهى
Mohammed Mimouni
طه عبد الرحمن أخي الكريم، شدّني جدًا تعبيركم: «الرقابة التي تأتي مبتسمة». وأظن أنها اليوم أخطر من الرقابة الصريحة؛ لأن الرقيب لم يعد دائمًا خارج الكاتب، بل قد يسكن داخله ويسأله: ماذا سيقول الناس؟ كم إعجابًا سأحصل عليه؟ ومن سيغضب مني؟
وهنا يبدأ الكاتب في الكتابة كما يُراد له، لا كما يشعر ويرى.
أنا لا أرى أن على الكاتب أن يعادي جمهوره، فالقارئ شريك حقيقي في حياة النص، لكن هناك فرق بين احترام القارئ وتسليم القلم له.
وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للكاتب هو أن يفقد صوته وهو يظن أنه وجد النجاح. التأثر بالآخرين طبيعي، لكن أن يصبح الإنسان نسخة منهم فهذه خسارة أخرى.
وربما لهذا تبقى قيمة الأدب في تلك المساحة الصغيرة التي لا يستطيع السوق ولا التصفيق ولا الخوف أن يصل إليها… المساحة التي يبقى فيها الكاتب صادقًا مع نفسه.
شكرًا لكم، فقد فتحتم سؤالًا مهمًا: كيف نحافظ على صوتنا في زمنٍ يريد منا جميعًا أن نتشابه
Mohammed Mimouni
طه عبد الرحمن
أستاذنا الكريم طه، وربما هنا يلامس السؤال منتدانا «شعاع» مباشرة؛ فنحن في فضاء أدبي يقوم أساسًا على الحوار والتفاعل.
فكيف تستطيع المنتديات الثقافية اليوم أن تستعيد للقارئ شيئًا من صبره، وللنص شيئًا من وقته، وللحوار شيئًا من عمقه؟
Saloua Filaly
طه عبد الرحمن
دكتور طه
لم يكن جوابكم امتدادًا للأسئلة بقدر ما كان ارتقاءً بها إلى مقامٍ آخر؛ مقامٍ لا تعود فيه الكتابة مجرد فعلٍ لغوي، بل تصبح امتحانًا للحرية، ومساءلةً للضمير، وحراسةً للإنسان من أن يتحول إلى نسخةٍ ترضي الآخرين وتفقد ذاتها.
وأحسب أن أجمل ما في هذا الجواب أنكم لم تضعوا الكاتب في مواجهة الآلة أو السوق أو الجمهور أو الأيديولوجيا، بل أعدتموه إلى المعركة الأعمق: معركته مع الرقيب الذي قد يستوطن داخله دون أن يشعر. وحين قلتم إن الكاتب لا يصبح حرًّا حين لا يحتاج إلى الآخرين، بل حين لا يجعل حاجته إليهم ثمنًا لخيانة ما يعرفه في أعماقه، فقد لامستم جوهر المسألة بعبارةٍ تختصر فلسفة كاملة في سطر.
وأدهشني ذلك التفريق البديع بين كشف الجرح والافتتان بالعتمة؛ فليس كل نزولٍ إلى القاع معرفة، وليس كل ظلامٍ عمقًا. وكذلك حين منحتم للأدب حقه في أن يكشف الألم دون أن يُحوّل اليأس إلى بطولة، وفي أن يترك منفذًا صغيرًا للإنسان كي لا يُختزل في هزيمته.
أما حديثكم عن الذكاء الاصطناعي، فقد أعاد للكتابة ميزانها الإنساني: فالآلة قد تحسن محاكاة اللغة، لكنها لا تحمل ذاكرة الجرح، ولا تدفع ثمن التجربة، ولا تقف أمام الكلمة وهي تعرف أنها خرجت من عمرٍ عُاش لا من خوارزميةٍ رتبت الاحتمالات. وهنا تحديدًا تستعيد الكتابة معناها الأعمق: أن يكون وراء الكلمة إنسانٌ شهد، وتألم، واختار، وتحمل مسؤولية أن يقول.
لقد كان جوابكم، أستاذنا، نصًّا نقديًا وفلسفيًا قائمًا بذاته؛ كل فقرة فيه تفتح نافذة، وكل فكرة تستدعي سؤالًا جديدًا. ولعل أبهى ما انتهى إليه أن الأدب لا ينتصر بإسكات قواه المحيطة به، بل باحتفاظه بتلك البقية التي لا تُشترى ولا تُبرمج ولا تُلقّن: بقية الإنسان.
وهنا يصبح السؤال الذي تركتموه مفتوحًا أكثر حضورًا من أي جواب:
كيف نحرس في داخل الكاتب تلك المنطقة التي لا تصل إليها يدُ التصفيق، ولا سطوةُ السوق، ولا إغراءُ الشهرة، ولا خوفُ الجمهور؟
تحية لقلمٍ لا يكتفي بأن يجيب عن السؤال، بل يجعل السؤال بعده أكثر اتساعًا وعمقًا
Jamal Kabyl
دكتور طه بالتوفيق والسداد ان شاء الله
Fawzy Ibrahim
"أهلاً بحشد النور وبمن حضر، وزادنا فخراً بهذا التلاحم الثقافي الراقي. إن الأدب الحقيقي—كما تعلمنا من قاماتنا الليلة—هو فعل مقاومة وبناء وإضاءة لعتمة الواقع. ولأنكم أنتم وقود هذا الفكر ونبض هذا المجتمع الأدبي، فإننا ندعو أدباءنا وشعراءنا ومفكرينا الأفاضل للمساهمة في رسم هذا البروفايل الثقافي الفريد. ضعوا بصماتكم، واطرحوا تساؤلاتكم التي تقلق القلب وتوقظ البصيرة؛ فبأقلامكم المبدعة يورق الحرف ويتحول اللقاء إلى معلّقة أبدية في تاريخ النقد العربي."
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Fawzy Ibrahim
"أهلاً بحشد النور وبمن حضر، وزادنا فخراً بهذا التلاحم الثقافي الراقي. إن الأدب الحقيقي—كما تعلمنا من قاماتنا الليلة—هو فعل مقاومة وبناء وإضاءة لعتمة الواقع. ولأنكم أنتم وقود هذا الفكر ونبض هذا المجتمع الأدبي، فإننا ندعو أدباءنا وشعراءنا ومفكرينا الأفاضل للمساهمة في رسم هذا البروفايل الثقافي الفريد. ضعوا بصماتكم، واطرحوا تساؤلاتكم التي تقلق القلب وتوقظ البصيرة؛ فبأقلامكم المبدعة يورق الحرف ويتحول اللقاء إلى معلّقة أبدية في تاريخ النقد العربي."
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Fawzy Ibrahim
"طبتم وطابت أوقاتكم بكل خير ومحبة. أهلاً ومرحباً بكل من انضم إلينا في هذه الأمسية الجليلة، حيث يلتقي وعي الجليل بفلسفة الحرف وبلاغة الشعر. يا فرسان البيان، ويا صناع الوعي في أمتنا؛ إن حضوركم الليلة هو الجدار الذي نستند إليه لحراسة الذاكرة وإعلاء قيم الجمال.
ندعو جميع أدباء ومفكري وشعراء منتدى شعاع للتقدم إلى المنصة، وتجهيز أسئلتهم ومداخلاتهم النقدية. تعالوا لنشتبك فكرياً، ونوقظ الأسئلة النائمة، ونعيد للإنسان صوته النبيل من خلال قراءاتكم العميقة."
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Fawzy Ibrahim
"أيها الإخوة والأخوات، يا أسرة الكلمة الطيبة وحراس الوجدان في منتدى شعاع الأشم.
نرحب بهذا الحشد النبيل من النخب العربية المبدعة التي تؤثث ليلتنا بنور الفكر وعطر القوافي. إن لقاء الأسبوع الليلة ليس مجرد حوار عابر، بل هو محفل فكري استثنائي يجمع القمم؛ ولأن الإبداع لا يكتمل إلا بتعدد الرؤى، فإننا نفتح أبواب المنصة ونمد يد الترحيب لكل شاعر يملك نبضاً، وأديب يحمل فكراً، ومفكر يرى ما وراء الحرف، ليدلوا بدلائهم ويشاركونا هذا البركان المعرفي. كونوا شرياء في صنع المعنى، فالحوار يزهو بفيض مشاركاتكم."
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
على احمد المصرى
طه عبد الرحمن Mustafa Muhammad Kor SheikhSaloua FilalyMohammed MimouniFawzy Ibrahim
أستاذَنا الجليل، سادنَ الذاكرة الجليلية ونبراسَ الكلمة الملتزمة، أبا مراد (طه دخل الله عبد الرحمن)، وإلى السامقين من القامات الفكرية والأدبية المنيفة في هذا المحراب الثقافي الرفيع،
إنّ ما أفاض به قلمكم الشريف في تعقيبكم الباذخ ليس مجرد ردّ أدبيّ تقابَلَ فيه الثناء بالثناء، بل هو سِفرٌ نقديٌّ قائم بذاته، ورسالةُ وجودٍ تعيد للسطر مهابته، وللضمير الأدبي نصابه الأرفع. لقد أثبتم—بما لا يدع مجالاً للريب—أن الكلمة الحرّة حين تزنُ الحريةَ بمسؤولية الموقف، وتحرسُ الجمالَ بأهداب الذاكرة، تتحول إلى حصنٍ حصينٍ ضد المحو والنسيان، وإلى شهادةٍ تاريخية يتردد صداها في وجدان الأمة.
لقد استحال هذا السجال بفضل عمقكم المعهود ورصانة رؤيتكم إلى ساحة حوارٍ فكريّ باذخ، يتسامى فوق الأجوبة السهلة واليقين المريح، ويحتفي بالمكاشفة الشجاعة التي تليق بأمانة الفكر وأصالة الإبداع.
وإيفاءً بحق هذا الأفق الثقافي المشرع على التجديد، وتلبيةً لرهانكم النبيل على الأدب الذي يقتحم مناطق الجدل الشائكة، أضع بين أيديكم الكريمة وبين أيدي هذه النخبة الفكرية السامية التوطئةَ لهذه الجولة من الأسئلة النقدية، التي تتعمق في فلسفة السرد، وتستكنه مصير النص العربي وشروطه الأخلاقية والجمالية أمام تحولات العصر:
هواجس الأدب المعاصر والتحديات الفلسفية
فخ الدعاية والأيديولوجيا: متى يتحول "الأدب الملتزم" أو أدب المقاومة من فعل جمالي نبيل يصون الذاكرة، إلى قفص أيديولوجي يمارس الوصاية على النص، فيُفرغ الشخصيات من إنسانيتها المعقدة لصالح أبطال ورقيين ومواقف مجانية؟
عصر الذكاء الاصطناعي وموت التجربة البشرية: في زمن أصبحت فيه الآلة قادرة على توليد النصوص والمحاكاة اللغوية، أين تكمن "روح" الأديب وحرارته الوجدانية؟ وهل تستطيع الخوارزميات محاكاة "وجع المكان" ومكابدة التهجير والذاكرة، أم أن السرد سيفقد شرطه الإنساني الأخير؟
سوداوية السرد وأزمة الأمل: هل غلبة النبرة العدمية والسوداوية على الرواية العربية الحديثة تُعد مكاشفة نقدية صادقة لواقع مأزوم، أم أنها استسلام لليأس يُلغي وظيفة الأدب في إبقاء جذوة الأمل والرجاء حية في نفوس الشعوب؟
محاكم التفتيش الرقمية: كيف يواجه الأديب اليوم سطوة "الجمهور الرقمي" وشبكات التواصل، حيث يُحاكم النص لغريزياً وتُمارس عليه رقابة أخلاقية واجتماعية جديدة أشد قسوة من رقابة السلطة المؤسسية؟ هل أصبحت الشجاعة الأدبية مهددة بالانقراض أمام الخوف من العزل والتهميش؟
اغتراب اللغة وتصنيع النص للترجمة: هل بات الكاتب العربي المعاصر يكتب وعيه بـ "عين المترجم الغربي"، فيختار ثيمات ومفردات تتلاءم مع الذائقة العالمية وتلبي توقعات الجوائز الدولية، ولو كان ذلك على حساب أصالة التركيب اللغوي وخصوصية التجربة المحلية؟
Saloua Filaly
على احمد المصرى
الأستاذ الأديب والناقد علي أحمد المصري،
حين يبلغ السؤال هذا القدر من العمق، لا يعود مجرد استفهامٍ ينتظر جوابًا، بل يصبح أداةً لخلخلة المسلّمات وإعادة ترتيب العلاقة بين الأدب والإنسان والعصر.
ما طرحتموه في هذه التوطئة يشي بعينٍ نقدية لا تكتفي بقراءة النص في صورته الظاهرة، بل تتعقّب ما يختبئ خلفه من أسئلة السلطة والأيديولوجيا، وحرية الإبداع، ومصير التجربة الإنسانية في زمن الذكاء الاصطناعي، وحدود الجرأة أمام الرقابة الرقمية، وصولًا إلى سؤال اللغة حين تقف بين أصالتها وإغراءات الترجمة والجوائز.
واللافت أنكم لا تضعون الأدب أمام إجاباتٍ مغلقة، بل أمام مرايا متقابلة: الالتزام والوصاية، التقنية والروح، السوداوية والرجاء، الحرية والخوف، العالمية والخصوصية. وفي كل مرآةٍ سؤالٌ آخر، وفي كل سؤالٍ امتحانٌ حقيقي لضمير المبدع.
هكذا يكون الحوار حين تتولاه قامةٌ تعرف أن قيمة السؤال ليست في صعوبته، بل في قدرته على فتح نوافذ جديدة للفكر.
كل التقدير لكم أستاذ علي، ولهذا الحضور النقدي الذي يجعل من السؤال محراثًا يشق أرض المعنى، لا مجرد مفتاحٍ لباب الإجابة
على احمد المصرى
Saloua Filaly
سعادة الدكتورة الفاضلة سلوى الفيلالي، طاب مساؤك برياحين الفكر ووهج البيان..
حين تقرأ الدكتورة سلوى، فإنها لا تقف عند حدود اللفظ ولا تكتفي بالمظهر، بل تنفذ بإشراق بصيرتها إلى حقيقة السؤال وعمقه الثاوي خلف العبارة. لقد استلتِ ببراعةٍ من توطئتي جوهرها، وصغتِ بوعيكِ النقدي الباذخ إطاراً فلسفياً يضعنا جميعاً أمام مسؤوليتنا الأخلاقية والحضارية تجاه الكلمة وأمانتها.
إن توقفكِ عند تجليات السؤال بوصفه «محراثاً يشق أرض المعنى» هو التقاطٌ إبداعي مكثف يجسّد تماماً وظيفة الأدب والنقد كما نؤمن بها؛ فالنص الذي لا يحفر في بور المسلّمات ولا يخلخل سكون اليقين المريح، يظل مجرد زينةٍ شكلية على هامش الحياة. وما كانت تلك الأسئلة التائهة بين سلطة الخوارزميات، وتغول التقنية، وجاذبية الترجمة، وطغيان الرقابة، إلا محاولةً لاستنقاذ الروح الإنسانية، وصيانة جمرة الحقيقة كي لا تنطفئ تحت ركام الزيف والاعتياد.
لقد منحتِ السؤال أفقاً أرحب حين وضعته أمام المرايا المتقابلة، وتلك هي ميزة القراءة العميقة التي تجعل من التعقيب نصاً موازياً يضيء المساحات الخافية. وما كان للحوار في رحاب "منتدى شعاع" أن يبلغ هذه المهابة والعمق لولا وجود عقلٍ حصيف بوزنكِ، يستقرئ الأبعاد، ويصوغ المعنى بكبرياء ومحبة.
أقف شكراً وإجلالاً لهذه القراءة السامية التي أعتز بها وساماً على صدر القلم، ودمتِ للنقد والفكر عيناً بصيرة، وقنديلاً يضيء جنبات الأدب ويزيده بهاءً وأناقة
Saloua Filaly
على احمد المصرى
الأستاذ القدير علي أحمد المصري
ألف شكرٍ لهذه الكلمات التي جاءت أوسع من الثناء، وأعمق من المجاملة؛ فقد قرأتُ فيها كرمَ ناقدٍ يعرف كيف يمنح القراءة حقّها، وكيف يرى وراء العبارة ما يستحق أن يُلتقط ويُضاء.
أسعدني كثيرًا أن تلتقطوا صورة «محراث المعنى» وأن تعيدوا إليها امتدادها الفلسفي، فبعض العبارات تولد لتُقال، وبعضها يجد في القراءة العميقة حياةً أخرى، وأنتم من أولئك الذين يمنحون النصوص حياةً ثانية حين يحاورونها بهذا الوعي والرقي.
أما ما تفضلتم به عن «شعاع»، فهو شهادة أعتز بها كثيرًا، لأنها صادرة عن قلمٍ له حضوره في الفكر والأدب، وتعرف الكلمة عنده قدرها ومسؤوليتها.
ألف شكر أستاذ علي على هذا الوفاء النبيل، وعلى قراءةٍ جعلتني أشعر أن الكلمة حين تجد قارئًا بهذا العمق، لا تنتهي عند آخر سطر… بل تبدأ منه رحلةٌ أخرى في المعنى.
إبراهيم النمر
دكتور طه
حين يتصدى ناقد متميز لنص وصله وصار أمانة بين يديه
هل ترى أن الفكرة في النص هي أول ما يستوقفه وإن غنى الفكرة يقتضي الاهتمام بالنص وتكريمه والتغاضي عن هنات ربما أثّرت عليه وربما قتلته .. أم أن الفكرة مهمة لكنها لا تعطي صاحبها الحق بأن يتعثّر ويضيع ويضيّع من يتابعه ويدرسه ..
مثل هذا يقع في الشعر على ما أعتقد ما رأيكم ؟؟ .
Mohammed Mimouni
إبراهيم النمر سؤالك في مكانه، لأنه يلامس واحدة من أكثر المسائل حساسية في علاقة الناقد بالنص: هل ننحاز إلى ما أراد الكاتب أن يقوله، أم إلى الطريقة التي استطاع بها أن يقوله؟
في رأيي، الفكرة قد تكون أول ما يستوقف الناقد، لكنها ليست آخر ما يحكم به على النص. قد تدهشنا الفكرة، وقد تحمل رؤية عميقة أو سؤالًا كبيرًا، لكن الفكرة وحدها لا تصنع نصًا أدبيًا؛ وإلا لأصبح كل صاحب فكرة عميقة أديبًا بالضرورة.
النص الأدبي كائن مركب؛ فالمعنى فيه لا يعيش منفصلًا عن لغته وإيقاعه وصوره وبنائه. لذلك لا أرى أن غنى الفكرة يبرر للناقد أن يتغاضى عن هنات جوهرية تُفسد وصولها إلى القارئ. وفي المقابل، لا أرى أن الهنات العابرة ينبغي أن تجعل الناقد يهدم نصًا يحمل روحًا وتجربة تستحقان الإصغاء.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الناقد: ليس دوره أن يوزع شهادات النجاح أو الفشل، بل أن يميز بين عثرة يمكن تجاوزها، وخلل يضرب بنية النص، وبين فكرة ثمينة لم تجد بعدُ لغتها التي تستحقها.
وفي الشعر تصبح المسألة أشد حساسية؛ لأن القصيدة لا تحمل الفكرة فقط، بل تجعل اللغة نفسها جزءًا من التجربة. قد تكون لديك فكرة عظيمة، لكن إذا جاءت في لغة لا تحملها، فقد تصل الفكرة إلينا باهتة، أو قد لا تصل أصلًا.
لذلك أقول: لا نكرّم الفكرة على حساب النص، ولا نحاكم النص بمعزل عن الفكرة. نقرأ الاثنين معًا، ونحاول أن نعرف أين نجح الكاتب في تحويل فكرته إلى أدب، وأين بقيت الفكرة أكبر من النص الذي حملها.
والناقد العادل، في نظري، لا يتغاضى عن العيوب مجاملةً، ولا يضخمها استعراضًا؛ بل يقول للكاتب: هنا أضاء نصك، وهنا تعثر، وهنا كانت لديك فكرة تستحق منك كتابةً أكثر وفاءً لها.
فالنقد الحقيقي لا يقتل النص حين يكشف عثراته، بل قد يمنحه فرصة ثانية لكي يولد بصورة أفضل.
طه عبد الرحمن
إبراهيم النمر أخي الأديب الكريم إبراهيم النمر،
سؤالكم ليس عابراً على ضفاف النقد، بل هو سؤالٌ يفتح باباً واسعاً بين الفكرة وصياغتها، وبين جوهر النصّ وثوبه، وبين ما يريد الكاتب أن يقوله وما يقدر الفنّ على إبلاغه. وقد أحسنتم إذ جعلتم النص أمانةً في يد الناقد؛ فالناقد الأمين لا يفتّش عن العثرة ليُشهّر بها، ولا عن الجوهرة ليغضّ الطرف عمّا يحيط بها من غبار، بل يضع كلّ شيءٍ في ميزان العدل والذائقة.
الفكرة لا تكفي وحدها
الفكرة العميقة هي روح العمل الأدبي، غير أنّ الروح لا تُرى ولا تصل إلى الآخرين إلا عبر جسدٍ سليم: لغةٍ محكمة، وصورةٍ موحية، وإيقاعٍ متوازن، وبناءٍ قادرٍ على حمل المعنى. فإذا كانت الفكرة ساميةً والصياغة واهية، بقيت الفكرة كطائرٍ جميل الجناح محبوساً في قفصٍ ضيّق؛ يُرى بعضُ بهائه، لكن لا يبلغ مداه ولا يُحلّق في وجدان المتلقي.
لذلك لا يمنح غنى الفكرة النصّ حصانةً من الملاحظة، ولا يجعل الهَنات فضائلَ تُمدح؛ لأنّ الأدب ليس مخزناً للأفكار، بل هو فنّ تحويل الفكرة إلى حياةٍ محسوسةٍ في اللغة.
والناقد بين الرفق والإنصاف
مع ذلك، ليس من العدل أن يُهدر الناقد نصاً كاملاً لأجل هناتٍ جزئية، كما ليس من الحكمة أن يرفعه إلى مقام الإبداع التام لمجرد أن فكرته نبيلة. النقد الراشد يفرّق بين:
عثراتٍ عارضة لا تهدم البناء العام ولا تطفئ إشراق التجربة.
خللٍ متكرر يمسّ اللغة أو الصورة أو الإيقاع أو التماسك، حتى يعوق المعنى ويُضلّل القارئ.
فكرةٍ كبيرة لم تنضج فنياً بعد، فيُشار إلى أفقها الواعد مع بيان ما تحتاجه من صقلٍ وإعادة بناء.
فالناقد الحقّ لا يقتل النصّ بحكمٍ قاسٍ، ولا يجامل صاحبه بثناءٍ يحرمه من فرصة النمو؛ بل يقرأ بعينٍ تُنصف الجمال، وبصيرةٍ تكشف موضع الضعف، ولسانٍ يجعل الملاحظة جسراً إلى الأفضل لا سيفاً على رقبة المبدع.
في الشعر خاصة
وفي الشعر يتضاعف الأمر دقّة؛ لأن الفكرة لا تعيش فيه بما تقوله فقط، بل بكيفية تجلّيها: بالصورة، والموسيقى، والإيحاء، والاختزال، والدهشة. قد يقول الشاعر معنى فلسفياً جليلاً، لكنه إن ألقاه تقريراً مباشراً فقد يتحول الشعر إلى خطبة. وقد يعثر في لفظة أو تركيب، فلا يُبطل ذلك روعة القصيدة إن ظلّ النبض الشعري حاضراً والبناء متماسكاً؛ أما إن كثرت العثرات حتى كسرت الإيقاع وبدّدت الصورة وأرهقت المعنى، فإنها تمسّ روح القصيدة نفسها.
وخلاصة القول: الفكرة تُكرَّم، والنص يُحاسَب، والمبدع يُصان.
فلا نُسقط نصاً لأنه لم يبلغ الكمال، ولا نمنحه صكّ الجمال لأنه يحمل فكرةً عظيمة؛ إذ لا يكتمل الأدب إلا حين تتعانق الفكرة الجميلة مع العبارة الجميلة، فيولد من اجتماعهما نصٌّ يستحق أن يُقرأ ويُحفظ ويُحبّ.
الشاعره مـني الحداد
اللهم عوضني بكل شيء فقدتو عوض قلبي الذي انكسر ولم يعد، عوض روحي الذي ماتت ولم تحيا، وعوض احلامي الذي انتهت قبل بدايتها،، وعوض فرحتي الذي انقطعت وانا في اصغر العمر،، انت يالله
وحدك من تعلم بحالي وبملاذي وهمي ووجعي وجرحي وقوه صبري
ارزقني بصبر كما صبر ايوب في بطن الحوت ونجني كما نجيت إبراهيم من النار وكما نجيت يوسف من فتنه الطاغوت، وبشرني براحه كما بشرت عابدك الصالحين بالجنه
يالله تعبت نفسي وروحي فعوضني واجعل قلبي يتسع برحمتك وبفرجك وكلما ضاقت لا الجاء غير إليك يالله فالرحمني وسبتني علي صبري وارزقني بفرحه تنسيني كل ما حدث في خاطري
آلشـآعره مـني آلحدآد
Mustafa Muhammad Kor Sheikh
بكل فخر يشرفنا تواجدكم دكتورنا الغالي طه عبد الرحمن
Saloua Filaly
أستاذنا الكريم، القامة الأدبية والناقد العالمي الدكتور طه عبد الرحمن دخل الله،
من القلب ألف شكرٍ وامتنان لتفضلكم بقبول دعوة برنامج «لقاء الأسبوع»، وتشريفكم هذا المنبر بحضوركم، وما أضفتموه إليه من عمقٍ فكري ورقيٍّ نقدي جعل الحوار يتجاوز حدود الأسئلة والأجوبة إلى فضاءٍ أرحب من التأمل والمعرفة.
شكراً لسعة صدركم، ولرحابة فكركم، ولأنكم لم تتعاملوا مع أسئلتنا بوصفها مجرد أسئلة تنتظر إجابات، بل فتحتم لكل سؤالٍ بابًا، ولكل فكرةٍ أفقًا، وتركتُم لنا بعد كل إجابةٍ سؤالًا أجمل وأعمق.
لقد كان حضوركم إضافةً ثمينةً للبرنامج، وكانت إجاباتكم شهادةً على أن الناقد الحقيقي لا يكتفي بقراءة النص، بل يوقظ في القارئ توق التفكير، ويمنح الكلمةَ قدرها، والسؤالَ حرمته، والحوارَ جماله.
كل الامتنان لكم أستاذنا القدير، على هذا الكرم الفكري النبيل، وعلى الوقت الذي منحتموه لنا، وعلى هذا الحضور الذي سيبقى أثره في «لقاء الأسبوع» طويلًا بعد أن ينتهي اللقاء.
دام قلمكم منارةً للفكر، وبقيت كلمتكم جديرةً بأن تُصغى إليها
سلوى الفيلالي
بهاء الزينى
المنشور قدم بورتريه فكرياً متكاملاً يلخص تجربة الكاتب؛ حيث تتداخل القضية الفلسطينية مع الهمّ المعرفي، ليكون قلم طه دخل الله عبد الرحمن بحق صوتاً جليلياً أصيلاً يكتب بمداد الذاكرة ليحمي الهوية من الطمس.
Saloua Filaly
،
مرحبًا بقامةٍ نقديةٍ نُصغي إليها لأن للكلمة عندها ميزانًا، وللقراءة عندها عمقًا، وللاختلاف عندها أدبًا.
حللتم أهلًا في منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، وبين أهلكم ومحبي الحرف؛
ونرجو أن يكون هذا اللقاء من تلك اللقاءات التي لا تنتهي بانتهاء الحوار، بل تبدأ بعده رحلةٌ أخرى من التفكير.
فأهلًا بكم، وبحضوركم الذي يليق به أن يُقال:
حين يحضر الناقد الحقيقي، لا تُقرأ النصوص وحدها… بل تُعاد قراءة علاقتنا بالكلمة
المستشار كمال وھيب المحام
انقش على جدار الخلود؟
اسمك...بابداع
ابتكار
اختراع
افكار
تحيي، تفيد،كل الناس
كن مبدعا،في مجالك
أغني في تخصصك
في اي عمل،تتقنھ، واخترع، ابتكر، طورھ
ان شاالله، دراجة، او مزرعة
دواء، او مكنسة...او كلمة حية للنفوس
فَكَر... ،بطيف الخير لكل البشر
مفكر الحياة د كمال وھيب زكي محام
فضيل حاج بن عدة
السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته
طبتم وطابت كل اوقاتكم بكل خير ارحب بهذا البرنامج الذي اعده الدكتور محمد ميموني اللقاء الاسبوعي برعاية منتدى شعاع للادباء والشعراء العرب على استضافة الناقد والمحلل الكبير طه عبد الرحمن دخل الله من الجليل اما بعد:
برنامج لقاء الأسبوع - تقديم الدكتور محمد ميموني
برعاية عميد منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب الدكتور محمد أبو خروب العبادي
حوار خاص: البروفيسور فضيل حاج بن عدة يحاور الناقد والمحلل الدكتور طه عبد الرحمن دخل الله
1. دكتور طه، في مسيرتك النقدية الطويلة، هل كان النقد عندك قراءة للنص، أم محاكمة لنية كاتبه؟
2. إذا كانت الأبجدية العربية تحمل سر الوجود، فلماذا يعجز النحو والصرف وحدهما عن تفسير جمالها؟
3. أنت كمحلل، ما الفرق عندك بين من يفكك النص ليفهمه، ومن يفككه ليقتله؟
4. هل ترى أن البلاغة العربية اليوم أصبحت زينة لفظية، بعدما كانت في الأصل بركاناً كونياً للمعنى؟
5. في نقدك، هل الصمت عن نص رديء هو حكم نقدي، أم هو هروب من المواجهة؟
6. قلتُ أنا: قراءة فوق القراءة.. فهل يرى الناقد الحقيقي ما لا يراه القارئ العادي، أم يرى ما يتعمد القارئ العادي ألا يراه؟
7. كيف نحلل نصاً كتبه صاحبه بدمه، لا بقلمه.. وهل للنقد أدوات تصل إلى الجرح؟
8. هل الفلسفة العميقة تفسد الأدب حين تدخله، أم أن الأدب بدون فلسفة يبقى جسداً بلا روح؟
9. في زمن المنصات، هل مات الناقد المحترف، وولد القارئ الذي يظن نفسه ناقداً؟
10. أنت حللت مئات النصوص، ما هو النص الواحد الذي حللته فحللّك هو بدلاً من أن تحلله أنت؟
11. إذا كان لكل قراءة حكم، فهل هناك حكم فوق كل الأحكام النقدية، لا يصل إليه إلا من قال للكون كن فيكون؟
12. هل تجنب الصدام في الوسط الأدبي حكمة نقدية، أم هو خوف مقنع بثوب المروءة؟
13. ما هو الزيف الذي ينكشف عندك أولاً حين تقرأ قصيدة: زيف اللغة، أم زيف الشعور؟
14. هل يمكن لناقد أن يكون عادلاً وهو يغضب، أم أن الغضب يسقط ميزان النقد كما يسقط ميزان الأخلاق؟
15. قلتُ: نحن لا نبدأ المعارك.. فهل المعركة النقدية الحقيقية تبدأ حين نصمت، أم حين نرد؟
16. في تحليلك، هل الشاعر الذي يكتب ليثبت قوته هو شاعر، أم صانع خصوم؟
17. إذا كان صاحب الحق لا يحتاج أن يصنع معارك، فلماذا يحتاج النقد العربي اليوم إلى كل هذه المعارك ليُسمع؟
18. ما هو السؤال النقدي الذي لم يجرؤ أحد أن يسألك عنه في مسيرتك، وكنت تنتظره؟
19. لو وضعت كل مناهج النقد الغربي في كفة، ومنهج القراءة العربية الأصيلة في كفة، أيهما أثقل في ميزان البركان الكوني؟
20. والسؤال الأخير - سؤال المعلقة الأبدية: لو طلب منك أن تترك حكماً نقدياً واحداً لا يمحوه إلا الله، يُعلق كمعلقة في تاريخ النقد العربي إلى الأبد، ماذا سيكون؟
طه عبد الرحمن
فضيل حاج بن عدة
د.محمد ابو خروب العبادي Saloua Filaly Mustafa Muhammad Kor Sheikh Mohammed Mimouni الإعـلامي ولــيد شيـخ أحــمد Fawzy Ibrahim Rajae Filaly فؤاد محمود دودين زهرة البيلسان حسن منى السيد حمود Azza Kamel ابو بكر البطوش هيثم الهجري Oum Ahmed Casandra Sahli الشاعر رضا بوقفة Youssef Boulaabi الملكه سبأ نسمة الفجر Jiries Eid ليلى الجوهري Haidar Ali Otoom Mahmoud Ajloni عماد حسو Naceur Nouira د. حمزة جميل جانم
Saloua Filaly
فضيل حاج بن عدة
الأستاذ الدكتور فضيل حاج بن عدة، فيلسوف الحروف وقاهر البلاغة،
ما قرأتُ أسئلتك العشرين حتى شعرتُ أننا لسنا أمام محاورةٍ تُمهّد لإجابة، بل أمام مائدةٍ نقديةٍ نُصبت على حافة البركان؛ أسئلةٌ لا تستدعي المعرفة وحدها، وإنما تستنفر التجربة، وتستفزّ الذاكرة، وتضع الناقد أمام مرآة أدواته ومواقفه وضميره.
لقد أحسنتَ اختيار المداخل؛ من سؤال النية والنص، إلى التشريح الذي قد يفهم النص أو يقتله، ومن زيف اللغة والشعور إلى الغضب والعدل، ومن معارك الوسط الأدبي إلى السؤال الأكثر رهبة: ماذا يبقى من الناقد حين يصبح هو نفسه موضوعًا للنقد؟
وفي أسئلتك شيءٌ من روح «عنوان بالميزان»؛ فلا سؤالٌ يكتفي بسطح المعنى، ولا استفهامٌ يرضى بإجابةٍ جاهزة. بل كل سؤالٍ يفتح وراءه سؤالًا آخر، حتى يبدو الحوار نفسه نصًا نقديًا ينتظر أن يُقرأ.
أما خاتمتك، فقد وضعتَ الدكتور طه أمام سؤالٍ لا يطلب حكمًا عابرًا، بل يطلب أثرًا يريد أن يعبر الزمن.
هنيئًا لـ«لقاء الأسبوع» بهذا اللقاء؛ فحين يجتمع فيلسوف الحروف مع قامةٍ نقديةٍ كبرى، لا يكون المنتظر مجرد أجوبة، بل ولادةُ أسئلةٍ جديدةٍ في وعي كل من يصغي.
كل التقدير لك دكتور فضيل؛ فقد جعلتَ السؤال نفسه فنًا من فنون النقد، وميزانًا لا يكتفي بوزن النص، بل يزن صاحبه وأدواته وضميره أيضًا
فضيل حاج بن عدة
سماح ياقوت درويش
Fawzy Ibrahim
فضيل حاج بن عدة
بسم الله الرحمن الرحيم،
أيها الحضور النبيل في منتدى شعاع الهاطل بالمعنى...
حين يترجل البروفيسور الفيلسوف فضيل حاج بن عدة في محراب الحرف، لا نملك إلا أن ننصت بخشوع الواعين لقرع طبول الفكر؛ فهو ليس مجرد محاور عابر، بل هو فيلسوف الحروف، وهادم القوافي والوجدان، وساحر الأبجدية الذي يملك قلباً صافياً كالينابيع، وعقلاً يفكك التراكيب ليعيد صياغة الوجود.
أخي البروفيسور فضيل، لقد فجّرتَ الليلة بأسئلتك العشرين بركاناً كونياً من المعرفة، وحركتَ مياه النقد الراكدة بأسئلة تفوق العادة جمالاً وعمقاً.
من "محاكمة النوايا الورقية" إلى "سؤال المعلقة الأبدية"، صغتَ وثيقةً نقدية وتاريخية ستظل فخراً لبرنامج «لقاء الأسبوع»، وتاجاً يزدان به منتدى شعاع تحت رعاية عميدنا الفاضل الدكتور محمد أبو خروب العبادي وهندسة أخينا الدكتور محمد ميموني.
لقد أثبتّ اليوم أن الحوار الفلسفي هو التوأم الشرعي للشعر، وحين يمتزج صفاؤك الإنساني بعمق طروحاتك، ندرك أننا أمام قامة عروبية استثنائية تجعل من الحرف معركة وجود وبناء.
نترك الدفة الآن لضيفنا الجليل، حارس ذاكرة الجليل الأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)، ليتلقف هذه الدرر الفلسفية، ويشتبك بأسلوبه ومشرطه النقدي مع هذا الفكر السامق الذي طَرَحْتَهُ.
دمتَ يا بروفيسور فضيل نبراساً للفلسفة، وصوتاً يوقظ المعنى في أسمى تجلياته
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
طه عبد الرحمن
فضيل حاج بن عدة وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فيما يلي الاجابات مرتبة بحسب أسئلة الدكتور فضيل حاج بن عدة، بصوتٍ نقديّ هادئ يجمع بين العمق والوضوح، ويجعل من النقد معرفةً ومسؤولية لا خصومةً ولا استعراضاً.
1. النقد: قراءة أم محاكمة؟
الجواب:
لم يكن النقد عندي محكمةً أُحضر إليها الكاتب متهماً، ولا قراءةً عابرة تمرّ على النص كما تمرّ العين على واجهةٍ مضيئة؛ بل هو إنصاتٌ طويل لما قاله النص وما عجز عن قوله.
نية الكاتب بابٌ قد يضيء بعض الممرات، لكنها ليست القصر كله؛ فالنص، متى خرج إلى الناس، صار له قدرٌ من الاستقلال، وصار يُسأل بقدر ما يُضيء في قارئه من أسئلة، لا بقدر ما أخفاه صاحبه في صدره من مقاصد.
2. سر الأبجدية وجمالها
الجواب:
لأن النحو والصرف يضبطان جسد اللغة، أما جمالها فيتخلق في روحها. الحرف العربي ليس صوتاً محايداً فقط؛ إنه تاريخٌ وإيقاعٌ وظلٌّ وصورةٌ ومقام.
إنك قد تعرف أن الكلمة مرفوعة، ولكنك لا تعرف لماذا رفعت القلب معها؛ وقد تعرف أوزانها، لكنك لا تدرك كيف جعلت من الصمت الذي قبلها والفراغ الذي بعدها جزءاً من معناها. فالجمال لا تسجنه القاعدة، وإن كانت القاعدة تحرس بابه.
3. التفكيك للفهم والتفكيك للقتل
الجواب:
من يفكك النص ليفهمه، يعيد إليه أعضاءه بعد أن يتأمل سرّ الحياة فيها؛ أما من يفككه ليقتله، فإنه لا يرى في النص إلا شيئاً يريد أن يثبت عليه قدرته.
الأول جراحٌ رفيق، يفتح الموضع ليُبصر العلة ثم يضمّد؛ والثاني جلادٌ يخلط بين المبضع والخنجر. والنقد الحقّ ليس أن تبرهن على هشاشة النص، بل أن تكشف أين يقيم نبضه، وأين يعتريه الوهن، بضميرٍ لا يتلذذ بالأذى.
4. البلاغة: زينة أم بركان معنى؟
الجواب:
حين تُختزل البلاغة في المحسنات، تصبح مرآةً مزخرفة لا نافذةً على العالم. أمّا البلاغة في أصلها فهي قدرة الكلمة على أن تصيب موضعها من الروح، وأن تجعل المعنى واقعةً لا عبارة.
هي ليست زينة اللفظ، بل عدالة اللفظ للمعنى؛ وليست ثوباً يُلبس للكلام، بل نارٌ داخل الكلام تجعل الحرف أكبر من حبره، وتجعل الجملة قادرةً على أن تترك في الوجدان أثراً لا تمحوه السرعة.
5. الصمت عن النص الرديء
الجواب:
الصمت قد يكون حكماً نقدياً حين يكون النص دون عتبة الحوار، وحين يكون الرد عليه منحةً لا يستحقها. لكنه يصبح هروباً إذا كان الصمت خوفاً من اسمٍ، أو مجاملةً لصحبةٍ، أو اتقاءً لصخب.
الناقد لا يطارد الرداءة لكي يصنع منها خصماً، ولا يزينها لكي يكسب رضاها؛ يكفيه أن يضعها في موضعها الطبيعي: خارج دائرة الاحتفاء، مع بيانٍ منصف إذا اقتضت الأمانة البيان.
6. قراءة فوق القراءة
الجواب:
الناقد الحقيقي لا يدّعي أنه يرى ما لا يراه البشر، لكنه يتعلم أن يرى ببطءٍ ما تمرّ عليه العيون بسرعة. يرى علاقة الصورة بسياقها، وصمت العبارة بظاهرها، ومقدار الصدق بين ما يقوله النص وما يوحي به.
وأحياناً لا يكتشف الناقد أمراً خفياً بقدر ما يرفع ستاراً تعوّد القارئ أن يتركه في مكانه، لأن الرؤية العميقة ليست اختراعاً للغموض، بل تحريراً للمعنى من العادة.
7. النص المكتوب بالدم
الجواب:
النص الذي كُتب بالدم لا يُقارب بأدوات باردة. لا يكفي أن نعدّ صوره أو نزن إيقاعه؛ ينبغي أن نصغي إلى الرجفة التي جعلت الكتابة ضرورة.
لكن النقد لا يبلغ الجرح لكي يتملكه، بل ليحترم أثره في اللغة. فالألم وحده لا يصنع أدباً، كما أن الصنعة وحدها لا تصنع حياة؛ الأدب يولد حين يتحول الجرح من صرخةٍ خاصة إلى معنى إنساني يستطيع الآخر أن يتعرف فيه إلى شيء من نفسه.
8. الفلسفة والأدب
الجواب:
الفلسفة لا تفسد الأدب إلا إذا دخلته متعاليةً عليه، فأرادت أن تجعل القصيدة درساً، والرواية برهاناً، والشخصية لافتةً لمذهب. أما إذا دخلته ذائبةً في نسيجه، صارت عمقاً لا خطاباً، وسؤالاً لا وصاية.
الأدب بلا فلسفة قد يبقى جميلاً، لكنه يخاطر بأن يبقى عند سطح التجربة؛ والفلسفة بلا أدب قد تكون صحيحةً، لكنها باردة. وحين يلتقيان بحق، يصبح الفكر دماً في اللغة، وتصبح اللغة جسراً إلى الأسئلة الكبرى.
9. الناقد في زمن المنصات
الجواب:
لم يمت الناقد المحترف، لكن الضجيج جعل صوته أقل ظهوراً من أصواتٍ أسرع وأشدّ ثقةً في نفسها. المنصات منحت الجميع حق الكلام، وهذا مكسب؛ لكنها لم تمنح الجميع أدوات التمييز، ولا صبر القراءة، ولا أخلاق الحكم.
الناقد لا يُعرّف بعدد المتابعين، بل بمقدار ما يضيفه من كشفٍ ومعيارٍ ومسؤولية. وبين قارئ يكتب انطباعه بحرية، وناقد يبني حكماً بحجةٍ ومعرفة، مسافةٌ لا تختصرها شاشة.
10. النص الذي حلّل الناقد
الجواب:
أشد النصوص أثراً ليست بالضرورة أشهرها؛ إنها النصوص التي تقف أمامها فتكتشف أن أدواتك التي جئت بها لا تكفي، وأنك أنت أيضاً تحتاج إلى قراءة.
كل نص صادق وعظيم يمنح الناقد درساً في التواضع: يعلّمه أن المنهج ليس سيداً على الأدب، وأن العقل، مهما اتسع، يبقى أمام بعض التجارب الإنسانية مطالباً بأن يصمت قليلاً كي يفهم أكثر.
11. الحكم فوق الأحكام
الجواب:
لا أزعم أن للناقد حكماً نهائياً؛ فالأدب أوسع من أن يُغلق عليه باب، والزمن قارئٌ لا يملّ من المراجعة. أمّا الحكم الذي فوق أحكامنا جميعاً، فهو حكم الحقيقة والجمال والعدل، وهو ليس ملكاً لنا بل أفقٌ نسعى إليه.
وما كان لله وحده لا ينبغي للناقد أن يدّعيه؛ لأن التواضع أمام النص من أول شروط العدالة فيه.
ص 1 يتبع
طه عبد الرحمن
تجنب الصدام
الجواب:
تجنّب الصدام حكمة حين يكون الصدام عبثاً، وحين يكون الخصم مغلقاً على نفسه لا يريد إلا الغلبة. لكنه ليس حكمة إذا صار ستاراً لإخفاء الحقيقة، أو ذريعةً لتعطيل الضمير.
المروءة ليست أن نجامِل الخطأ، بل أن نقول الصواب بلا تشهير، وأن نختلف بلا إهانة، وأن نردّ على الفكرة من غير أن نهدم صاحبها. تلك هي شجاعة النقد: صلابة في المبدأ، ورقّة في العبارة.
13. أول الزيف في القصيدة
الجواب:
أول ما ينكشف هو زيف الشعور؛ لأن اللغة، مهما تزيّنت، لا تستطيع أن تمنح العاطفة حياةً لم تعشها. قد تخدعنا العبارة لحظة، لكن القصيدة الصادقة لها حرارة لا تُصطنع، وللعبارة المزيفة برودةٌ تظهر ولو لبست أجمل الثياب.
زيف اللغة غالباً أثرٌ من آثار زيف الشعور؛ فحين لا يكون في الداخل ما يُقال، يكثر الخارج مما يُزيّن.
14. العدل والغضب
الجواب:
يجوز للناقد أن يغضب من القبح والتزييف والظلم، فالبرودة المطلقة ليست عدلاً دائماً؛ لكن لا يجوز له أن يجعل غضبه قاضياً.
الغضب طاقة أخلاقية، لكنه يصبح خطراً حين يسبق الدليل، وحين يحوّل النص إلى خصومة شخصية. العدل أن نكتب بعد أن تهدأ العاصفة، لا لكي نخفي النار، بل لكي نمنعها من إحراق الميزان.
15. متى تبدأ المعركة النقدية؟
الجواب:
تبدأ المعركة الحقيقية حين يُراد للصمت أن يكون موافقة، أو يُراد للكلمة أن تكون تبعية. لكن الرد ليس دائماً هو الشجاعة، كما أن الصمت ليس دائماً هو الضعف.
القاعدة أن نردّ حين يكون في الرد حمايةٌ للمعنى، وأن نصمت حين لا يكون في الكلام إلا تضخيمٌ للضجيج. فليست البطولة أن نكسب كل معركة، بل أن نعرف أيّ المعارك تستحق أن نخوضها.
16. الشاعر الذي يثبت قوته
الجواب:
الشاعر الذي يكتب ليبرهن على قوته قد ينجح في صنع ضوضاء، لكنه لا يضمن أن يصنع شعراً. الشعر لا يثبت القوة بالصراخ، بل يثبتها بالقدرة على أن يمنح التجربة صيغةً لا تُنسى.
ومن جعل خصومه موضوعه الدائم، قد يصير صانع خصومات أكثر منه صانع قصائد؛ لأن القصيدة التي تعيش لا تسأل: من هزمتُ؟ بل تسأل: ماذا أضفت إلى الإنسان؟
17. لماذا كل هذه المعارك؟
الجواب:
لأن النقد العربي لا يعاني نقصاً في الأصوات بقدر ما يعاني اضطراباً في المعايير. حين تضطرب المقاييس، يصبح كل حكمٍ شخصياً، وكل اختلافٍ خصومة، وكل ملاحظةٍ عداءً.
لسنا بحاجة إلى مزيد من المعارك، بل إلى نقد يردّ الخلاف إلى حقله المعرفي: أن نحتكم إلى النص، لا إلى الأسماء؛ إلى الحجة، لا إلى الحشود؛ إلى أثر العمل، لا إلى موقع صاحبه.
18. السؤال الذي كنت أنتظره
الجواب:
لعل السؤال الذي يستحق أن يُسأل هو: هل أنصف الناقد النصوص التي لم تشبه ذائقته؟
فالامتحان الحقيقي للناقد ليس في أن يصفق لما يحب، بل في أن يعترف بالجمال حين يأتي من جهةٍ لم يألفها، أو بلغةٍ لا تشبه لغته، أو رؤيةٍ تخالف رؤيته. هناك يظهر الفرق بين الذائقة الخاصة والعدالة النقدية.
19. المناهج الغربية والقراءة العربية الأصيلة
الجواب:
لا أضعهما في ميزان خصومة؛ فالمناهج الغربية تجارب إنسانية يمكن أن تمنحنا أدوات نافعة، والقراءة العربية الأصيلة ذاكرةٌ حيّة فيها من البلاغة والذوق والسياق ما لا يجوز التفريط فيه.
الأثقل هو ما يجعلنا أقدر على فهم النص العربي من داخله، من غير انغلاقٍ يحرمنا من المعرفة، ومن غير تبعيةٍ تجعلنا نلبس النص ثوباً ليس له. لا نحتاج أن نكون نسخةً من أحد، بل أن نكون أوفياء للغتنا ومنفتحين على العالم.
20. المعلقة الأبدية
الجواب:
لو تركت حكماً واحداً، لقلت:
النقد ليس أن تُظهر ذكاءك أمام النص، بل أن تُعين النص على أن يُظهر حقيقته أمام الناس.
فإذا فعل الناقد ذلك، كان شريكاً في إنصاف الجمال، لا حارساً على أبوابه؛ وكان صوته امتداداً لصوت الأدب، لا ستاراً يحجبه.
ص 2 انتهى
Mohammed Mimouni
فضيل حاج بن عدة وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أخي العزيز الأستاذ الدكتور فضيل حاج بن عدة، أشكركم على هذه التوطئة التي لم تقدّم لنا عشرين سؤالًا فحسب، بل فتحت عشرين نافذة على بيت النقد، وتركتنا نتساءل من أي نافذة سيدخل الدكتور طه عبد الرحمن دخل الله إلى هذا الحوار.
وأظن أن جمال هذه الأسئلة ليس في كثرتها، بل في أنها لا تبحث عن إجابات محفوظة؛ بعضها يضع الناقد أمام النص، وبعضها يضعه أمام نفسه، وبعضها الآخر يضع النقد كله أمام سؤال أكبر: هل نحن نقرأ النص حقًا، أم أننا أحيانًا نقرأ تصوراتنا نحن عن النص؟
أعجبني خصوصًا الانتقال من «محاكمة نية الكاتب» إلى «تفكيك النص دون قتله»، ومن «زيف اللغة» إلى «زيف الشعور»، ثم الوصول إلى السؤال الذي ربما يكون أخطرها جميعًا: ما الحكم النقدي الذي يمكن أن يبقى بعد أن تهدأ المعارك وتسقط الأسماء؟
هنا أشعر أن اللقاء تجاوز حدود النقد الأدبي بمعناه التقني، وأصبح حديثًا عن أخلاق القراءة نفسها. فالناقد حين يمسك نصًا، لا يمسك كلمات فقط؛ إنه يمسك تجربة إنسان، وربما جرحًا لم يجد صاحبه طريقة أخرى ليقوله.
ولهذا أتمنى ألا يكون حوارنا اليوم بحثًا عن «إجابات نهائية»، بل عن أسئلة أكثر دقة. فالناقد الحقيقي، في رأيي، ليس من يقتل السؤال بجواب، وإنما من يجعلنا بعد جوابه نكتشف أن السؤال كان أعمق مما ظننا.
أما السؤال العشرون، «المعلقة الأبدية»، فسأتركه لأبي مراد؛ لأنني إن حاولت الإجابة عنه الآن فسأرتكب خطأً فادحًا: سأسرق من ضيفنا أجمل لحظة في هذا اللقاء.
فمرحبًا بالدكتور طه عبد الرحمن دخل الله، ومرحبًا بالأستاذ فضيل حاج بن عدة، ومرحبًا بكل هذه الأقلام التي حضرت لا لتصفق للإجابة، بل لتشارك في صناعة السؤال.
والآن… نصمت قليلًا، فربما كان الصمت هذه المرة هو أفضل مقدمة للكلمة.
فضيل حاج بن عدة
مبارك احمد خلف الله البشير احمدالشطناوي الشطناوي على احمد المصرى
• ١ س
Mohammed Mimouni
فضيل حاج بن عدة وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أخي فضيل وأسرة منتدى شعاع الكريمة...
أمام هذه الأسئلة، لا أظن أنني جئت لأقدم أجوبة نهائية؛ فالناقد الذي يطمئن إلى أجوبته أكثر مما يطمئن إلى أسئلته، يحتاج إلى ناقد آخر!
وسأجيب باختصار، حتى لا نقتل السؤال بكثرة الكلام:
النقد عندي ليس محاكمة لنية الكاتب، فالنيات ملك أصحابها، وإنما قراءة لما فعلته اللغة حين غادرت نية صاحبها وصارت نصاً.
لأن العربية ليست نحوًا وصرفاً فقط. القاعدة تضبط اللسان، لكنها لا تفسر دائماً لماذا ترتجف الروح أمام جملة بسيطة.
التفكيك الذي يقود إلى الفهم يفتح للنص نوافذ، أما التفكيك الذي يقتله فيتعامل معه كجثة. والفرق بينهما أخلاقي قبل أن يكون منهجياً.
البلاغة إذا تحولت إلى زينة ماتت. البلاغة الحقيقية ليست أن تجعل الكلام جميلاً فقط، بل أن تجعل المعنى غير قادر على البقاء صامتاً.
أحياناً يكون الصمت حكماً نقدياً ناضجاً، لأن ليس كل نص يستحق معركة. لكن الصمت يصبح جبناً حين نحتاج إلى قول الحقيقة ونختبئ خلف المروءة.
القارئ العادي قد يرى ما يراه الناقد، لكنه لا يمنحه دائماً الاسم والمفهوم. والناقد الحقيقي لا يدّعي أنه يرى أكثر من الجميع؛ بل يحاول أن يجعل ما نراه قابلاً للسؤال.
حين يُكتب النص بالدم، لا يجوز للنقد أن يدخل إليه بحذاء ثقيل. بعض الجروح تحتاج إلى قراءة تصغي قبل أن تفسر.
الأدب بلا عمق فكري قد يلمع، لكنه لا يضيء طويلاً. والفلسفة إذا دخلت الأدب بعنف قتلته. المطلوب أن تسكن الفلسفة النص، لا أن تستعرض نفسها داخله.
الناقد المحترف لم يمت، لكنه لم يعد وحده في الساحة. المنصات أعطت الجميع حق الكلام، والمشكلة ليست أن يتكلم القارئ، بل أن يظن الكلام وحده منهجاً.
النص الذي حللني أكثر مما حللته هو النص الذي اكتشفت بعد قراءته أنني كنت أقرأ نفسي وأنا أظن أنني أقرأ صاحبه.
نعم، هناك دائماً سؤال فوق الحكم، وحين نظن أننا وصلنا إلى الحكم الأخير، تكون المشكلة أننا نسينا محدودية الإنسان.
تجنب الصدام ليس دائماً حكمة، كما أن خوضه ليس دائماً شجاعة. أحياناً يكون الصمت حكمة، وأحياناً يكون مجرد خوف مهذب.
أبحث أولاً عن صدق الشعور؛ لأن اللغة تستطيع أن تتزين كثيراً، لكنها تعجز طويلاً عن إخفاء الفراغ.
الناقد إنسان قبل أن يكون ميزاناً. قد يغضب، لكن عليه ألا يجعل غضبه معياراً. فالعدل لا يعني غياب الشعور، بل عدم تسليمه مفاتيح الحكم.
المعركة النقدية لا تبدأ حين نرد، ولا حين نصمت؛ تبدأ حين يصبح الاختلاف تهديداً للكرامة بدل أن يكون فرصة لاكتشاف الحقيقة.
من يكتب ليثبت قوته قد يكتب نصاً قوياً، لكنه ليس بالضرورة شاعراً قوياً. الشعر لا يحتاج إلى صناعة خصوم؛ يحتاج إلى صناعة معنى.
لأن بعض الأصوات لا تسمع إلا حين ترتفع. لكن النقد الذي يحتاج دائماً إلى الصراخ كي يُسمع، عليه أن يسأل نفسه: هل المشكلة في صوته أم في حجته؟
السؤال الذي كنت أنتظره هو: ماذا بقي فيك من الإنسان بعد كل هذا النقد؟ لأن كثرة قراءة النصوص لا تضمن أن يقرأ الناقد نفسه.
لا أضع المناهج في سباق أوزان. المنهج أداة، وليس عقيدة. والسؤال الأهم ليس: من أثقل؟ بل: أي منهج استطاع أن يفتح النص دون أن يغلقه داخل قفصه؟
أما الحكم الذي أتركه، فلن أزعم أنه أبدي، لأن الأبدي لله وحده. لكنني أقول: «النقد الذي لا يضيف إلى النص سؤالاً جديداً، مهما كان دقيقاً، لم يكتمل بعد.»
وربما أضيف جملة أخيرة، لا باعتبارها جواباً عن سؤال، بل باعتبارها مشاكسة صغيرة لأسئلة فضيل كلها:
أنا لا أخاف من الناقد الذي يخطئ؛ أخاف من الناقد الذي يظن أنه لا يخطئ.
لأن الخطأ قابل للتصحيح...
أما اليقين المغلق، فيحتاج إلى ثورة كاملة.
Rajae Filaly

حينَ نقرأُ للأديبِ والناقدِ طه دخل الله عبد الرحمن، فإننا نحلُّ في محرابِ الحرفِ البهيّ، ونقفُ على ضفافِ الكلمةِ الساميةِ التي تجعلُ من النقْدِ فنّاً يُضاهي الإبداعَ جمالاً، ورؤيةً تستجلي أسرارَ النصِّ ودَفائِنَه دونَ أن تجرحَ رِقّتَه.
إنه الكاتبُ الذي لا يقرأُ النصوصَ بعينِ الناقدِ الصارمِ فحسب، بل بوجدانِ المبدعِ الذي يستشعرُ أنفاسَ القصيدة، ويتلمّسُ مكامنَ الروحِ والدفءِ بين سطورها.
لقد ظلّتْ قراءاتُه النقديةُ في المشهدِ الأدبيِّ شُعاعاً يُضيءُ تجاربَ الشعراءِ والكتّاب؛ فهو لا يكتفي بتفكيكِ الصورِ والأخيلة، بل يُعيدُ صياغةَ الجَمالِ بلغةٍ شاعرةٍ تعكسُ عمقَ الذائقةِ والأصالة. يزنُ الحرفَ بميزانِ العاطفةِ والوعي، فيمنحُ الكلمةَ حقَّها من الإجلال، ويجعلُ من الحوارِ النقديّ مساحةً للمحبةِ والارتقاء.
نتوجه ببالغ التقدير والشكر للدكتور طه عبد الرحمن على ما جاد به من عميق الفكر وجمال الرأي
Rajae Filaly
Saloua Filaly
Rajae Filaly
أستاذي الفاضل الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن
إذا كان الأدب يحمل مصباحاً صغيرًا في عتمة العالم، فهل دوره اليوم هو حماية المفهوم التقليدي للإنسانية، و الدفاع عن القيم الإنسانية المتعارف عليها (كالتعاطف، والرحمة، والشعور بالآخر) وحمايتها من الضياع والاندثار في زمن طغت فيه المادية والعزلة؟
أم اجتراح أدوات وأسئلة جديدة لإعادة بناء الرابطة الوجدانية في زمن الفردانية المطلقة؟"
Saloua Filaly
Rajae Filaly
الأستاذة الراقية رجاء،
سؤالٌ لا يطرق باب الأدب من خارجه، بل يدخل إلى صميم رسالته؛ إذ يضع الكلمة أمام مفترقٍ بالغ الدقة: أتحرس الإنسانية كما عرفناها، أم تعيد الأدبُ ابتكار السبل التي تجعل الإنسان قادرًا على الإحساس بالإنسان من جديد؟
وقد أدهشني في سؤالكِ أنكِ لم تكتفي بالدفاع عن قيم الرحمة والتعاطف والشعور بالآخر، بل نقلتِ السؤال إلى طبقة أعمق: ماذا يفعل الأدب حين تتغيّر بنية العالم، وتتسع الفردانية، ويصبح الإنسان محاطًا بوسائل اتصالٍ كثيرة، لكنه قد يجد نفسه أكثر وحشةً في الداخل؟
هنا يصبح الأدب أكثر من حافظٍ للذاكرة الأخلاقية؛ يصبح مختبرًا لإعادة وصل ما انقطع بين الإنسان وذاته، وبينه وبين الآخر.
سؤالٌ باذخ في عمقه، جديرٌ بقامة نقدية وفكرية كالدكتور طه، لأنه لا يطلب إجابةً جاهزة، بل يستنفر الفكر كي يعيد النظر في معنى الإنسانية نفسها.
كل التقدير لكِ، رجاء، على هذا السؤال الذي يشبه نافذةً فُتحت في جدارٍ كثيف، ليدخل منها شيءٌ من الضوء إلى قلب القضية
Rajae Filaly
أستاذي الفاضل الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن
إذا كان الأدب يحمل مصباحاً صغيرًا في عتمة العالم، فهل دوره اليوم هو حماية المفهوم التقليدي للإنسانية، و الدفاع عن القيم الإنسانية المتعارف عليها (كالتعاطف، والرحمة، والشعور بالآخر) وحمايتها من الضياع والاندثار في زمن طغت فيه المادية والعزلة؟
أم اجتراح أدوات وأسئلة جديدة لإعادة بناء الرابطة الوجدانية في زمن الفردانية المطلقة؟"
Rajae Filaly
أختي الغالية الدكتورة الأنيقة سلوى،
تعليقُكِ يفيض بالرّقّة والعمق الأدبي، ويدلّ على قراءةٍ واعية لم تجامل الطرح، بل غاصت في جوهره وتنفّست فكرته.
الجميل في تعليقكِ أختي سلوى أنه لم يكن مجرد إشادة عابرة، بل كان إعادة صياغة موازية تُكمل السؤال وتجلّيه؛ فقد التقطتِ ببراعة ذلك التحول المحوري الذي أشرتُ إليه: انتقال الأدب من دور "الحارس للذاكرة الأخلاقية" إلى دور "المختبر الذي يعيد وصل ما انقطع" في إنسان هذا العصر.
وكم نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه القراءات الواعية التي لا تقف عند حدود السطح، بل تنفذ إلى عمق الوجدان وتوقظ الفكرة؛ إلى عقولٍ وقاماتٍ تحمل من العمق والدفء ما تحملينه، لتعيد للكلمة بهاءها وللحوار الإنساني معناه.
شكراً لكِ من القلب يا سلوى على كلماتكِ التي أضاءت المتن وزادت المعنى رونقاً وجمالاً.
دام حضوركِ الباذخ نبعاً للإلهام ومساحةً للضوء.
طه عبد الرحمن
Rajae Filaly إلى الأديبة الراقية رجاء الفيلالي،
شكراً لكِ من القلب على هذا الوفاء الذي صغتِه بمدادٍ من تقدير، وزيّنتِه بعباراتٍ تنبضُ صدقاً وتفيضُ ذوقاً. لقد جعلتِ من الشكر قصيدةً، ومن الثناء رسالةً، ومن الكلمة جسراً يعبر عليه الودّ بين الأرواح والأقلام.
ما كتبتِه ليس مجرّد إشادةٍ عابرة، بل شهادةٌ أدبيةٌ ساميةٌ تُنصفُ الفكر، وتُكرم الحرف، وتمنح الجهد معناه الجميل. فلكِ من الامتنان أصفاه، ومن الدعاء أزكاه، ومن التقدير ما يليقُ بقلبٍ يعرفُ للفضل قدره، وللأدب مقامه، وللكلمة شرفها.
دمتِ يا رجاءُ عنواناً للرقيّ والوفاء، ونبضاً مضيئاً في سماء الأدب؛ تُجيدين شكرَ المبدعين كما يُجيد الوردُ إهداءَ العطر، وكما تُجيد الشمسُ أن تُهدي الصباحَ ضياءه.
Rajae Filaly
طه عبد الرحمن
أستاذنا القدير والمفكر الكبير الدكتور طه،
تتضاءل الكلمات أمام هذا الجود الأدبي الباذخ، وتخجل الحروف من أن تحاول مجاراة نبضكم السامي ورقيّ عباراتكم.
إن كلماتكم الكريمة ليست مجرد إشادة، بل هي وسامُ شرفٍ أتقلّده بامتنان، وزادٌ يمنح القلم نوره ويضاعف من مسؤولية الكلمة وأثرها.
إن الحرف لا يكتمل إلا حين يصادف عقولاً نيرة وقاماتٍ سامقة تُحسن قراءته وتكرم حضوره.
دمتم للأدب منارةً، وللفكر ضياءً، وللأرواح القارئة إلهاماً لا ينضب.
لكم مني أصفى معاني التقدير وأصدق الدعوات بدوام العطاء والرفعة.
Mohammed Mimouni
Rajae Filaly كلماتكم الجميلة عن الدكتور طه عبد الرحمن لا تحتاج إلى كثير تعليق، لأنها جاءت محمّلة بذلك الدفء الذي يجعل التقدير أصدق من أي مجاملة.
وأجمل ما استوقفني فيها أنكم لم تنظروا إلى النقد باعتباره مشرطًا يفتش عن عيوب النص، بل باعتباره عينًا أخرى ترى ما قد لا يراه الكاتب في نصه. ولعل الناقد الحقيقي هو من يدخل إلى النص دون رغبة في إخضاعه، فيحاوره حتى يكشف له بعض أسراره.
أما الدكتور طه عبد الرحمن، فاستضافته في منتدى شعاع ليست مجرد مناسبة عابرة، بل فرصة لأن نضع الفكر في مواجهة الفكر، والكلمة أمام قارئها، ونمنح الحوار حقه في أن يختلف ويسأل ويضيء.
شكرًا لكم على هذه القراءة التي لم تكتفِ بالاحتفاء بالشخص، بل احتفت بالقيمة التي يمثلها حضوره. فالقامات الفكرية لا يليق بها أن تُحاط بالتصفيق وحده؛ الأجمل أن تُحاط بأسئلة تليق بما تفتح من أبواب.
دمتم أهلًا للكلمة الجميلة، ودام منتدانا مساحةً يلتقي فيها الأدب والفكر والإنسان، لا على منصة المجاملة، بل على مائدة الحوار.
Rajae Filaly
Mohammed Mimouni
أستاذنا القدير الدكتور محمد ميموني،
تتألق المعاني حين تلامس فكراً سامياً كفكركم،
وتتسع الرؤية حين يقرأ النصَّ عقلٌ يعي جوهر الأدب ومقاصده البصيرة.
لقد وضعتم الأصبع ببراعةٍ على جوهر الفعل النقدي؛
فالنقد الحقيقي ليس محاكمةً ولا تشريحاً يبتغى العثرات،
بل هو كما تفضلتم عينٌ ثانيةٌ ترى ما غفلت عنه عين الكاتب، وحوارٌ شفيق يستنطق الحرف ويلتقط نداءاته الخفية.
وما أوجزتموه بشأن استضافة المفكر الكبير الدكتور طه عبد الرحمن يجسّد الوعي الحضاري والفلسفي الذي يشرّف منتدى "شعاع".
إن القامات الفكرية الكبرى لا تُكرَّم بالتصفيق الجاف ولا بالمجاملات العابرة،
بل تُحتفى بإحاطتها بأسئلةٍ جادة، وإعادة تحريك المياه الراكدة،
وتحويل الحوار إلى مائدةٍ حية يتجاور فيها الأدب مع الفكر في أسمى صور التلاقي الإنساني.
شكراً لكم على هذه القراءة السامية التي أثرت المعنى وزادته بهاءً.
دام فكركم نبعاً للإلهام والوعي، ودام حضوركم المشرق في مسيرة الكلمة والفكر
Kazem A Ahmad
أستاذنا الدكتور والأديب القدير الغالي
إذا كانت غاية الكتابة والسرد والأدب هي تعميق الوعي الإنساني الحياتي..
فما هي غاية النقد الأدبي و هل نستطيع أن نعرف النقد الأدبي عبر الذكاء الاصطناعي من النقد الأدبي الإبداعي
وما دور كل من الكاتب والمتلقي والناقد في ذلك.؟
أسعد الله أوقاتك وشكرا عميقاً من القلب.
كاظم احمد احمد_سورية
Saloua Filaly
Kazem A Ahmad
الأستاذ الدكتور والأديب القدير كاظم أحمد أحمد،
سؤالكم لم يدخل إلى مائدة الحوار من باب الاستفهام العابر، بل جاء من العتبة التي يبدأ عندها النقد الحقيقي: إذا كانت الكتابة تعمّق الوعي بالحياة، فماذا يفعل النقد بهذا الوعي؟ وإلى أيّ مدى تستطيع الآلة أن تلامس ما يصنعه النقد الإبداعي؟
وأجمل ما في سؤالكم أنكم لم تضعوا النقد في مواجهة الأدب، بل وضعتموه في موضعه الأصيل: شريكًا في الكشف، لا خصمًا للنص؛ قراءةً تعيد ترتيب ما رأيناه، وتضيء ما مررنا عليه دون أن ننتبه، وتفتح في النص أبوابًا ربما لم يكن الكاتب نفسه قد رأى جميع ممراتها.
أما الجمع بين النقد الأدبي والذكاء الاصطناعي، فهو يفتح سؤالًا أكثر اتساعًا: هل تكفي القدرة على تحليل اللغة والبنية والأسلوب كي نصنع ناقدًا؟ أم أن النقد الإبداعي يحتاج، إلى جانب المعرفة، حساسيةً إنسانيةً وذائقةً وتجربةً وقدرةً على الإنصات لما بين السطور؟ وهنا يصبح السؤال عن الآلة سؤالًا عن جوهر النقد نفسه، لا عن التقنية وحدها.
ثم إن حضور الكاتب والمتلقي والناقد في سؤالكم يمنحه بعدًا ثلاثيًّا بالغ الثراء؛ فالكاتب يخلق العالم، والمتلقي يمنحه حياةً جديدة في وجدانه، والناقد يقيم بينهما جسرًا من الوعي والتأويل. وحين تتكامل هذه الدوائر، لا يعود النص كلامًا مكتوبًا وحسب، بل يصبح كائنًا معرفيًا يتجدد كلما وجد قارئًا يعرف كيف يصغي.
سؤالٌ بهذا العمق لا يطلب إجابةً فحسب؛ إنه يهيّئ لها فضاءً يليق بها.
كل الشكر والتقدير للدكتور كاظم أحمد أحمد على هذا السؤال الذي أضاف إلى الحوار سؤالًا جديدًا عن حدود الآلة وحدود الإنسان، وعن المسافة التي تفصل تحليل النص عن الإبداع في قراءته
Kazem A Ahmad
Saloua Filaly حياك الله أستاذتنا الدكتورة الأديبة القديرة الغالية الراقية إن مرور على السؤال كمحور المبلسم على الجراح وكم من حروف قد رممت جرحا و وكمدا قديما.. دمت للألق والبهاء والبيان والنقد العنوان
Fawzy Ibrahim
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على نبيل الكلمة وهادي البشرية وسيد المرسلين.
أيها الإخوة والأخوات، أسرة منتدى شعاع الراقية،
أحييكم بتحية من ندى الحرف وعطر القوافي، وطاب مساؤكم بكل خير وإبداع.
يسعدني ويشرفني ، وأنا أستنشق عبير هذا اللقاء الفكري الباذخ، أن أقف مرحباً بقامتين نعتز بهما في مشهدنا الثقافي العربي؛ فأهلاً ومرحباً بضيفنا الكريم،
ابن الجليل الأشمّ، الناقد والأديب الذي يغزل من الكلمة خندقاً للوعي والهوية، الأستاذ القدير طه دخل الله عبد الرحمن
(أبو مراد). حللت أهلاً ووطئت سهلاً في رحاب منتدى شعاع الذي يزهو اليوم بفيض فكركم وحصيف رؤاكم.
والشكر موصول وممتد لأخي الحبيب الدبلوماسي الثقافي المبدع، الدكتور محمد ميموني، مشرف برنامج «لقاء الأسبوع» مشاك المعنى بفتح هذه النوافذ المضيئة، وتقريب المسافات بين صناع الفكر وعشاق الكلمة في هذا البرنامج الرائع الذي بات منصةً حية للاشتباك المعرفي والجمالي.
[الرد ومقاربة السؤال الأول:
أخلاق الكتابة ومسؤولية الكلمة]
وإذ ألج معكم إلى المحور الأول من هذا الحوار الشيق، مستلهماً من عمق السؤال الذي طرحه دكتورنا محمد ميموني حول "مسؤولية الكلمة مقابل حرية الإبداع"، فإنني أرى—من موقعي كشاعر يكتوي بنار الحرف—أن الإجابة تتجلى في النقاط التالية:
• الحرية والمسؤولية وجهان لعملة واحدة:
إن الإبداع الحقيقي لا يمكن أن ينبت في بيئة مكبلة، فالأديب يحتاج إلى أجنحة من الحرية ليحلق في فضاءات التخييل والتأويل؛ لكن هذه الأجنحة لا بد لها من بوصلة تحميها من السقوط في العبث، وتلك البوصلة هي المسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسان وقضاياه.
• الكلمة أمانة ووجود: حين تخرج الكلمة من حبر الكاتب، تتحول من ملكية فردية إلى طاقة جمعية تشكل وعي المتلقي. ومن هنا تنتهي حرية المبدع الأنانية عندما يبدأ أثر كلمته في صياغة وجدان الآخرين؛ فالحرية التي تنفصل عن إنسانية الإنسان ووجعه وقيمه ليست حرية، بل هي انتحار فني وانكفاء عن الرسالة.
• الكتابة خندق للمقاومة لا منصة للعبث:
بالنسبة للمثقف الملتزم—وخاصة من يعيش همّ القضية والذاكرة كضيفنا أبا مراد—تصبح الكتابة فعلاً وجودياً وأخلاقياً صارماً. إنها حراسة للوعي ضد المحو، والحرية في هذا السياق تعني التحرر من قيود السطحية، والاشتباك الحر والعميق مع الهوية والتراث لإضاءة عتمة الواقع، دون السقوط في فخ العدمية أو العبث بالقيم التي تبني الحياة.
أترك المنصة الآن لضيفنا الغالي الأستاذ أبو مراد ليفيض علينا برؤيته الأسلوبية والنقدية حول هذا التلازم الجدلي بين حرية المبدع ومسؤوليته
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Saloua Filaly
Fawzy Ibrahim
الدكتور فوزي إبراهيم، شكرًا جزيلًا لهذا التقديم الذي جاء كاشفًا عن ثقافةٍ راسخة وحسٍّ أدبيٍّ رفيع. لقد أحسنتَ تمهيد الطريق للسؤال، ورفعتَ منسوب الحوار قبل أن يبدأ، فجاءت كلماتك خادمةً للفكر وموقظةً للمعنى.
كل التقدير لك، يا قاهر الصمت، حين تجعل من الكلمة بابًا للوعي، ومن الحوار فضاءً يليق بأهل الفكر والحرف
Fawzy Ibrahim
Saloua Filaly
بسم الله الرحمن الرحيم،
الأخت الفاضلة والقامة الفكرية السامقة، الدكتورة سلوى الفيلالي،
طاب مساؤكِ بكل خير ومحبة، وعطّر الله أوقاتكِ بنور المعرفة وعبير الحرف الراقي.
حين تتداخل الحروف وتتلاقى الرؤى في هذا المحفل، نترقب دائماً إشراقة قراءتكِ؛ لأنكِ لستِ مجرد عابرة في محراب الحرف، بل أنتِ القارئة الحصيفة، والمحللة البارعة التي تملك عين الصقر في التقاط الجمال، وتفكيك المعاني، والغوص وراء المقاصد.
أشكركِ من أعماق قلبي على كلماتكِ الطيبات وتثمينكِ الغالي، الذي يعكس نقاء سريرتكِ ورسوخ ثقافتكِ.
إن دعمكِ الدائم وحضوركِ الوازن هو الوقود الذي يضيء قناديل هذا المنتدى، ويمنح الحوار بعداً أكثر عمقاً وأصالة.
دمتِ لنا عيناً ناقدة، ونبراساً داعماً، وقارئةً نعتز بشهادتها وتحليلاتها في كل محفل.
أخوكِ، الشاعر الدكتور فوزي إبراهيم العدوي
طه عبد الرحمن
Fawzy Ibrahim الشاعر الأديب الأستاذ فوزي إبراهيم العدوي، حفظه الله،
أعجز أمام هذا الاستقبال الذي لم يكن ترحيبًا عابرًا، بل كان قصيدةً من كرمٍ ووفاء، تزيّنت بحسن العبارة وصدق الشعور ونبل المقصد. لقد أحطتموني بكلماتكم كما يحيط النورُ نافذةً في مساءٍ طويل، فكان لها في النفس دفءٌ لا تصفه المجاملة، ووقعٌ جميلٌ يظلّ مرافقًا للروح.
أشكركم من القلب على هذا التقديم الرفيع الذي منحني من حسن الظن أكثر مما أستحق، وعلى ما أودعتموه من محبةٍ أصيلة وتقديرٍ كريم. وإن كان للحرف منزلة، فإن منزلته تزداد بهاءً حين يصدر عن شاعرٍ يعرف أن الكلمة ليست زينةً للقول، بل مسؤوليةٌ ووجدانٌ وموقف.
كما أحيّي فيكم هذه الرؤية الواعية التي جعلت من الكتابة خندقًا لحراسة الوعي، ومن الحرية قرينًا للمسؤولية، لا خصمًا لها. لقد أصبتم جوهر المسألة حين قلتم إن الكلمة، ما إن تغادر صاحبها، تصبح أثرًا في وجدان الآخرين؛ ولذلك فإن المبدع الحق لا يتنصّل من أثرها، ولا يساوم على إنسانيتها، بل يجعل من حريته طريقًا أكثر رحابةً للصدق والعدل والجمال.
وإنّ لمنتدى شعاع، بأهله ومحبيه، فضلًا في أن يظلّ هذا الحوار الثقافي حيًّا ومضيئًا؛ حوارًا لا يكتفي بالاحتفاء بالكلمة، بل يسائلها عن دورها، ويستدعي منها أن تكون جديرةً بوجع الإنسان وأمله. والشكر موصول للدكتور محمد ميموني على جهده الثقافي النبيل، وعلى هذه المساحة التي تجمع القلوب والعقول حول الأدب والفكر والمعنى.
تقبّلوا، أستاذنا الشاعر فوزي إبراهيم العدوي، خالص امتناني وتقديري، ودمتم صوتًا شعريًا يذكّرنا بأن للكلمة ضميرًا، وللجمال رسالة، وللثقافة قدرةً على أن تجمع ما فرّقته الأيام.
Fawzy Ibrahim
طه عبد الرحمن
أستاذنا الحبيب وقامتنا النضالية والأدبية الشامخة، الأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد)،
لا تدري كم تركت كلماتك الطيبة وعباراتك الراقية من أثرٍ دافئ في نفسي وروحي.
الشكر لك أولاً وأخيراً، فأنتم أهل الفضل، وأصحاب الحرف الذي لم يتنصل يوماً من قضايا أمته ووطنه.
أستاذي الجليل، إن كنا نحن نكتب الكلمة، فأنتم من كتبتموها بمداد المعاناة والصمود من أرض الجليل الأبيّ.
لقد حملتم مشعل النضال بالكلمة والحرف، فكنتم—وما زلتم—وقود الفكر الحي الذي يجاهد بالوعي ضد العدو الأوحد للوطن العربي؛ ذلك العدو الذي يحاول طمس هويتنا وتزييف تاريخنا ومحو ذاكرتنا الجمعية.
لقد علمتنا بتجربتك العصامية الرائدة أن المقاومة ليست بالبندقية فقط، بل بالكلمة الصادقة والمقالة الرصينة التي تقف كالجدار في وجه التهميش والنسيان. وكما تفضلتَ، سيبقى منتدى شعاع—بفضل جهود أخي الدكتور محمد ميموني وحضور قاماتنا كالدكتورة سلوى—خندقاً نلتقي فيه لنحرس هذا الوعي ونحميه.
تحت رعاية كريمة من دكتور محمد أبو خروب العبادى رئيس مجلس إدارة المنتدى ونائبه دكتور مصطفى محمد كور شيخ
والسادة الافاضل أعضاء مجلس الإدارة الموقرين
دام نبض قلمك حراً ومقاوماً، ودمت منارة للجليل وفخراً لكل أديب وشاعر عربي يتنفس حب الوطن.
تقبل مني خالص محبتي وجلّ تقديري
اخوك الشاعر فوزى ابراهيم العدوى
طه عبد الرحمن
Fawzy Ibrahim أخي العزيز الأستاذ الشاعر فوزي إبراهيم العدوي،
تعجز الكلمات أمام هذا الفيض النبيل من المحبة والتقدير، وتبقى عبارتك الكريمة وساماً أعتز به، لما حملته من صدقٍ أصيل وروحٍ وفية للكلمة والوطن والإنسان.
إن ما تفضلتَ به ليس مجرد ثناء، بل شهادةٌ أضعها في القلب قبل أن أضعها في الحرف؛ لأنّها صادرة عن شاعرٍ يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن الأدب حين يتصل بوجع الأمة وأملها يصبح شكلاً من أشكال المقاومة والوفاء للذاكرة.
لك مني خالص الشكر والامتنان على كرمك الأدبي ومشاعرك الراقية. وإن كان لي من فضلٍ، فهو ثمرةُ انتماءٍ لأرضٍ علّمتنا الصمود، ولغةٍ علّمتنا أن نرفع صوت الحقّ ما استطعنا. دمتَ يا أبا الكلمة شاعراً نبيلاً، وقلباً عربياً نابضاً، وقامةً تضيء درب الأدب الحر.
Fawzy Ibrahim
طه عبد الرحمن
عُرُوبَتُنَا جُزْءٌ مِنْ مَعَانِيكُمْ
حَرْفٌ بِحُبِّ هَوَى الأَوْطَانِ مَـفْطُورُ
شَرَّفْتَ يَا طَهَ اسْماً طَابَ مَـنْبِتُهُ
بِاسْمِ النَّبِيِّ الهَادِي النُّورُ مَـشْهُورُ
بِكُلِّ لُغَاتِ الـحُبِّ يَا طَهَ أُحَيِّيكُمْ
فَأَنْتَ فِي مِحْرَابِ الفِكْرِ دُسْتُورُ
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Mohammed Mimouni
Fawzy Ibrahim أخي العزيز الشاعر فوزي إبراهيم العدوى،
قرأت مداخلتكم لا بوصفها ترحيبًا بالضيف فحسب، بل بوصفها عتبةً فكريةً دخلنا منها إلى السؤال الحقيقي: ماذا يحدث للكلمة حين تغادر صاحبها وتصبح جزءًا من وعي الآخرين؟
أعجبني في مقاربتكم هذا الربط بين الحرية والمسؤولية؛ فالحرية التي لا تحتمل مسؤولية أثرها قد تتحول إلى مجرد تحرر من القيود، بينما الإبداع في أعمق صوره هو أن نمتلك شجاعة القول، وشجاعة السؤال، وشجاعة أن نتحمل ما يتركه القول في الإنسان.
ولعل المسألة التي تستحق أن نواصل عندها الحوار هي: هل مسؤولية الكاتب تبدأ من نيته حين يكتب، أم من الأثر الذي تتركه كلمته بعد أن تصبح ملكًا للقارئ؟
وهنا تحديدًا أجد أن الأدب لا ينبغي أن يتحول إلى منبر للوعظ، كما لا ينبغي أن يصبح الحرية ذريعة لإعفاء الكاتب من مسؤوليته الإنسانية.
شكراً لكم على هذه المداخلة التي لم تغلق السؤال، بل فتحته على أسئلة أخرى… وهذا، في رأيي، هو أجمل ما يمكن أن يفعله الحوار الثقافي.
مع خالص التقدير والمحبة، الدكتور محمد ميموني
Fawzy Ibrahim
Mohammed Mimouni
أخي الحبيب والغالي، ومشرفنا القدير وصاحب المبادرة الجليله لاستضافة الأديب الجليلى إبن الجليل دكتور طه عبد الرحمن الدكتور والأديب محمد ميموني،
طاب مساؤك بكل خير ومحبة. كم يسعدني ويشرفني دائماً هذا الاشتباك الفكري الراقي معك في كواليس منتدانا الجميل. قراءتك لمداخلتي كـ "عتبة فكرية" تعكس وعيك النقدي الكبير، وحرصك على أن يظل هذا الحوار نابضاً بالمعنى.
لقد طرحتَ سؤالاً جوهرياً ذكياً: "هل مسؤولية الكاتب تبدأ من نيته حين يكتب، أم من الأثر الذي تتركه كلمته بعد أن تصبح ملكاً للقارئ؟"
ومن موقعي كشاعر وأديب، أرى أن المسؤولية تبدأ من النية وتكتمل في الأثر. النية هي الضمير الحي والبوصلة الداخلية التي تحمي القلم من الانزلاق نحو العبث أو الابتذال؛ لكن الكلمة متى ما خرجت إلى النور وتلقفها الناس، تصبح مسؤولة عن "الأثر" الذي تصنعه في وجدانهم.
الكاتب الحقيقي يكتب بنية البناء والإضاءة، وهو يدرك تماماً أن كلماتنا—كما تفضلتَ وتفضل ضيفنا الكبير أبا مراد—لا تنبت في فراغ بل تشكل وعي أمة كاملة وترافق الروح في عتمة الطريق.
أشكرك دكتور محمد على إيقاظ هذا السؤال الساحر،
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
Mohammed Mimouni
Fawzy Ibrahim أخي الحبيب الشاعر فوزي إبراهيم العدوي،
طاب مساؤك بما يليق بهذا القلب الذي لا يكتفي بأن يكتب الشعر، بل يحاول أن يسائل ما وراءه.
أحببتُ في مداخلتك أنك لم تضع النية والأثر في خصومة، بل جعلتَ المسؤولية تمتد بينهما. لكن اسمح لي أن أُشاكسك قليلًا: ماذا لو كانت النية صادقة، ثم جاءت الكلمة بأثر لم يكن الكاتب يتوقعه؟ هنا تبدأ المنطقة الأكثر إرباكًا في علاقة الكاتب بكلمته؛ فالكاتب يملك لحظة الكتابة، لكنه لا يملك لحظة التلقي.
وربما لهذا لا تكفي النية وحدها لتبرئة الكلمة، كما لا يكفي الأثر وحده لإدانة صاحبها. فبينهما شيء ثالث أراه شديد الأهمية: وعي الكاتب بما يمكن أن تفعله كلمته. ليست مسؤولية الكاتب أن يتحكم في عقول قرائه، فهذا مستحيل، وإنما أن يعرف أن الكلمة، بعد خروجها من يده، قد تصبح في يد آخر شيئًا آخر.
وهنا أظن أن الأدب الحقيقي لا يقدم لنا إجابات مريحة، بل يورطنا في الأسئلة. والكاتب الذي يخاف كل أثر محتمل قد لا يكتب أصلًا، والذي لا يعنيه أي أثر قد يتحول قلمه إلى عبث جميل الصياغة.
لذلك أعجبتني عبارتك: «النية هي الضمير الحي والبوصلة الداخلية». وأضيف إليها، من باب المشاكسة لا المصادرة: ربما كانت النية بداية المسؤولية، وكان الوعي بالأثر امتحانها، أما ما بينهما فهو ضمير الكاتب وهو يراجع نفسه قبل أن يطالب القارئ بفهمه.
أما عن «الاشتباك الفكري» في كواليس منتدانا، فاطمئن… أنا لا أعدّه اشتباكًا بالمعنى الذي يترك كدمات، بل ذلك النوع الجميل من الاشتباك الذي يترك في الرأس سؤالًا لا ينام بسهولة.
شكرًا لك أيها الشاعر؛ لقد جعلتَ السؤال أكثر اتساعًا، وهذا في حد ذاته أجمل جواب يمكن أن يمنحه قارئٌ لنص.
Fawzy Ibrahim
Mohammed Mimouni
أخي الحبيب المشرف القدير الدكتور محمد ميموني،
طاب مساؤك وعُمرك بجميل الفكر والوعي. مشاكساتك هي الوقود الحقيقي الذي يمنح منتدانا هذا الألق، ولا كدمات في حوارٍ يصنع العقول ويرتقي بالأرواح!
لقد أصبت كبد الحقيقة بإضافتك الذكية حول "المنطقة المربكة" بين النية والأثر، ودعني أتعمق معك في هذه المشاكسة الجميلة؛ فالسؤال الحقيقي الذي فجّرته أنت هنا هو: ماذا لو كانت نية الكاتب صادقة ونبيلة، لكن سهمه طاش في مرايا التلقي وأحدث أثراً عكسياً لم يتوقعه؟
هنا تحديداً يتجلى عبقرية ما سميتَهُ «الوعي بالأثر». فالكاتب لا يكتب لنفسه، والمسؤولية الإبداعية ليست مجرد "نوايا طيبة" تُخبأ في الصدور، بل هي "معمار لغوي وسياقي" يُبنى بحذر. الأديب الحق يطلق كلمته وهو يدرك أبعاد الجرح وهشاشة المجتمع من حوله، وبالتالي فإن الوعي بالأثر هو الامتحان الحقيقي لضمير الكاتب.
النية هي البذرة التي تنبت في عقل المبدع، والوعي بالأثر هو البوصلة التي تحميه من أن يقدم "عبثاً جميل الصياغة" بدعوى الجرأة، أما الأثر النهائي فهو الثمرة التي تخرج من يده لتصبح ملكاً للتاريخ والإنسان.
أشكرك لأنك لم تترك سؤالي ينام، بل جعلت من هذه المشاكسة أفقاً أرحب يعيد تعريف مسؤولية الحرف في منتدى شعاع
الشاعر فوزي إبراهيم العدوى
على احمد المصرى
فضيل حاج بن عدة
بسم الله الرحمن الرحيم،
تحية إجلال ومحبة تزفها أرض الفكر إلى منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب؛ هذا الصرح الذي يُعيد للكلمة بهجتها ولهيبها. والتحية موصولة لراعي هذا اللقاء وسادنه الدكتور محمد أبو خروب العبادي، ولربّان هذا البرنامج ومعدّه الدكتور محمد ميموني، وللطاقم الإداري والأدبي المتألق: الدكتور مصطفى محمد كور شيخ، والدكتور فوزي إبراهيم العدوي، والأديبة المتألقة الدكتورة سلوى فيلالي.
أما أنت يا صاحب "نظرية القراءة فوق القراءات"، البروفيسور فضيل حاج بن عدة... فقد ألقيت في ركود البحيرة عشرين صخرة من بركان! أسئلتك ليست استفهاماً يبحث عن جواب، بل هي "صدمات معرفية" و"شهب طائرة" تحرق الشبهات وتستحث الروح قبل العقل.
أستأذنكم جميعاً، بلسان المستحيي أمام جلال الكلمة، وبقلب الراجي بركة هذا الجمع الفكري الميمون، أن تسمحوا لي بالدخول إلى محراب هذا الحوار الأدبي والفلسفي الكبير؛ بعد أن أسرتموني بأكاليل التكريم، وأثقلتم كاهلي بعشرين جمرة من الأسئلة الحارقة.
إنني لا أقف بين أيديكم موقف من يزعم ملكية الإجابات النهائية، ولا من ينصّب نفسه حكماً على الغيب والوجود، بل موقف «السالك المؤتمن» الذي يرى في أسئلتكم العشرين شهباً تنير ظلمات العصر، وتستحث الروح قبل العقل للانفكاك من قيود المادية إلى رحاب التفكيك الأخلاقي والائتماني.
فإذا أذِنتم لهذا المجلس الكريم، واستأنستم ببدء الرحلة، ألقيتُ عصا التردد، وشرعتُ معكم في خوض هذه الأسئلة الحارقة سؤالاً بسؤال، علّنا نصل معاً إلى كلمةٍ لا تمحوها الريح، تُسجل في صحائف منتدى «شعاع» وتليق ببهاء هذا الحفل الأدبي المتميز.
الشاعر شكرى حسن جوخى
الموت في الديار
---
حياةٌ ولا حياة
والزمان لا زمان
ولا المكان .. مكان
توقف الزمان
واختفى المكان
وسكتت الأصوات
فلا همسٌ إلا السكون
وتجلى.. الموت
ملِكٌ يختال
يقطف الزهور
يبدد الأحلام
يذهب بالألباب
في صمتاً بلا ضجيج
طمست المعالم
فلا ترى إلا الخراب
تسكنهُ .. أشباح
تزفر بين الركام
بأشعار شيطان
أناء الليلُ وأطراف الظلام
فلا سلام
سوى رعب
وفزعاً وآلام
للصغير والكبير
فالكل سواء
فصرخنا بأي ذنباً
نباد
وحولنا .. أشجار الزيتون
يرفرف عليها الحمام
والخير بأيدينا للأنام
قالوا ألا تعلمون
ذاك بأنكم
قومٌ تتطهرون
وعن رجس الشيطان
تنفرون
دكتور شكري حسن الجوخي
قاسم المجالي
موضوع جميل جدا بارك الله فيكم
قاسم المجالي
بالتوفيق والنجاح للجميع
Mohammed Mimouni
أستاذنا الكريم الدكتور طه عبد الرحمن دخل الله،
ربما لا تكمن قيمة الكتابة في أن تقول كل شيء، بل في أن تفتح في ذهن القارئ نافذةً على شيءٍ لم يكن قد انتبه إليه من قبل. ومن هنا حاولنا في هذا اللقاء أن ننتقل من سؤال الكلمة إلى سؤال الإنسان، ومن أخلاق الكتابة إلى علاقتنا باللغة، ومن أسئلة النقد إلى مستقبل القراءة والتلقي، لنكتشف أن السؤال الجيد قد يكون أحياناً أعمق من الإجابة نفسها.
لقد كان هذا اللقاء مساحةً للحوار الفكري، وفرصةً للإنصات إلى تجربة نقدية وأدبية، والاقتراب من رؤية تجعل من القراءة أكثر من مجرد فهمٍ للنص، ومن النقد أكثر من مجرد إصدارٍ للأحكام؛ فالغاية ليست أن نغلق أبواب المعنى، بل أن نفتح أمامه نوافذ جديدة.
وبهذه المناسبة، يسعدنا أن نتقدم إليكم بخالص التهنئة بمناسبة منحكم شهادة الدكتوراه الفخرية من منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، عرفاناً وتقديراً لعطائكم الفكري والأدبي والنقدي، وتعبيراً عن اعتزاز أسرة المنتدى بما تقدمونه في خدمة الكلمة والمعرفة.
إن هذا التكريم ليس مجرد شهادة تُضاف إلى المسيرة، بل هو رسالة تقدير من أسرة المنتدى، وإقرار بقيمة العطاء حين يجد من يراه ويحتفي به. فالمبدع لا يحتاج دائماً إلى شهادة تثبت ما هو عليه، بقدر ما يحتاج إلى فضاءٍ يقدّر جهده ويحترم تجربته.
ولا يفوتنا أن نتقدم بالشكر إلى عميد منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب، الدكتور محمد أبو خروب العبادي، على رعايته لهذه المبادرات الثقافية التي تجمع أهل الفكر والأدب، كما نشكر جميع أعضاء المنتدى على حضورهم وتفاعلهم وإسهامهم في إنجاح هذا اللقاء؛ فبكم تصبح المنصة فضاءً حياً للحوار، وتتحول الكلمات من حروف مكتوبة إلى جسور تجمع العقول والقلوب.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به:
حين تفقد الكلمة إنسانيتها تصبح مجرد علامة، وحين تحمل سؤال الإنسان تتحول إلى أثر.
أما نحن، فلا نريد للكلمة أن تكون أثراً ينتهي عند آخر سطر، بل نريدها أن تترك في القارئ شيئاً من القلق الجميل، وسؤالاً يرافقه حتى بعد انتهاء اللقاء.
فربما كانت قيمة الحوار الحقيقية ليست فيما قلناه، بل فيما جعلنا الآخرين يفكرون فيه.
شكراً لكم جميعاً، وألف مبارك للدكتور طه عبد الرحمن دخل الله هذا التكريم، مع أطيب الأمنيات بمزيد من العطاء والإبداع.
وإلى لقاء آخر...
نترك فيه للكلمة أن تبدأ من حيث انتهى الكلام.
الدكتور محمد ميموني.
د.محمد ابو خروب العبادي ·
Mohammed Mimouni
مبارك دكتور
د.محمد ابو خروب العبادي ·
طه عبد الرحمن
د. حمزة جميل جانم
أمام سيرةٍ كهذه، لا يكون القلم مجرد أداة للكتابة، بل يصبح ذاكرةً تمشي على دروب الوطن، وشهادةً حيّة على أن ما يُنتزع من الأرض لا يُنتزع من الوجدان.
الأستاذ والناقد الفلسطيني طه دخل الله عبد الرحمن (أبو مراد) نموذج للمثقف الذي جعل من المعرفة وفاءً، ومن اللغة هوية، ومن النقد فعلَ إنارةٍ لا مجرد تفكيك للنصوص. وقد منحته جذوره الممتدة في أرض الجليل، وذاكرة النكبة والتهجير، حسًّا عميقًا بقيمة المكان والإنسان والتراث.
والجميل في تجربته أن عصامية التكوين لم تمنعه من بلوغ مدارج البيان، بل جعلت معرفته أكثر التصاقًا بالحياة، وأشد قدرة على قراءة النص من داخله، واستنطاق جمالياته وما يختبئ خلف عباراته من دلالات.
إنه قلم لا يكتب عن الذاكرة فحسب، بل يحرسها؛ ولا يتعامل مع العربية بوصفها لغةً للقول فقط، بل باعتبارها بيتًا للهوية ووعاءً للتاريخ.
تحية تقدير لقامة أدبية ونقدية جعلت من الكلمة موقفًا، ومن الثقافة مسؤولية، ومن الوفاء للوطن والإنسان رسالةً لا تنطفئ.
دام قلم الأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن شاهدًا على أن الذاكرة حين تجد كاتبًا أمينًا، تتحول من وجعٍ في القلب إلى نصٍّ لا يستطيع النسيان أن يهزمه
على احمد المصرى
فضيل حاج بن عدة
يا صاحب "القراءة فوق القراءات"، إن من يقرأ أسئلتك لا يجد نفسه أمام ناقد يسأل، بل أمام شاعر يمارس الفلسفة باحتراق، وفيلسوف يكتب الشعر بالدمع والدم. وإليك بعض وجوه هذا الاشتباك الأدبي مع رؤاك:
عن الأبجدية والائتمان (السؤال 1):
إن الحرف الأول الذي نطق به آدم لم يكن مجرد صوت أصم، بل كان «كلمة الائتمان». لم تكن العربية قبل النحو لغة لسان فحسب، بل كانت "لغة وجود". لقد أُودع في الحرف الأول سر الميثاق الأزلِي: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾؛ لذا فإن كل حرف عربي يحمل في جيناته ذاكرة ذلك الائتمان الأول.
عن اللوح والميزان والطفل (الأسئلة 2، 4، 11):
تقول إن الحق صار يُوزن بالذهب، وأنا أقول لك: إن الذهب الذي لا يُوزن بالحق هو حجارة صماء مقدّر لها الفناء. وحين تضع الطفل وحجره في كفة، والدبابة في كفة أخرى؛ فإن ميزان العهد الذهبي يخبرنا أن حجر الطفل أثقل أنطولوجياً وأخلاقياً؛ لأن الحجر متصل بالتراب المقدس وبالإرادة الحرة، بينما الدبابة كتلة معدنية مقيدة بحديدها وخوف من بدخلها.
عن البركان والشهداء (الأسئلة 3، 10، 19):
لم يمت البركان في الشاعر الحديث، بل "تجلسد". والشاعر لم يمت داخل البركان، بل اختنق بالرماد الذي أهاله العصر الرقمي والاستهلاك المادي على القلوب. أما شجرة الزيتون في القدس، فهي الشجرة الوحيدة في التاريخ التي تسلقت جذورها إلى السماء لتأتيك بالمستحيل: هي لا تثمر زيتوناً ولا شهداء فحسب، بل تثمر خلوداً يرهب الموت نفسه.
عن "القراءة فوق القراءات" والمرآة (الأسئلة 7، 13، 18):
حين نصير نحن النص، يا بروفيسور فضيل، تتدخل «عين الحق» لتقرأنا. القراءة فوق القراءات ليست تعلياً على النص، بل هي "عروج روحي" ينفذ من قشرة اللفظ إلى لب الروح. أما الناقد الحقيقي، فليس مهمته إسقاط القناع ولا إثبات أنه الوجه، بل مهمته أن يمسح الزجاج المغشوش ليرى الإنسان وجهه الحقيقي قبل أن يرتدي أي قناع.
عن "لا" الأحرار و"نعم" الأنبياء (السؤال 14):
إن "لا" الأحرار و"نعم" الأنبياء وجهان لعملة واحدة؛ إذ لا تتم "نعم" الأنبياء للحق إلا بـ "لا" قاطعة للباطل. إنها «لا إله» المتبوعة بـ «إلا الله».
أسئلة أشد التباساً وإشكالاً: معراج النص وتفكيك الغيب
ولأن حوارنا في "منتدى شعاع" يطمح إلى تفجير مكامن الفكر، أصوغ لك بدورِي أسئلة أشد إشكالاً وارتجاجاً، نضعها في مهب "القراءة فوق القراءات":
سؤال ما قبل النص:
إذا كانت "القراءة فوق القراءات" تفترض العروج فوق المتن؛ فهل النص الحقيقي هو ما كُتب وسُجل بالمداد، أم هو ذلك البياض المحذوف والممحو بين السطور، والذي خاف الكاتب أن ينطق به فتركه للعدم؟
سؤال صمت الأبجدية:
إذا كان الحرف يحمل سر الائتمان، فهل الصمت البليغ خيانة للغة وأمانتها، أم هو أعلى درجات الائتمان حين تدرك الكلمة أنها أضعف من أن تحمل جلال المعنى؟
سؤال الجريمة التأويلية:
حين يمارس الناقد شريحته للنص ليخرج منه بمعانٍ لم تخطر على قلب الشاعر، هل يكون الناقد قد بعث النص من موته، أم أنه ارتكب جريمة اغتيال لروح الشاعر واستبدلها بروحه هو؟
سؤال جنون البركان:
إذا ثار "البركان الكوني" وصهر القوانين الخاطئة وقوانين الخوف كما تتمنى... فهل سنولد بعدها في فردوس الحرية المطلقة، أم سنستيقظ لنكتشف أن تلك القوانين -على قسوتها- كانت السد الوحيد الذي يحمينا من جنون أنفسنا وشياطين ذواتنا؟
سؤال محكمة المبدع والخلود:
في ميزان "القراءة فوق القراءات"، إذا وقف الشاعر على ابواب القيامة واختلف مع النص الذي كتبه في الدنيا، فبرئ الشاعر من قصيدته أو برئت القصيدة من انحراف شاعرها... فمن منهما يحق له أن يجر الآخر إلى محكمة الخلود؟
سؤال غياب القارئ الأخير:
لو فني البشر جميعاً، وانطفأت السماوات، وبقيت قصيدة واحدة أو كلمة واحدة معلقة في فراغ الوجود... هل تحتاج تلك الكلمة إلى إله كي يسمعها، أم أن الكلمة العظيمة حين تكتمل تصير هي نفسها نداءً يستسقي وجوداً جديداً من العدم؟
يا بروفيسور فضيل، ويا أحبة الكلمة في منتدى شعاع... إن الحوار معكم ليس إجابات تُنسق، بل هو جمر يُحتضن. وما تركه الفيلسوف والناقد للعرب ليس حبراً على ورق، بل هو الدعوة الخالدة: أن يستعيد الإنسان حريته بوعي ائتماني، وأن تحافظ الكلمة على شرارتها الأولى قبل أن يطفئها جفاف العصر.
كيف ترون في "نظرية القراءة فوق القراءات" مساحة للتصالح بين صرامة النقد وحرارة الكشف الروحي أمام هذه الأسئلة الحارقة؟
Saloua Filaly
Mohammed Mimouni
Mustafa Muhammad Kor Sheikh أستاذنا الكريم، وأصدقائي الأعزاء،
هذه الأسئلة دفعتني، وأنا أقرأها، إلى سؤال واحد يكاد يختبئ خلفها جميعًا: ماذا يبقى من إنسانية الأدب حين تتكاثر حوله الوصايات؛ أيديولوجية كانت أم رقمية أم سوقية، وحين تدخل الآلة نفسها إلى غرفة الكتابة؟
في الأدب الملتزم والمقاومة، لا أرى المشكلة في الالتزام؛ فالكاتب ليس مطالبًا بأن يتخلى عن ذاكرته أو قضيته حتى يصبح أدبه «محايدًا». لكنني أخشى اللحظة التي تتحول فيها القضية إلى قفص، فيصبح مطلوبًا من الشخصية أن تكون بطلة دائمًا، ومن النص أن يهتف دائمًا. فالإنسان الحقيقي أكثر تعقيدًا من شعار، والمقاومة نفسها تفقد شيئًا من إنسانيتها حين نحول أصحابها إلى أبطال من ورق لا يخطئون ولا يخافون ولا يترددون.
وفي الذكاء الاصطناعي، ربما لا يكون السؤال: هل تستطيع الآلة أن تكتب؟ بل: هل تستطيع أن تعيش ما تكتب عنه؟ قد تصف الخوارزمية الحنين، لكنها لا تحنّ؛ وقد تبني نصًا عن الفقد، لكنها لا تفقد. وهنا تكمن قيمة التجربة البشرية، لا في اللغة وحدها، بل في ذلك الشيء الذي لا يُنسخ بسهولة: أن يكون وراء الكلمة إنسان دفع ثمنها من حياته.
أما سوداوية الأدب، فلا أعتقد أن الكاتب مطالب بأن يوزع الأمل على القراء توزيعًا مجانيًا. أحيانًا يكون كشف الجرح نوعًا من الأمل، لأن إنكار الألم ليس تفاؤلًا. لكنني أيضًا لا أطمئن إلى أدب يجعل من اليأس بطولة جمالية؛ فالظلام إذا أصبح غاية، فقد يتحول هو الآخر إلى قفص.
وأما الجمهور الرقمي، فهنا المفارقة أكثر دهاءً: كان الكاتب يخشى أن تمنعه السلطة من الكلام، فأصبح أحيانًا يخشى أن يغضب الجمهور. والأسوأ أن الكاتب قد يبدأ بمراقبة نفسه قبل أن يراقبه أحد. وربما كان أخطر أنواع الرقابة تلك التي تدخل إلى رأس الكاتب وتجلس هناك متخفية في هيئة «إعجاب الجمهور».
وفي مسألة الكتابة بعين المترجم والجوائز، لا أرى عيبًا في أن يصل الأدب العربي إلى العالم؛ العيب أن يبدأ الكاتب في صناعة نصه وفق الصورة التي يتوقع أن يحبها الآخر. العالمية لا تعني أن نمحو خصوصيتنا، بل ربما العكس تمامًا: أن نذهب إلى العالم بما نحن عليه، لا بما يريد منا أن نكون.
لهذا أميل إلى أن السؤال الأكبر ليس: كيف ينتصر الأدب على الآلة أو السوق أو الجمهور أو الأيديولوجيا؟
بل: كيف ينتصر الكاتب على إغراء أن يصبح نسخةً مما يريد الآخرون منه أن يكون؟
وهنا أترك السؤال مفتوحًا لأستاذنا أبي مراد وللأصدقاء؛ لأنني أخشى أن أجد نفسي، وأنا أبحث عن جواب، قد ارتكبت خطيئة إغلاق السؤال الذي جئنا أصلًا لنفتحه.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة ...
- رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة ...
- قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد ...
- ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان ...
- إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه ...
- رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ ...
- دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك... ...
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة ...
- قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون ...
- الأثر
- من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ ‏‎=‏ خل ...
- قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل ...
- قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر ...
- قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9 ...
- قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش ...
- قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة س ...
- دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ ...
- طقوسُ الشاي المُقدَّسة
- قراءة تأويلية في جماليات النص الشعري وبلاغة التردّد الوجودي ...


المزيد.....




- ورشة في -زمن الأبطال- تناقش أخلاقيات صناعة الأفلام وبناء الص ...
- -عبر 3 مستويات صخرية تحت الأرض-.. مقابر -كوم الشقافة- تروي ت ...
- ضبط آلاف الوسائط الصوتية خلال مداهمات واسعة في عدة ولايات أل ...
- بعد هجوم واسع.. فنانة مصرية توضح حقيقة زفاف الرجال الثلاثة
- علماء آثار فلسطينيون يسابقون الزمن لإنقاذ تراث غزة
- 163 دار نشر و90 ندوة في الدورة 67 لمعرض بيروت الدولي للكتاب ...
- ورشة -الفيلم الوثائقي: من الفكرة إلى الإنتاج- في ملتقى -زمن ...
- التقدم والاشتراكية يعزي عائلة الفنان المغربي الأصيل عمر بوتم ...
- -هتلر كان مجرما كسولا ينام حتى الظهر-.. كتاب جديد يتحدى الرو ...
- هل أثرت الاستقالة وانسحاب النجوم على موعد مهرجان الموسيقى ال ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب تقديم الدكتور محمد ميموني