أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - ظلال المفردات في النص التراثي














المزيد.....

ظلال المفردات في النص التراثي


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 00:14
المحور: الادب والفن
    


​وَقَامَ إِلَى الَّتِي عَكَفَتْ عَلَيْهَا ... بَنَاتُ الدَّهْرِ، وَالزَّمَنُ الطَّوِيلُ

فَوَدَّجَ خَصْرَهَا، فَبَدَا لِسَانٌ ... كَأَنَّ لُعَابَهُ عَلَقٌ يَسِيلُ

بِكَفِّ مُزَنَّرٍ، أَعْلاَهُ غُصْنٌ ... وَأَسْفَلُ خَصْرِهِ رِدْفٌ ثَقِيلُ

​قد يكتفي القارئ بالمعنى الظاهر للبيت الثاني من هذه القطعة النواسية؛ فيرى خَمّاراً يقصد وِعاء خمرٍ لِيَشقّهُ أو يطعنه بمدية، فيخرج منه مجرى الخمر الأحمر قانئاً كالعَلَق. غيرَ أن المشهد يظلّ باهتاً ومُضبّباً ما لم نستدعِ "ظلال المفردات" ونستنطق دلالاتها التأثيلية والبيئية؛ فالشاعر لم يزوّدنا بتفاصيل سينمائية جاهزة، بل اكتفى بالتلميح، محيلاً إيانا إلى اختزان المفردة لِتُشيّد المخيلةُ الصورةَ كاملة.

​أولاً: ظلال الوعاء (الزِّقّ في مقابل الدَّنّ)

​تتوزع أواني الخمر المعتقة في التراث بين وعاءين رئيسيين تختلف ظلالهما الدلالية:


​الدَّنّ: إناء فخاري ضخم ثقيل، يُغرس في الأرض أو يُثبت في الحانات، ارتبطت ظلاله بالتعتيق المديد والإقامة والتخزين الثابت، وفتحه يكون عادةً بفكّ سداده المشمّع.

​الزِّقّ: إناء يُصنع من الجلد، خفيف الوزن مرن، يُحمل على الإبل في الأسفار. ارتبطت ظلاله بمجالس الشرب الممتدة، وبالكرم والجود لسهولة بذله ونقله.



​ولأن النص يتناول طقس إفراغٍ سريع ومُسرف، جاء الاختيار على "الزِّقّ" الجلدِيّ؛ فهو القابل للقطع والتوديج، وهو الأقرب إلى الاستعارة الجسدية.

​ثانياً: ظلال الحركة (التوديج والفَصْد)

​توديج الناقة في البيئة العربية هو شدّ الحبل على عنقها للضغط على أوداجها (عروقها الرئيسية)، وتُجرى العملية لثلاثة أغراض:


​الفَصْد والعلاج: لاحتباس الدم في العرق لسهولة وخزه وإخراج الدم الفاسد.

​التهدئة: لتقليل تدفق الدم إلى الدماغ لحظياً فتستكين الناقة.

​النَّحْر: لتحديد الأوداج وقطعها لسرعة خروج الدم.



​حين نقل أبو نواس فعل (وَدَّجَ) إلى الزِّقّ، استدعى هذه الخلفية البيئية كاملة؛ فصنع استعارة مكنية تجسيدية، حوّلت الزِّقّ الجلدِيّ إلى جسد حيّ يُفصد وتُقطع أوداجه.

​ثالثاً: التجسيم وافتضاض الخَصر

​صُنعت أواني الخمر الجلدية بانتفاخٍ من الأعلى والأسفل مع انكماشٍ في المنتصف يُشبه خصر المرأة. ومن هذا التشابه البصري واللمسي، بنى الشاعر صورتين:



​الاستعارة المكنية (تجسيد الزِّقّ): حوّل الشاعر الزِّقّ إلى جسد ذي خصر ورِدف، وجعل عملية الفتح تجري لا من الرأس (الفم المشمّع) بالطريقة التقليدية البطيئة، بل عبر "التوديج والشقّ المباشر" لخاصرة الزِّقّ المتضايقة؛ إشارةً إلى فرط الكرم والعجلة في السقي.


​اللسان والعَلَق: الشقّ في منتصف الزِّقّ يُخرج لسانه من الخمر المنسابة كالدم العَبِيط (العَلَق)، في مجازٍ بصري يربط بين حمرة الخمر المعتقة ودم الوريد المفصود.



​إن التأثيل واستحضار ظلال المفردات البيئية ليسا ترفاً معجمياً، بل هما المفتاح الوحيد لتفكيك مجازات النص التراثي، وتحويل كلماته من رموز جافة إلى لوحة حركية مفعمة بالحياة.

الصياد
سبتمبر
٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في جماليات النص التراثي قراءات في التشكيل والرؤية .. كتاب كا ...
- ازهار الجوز كتاب كامل
- قصيدة ​أَطْلاَلُ حَانَةٍ ..لابي نواس: حداثة مبكرة
- من الذائقة إلى الخوارزمية: السرديات الكمية وتفكيك دينامية ال ...
- جرس مدرسة انقذ تسع مائة طالب بالنيبال
- كتاب الإيطاليون: جذور الظواهر الاجتماعية
- بطلة ماركيز ديلفينا: التعلق باللحظة المفصلية
- قصة طابور الموت تفتح ابواب النقد
- الروائية الألمانية كارولين فال: اقتطاع الوجع وصناعة الشهرة ا ...
- شِعبُ بَوّان للمتنبي: تبريرٌ للمغامرة
- الشعر الأندلسي في القرون الثلاثة الأولى
- توضيح وأمانة أدبية: حول ما ينشر لي في موقع «الحوار المتمدن
- رواية «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدوستويفسكي: انهيار الوهم مقود لل ...
- المهلهل يمثل أعلى تجسيد للثأر الجاهلي
- ​نلتقي في أغسطس لماركيز وكشف الشفرة الوراثية
- خطورة المجاز في الشعر )
- الصيادون يعودون لشط العرب
- الحوار الثقافي في عطلة موسمية
- الذكاء الاصطناعي افضل المخترعات
- تشوهات ...قصيدة


المزيد.....




- زهرة المنصوري: -ليته كان هراء!- تُسائل الذاكرة وزمن السيبة ف ...
- لافروف وبدر عبد العاطي يزيحان الستار عن لوحة تذكارية تخليدا ...
- -مع تميم-.. التراث والثقافة سبيل لخلاص الأمم من الأزمات الوج ...
- الحرب بعيون نساء يمنيات.. -المحطة- يفتتح مهرجان الدوحة السين ...
- ملحن مصري شهير في قبضة الأمن ويعترف ببيع مخدرات خام لأصحابه ...
- جامعة أبين ومؤسسة استدامة تستعرضان تجربة عبدالحكيم باقيس في ...
- حين يصبح الحكواتي هو القصة.. الفنان أبو عيشة جار للأقصى ويُم ...
- جسدها تحوّل إلى -أرجواني داكن- وخليط قاتل من 5 مواد: تفاصيل ...
- الأهوار العراقية على شاشة -تورنتو- بثلاثة أفلام وثائقية
- كيف يمكن إيصال القصص والموسيقى العربية إلى الجمهور العالمي؟ ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - ظلال المفردات في النص التراثي