أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - من الذائقة إلى الخوارزمية: السرديات الكمية وتفكيك دينامية المجاز والمفردات















المزيد.....

من الذائقة إلى الخوارزمية: السرديات الكمية وتفكيك دينامية المجاز والمفردات


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 10:01
المحور: الادب والفن
    


​تقتضي الدراسة الأدبية المعاصرة إعادة النظر في كيفية تشكل المعنى وتحوله عبر الزمن. لم يعد المفهوم البلاغي المعقد يقتصر على ملاحظة ذوقية أو انطباع نقد فردي، بل تحوّل، بفضل السرديات الكمية والأنساق الحوسبية، إلى مسار بيانات قابل للقياس والتتبع الإحصائي عبر عقود وقرون. يستفيد هذا المنهج بشكل أساسي من دراسة تطور المجاز ونمو المفردات واختفائها عبر الزمان، محولاً النص الأدبي من مدونة مغلقة إلى بيئة ديناميكية متغيرة.

𔁯. تتبع تطور المجاز كمياً

​تعتمد السرديات الكمية في رصد حركة الاستعارة وتطور المجاز على تقنيات الذكاء الاصطناعي والمعالجة اللغوية للحاسوب، وعلى رأسها نموذج التضمين الكلمي؛ حيث تُترجم كل كلمة إلى متجه رياضي في مجال متعدد الأبعاد يُحدد معناها بناءً على درجة مجاورتها واقترانها بالكلمات الأخرى.


​قياس الانزياح الدلالي: يُقاس التحول في المعنى عبر المسافة الرياضية بين الكلمة وسياقات اقترانها عبر العقود. فعندما تبدأ كلمة ذات مدلول مادي حسّي (مثل: العمى، الجسد، الظلال) بالظهور الإحصائي المتكرر بجانب كلمات تجريدية (مثل: الإيديولوجيا، النص، الزمان)، ترصد الخوارزميات لحظة التوليد المجازي والانزياح الاستعاري بدقة إحصائية متناهية.

​موت المجاز وتحوله إلى حقيقة: تستطيع البرمجيات رصد اللحظة التي يفقد فيها المجاز شحنته الجمالية البكر وينزل إلى مستوى الاستعمال اليومي الرتيب (وهو ما يُعرف في اللسانيات المعرفية بالـ "مجازات الميتة" أو المجانسة الدلالية). ويحدث هذا حين يتساوى التوزيع الإحصائي لاقتران الكلمة بالمعنى المجازي مع اقترانها بالمعنى الأصلي، مما يعني أن الاستعارة تكلست وتحولت إلى استهلاك لغوي قارّ وتسمية اصطلاحية مباشرة.



​نماذج تطبيقية لموت المجاز وتحوله إلى حقيقة

​في السرديات الكمية واللسانيات الحاسوبية، يُقاس تغير "الجيرة الدلالية" للكلمة عبر العقود والقرون لرصد كيفية تحول المجاز إلى حقيقة اصطلاحية تُسجَّل في المعاجم بوصفها المعنى المباشر:



​النموذج التكنولوجي ("فأرة الحواسيب"):

​الأصل (مجاز استعاري): عندما اخترع "دوجلاس إنجلبارت" أداة التحكم في الحاسوب عام 1965، أطلق عليها الاسم استناداً إلى مجاز بصري (جسم صغير يخرج منه سلك يشبه ذيل الفأر). في البداية، كان الذهن يستحضر صورة الحيوان ليقاررب المعنى.

​التحول كمياً وتداولياً: مع المليارات من الاستخدامات الإحصائية، انقطعت الصلة الدلالية بين الأداة والحيوان. واليوم، عند استخدام الكلمة في سياق تقني، يتجه الوعي حقيقة ومباشرة إلى الأداة الإلكترونية دون المرور بالصورة الذهنية للقارض، مما يعني تحول المجاز إلى حقيقة اصطلاحية صلبة.






​النموذج المعرفي ("أرجل الطاولة" و"عنق الزجاجة"):

​الأصل (مجاز تشخيصي): إسقاط أعضاء الجسد البشري على الجمادات (طاولة لها أرجل، زجاجة لها عنق، نهر له مصب).

​التحول: في الاستعمال اليومي والمعاجم الحديثة، زالت الصفة الشعرية عن هذه التراكيب، وأصبحت هي التسمية الحقيقية والمباشرة لهذه الأجزاء، حيث استُهلك المجاز تماماً واستقر كحقيقة لغوية.







𔁰. دينامية المفردات: ولادة الألفاظ وانقراضها

​تتعامل اللغويات الكمية مع المعجم الأدبي والثقافي باعتباره "منظومة بيئية لغوية" تخضع لقوانين النمو والتنافس والتكيف والانقراض.


​معدل الولادة والنمو: تتتبع الخوارزميات ظهور "الكلمات الوليدة" أو المفردات التراثية التي يُعاد بعثها بدلالات جديدة. ويُحسب منحنى نمو المفردة بناءً على معدل التكرار والاتساع الانتخابي بين الأنواع الأدبية المختلفة (شعر، رواية، نقد). فالكلمة التي تنمو داخل حقل أدبي واحد تفقد زخمها أسرع من الكلمة التي تخترق أشكالاً سردية وتعبيرية متعددة.


​الضمور والموت التدريجي: ترصد البيانات الإحصائية تراجع المفردات عبر منحنيات تُظهر تضاؤل استخدامها حتى تبدو شبيهة بالكائنات المنقرضة. وغالباً ما يرتبط اختفاء الكلمة بأحد سببين:

​الزوال المادي: انقراض المسمى نفسه أو التبدل الكامل للواقع الثقافي والاجتماعي المولد له.

​المنافسة اللغوية: ظهور مفردة أو مجاز أحدث وأكثر كفاءة في التعبير عن المعنى نفسه، مما يزاحم الكلمة القديمة ويطردها نحو الهامش المعجمي.







𔁱. القيمة المضافة للناقد الأدبي

​لا تهدف هذه الأرقام والرسوم البيانية إلى استبدال الذائقة الأدبية، بل إلى رفدها بجهد تجريبي واقعي داعم:


​تحديد البصمة التاريخية للصورة الأدبية: كشف كيفية انزياح صور أثيلية مثل (الليل، البحر، الرحلة) من مجاز طبيعي مادي في العصور القديمة إلى مجاز نفسي ووجودي في الأدب الحديث والمعاصر، مع تعزيز ذلك بالدليل الرقمي.

​رسم خريطة الحساسية الجمالية للأجيال: تحديد الكلمات والمجازات التي شكلت "الموضة الأسلوبية" أو المعجم الأثير لجيل شعري أو سردي معين، ومتابعة لحظة أفول ذلك المعجم مع صعود حساسية جمالية جديدة.



​أبرز الركائز التأسيسية: فرانكو موريتي ومختبر ستانفورد

​يُعد الناقد الإيطالي فرانكو موريتي من أبرز واضعي اللبنات الأولى لهذا الاتجاه؛ إذ أحدث تحولاً معرفياً في النقد الأدبي بنقله من التأويل النصي الضيق والمنغلق إلى التحليل الإحصائي والسرديات الكمية.

​السيرة والمسار الأكاديمي

​ولد موريتي في روما عام 1950 في بيئة ثقافية (وهو شقيق المخرج السينمائي ناني موريتي). درس الأدب في جامعة روما وتأثر بالشكلانية الروسية والنقد الماركسي. درّس في عدة جامعات كبرى كجامعة كولومبيا، إلا أن محطته الأبرز كانت في جامعة ستانفورد، حيث أسس عام 2010 "مختبر ستانفورد الأدبي"، الذي صار المركز العالمي الأول لتطبيقات الإنسانيات الرقمية.

​أبرز مؤلفاته ومشاريعه النقدية


​علامات أُخذت كقرائن (1983): دراسة سوسيولوجية وشكلية للأنواع الأدبية كشفت اهتمامه المبكر بتركيب الأشكال الأدبية ضمن التحولات الثقافية.

​أطلس الرواية الأوروبية ١٨٠٠–١٩٠٠ (1998): بدأ فيه قطيعته مع النقد التقليدي عبر استخدام خرائط الجغرافيا الأدبية لتتبع انتشار الروايات مكانياً وديموغرافياً.

​رسوم بيانية، خرائط، أشجار (2005): البيان الأساسي لمنهجه، حيث استعار أدوات من ثلاثة علوم: الرسوم البيانية من الاقتصاد، الخرائط من الجغرافيا، والأشجار التطورية من الأحياء الدارونية لمتابعة ولادة وموت الأشكال الأدبية.

​القراءة البعيدة (2013): تجميع لصياغته الفكرية الحاسمة لمفهوم "القراءة البعيدة". يرى الكتاب أن التركيز على بضع مئات من الروايات الخالدة (القانون الأدبي) يعطي صورة مجزأة ومزيفة عن التاريخ الأدبي، وأن فهم الأدب يتطلب مسح "الـ 99% المنسية" عبر البرمجيات والخوارزميات.



​المرتكزات الفكرية لمنهجه


​الداروينية الأدبية: ينظر موريتي للأنواع الأدبية ككائنات حية تخضع لقوانين التطور والانتخاب؛ فالتكنيك السردي يستمر أو ينقرض بناءً على قدرته على التكيف مع التحولات القرائية والاجتماعية.

​مختبر الأدب: تحويل العمل النقدي من تأمل فردي يعتمد على انطباعات الناقد في عزلة مكتبته، إلى عمل جماعي تضامني يجمع الناقد الأدبي، ومبرمج الحاسوب، وأخصائي الإحصاء لقراءة آلاف النصوص كمجموعات بيانات شاسعة.

الصياد
٣ سبتمبر
٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جرس مدرسة انقذ تسع مائة طالب بالنيبال
- كتاب الإيطاليون: جذور الظواهر الاجتماعية
- بطلة ماركيز ديلفينا: التعلق باللحظة المفصلية
- قصة طابور الموت تفتح ابواب النقد
- الروائية الألمانية كارولين فال: اقتطاع الوجع وصناعة الشهرة ا ...
- شِعبُ بَوّان للمتنبي: تبريرٌ للمغامرة
- الشعر الأندلسي في القرون الثلاثة الأولى
- توضيح وأمانة أدبية: حول ما ينشر لي في موقع «الحوار المتمدن
- رواية «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدوستويفسكي: انهيار الوهم مقود لل ...
- المهلهل يمثل أعلى تجسيد للثأر الجاهلي
- ​نلتقي في أغسطس لماركيز وكشف الشفرة الوراثية
- خطورة المجاز في الشعر )
- الصيادون يعودون لشط العرب
- الحوار الثقافي في عطلة موسمية
- الذكاء الاصطناعي افضل المخترعات
- تشوهات ...قصيدة
- الغزي د.محمود العساف يخوض معركة البقاء
- كيف تطلق الاسماء والالقاب والكنى ج٢
- الأطروحات حول شعر البريكان ج٢
- الأطروحات حول شعر البريكان: من العزلة إلى المواجهة النقدية ج ...


المزيد.....




- من الأسد الذهبي إلى مقاعد التحكيم.. صناعة السينما العربية تف ...
- -جدران من قماش- لنعمة حسن: توثيق العام الأول من حرب الإبادة ...
- 8 جامعات تلتقي على خشبة -القصبة- ومواهب شابة تشق طريقها إلى ...
- تزايد القلق داخل البنتاغون بشأن تركيز هيغسيث على حروب الثقاف ...
- خطة ترامب لإنقاذ هوليوود تهدد صناعة السينما الكندية
- النار.. مفتاح محتمل لنشأة اللغة البشرية!
- بعد استقالة -رجل المسيّرات-.. مصادر لـCNN: مخاوف في الجيش ال ...
- رحيل خالد كافو.. الكوميديا الليبية تفقد أحد أبرز وجوهها
- البحر الأحمر السينمائي: حضور بارزفي مهرجان البندقية السينمائ ...
- -أنت لا تنتمي إلى هنا-: أسلوب سينمائي مختلف يكشف تغيّراً في ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - من الذائقة إلى الخوارزمية: السرديات الكمية وتفكيك دينامية المجاز والمفردات