أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - الفعلان (طَقَّ) و(طَگ) عراقياً وتطورهما المجازي















المزيد.....

الفعلان (طَقَّ) و(طَگ) عراقياً وتطورهما المجازي


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 10:33
المحور: الادب والفن
    


​حسب معجم الدوحة التاريخي للغة العربية -وهو المعجم المتخصص في تتبُّع تاريخ استخدام الكلمات العربية وتطور معانيها عبر أقدم النصوص والمخطوطات الموثقة- فإن تأثيل الفعل (طَقَّ) وتطوره الدلالي يأتي وفق الترتيب التاريخي والمعجمي الآتي:

𔁯. الجذر والأصل (المحاكاة الصوتية)

​يُدرج معجم الدوحة جذر (ط ق ق) ضمن الأفعال المعبّرة عن صدى الصوت (حكاية الصوت). فالأصل الأثيلي للكلمة ناتج عن حكاية صوت انكسار الشيء الصلب، أو قرع الحصى، أو جفاف المفصل وما ينتج عنه من احتكاك وفرقعة عند الحركة (كما يُقال فصيحاً: «طَقَّ العَظْمُ» أو «طَقَّ المَفْصِلُ» إذا صَوَّتَ عند طَيِّه أو مَدِّه).

𔁰. التطور التاريخي للمعنى (من الحسي إلى المجازي)

​يرصد المعجم التحول الدلالي للكلمة عبر العصور على النحو التالي:
​أ. المعنى البصري-الصوتي الأول (صوت الاحتكاك والارتطام): حكاية صوت وقوع الشيء أو تصادمه.

​أقدم الشواهد: وُثّق الفعل في نصوص المبكرين لحكاية صوت وقع أقدام الخيل أو الخفاف على الأرض الصلبة؛ إذ يُقال: «سَمِعْتُ لِخُفّه طَقاً وطَقْطَقة».
​ب. الانفلاق والشق الحسي: انشقاق الجاف من الأجسام أو القشور بتأثير الضغط أو الحرارة.

​الشواهد التراثية: ورد استخدام الفعل في وصف انفلاق النواة أو القشرة أو الجدار الخشبي عند الجفاف؛ «طَقّتِ الحَبةُ أو العُودُ: إذا انشقّ وصوّت».

​ج. الانفجار الناتج عن الامتلاء والضغط الداخلي: بلوغ الشيء أقصى امتلائه أو توتره حتى الانفجار.

​الاستعمال التاريخي: شاع الاستعمال المجازي والنفسي مبكراً في العصر العباسي وما بعده في عبارات من قبيل: «طَقّت مَرَارَتُهُ» أو «طَقّ من الغَيْظِ»، أي لم تحتمل أنسجته الداخلية شدة الضغط والكمد فانفجرت.

𔁱. التأثيل في السياق المقارن (اللغات السامية)

​تشير المقارنات اللغوية التاريخية في المعجم إلى أن الجذر (ط-ق-ق) له نظائر في اللغات السامية المجاورة (كالآرامية والسريانية) تحمل المعنى الصوتي نفسه (القرع، الصوت الحاد المباغت)، مما يؤكد أنه جذر سامي قديم نشأ من تجسيد الصوت قبل أن يتحول في العربية إلى فعل متصرف يبني صفات وأسماء ومجازات متعددة.

​الجسر الدلالي: من الفصحى المعجمية إلى اللهجة العراقية

​ومن هذا الجذر المعجمي السامي الأصيل (طَقَّ)، لم يقف الضمير اللغوي العراقي عند حدود نقل الصوت أو الدلالة الحسية مجردة، بل أجرى على الفعل -في صورته الصوتية المحلية (طَگ)، مع إبدال القاف إلى «گاف» مزمجرة أصيلة- انزياحاً مجازياً وفلكلورياً واسعاً.

​صاغ العقل الجمعي العراقي من هذا الجذر شبكة دلالية حركية تتوزع على عدة مجالات حيوية:


​الانفلاق والازدهار والجمال (يطگ ويورّد الصندل): تعبير جمالي مستمد من انشطار العود أو البذرة ليتفجر منها الزهر والعطر؛ فالأصل في «يطگ» هنا هو الانفلاق الحسي القديم للعود، ليتحول مجازياً إلى فوران الحسن والشباب والنضارة، كما في الموروث الشفاهي والغنائي.

​الانفجار النفسي والسيكولوجي (طَگّت روحي): تجسيد الروح ككائن مادي انتفخ بضغط الهموم والجزع حتى وصل إلى لحظة الانفتاق والانفجار الصوتي.

​العنف السري والترميز السوداوي (طَگوه بالدهن): استعارة مجازية قاسية تنقل فعل المطبخ الحسي (القلي وسخونة الزيت) لإسقاطه على سريان وسخونة اختراق الرصاص للجسد في ظروف الانفلات الأمني، لتجريد الجريمة من قسوتها المباشرة عبر "قناع لغوي".

​الهشاشة الاقتصادية والارتباك الحياتي (يطَگطِك / شغل طَگطَكة): استخدام التضعيف الصوتي لـ (طقطقة) للتعبير عن العمل المتقطع وغير المضمون، حيث يتجذّر الشغل كرميات متفرقة بلا أرضية صلبة.

​التثبيت البصري والإنجاز الخاطف (طَگلي صورة / طَگها بسفرة): الاستناد إلى الصوت الميكانيكي القديم لغالق الكاميرا لتطوير معنى "الالتقاط والتثبيت"، أو التعبير عن السرعة الخاطفة في قضاء الحوائج.

​الصعود الاجتماعي المفاجئ (طَگ للسمة / طَگ بالعلالي): تصوير الثراء السريع أو النجاح الفجائي كأنه سهم أو انفجار متجه نحو الأعلى.

​تجليات (طَگ) في الشعر الشعبي العراقي

​ولم تكن الأبوذية والدارمي والشعر الشعبي بمعزل عن احتضان هذا الفعل وترسيخ ظلاله الدلالية بين الشجن والجمال واللوعة؛ حيث نجد الاستعمالات تتوجه نحو أقصى درجات التعبير:

​في الدارمي الذي يصور امتلاء الصدر بآلام الكتمان حتى لحظة الانفجار النفسي:

​طَگت روحي منك والقلب محتار

مثل طَگة جدار وبيه شبت نار
​وفي بيت آخر يزاوج بين الصوت والحس الدفين المعتصر:


​روحي بطرف شفتك تطَگ وتذوب

مثل طَگة النَّشْبَة وعصرت العنقود.
​وفي الأبوذية حيث تتجلى العاطفة المشبوبة بالتفجر والجزع:


​وحگ اللي تعب وياك وربّاك

دليلي طَگ من الهجران وربّاك

أظل ناطر على الجرّات وربّاك

لحد ما ينتهي عمري وسبيه

​إن الفعل (طَگ) عند العراقي ليس مجرد مفردة عامية عابرة، بل هو محرك حركي وصوتي؛ أينما وُضع يمنح الجملة سرعة، وحسمة، وصوتاً، وحضوراً حسياً لا يمكن للغة التقريرية الجافة أن تؤديه، ليكون شاهداً حياً على قدرة اللهجة على حفظ ذاكرتها السامية القديمة وتوليدها مجازياً لتستوعب تحولات الذات والمجتمع.

​خاتمة ورؤية منهجية

​لئن أُلِّفت العديد من المعاجم الميدانية المختصة بحصر وتوثيق اللهجة العراقية بيئياً ومحلياً (مثل: معجم مفردات أبي الخصيب للشيخ عبد اللطيف الدليشي، والمعجم العامي البغدادي للشيخ جلال الحنفي، ومعجم الألفاظ العامية البصرية)؛ إلا أن المكتبة العربية ما زالت بحاجة ماسة إلى مشروع معجمي تحليلي يُدار بذهنية بلاغية نقدية شبيهة بذهنية الإمام الزمخشري في كتابه «أساس البلاغة».

​إن اللهجة العراقية لا تحتاج فقط إلى من يجمع ألفاظها ومدلولاتها التقريرية، بل إلى من يرصد "مجازاتها وانزياحاتها النفسية والاجتماعية" -كما صنع الزمخشري حين فصل بين الحقيقة والمجاز- ليتتبع كيف تتحول الأصوات والجذور السامية القديمة إلى أقنعة لغوية، ومحركات سيكولوجية، واستعارات حية تتنفس بها الذات العراقية في مواجهة تحولات التاريخ والواقع.



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اضاءة على النص التراثي ...كتاب كامل
- أصناف النظرات في التراث العربي
- طرديات أبي نواس
- من السحر إلى الضبط: التشريع ملاذاً من الجفاف الأدبي بالفترة ...
- سيكولوجية رفض العشيقات للشعراء: ولّادة بنت المستكفي أنموذجاً
- الوشاء في كتابه الموشى يصف جمال الفارسيات
- قصة الشاعر الحلي وأبيات أبي الشيص
- أشهر شاعرتين من الخوارج: قراءة في سيكولوجية الدم والجمال
- الذكاء الاصطناعي يطيح برواية «كان ذلك أو الموت» من قائمة جائ ...
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف.ج٢
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف
- ظلال المفردات في النص التراثي
- في جماليات النص التراثي قراءات في التشكيل والرؤية .. كتاب كا ...
- ازهار الجوز كتاب كامل
- قصيدة ​أَطْلاَلُ حَانَةٍ ..لابي نواس: حداثة مبكرة
- من الذائقة إلى الخوارزمية: السرديات الكمية وتفكيك دينامية ال ...
- جرس مدرسة انقذ تسع مائة طالب بالنيبال
- كتاب الإيطاليون: جذور الظواهر الاجتماعية
- بطلة ماركيز ديلفينا: التعلق باللحظة المفصلية
- قصة طابور الموت تفتح ابواب النقد


المزيد.....




- اقرأ واملأ جيبك وعقلك!.. سنغافورة تدفع لمواطنيها مقابل 15 دق ...
- حزب محافظ يتهم مهرجان زيورخ السينمائي بالمبالغة في انتقاد إس ...
- سؤال برلماني بشأن تصريحات مدير الأوبرا واعتذار عدد من الفنان ...
- جيش الاحتلال الإسرائيلي يهاجم فيلم نازا ويحاول التنصل من جرا ...
- -استقالة رئيس الأوبرا المصرية وانسحاب الفنانين-.. تصريح عن - ...
- تولستوي في صدارة الكتب الأكثر مبيعا في البرازيل بفضل لاعب كر ...
- متحف النصر يستعيد بطولات معركة موسكو في مشروع -عاصمتي-
- أطفال إيران يعودون إلى المدارس تحت وطأة الحرب
- بقيادة فلسطينية وتقدم مغربي.. قصة المقاتلين العرب بالفنون ال ...
- -أرض الملائكة- إلى الأوسكار.. سلاف فواخرجي في سباق أفضل فيلم ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - الفعلان (طَقَّ) و(طَگ) عراقياً وتطورهما المجازي