أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مظهر محمد صالح - إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني على عتبة الثمانين)/ الجزء الاول















المزيد.....

إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني على عتبة الثمانين)/ الجزء الاول


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 08:37
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في الأشهر الأربعة والعشرين القادمة، سأبلغ الثمانين من العمر.

وحين يقترب الإنسان من الثمانين، لا تتغير السنوات فحسب، تتغير طبيعة الأسئلة.

في بدايات العمر نسأل: ماذا سأصبح؟

ثم نسأل: ماذا سأحقق؟

ثم، في مرحلة أخرى، يصبح السؤال: ماذا صنعت بي الحياة، وماذا صنعت أنا في حياة الآخرين؟

وربما يصل الإنسان، بعد مسافة طويلة من العمر، إلى السؤال الأصعب:

هل عشت قريبًا من نفسي، أم قضيت جزءًا كبيرًا من حياتي وأنا أبحث عن نفسي في الآخرين؟

من هنا عدت إلى سؤال الحب.

ليس الحب بوصفه عاطفة رومانسية فقط، ولا بوصفه علاقة بين رجل وامرأة، وإنما بوصفه واحدة من أكثر التجارب الإنسانية كشفًا لعلاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.

ولذلك وجدتني أعود إلى إريك فروم Erich Fromm وكتابه The Art of Loving، ذلك الكتاب الذي لا يتعامل مع الحب باعتباره حادثة تقع لنا، بل باعتباره فنًا يحتاج إلى معرفة وممارسة ونضج.

وهنا يبدأ السؤال:

هل نعرف كيف نحب، أم أننا في كثير من الأحيان لا نعرف إلا كيف نحتاج؟

قد يبدو السؤال قاسيًا.

لكن العمر يجعل الإنسان أقل خوفًا من الأسئلة القاسية.

فروم: لماذا نحب؟

يبدأ فروم من ملاحظة شديدة العمق: الإنسان يعاني من الانفصال.

إنه قد يكون منفصلًا عن عمله، وعن ذاته، وعن الآخرين، وعن المعنى الذي يمنح حياته تماسكها.

وهذا الانفصال هو أحد وجوه الاغتراب.

والاغتراب ليس مجرد أن أكون وحيدًا.

قد يكون الإنسان وسط عائلته وأصدقائه ومجتمعه، ومع ذلك يشعر أنه بعيد عن نفسه.

قد يعيش الحياة التي اختارها الآخرون له.

وقد يريد ما ينبغي له أن يريد.

وقد يحب بالطريقة التي تعلم أن الحب يجب أن يكون عليها.

وقد ينجح في كل شيء تقريبًا، لكنه في لحظة صمت يسأل:

هل هذه حياتي فعلًا؟

وهنا يدخل الحب إلى المسألة.

فربما يكون الإنسان أكثر ما يكشف عن اغترابه عندما يحب.

لأنه قد يذهب إلى الآخر لا ليشاركه وجوده، بل ليبحث عنده عن شيء فقده في نفسه.

يبحث عن الأمان.

عن الاعتراف.

عن القيمة.

عن معنى وجوده.

عن شخص يقول له:

أنت جدير بأن تُحب.

وهنا يبدأ الخلط بين الحب والحاجة.

هل أحبك أم أحتاج إليك؟

ليس الاحتياج عيبًا.

فهذه نقطة مهمة.

فنحن بشر، ولسنا كائنات مكتفية بذاتها.

نحتاج إلى الآخرين، إلى الصحبة، إلى الحنان، إلى الاعتراف، إلى الصداقة، إلى العائلة، وإلى ذلك الشعور البسيط بأن هناك إنسانًا آخر يعرف أننا موجودون.

المشكلة ليست في أن أحتاج إليك.

المشكلة تبدأ حين تصبح مسؤولًا عن وجودي النفسي كله.

حين أقول:

«أحتاجك كي أكون بخير.»

ثم يتحول المعنى شيئًا فشيئًا إلى:

«إذا غبت، لم أعد أعرف من أنا.»

هنا لا يعود الآخر شريكًا في حياتي.

يصبح شرطًا لها.

وهذا هو المكان الذي يدخل فيه الاغتراب إلى الحب.

فقد أبدو متعلقًا بك بشدة، بينما أنا في الحقيقة متعلق بالصورة التي أملكها عن نفسي من خلالك.

أحب أنك تحبني.

أحب أن أكون الشخص الذي اخترته.

أحب أن أشعر أنني مهم لأنك تراني مهمًا.

وعندها يصبح السؤال أكثر إزعاجًا:

هل أحبك أنت، أم أحب نفسي كما أبدو في عينيك؟

الاغتراب عن الذات

ربما تكون أقسى صور الاغتراب أن يعيش الإنسان بعيدًا عن نفسه دون أن يدرك ذلك.

أن يصبح ما يريده هو ما يريده الآخرون له.

أن يتحدث بصوت الجماعة.

أن يختار وفق توقع المجتمع.

أن ينجح في حياة لا يشعر أنها حياته.

وفي الحب يمكن أن يحدث الشيء نفسه.

قد أبحث عن «الشخص المناسب» وفق معايير الآخرين.

وقد أعيش علاقة ناجحة في نظر الجميع، بينما أشعر في داخلي بأنني أؤدي دورًا.

وهنا يصبح السؤال الوجودي أكثر أهمية من السؤال العاطفي:

هل أنا في هذه العلاقة، أم أنني فقط أؤدي الدور المطلوب مني فيها؟

هذا السؤال يقودنا إلى هايدغر.

هايدغر: أن أعيش حياتي أم حياة «الناس»؟

عند هايدغر، الإنسان موجود دائمًا مع الآخرين، لكنه قد يعيش بطريقة تجعله تابعًا لما يسميه «الناس»؛ لما يفعله الناس، وما يقولونه، وما يعتبرونه طبيعيًا وصحيحًا.

وهذا مهم جدًا في الحب.

فالمجتمع يخبرنا متى ينبغي أن نحب.

ومتى ينبغي أن نتزوج.

وماذا يعني أن تكون العلاقة ناجحة.

وكيف ينبغي أن يبدو الشريك.

بل حتى كيف ينبغي أن نحزن إذا فقدنا العلاقة.

لكن الإنسان الأصيل يضطر في لحظة ما إلى أن يسأل:

هل هذه حياتي أنا؟

وربما يكون الحب أحد أصعب الأماكن التي نكتشف فيها الفرق بين الحياة التي نعيشها والحياة التي يُطلب منا أن نعيشها.

سارتر: الآخر مرآتي وسجني

مع سارتر تصبح المسألة أكثر توترًا.

فنحن نحتاج إلى الآخر كي يعترف بنا، لكننا لا نريد أن يصبح اعترافه قيدًا علينا.

نريد أن نكون أحرارًا، ونريد في الوقت نفسه أن نكون محبوبين.

نريد أن نكون أنفسنا، لكننا نريد أيضًا أن نكون الشخص الذي يراه الآخر جميلًا ومهمًا وجديرًا بالحب.

وهنا تظهر مفارقة الحب.

أنا أريدك أن تحبني بحرية.

لكنني، في الوقت نفسه، أريد أن أضمن حبك.

أريد أن تكون حرًا في اختياري، لكنني أخاف من حريتك لأنها تعني أنك تستطيع ألا تختارني.

وهكذا تظهر واحدة من أعمق مفارقات العلاقة الإنسانية:

نريد حرية الآخر، ونخاف منها في الوقت نفسه.

إذا امتلكتك، فقدت أنت حريتك.

وإذا تركتك حرًا تمامًا، اضطررت إلى مواجهة احتمال أن تختار الرحيل.

ولهذا لا يكون الحب مجرد عاطفة.

إنه أيضًا تفاوض دائم بين الحب والحرية.

بوبر: أن أراك «أنت»

وهنا يأتي مارتن بوبر بسؤال مختلف.

هل أتعامل مع الآخر باعتباره «شيئًا» في عالمي، أم باعتباره «أنت»؟

إذا كنت أراك من خلال حاجتي إليك، فقد تصبح:

الذي يطمئنني.

الذي ينقذني.

الذي يمنحني القيمة.

الذي يمنع وحدتي.

الذي يجعلني أشعر بأنني مرغوب.

لكن إذا كنت أراك «أنت»، فأنت أكثر من الوظيفة التي تؤديها في حياتي.

لديك عالمك.

ولك حريتك.

ولك الحق في أن تختلف.

ولك الحق في أن تكون شخصًا لا أستطيع اختزاله في حاجتي إليه.

وهنا يصبح الحب مقاومة للاغتراب.

لأنني لا أستخدمك للخروج من نفسي.

أنا ألتقيك.

واللقاء يختلف عن الاستخدام.

الرواية تعرف ما لا تستطيع الفلسفة وحدها قوله

ربما لهذا كانت الرواية الكبرى شريكة الفلسفة في سؤال الحب والاغتراب.

الفلسفة تسأل:

ما الإنسان؟

والرواية تجيب أحيانًا:

انظر ماذا يحدث له.

في الرواية نرى الإنسان وهو ينهار تحت ثقل الحب، والوحدة، والمجتمع، والخوف، والرغبة في الاعتراف.

نراه لا بوصفه مفهومًا، بل بوصفه حياة.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذلك الكرسي
- عندما تهرم الذئاب
- حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية
- فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...


المزيد.....




- جينيفر لوبيز تغطي وجهها بالبرقع في أسبوع الموضة بباريس
- في سلطنة عُمان.. طائرة -درون- تكشف امتدادًا شاسعًا لتلال بنف ...
- مسؤول بارز في -OpenAI- يرد على وصف ترامب للذكاء الاصطناعي بأ ...
- قيادي حوثي يعلق على إعلان استهداف الجماعة لمحطة في المدينة ا ...
- السعودية.. إلقاء القبض على شخص في مكة أثار الهلع بين المارة. ...
- فلسطينيون يقيمون جنازة جماعية بعد العثور على رفات تحت أنقاض ...
- ولاية أمريكية ثانية تعلن عيد الفطر وعيد الأضحى عطلتين رسميتي ...
- دراسة تكشف تأثيرا مفاجئا للسكر في بكتيريا الأمعاء أثناء العل ...
- بوتين: مستعدون لبدء مفاوضات حول أوكرانيا بشروط تقبلها روسيا ...
- ترامب في تصريح غامض: أوروبا -تُلتهم حية-


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مظهر محمد صالح - إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني على عتبة الثمانين)/ الجزء الاول