أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - سيكولوجية رفض العشيقات للشعراء: ولّادة بنت المستكفي أنموذجاً














المزيد.....

سيكولوجية رفض العشيقات للشعراء: ولّادة بنت المستكفي أنموذجاً


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 12:54
المحور: الادب والفن
    


​هنالك أسباب عدة لرفض العشيقات للشعراء في تراثنا الأدبي؛ سواءً أكان قطعاً بعد انسجام وعِشرة (كما في حالة ولّادة وابن زيدون)، أم صُدوداً امتناعياً منذ البداية (كما لدى جِنان وأبي نواس)، أم رفضاً قبلياً/اجتماعياً (كما في حالة كُثيّر عزة، وقيس لبنى، وقيس ليلى، وجيل الشعراء العذريين).

​لكن قصة ولّادة وابن زيدون ورفضها له بعد حبها الشديد تحظى بجاذبية استثنائية في تاريخ الأدب؛ لما تحمله من تقاطعات حادة بين الفن، والكبرياء، وسيكولوجية السلطة العاطفية.

​كانت ولّادة بنت المستكفي (الخليفة الأموي الأندلسي) امرأة استثنائية في زمنها؛ أميرة ثرية، حرة، تدير مجلساً أدبياً يرتاده كبار شعراء وأدباء الأندلس، وكانت تطرز على طرازي ثوبها بيتَيها الشهيرين:


​أَنا وَاللَهِ أَصلُحُ لِلمَعالي

وَأَمشي مِشيَتي وَأَتيهُ تيها

وَأُمَكِّنُ عاشِقي مِن صَحنِ خَدّي

وَأُعطي قُبلَتي مَن يَشتَهيها




​هذه التركيبة النفسية القائمة على التيه والاعتزاز المفرط بالذات جعلتها لا تحتمل أي تقصير أو نقد أو زلة من الشاعر.

​تجليات التقصير ومسببات الجفاء

​تذكر المصادر التاريخية والأدبية أن ابن زيدون أبدى إعجاباً أو التفاتةً لجارية سوداء لولّادة كانت تُدعى "عُتبة" (وكانت تحسن الغناء أو العزف). ولأن ولّادة كانت أميرة قرطبية تعتز بنفسها وبنسبها وجمالها كبرياءً شديداً، اعتبرت التفاتته للجارية إهانةً بالغة لكبريائها الأنثوي والطبقي، وعلّقت على ذلك بأبيات مشهورة تُعبّر فيها عن سخطها وقطعها للوصل:


​لَو كُنتَ تُنصِفُ في الهَوى ما بَينَنا

لَم تَهوَ جارِيَتي وَلَم تَتَخَيَّرِ

وَتَرَكتَ غُصناً مُثمِراً بِجَمالِهِ

وَجَنَيتَ فَرعاً غَيرَ ذاتِ مُثَمِرِ




​ثم تفاقمت الجفوة حين أدرك ابن زيدون أن غريمه ومنافسه السياسي أبا عامر بن عبدوس يحاول السيطرة على قلب ولّادة واستمالتها بثروته ونفوذه، فلم يوجه الهجاء فوراً إلى ولّادة، بل لجأ إلى حيلة أدبية لاذعة؛ فكتب رسالة نثريّـة/شعريّـة على لسان ولّادة نفسها، موجّهةً إلى ابن عبدوس، يظهر فيها وكأن ولّادة هي التي تتهكم على ابن عبدوس وتزدريه، وتعدّد عيوبه جهله وسخافة أدبه! وهي ما سُميت بـ «الرسالة الهزلية».

​أراد ابن زيدون بهذه الرسالة أن يُحرج ابن عبدوس أمام المجتمع القرطبي، ويُظهر ولّادة في مظهر الساخرة منه؛ فجاء فيها على لسانها:


​«أما بعد، فإنك – أدام الله توفيقك – استسقيت بغير نَوْئك، وتكفّلت بغير كفائتك، وأتيت بيتاً لم تكن من أهله، وأردت أن تُزاحم بحنكِك ذوي الأسنان، وأن تقارع برأسك الصفا...»




​ثم تمضي الرسالة الساخرة مفتريةً عليه بالجهل والتكلف:


​«ولو علِمْتَ ما أنتَ فيه من العَجزِ والتقصير، وما يُسْفِرُ عنه هُزاؤك من التشهير، لرجعتَ إلى نفسك باللائمة، ولسلكتَ طريق السلامة... ولكنك مغرورٌ بجهلك، مخدوعٌ بفضلك، تحسبُ أنك شيء، ولستَ بشيء!»




​التفسير السيكولوجي للصدّ والقطيعة

​يمكن تفكيك هذا الرفض القاطع من ولّادة وتفسير تحولها المفاجئ عبر ثلاثة أطر سيكولوجية حاكمة:



​صدمة الكبرياء والتحقق من الذات (ليون فستينغر وإريك فروم):
يرى ليون فستينغر (صاحب نظرية التنافر المعرفي) أن الإنسان يرفض أوتوماتيكياً الموقف الذي يناقض صورته الذاتية. ولّادة - الأميرة المعتزة بنفسها - شعرت بخلل حاد حين التفت ابن زيدون لجاريتها، ثم زاد الخلل حين كتب "الرسالة الهزلية" متحدثاً باسمها. وهنا يتداخل إريك فروم (في تحليله للنرجسية والفردانية)؛ إذ أحدث تصرف الشاعر جرحاً نرجسياً غائراً في كبريائها، فكان الرفض القاطع وسيلتها النفسية لاستعادة التوازن وإعادة ترميم الصورة الفائقة التي تحملها عن ذاتها أمام المجتمع الأندلسي.



​معادلة البدائل والمنافع (جورج هومانز وجون ثيبوت):
وفق نظرية تبادل المنافع عند جورج هومانز وجون ثيبوت، تُقيّم الذاتُ العلاقاتِ بميزان "الكلفة والعائد". حين ظهر الخصم ابن عبدوس مدججاً بالمال والنفوذ وتقديم الطاعة المطلقة، مقارنة بابن زيدون الملاحَق سياسياً والمتقلب عاطفياً، رجحت كفة "البديل الأعلى أماناً وأقل كلفة". فكان الرفض حكماً حاسماً أملته تقاطعات المصلحة وتوفر الخيار الأكثر ملاءمة لاستقرار مكانتها.



​صراع السلطة وحماية الاستقلالية (جون بولبي وكارين هورني):
استناداً إلى أطر الارتباط عند جون بولبي والدفاعات النفسية لدى كارين هورني، تُمارس الشخصية ذات النزوع التجنبي/الاستقلالي الرفضَ لحماية حدود الأنا. حين حاول ابن زيدون ممارسة الوصاية الفكرية والتحدث بلسان ولّادة أمام ملأ قرطبة، شعرت بتعدٍّ صريح على سلطتها الفردية؛ فاستخدمت الرفض والقطيعة كأداة قاسية لإثبات استقلاليتها التامة وفرض هيمنتها المطلقة على المشهد العاطفي والاجتماعي.




​خاتمة

​إن تجربة ولّادة بنت المستكفي في رفض ابن زيدون تتجاوز مجرد كونها حادثة "هجران غرامي" الى عنوان لاغرب واسطع انواع الصد , صدّاً تتشابك فيه السلطة مع الكبرياء، ويغدو فيه موقف المحبوبة القاسي بياناً سيكولوجياً لردّ الاعتبار وإعادة امتلاك زمام المبادرة.


الصياد
ايلول
٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوشاء في كتابه الموشى يصف جمال الفارسيات
- قصة الشاعر الحلي وأبيات أبي الشيص
- أشهر شاعرتين من الخوارج: قراءة في سيكولوجية الدم والجمال
- الذكاء الاصطناعي يطيح برواية «كان ذلك أو الموت» من قائمة جائ ...
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف.ج٢
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف
- ظلال المفردات في النص التراثي
- في جماليات النص التراثي قراءات في التشكيل والرؤية .. كتاب كا ...
- ازهار الجوز كتاب كامل
- قصيدة ​أَطْلاَلُ حَانَةٍ ..لابي نواس: حداثة مبكرة
- من الذائقة إلى الخوارزمية: السرديات الكمية وتفكيك دينامية ال ...
- جرس مدرسة انقذ تسع مائة طالب بالنيبال
- كتاب الإيطاليون: جذور الظواهر الاجتماعية
- بطلة ماركيز ديلفينا: التعلق باللحظة المفصلية
- قصة طابور الموت تفتح ابواب النقد
- الروائية الألمانية كارولين فال: اقتطاع الوجع وصناعة الشهرة ا ...
- شِعبُ بَوّان للمتنبي: تبريرٌ للمغامرة
- الشعر الأندلسي في القرون الثلاثة الأولى
- توضيح وأمانة أدبية: حول ما ينشر لي في موقع «الحوار المتمدن
- رواية «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدوستويفسكي: انهيار الوهم مقود لل ...


المزيد.....




- تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد ...
- -صفوف الغيتو-.. دورات اللغة تتحول إلى فخ لرسوب أبناء المهاجر ...
- -سويوزمولتفيلم- الروسية تواصل تسويق رسومها المتحركة عالميا و ...
- نجمة هوليوود مونيت مازور تواجه 3 لصوص ملثمين في منزلها الفاخ ...
- تربية نينوى تصقل مواهب المعلمين الأدبية بورشة تخصصية في الشع ...
- الفن يمنح أطفال غزة وشبابها مساحة لاستعادة ذواتهم وسط دمار ا ...
- بعد 4 سنوات من طعنه.. الكاتب سلمان رشدي يكشف في فيلم وثائقي ...
- الرسائل من وسيلة بوح إلى أداة تشفير.. المشفرات الشنقيطية نمو ...
- عراقيون يحررون ناقلة نفط من القراصنة.. ما حقيقة الرواية؟
- حمزة الحاج علي يمنح الفنون القتالية السورية أول ميدالية عالم ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - سيكولوجية رفض العشيقات للشعراء: ولّادة بنت المستكفي أنموذجاً